في لحظات الانهيار الكبرى، حين تتراجع الدولة وتغيب مؤسساتها، لا يبقى في المشهد سوى الخوف العاري، يتجول في الشوارع بلا رقيب، وتعلو فيه أصوات السلاح على صوت القانون. من هذا الخراب تولد ظاهرة «الحُمر المستنفِرة»؛ عنوانٌ للفوضى، ودلالةٌ على انكشاف المجتمع أمام مليشياتٍ انفلت عقالها في ظل انقلابٍ شلّ الدولة وبدّد هيبتها. تروي شهادات شهود العيان حادثةً موجعة وقعت في أحد أحياء أم درمان، حين حاول أحد المستنفرين اقتحام منزلٍ بغرض الاستيلاء على ممتلكاته. لم يكن المنزل ثكنةً عسكرية ولا هدفًا في معركة، بل مأوى أسرةٍ تبحث عن الأمان في مدينةٍ أنهكها الاضطراب. سوزان، أمٌّ لثلاثة أطفال، وقفت في وجه المعتدي محاولةً منعه. لم تحمل سلاحًا، ولم ترفع سوى صوتها دفاعًا عن بيتها. لكن الرصاصة سبقت العقل، فأطلق المستنفر النار من سلاحٍ كان بحوزته، لتسقط سوزان مصابةً بجراحٍ بالغة، وتتحول لحظة الدفاع عن الحياة إلى فصلٍ جديد من فصول المأساة. هذه الواقعة ليست استثناءً، بل هي مرآة لواقعٍ أوسع تعيشه أم درمان، حيث تنشط مجموعات من المستنفرين وعناصر مسلحة داخل الأحياء السكنية. اختلطت البنادق بالبيوت، وتداخلت المهمات العسكرية مع حياة المدنيين اليومية، فانهار الخط الفاصل بين ما هو أمني وما هو إجرامي. ومع هذا الاختلاط، تراجع مستوى الأمان، وتحوّلت الشوارع إلى مساحاتٍ مفتوحة للخطر، لا يحكمها قانونٌ واضح ولا تخضع لسلطةٍ مسؤولة. إن الانقلاب، بما حمله من تعطيلٍ للمسار الدستوري وإضعافٍ لمؤسسات الدولة، فتح الباب واسعًا أمام المليشيات لتملأ الفراغ. حين يغيب القضاء، وتُشل الشرطة، وتفقد الإدارة المدنية قدرتها على الضبط، يصبح السلاح هو اللغة السائدة. في هذا المناخ، تتكاثر «الاستنفارات» بلا ضوابط، وتتحول من دعواتٍ للحماية إلى أدواتٍ للنهب والاعتداء، وتُستباح البيوت باسم الأمن، ويُهدد المدنيون باسم الضرورة. فوضى المليشيات ليست مجرد خللٍ أمني، بل هي انهيارٌ أخلاقي واجتماعي. فهي تفتك بالنسيج المجتمعي، وتزرع الشك بين الجيران، وتحوّل الخوف إلى سلوكٍ يومي. الأطفال الذين شهدوا إصابة أمهم لن ينسوا صوت الرصاصة، والحيّ الذي شهد الحادثة لن يستعيد طمأنينته بسهولة. هكذا تتراكم الجراح الفردية لتصير جرحًا وطنيًا مفتوحًا. إن مسؤولية ما يحدث لا تقع على الفاعلين المباشرين وحدهم، بل على السياق الذي سمح لهم بالتمدد. فالانقلاب الذي عطّل الدولة، وغضّ الطرف عن عسكرة الحياة المدنية، وأدار ظهره لبناء مؤسساتٍ مهنية خاضعة للمساءلة، هو الذي مهّد لهذه الفوضى. وحين تُترك المدن بلا حمايةٍ قانونية، يصبح المدنيون أهدافًا سهلة، وتغدو العدالة حلمًا مؤجلًا. الخروج من هذا النفق يبدأ باستعادة الدولة: دولة القانون لا دولة السلاح، دولة المؤسسات لا دولة المليشيات. يبدأ بوقف عسكرة الأحياء، وسحب السلاح من الشوارع، وإخضاع كل قوةٍ مسلحة لسلطةٍ مدنيةٍ شرعية. يبدأ بإعادة الاعتبار لحق الإنسان في الأمان داخل بيته، وبمحاسبة كل من انتهك هذا الحق، أيًا كانت الذريعة. «الحُمر المستنفِرة» ليست مجرد عنوانٍ أدبي، بل توصيفٌ لواقعٍ متوحش إذا تُرك دون مواجهةٍ جادة، سيبتلع ما تبقى من المجتمع. وما حادثة سوزان إلا جرس إنذارٍ صارخ: إما دولة تحمي مواطنيها، أو فوضى تلتهمهم واحدًا تلو الآخر. ،،،،،،،
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة