لم يكن استدعاء «الإبراهيمية» إلى المشهد السوداني بعد عام ٢٠١٩ حدثًا دينيًا أو أخلاقيًا خالصًا، بل كان في جوهره حدثًا سياسيًا كاشفًا. كاشفًا لعجز الدولة، وارتباك النخب، والفارق العميق بين من يدير الفرص بعقل دولة، ومن يمتطيها بعقل تنظيم. لم تكن الإبراهيمية هي المشكلة، بل طريقة استدعائها، ومن استدعاها، ولأي غاية.
برز اسم الدبلوماسية نجوى قدح الدم في قلب هذا المشهد لا بوصفها منظّرة، ولا داعية، ولا صاحبة خطاب أيديولوجي، بل فاعلة تحرّكت في المساحات الرمادية بين الدبلوماسية والاستخبارات والسياسة الإقليمية، في لحظة كان فيها السودان غائب الدولة، حاضر الأزمات.
الإبراهيمية، في أصلها، ليست طارئًا على السودان ولا غريبة على فضائه الحضاري. في الذاكرة النوبية–الأفريقية، تشكّلت الديانات الإبراهيمية في حوض النيل وما جاوره. موسى في المرويات النوبية طفل نوبي أسود، وُلد في زمن كان فرعون مصر يقتل فيه ذكور النوبيين، فقبض الله على قلب أمه، وحملته في مركب، ليُربّى في قصر من أراد قتله. أما عيسى بن مريم، فقد ازدهرت دعوته قرونًا طويلة في ممالك النوبة المسيحية الثلاث: نوباتيا، المقرة، وعلوة. وهاجر، في الوعي الأفريقي، ليست جارية هامشية، بل أميرة نوبية تزوجها إبراهيم الخليل، وأنجبت إسماعيل، الذي صار أبا العرب.
من هذا المعنى، لم تكن الإبراهيمية نقيضًا للهوية السودانية، بل جزءًا من عمقها الأفريقي. لكنها حين استُدعيت سياسيًا بعد ٢٠١٩، جُرّدت من هذا العمق، وحُوّلت إلى أداة إدارة مصالح وتحالفات، لا مشروع عدالة ولا إطارًا أخلاقيًا.
نجوى قدح الدم تعاملت مع الإبراهيمية بوصفها أداة واقعية لإدارة العلاقات لا شعارًا أيديولوجيًا. لم تدخل الملف من بوابة الإيمان أو الدعوة أو التبشير، بل من باب السياسة العملية. امتلكت قدرات دبلوماسية واستخباراتية، وقربًا من الرئيس الأوغندي يوري موسفيني، واتصالات عملية مع دوائر إسرائيلية، بما فيها دوائر استخباراتية، بوصفها وسيطة لا أداة.
### أم درمان: الكيان الاجتماعي–الديني التراكمي
لا تُقرأ أم درمان بوصفها مدينة نشأت صدفةً على هامش التاريخ، ولا كمركز جغرافي محايد، بل بوصفها كيانًا اجتماعيًا–دينيًا تراكميًا تشكّل عبر موجات متعاقبة من الثورة والهجرة والاستقرار. فمنذ المهدية، وما رافقها من تحرّكات بشرية واسعة، استقبلت أم درمان جماعات جاءت من غرب السودان ووسطه وشماله، ومن أقاليم غرب أفريقيا، تحمل معها طرقها الصوفية، وأنماط تديّنها، وأخلاقيات تنظيمها الاجتماعي.
في هذا التراكم، لم تُمحَ الهويات، ولم تُصهَر قسرًا، بل تعلّمت التعايش داخل فضاء واحد. تشكّلت أخلاق المدينة لا عبر الدولة، بل قبلها: أخلاق الوساطة، والانضباط الجماعي، والتديّن العملي، والقدرة على إدارة الاختلاف دون الانزلاق إلى الاقتتال.
ضمن هذا النسيج التراكمي، برزت الفلاتة كمكوّن أصيل من مكوّنات أم درمان، لا كجماعة طارئة ولا كهوامش اجتماعية. جاءوا في سياق الهجرات المهدية، وحركات الجهاد، والتجارة، وطلب العلم، واستقروا في المدينة وأسهموا في تشكيل بنيتها الدينية والاجتماعية، وربطوها بعمقها الأفريقي غربًا.
من هذا السياق تُفهم سيرة أسرة قدح الدم، لا كسلسلة أدوار فردية، بل كنتاج تاريخ اجتماعي طويل. ومن هذا الرصيد تشكّل وعيٌ يرى السودان شبكة علاقات لا مركزًا واحدًا، وتعدّدًا لا يُدار بالإقصاء.
لم تُقرأ الإبراهيمية عند عبد الفتاح البرهان خارج المنظور الكيزاني؛ فجرى استخدامها كفزاعة أيديولوجية وأداة ابتزاز سياسي داخل ميزان قوى مختلّ. لم تكن نجوى قدح الدم جزءًا من «إبراهيمية البرهان»، بل كانت تعمل خارج هذا المنطق.
أُصيبت بجائحة كورونا، وجرت محاولة ترتيب عملية إنقاذ اسراييلية طبية عاجلة وسرّية، غير أن المرض سبق الجميع. هكذا كشفت وفاتها هشاشة الدولة أكثر مما كشفت قسوة الوباء.
في المحصلة، لا يمكن قراءة سيرة نجوى قدح الدم خارج سياق أم درمان، المدينة التي استوعبت بعض الهويات السودانية الأساسية، بعض الهويات التي تعلّمت فيها كيف تختلف دون أن تتقاتل. يبقى هذا الدرس—درس الجمع لا الإقصاء—هو ما يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة