أولاً، درج الحزب الشيوعي السوداني، خلال السنوات الأخيرة، على استهداف رموزه الفكرية والجماهيرية، والسعي المنهجي لقص أجنحتها كلما اتسعت مساحات تأثيرها المستقل، وذلك عبر أدوات تنظيمية وإعلامية معروفة، تبدأ بالتشكيك ولا تنتهي بالإقصاء المعنوي. ويأتي ما أُثير حول مشاركة وتوقيع الدكتور صديق الزيلعي في هذا السياق، لا بوصفه حرصاً مؤسسياً بقدر ما هو استمرار لنمط قديم في إدارة الخلاف داخل الحزب وخارجه.
ثانياً، إن توقيع الدكتور صديق الزيلعي على إعلان نيروبي لم يكن بصفته الشخصية، كما زعم التصريح، بل بصفته رئيس تحرير مجلة (قضايا فكرية)، وهي صفة مهنية وفكرية واضحة، تمّت بموجب تفويض كامل وصريح من أسرة تحرير المجلة، وبعد التشاور المسبق معهم حول الإعلان الختامي، حيث تحقق التوافق وتم التوقيع باسم المجلة، لا باسم شخصه، رغم ما يتمتع به من وزن سياسي وثقافي معتبر. وعليه، فإن محاولة اختزال مشاركته في “تصرف فردي” لا تستقيم مع الوقائع، ولا مع أبسط قواعد الأمانة السياسية.
ثالثاً، من حيث المبدأ، فإن الحزب الذي اختار عدم المشاركة في مؤتمر نيروبي لا يملك سياسياً ولا أخلاقياً حق التدخل اللاحق في صياغة الإعلان، أو محاولة إعادة هندسته ليتوافق مع رؤيته الخاصة. كان الأجدر بالحزب، إن كان معنياً فعلاً بتطوير الموقف المدني المناهض للحرب، أن يشارك في المؤتمر، ثم يعبّر من داخله عن موافقته أو اعتراضه على بنود الإعلان الختامي. أما الغياب الطوعي ثم ممارسة النقد الوصائي من الخارج، فذلك يضعف قيمة النقد نفسه، ويحوّله من مساهمة سياسية إلى مناورة خطابية.
رابعاً، إن المطالبة بتصنيف حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية كمنظومة إرهابية مطلب شرعي وأخلاقي وسياسي، يستند إلى سجل طويل وموثق من الجرائم والانتهاكات، ولا يحتاج إلى كل هذا الالتفاف النظري والفذلكة الطبقية التي تُستخدم هنا لتبرير التحفظ. فجوهر القضية ليس في التحليل الأكاديمي لبنية الحركة الإسلامية، بل في مسؤوليتها التاريخية والمباشرة عن تخريب الدولة، وإشعال الحروب، وتقويض الانتقال الديمقراطي. وليس مطلوباً من أي قوة سياسية أن تبرر اعتراضها على هذا المطلب بمسوغات واهية تُفرغ الموقف من مضمونه.
خامساً، أما ما ورد بشأن إغفال إدانة قوات الدعم السريع، فهو ادعاء غير دقيق؛ إذ إن إعلان المبادئ أدان الانتهاكات والجرائم من طرفي الحرب دون استثناء، وحمّلهما المسؤولية الكاملة والمباشرة عما جرى ويجري. والمطالبة بتخصيص بند إضافي لإدانة طرف بعينه، دون الآخر، لا تخدم العدالة، بل تُدخل الإعلان في ميزان انتقائي يضعف خطابه الأخلاقي، ويقوّض هدفه الأساسي المتمثل في وقف الحرب وحماية المدنيين، لا تسجيل النقاط السياسية.
أخيراً، فإن إعلان نيروبي، بكل ما له وما عليه، يمثل خطوة جادة في اتجاه بناء جبهة مدنية واسعة لوقف الحرب، ولا يدّعي الكمال أو احتكار الحقيقة. لكن التعامل معه بعقلية التخوين، أو بمنطق الوصاية، أو عبر إعادة إنتاج الانقسام داخل المعسكر المدني، لن يخدم سوى أطراف الحرب ذاتها. المطلوب اليوم هو توسيع مساحات الالتقاء، لا تضييقها، والاشتباك النقدي المسؤول من داخل المبادرات، لا الاكتفاء بإطلاق النار عليها من الخارج.
_______________________________________________ عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة