أولاً: عن التصريح الصحفي للحزب الشيوعي بخصوص اعلان نيروبي صدر التصريح الصحفي تحت عنوان "الحزب الشيوعي السوداني ليس جزءًا من إعلان نيروبي" عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني بتاريخ 3 يناير 2026 في سياق سياسي يتسم بتصاعد الحرب الدائرة في السودان منذ 15 أبريل 2023، وتزايد الجدل السياسي والفكري حول إعلان نيروبي بوصفه إحدى المبادرات المطروحة لمعالجة الأزمة الراهنة. ويأتي هذا التصريح في إطار سعي الحزب إلى توضيح موقفه الرسمي من الإعلان، وإعادة تأكيد تصوره لطبيعة الأزمة السودانية، وأسبابها البنيوية، وحدود المبادرات السياسية التي لا تتناول، بحسب رؤيته، ما يعتبره الجذور العميقة للصراع! وانطلاقًا من الأهمية المنهجية للفصل بين عرض الموقف كما ورد والنقد التحليلي اللاحق، لنقدم معالجة لمضمون تصريح الحزب الشيوعي السوداني، ثم اخضاعه للاختبار في ضوء أسئلة التأسيس والدولة والسودان الجديد...
ثانيًا: يمكن تلخيص ما ورد في التصريح في النقاط الأساسية الآتية: ١/ يعلن الحزب الشيوعي السوداني أنه ليس طرفاً في إعلان نيروبي، مع تأكيد ترحيبه المبدئي بأي مبادرة تهدف إلى إيقاف الحرب وحماية المدنيين، شريطة أن تشكّل مدخلاً حقيقياً لمعالجة جذور الأزمة السودانية، لا مجرد تسوية شكلية. ٢/ يعرّف الحزب الأزمة السودانية بوصفها نتاجاً تاريخياً لهيمنة الطبقات الطفيلية، وتحالف العسكر والميليشيات مع الرأسمالية الطفيلية، وما نتج عن ذلك من تفكيك للدولة الوطنية ومصادرة لإرادة الجماهير. ٣/ يرى الحزب أن إعلان نيروبي لا يقدّم جديداً من حيث الجوهر، ويعيد إنتاج مضامين مبادرات سابقة، لا سيما ما ورد في إطار "الرباعية"، التي سبق للحزب أن أعلن موقفه منها. ٤/ يرفض الحزب توصيف الحركة الإسلامية باعتبارها "تنظيماً إرهابياً" بمعزل عن تحليلها الطبقي، معتبراً أن هذا التوصيف، إذا لم يُربط بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها، يؤدي إلى تغبيش الوعي الطبقي وتشويه طبيعة الصراع. ٥/ يؤكد الحزب أن الصراع في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم هو صراع طبقي في جوهره، بغض النظر عن الأشكال السياسية أو الدينية أو الجهوية التي اتخذها. ٦/ يدين الحزب الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، ويصفها بأنها جزء من منظومة العنف الطبقي والميليشياوي المرتبطة بتحالفات السلطة والثروة. ٧/ يحمّل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المسؤولية السياسية والتاريخية عن انقلاب 30 يونيو 1989، وعن السياسات والحروب التي أعقبته، بما في ذلك ما أفضى إلى حرب 15 أبريل 2023 ٨/ يوضح الحزب أن توقيع الدكتور صديق الزيلعي على إعلان نيروبي تم بصفته الشخصية، ولا يعبّر عن موقف الحزب أو تفويض من مؤسساته. ٩/ يختتم التصريح بتجديد التزام الحزب بقضايا الجماهير، وبمواصلة النضال من أجل استرداد الثورة، وبناء وطن حر وديمقراطي وموحد، يقوم على العدالة الاجتماعية والسلام المستدام.
ثانيًا: الإشكال المنهجي الجوهري في تحوّل "التحليل الطبقي" إلى توصيف أيديولوجي مفارق لشروطه التاريخية تتمثل الإشكالية المنهجية المركزية في تصريح الحزب الشيوعي السوداني في اعتماده خطابًا يتوسّل بالمفاهيم الماركسية، ولا سيما مفهوم "الصراع الطبقي"، دون إخضاعها لشروطها التاريخية والمادية المحددة، الأمر الذي يفضي إلى تفريغها من مضمونها التحليلي. فالمفارقة هنا ليست في تبنّي المرجعية الماركسية، بل في توظيفها على نحوٍ يتناقض مع أسسها المنهجية: ١/ تعويم مفهوم الصراع الطبقي ومخالفة المادية التاريخية يقرّر التصريح أن الصراع في السودان هو "صراع طبقي في جوهره منذ الاستقلال". غير أن هذا التوصيف، عند إخضاعه لمعايير التحليل الماركسي الصارم، يفتقر إلى الدقة العلمية، لأن كارل ماركس لم يتعامل مع الصراع الطبقي بوصفه شعارًا سياسيًا أو حقيقة متعالية على الزمن، بل بوصفه نتيجة تاريخية مباشرة لعلاقات إنتاج محددة ضمن نمط إنتاج معين. وكما يرد في نقد الاقتصاد السياسي: "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم" وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن السؤال الماركسي الجوهري لا يتمثل في توصيف الصراع فحسب، بل في تحديد شروطه الموضوعية، أي: ما هي علاقات الإنتاج التي سادت تاريخيًا في السودان، والتي يمكن أن تولّد صراعًا طبقيًا بالمعنى الماركسي الدقيق؟ ٢/ غياب نمط الإنتاج الرأسمالي الكلاسيكي في التكوين السوداني يكشف التحليل التاريخي للتكوين الاقتصادي والاجتماعي في السودان أن البلاد لم تعرف نمط الإنتاج الرأسمالي الكلاسيكي الذي يشكّل الأساس الموضوعي لتكوّن صراع طبقي مكتمل الأركان. فقبل الحقبة الاستعمارية، قامت المجتمعات السودانية في معظمها على أنماط إنتاج قبل-رأسمالية، شملت الاقتصاد المعاشي، والملكية الجماعية للأرض، وأنماطًا مشاعية وزراعية ورعوية. أما خلال الاستعمار البريطاني–المصري، فلم يتم إدخال رأسمالية صناعية حديثة، بل جرى تأسيس اقتصاد تابع ذي طابع استخراجي، موجَّه لخدمة المركز الخارجي، مع تكريس اختلالات بنيوية في ملكية الأرض، كما يتضح في نموذج مشروع الجزيرة. هذا النمط من التكوين الاقتصادي هو ما وصفه سمير أمين بمفهوم: رأسمالية الأطراف المشوّهة، التي لا تُنتج برجوازية وطنية مستقلة، بل طبقة وسيطة تابعة" وبناءً على ذلك، يبرز التساؤل التحليلي الحاسم: في غياب نمط إنتاج رأسمالي مكتمل، وطبقات إنتاجية متمايزة بالمعنى الماركسي، على أي أساس يمكن الحديث عن صراع طبقي كلاسيكي كما يطرحه التصريح؟ ٣/ تغييب علاقات الرق وتداعياتها: العمى البنيوي في رؤية الحزب الشيوعي للصراع والحرب وبالإضافة إلى هذا التحليل الطبقي المهتّل والقاصر، الذي يعوّم مفهوم الصراع الطبقي ويفصله عن شروطه التاريخية الفعلية، تتجاهل رؤية الحزب الشيوعي السوداني تجاهلاً شبه كامل علاقات الرق وتداعياتها العميقة بوصفها عنصرًا تأسيسيًا في بنية الصراع السوداني، وفي تفسير مسارات الحروب المتعاقبة وفشل الدولة منذ الاستقلال. فهذا الغياب ليس تفصيلاً ثانويًا يمكن تجاوزه، بل يمثل فراغًا تحليليًا خطيرًا يقوّض أي ادعاء بامتلاك تفسير مادي تاريخي شامل وعلمي للأزمة. لقد شكّلت علاقات الرق في السودان، تاريخيًا، نمطًا مخصوصًا من علاقات الإنتاج والهيمنة الاجتماعية، سبق تشكّل الدولة الحديثة، واستمر تأثيره داخلها بعد الاستقلال، سواء عبر: - إعادة إنتاج التراتبيات العرقية–الثقافية، - توزيع الأرض والموارد، - تعريف "المواطنة" ودرجات الانتماء، - أو شرعنة العنف ضد جماعات بعينها بوصفها قابلة للإقصاء أو الإبادة. إن الحروب التي شهدها السودان منذ الاستقلال—من الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق، وصولًا إلى حرب 15 أبريل 2023—لا يمكن فهمها اختزالًا كصراع طبقي بالمعنى الكلاسيكي، بل بوصفها امتدادًا لصراع تاريخي غير محسوم حول إرث الرق، والعنصرية البنيوية، والدولة التي أعادت إنتاجهما في شكل عسكري ومركزي. وتكمن خطورة مقاربة الحزب الشيوعي في أنها، عبر تجاهل هذا البعد، تفصل العنف عن جذوره الاجتماعية العميقة، وتحوّل الحرب إلى مجرد نتيجة لتحالفات "طبقية طفيلية"، دون مساءلة البنية الأخلاقية والتاريخية التي جعلت الاسترقاق، ثم العنصرية والإقصاء، ثم الإبادة، أدوات مشروعة ضمن خيال الدولة والمركز. وهكذا، يصبح خطاب الحزب—رغم لغته الثورية المخادعة—جزءًا من آلية إنكار العدالة التاريخية، لا مدخلًا لتفكيكها. إن أي تحليل يدّعي الماركسية او غيرها، ولا يدمج علاقات الرق وتداعياتها ضمن تفسيره للصراع والحرب، لا يفشل فقط في فهم الواقع السوداني، بل يساهم موضوعيًا في إعادة إنتاج الفشل نفسه، عبر حماية البنية القديمة للدولة بلغة يسارية، والهروب من الأسئلة التأسيسية التي لا غنى عنها لبناء سودان جديد قائم على المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية.
ثالثًا: "الطفيلية" ليست طبقة، بل عَرَضٌ لبنية دولة استعمارية مستمرة! يُكثِر تصريح الحزب الشيوعي السوداني من استخدام مصطلح "الطبقات الطفيلية" دون أن يقدّم له تعريفًا علميًا دقيقًا. ومن منظور ماركسي صارم، لا تُعرَّف الطبقة بموقعها في جهاز الدولة، ولا بدرجة قربها من الريع أو الامتيازات السياسية، بل تُعرَّف أساسًا بموقعها في عملية الإنتاج وعلاقتها بوسائل الإنتاج. وبناءً على هذا التعريف، فإن ما يسميه الحزب "طبقات طفيلية" لا يشكّل طبقة بالمعنى الماركسي، بل يمثّل في الواقع نخبة دولة ما بعد الاستعمار التي ورثت جهاز الحكم الاستعماري وأعادت إنتاجه بعد الاستقلال. هذه النخبة لا تستمد قوتها من موقع إنتاجي، بل تعيش على: ١/ الريع. ٢/ العنف المنظم. ٣/ الاحتكار السياسي. ٤/ والاقتصاد العسكري. وهذا توصيف دولتي–سياسي لبنية سلطة، لا توصيف طبقي–إنتاجي كما يفترض التحليل الماركسي. وهنا يكمن الخلل المنهجي الجوهري في مقاربة الحزب، إذ يجري استبدال التحليل الطبقي الدقيق بوصف فضفاض يخلط بين الدولة والطبقة، وبين الريع والإنتاج... يتجلّى هذا الخلل بأوضح صوره حين يرفض الحزب توصيف الحركة الإسلامية في السودان بوصفها تنظيمًا إجراميًا أو إرهابيًا، بحجة "عدم تغبيش الوعي الطبقي". غير أن هذا الموقف يتناقض جذريًا مع الفهم المادي للعنف كما صاغه فرانز فانون، الذي يوضح بصرامة: "العنف الاستعماري ليس انحرافًا أخلاقيًا، بل أداة بنيوية لإعادة إنتاج السيطرة." فالحركة الإسلامية في السودان لم تكن مجرد تعبير سياسي عن مصالح اقتصادية غائمة، بل كانت مشروعًا سلطويًا–عسكريًا–عنصريًا، قام عمليًا على: ١/ الإبادة الجماعية. ٢/ الأسلمة القسرية. ٣/ التعريب القسري، وتفكيك المجتمعات المحلية. ومن ثم، فإن الامتناع عن تسميتها كما هي—بوصفها تنظيمًا إجراميًا مارس عنفًا ممنهجًا—لا يعبّر عن وعي طبقي متقدّم ولاهم يحزنون، بل يشكّل تواطؤًا نظريًا مع بنية العنف نفسها، ويُفرغ الخطاب الماركسي من مضمونه النقدي، ويضعه في خدمة استمرار الدولة القديمة بأدوات لغوية جديدة.
رابعاً: التناقض الفاضح – إدانة الدعم السريع مع التمسك ببنية الدولة التي أنتجته يدين الحزب الشيوعي السوداني قوات الدعم السريع، ويقرّ بجرائمها وانخراطها في منظومة العنف، لكنه في الوقت نفسه لا يطالب بتفكيك الدولة التي أنشأت هذه القوات ولا يُدينها بوصفها البنية المنتِجة للعنف. ومن منظور ماركسي صارم، لا يمكن فصل الأداة عن الآلة التي أنتجتها؛ فإدانة "الأداة" مع الإبقاء على "الآلة" تمثل تناقضًا منهجيًا واضحًا. إن قوات الدعم السريع ليست ظاهرة معزولة أو انحرافًا طارئًا، بل هي نتاج مباشر لبنية دولة ما بعد الاستعمار، القائمة على الجيش المركزي، واقتصاد الحرب، واحتكار العنف المنظم خارج أي مساءلة ديمقراطية. وبالمعنى نفسه، فإن الجنجويد، والمليشيات المختلفة، والانقلابات العسكرية المتكررة، لا يمكن فهمها كتشوهات عرضية، بل كـ نتائج منطقية ومتوقعة لبنية الدولة السودانية القديمة التي أعادت إنتاج العنف بوصفه أداة حكم. في هذا السياق، تتكشف الوظيفة الإصلاحية لخطاب الحزب الشيوعي السوداني، إذ ينحصر موقفه في إدانة بعض مظاهر العنف مع الحفاظ على جوهر الدولة نفسها، والاكتفاء بتغيير الواجهات السياسية باسم "الثورة"، دون المساس بالبنية العميقة التي أنتجت الحرب والعسكرة والانقسام الوطني.
خامسًا: الموقف الصحيح من إعلان نيروبي – تحفّظ تأسيسي لا انتهازي ينطلق موقف المؤمنين برؤية السودان الجديد من تحفّظٍ واضح على إعلان نيروبي، غير أن هذا التحفّظ لا يقوم على رفضٍ آني أو حسابات سياسية ظرفية، ولا على توصيف الإعلان بوصفه "تسوية" فحسب، بل يستند إلى تقييم نقدي أعمق لمضمونه وحدوده التأسيسية. فالإشكال الجوهري في الإعلان لا يكمن فيما يقوله فقط، بل فيما يتجنّب تسميته ومعالجته صراحةً. إذ يلاحظ أن إعلان نيروبي لم يسمِّ جذور الأزمة السودانية كما هي في بنيتها التاريخية والسياسية، كما أنه تجاوز قضايا التأسيس الموضوعي للدولة، مكتفيًا بمعالجات عامة لا ترقى إلى مستوى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. وقد تم، على هذا النحو، تجاوز قضايا مركزية لا يمكن تصور سلام مستدام أو دولة حديثة من دونها، وفي مقدمتها: ١/ العلمانية بوصفها أساسًا حياديًا لبناء الدولة وفصلها عن الهيمنة الدينية ٢/ الديمقراطية التعددية بوصفها نظامًا فعليًا لتداول السلطة، لا مجرد آلية شكلية ٣/ اللامركزية الجذرية باعتبارها شرطًا لإعادة توزيع السلطة والثروة وإنهاء التهميش ٤/ العدالة التاريخية بوصفها مدخلًا لمعالجة إرث الإقصاء والعنف البنيوي ٥/ حق تقرير المصير كآلية سياسية–أخلاقية لمعالجة أزمات الوحدة القسرية ٦/ تفكيك البنية العسكرية القديمة وبناء جيش جديد على أسس وطنية ومهنية هذه القضايا لا تُطرح هنا كشعارات سياسية أو مطالب فئوية، بل بوصفها شروطًا تأسيسية موضوعية لأي مشروع جاد لإعادة بناء الدولة السودانية على أساس المواطنة المتساوية والسلام المستدام.
سادسًا: من الاستقلال إلى حرب 15 أبريل 2023 التاريخ بوصفه حُجّة مادية ضد القراءات التبسيطية للأزمة السودانية إن تتبّع مسار الدولة السودانية منذ الاستقلال يقدّم برهانًا تاريخيًا قاطعًا على أن ما يعيشه السودان ليس أزمة سياسية عابرة ولا صراعًا ظرفيًا يمكن اختزاله في تحالفات آنية أو أخطاء حكم، بل هو أزمة بنيوية ممتدة في تكوين الدولة نفسها. فمنذ اندلاع الحرب في جنوب السودان عام 1955، مرورًا بتمرد حركة أنانيا في ستينيات القرن الماضي، ثم اندلاع الحرب الأهلية الثانية مع تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983، وصولًا إلى حروب دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، تتكرّر أنماط العنف نفسها بأشكال مختلفة، ولكن ضمن منطق واحد: عجز الدولة المركزية عن إدارة التعدد، وإخفاقها في تأسيس عقد اجتماعي قائم على المواطنة المتساوية. وتبلغ هذه السلسلة ذروتها في حرب 15 أبريل 2023، التي لم تمثّل قطيعة مع الماضي، بل كشفت بصورة فاقعة عن استمرارية البنية ذاتها التي أنتجت الحروب السابقة، وأعادت إنتاجها في قلب المركز هذه المرة. وعليه، فإن هذا التاريخ المتصل من النزاعات لا يمكن قراءته كتعاقب أزمات منفصلة، بل بوصفه تجليًا مستمرًا لأزمة الدولة السودانية بوصفها دولة ما بعد استعمارية فشلت في إعادة تأسيس نفسها. في هذا السياق، تستعيد مقولة أنطونيو غرامشي دلالتها الكاشفة: "الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد" غير أن إشكالية موقف الحزب الشيوعي السوداني تكمن في أنه، رغم لغته الثورية، يقف عمليًا في صف هذا "القديم" المحتضر، من خلال تمسكه بإصلاحات جزئية وقاصرة داخل بنية الدولة القائمة، وعجزه عن الانخراط في مشروع تأسيسي يتجاوزها. وهكذا يتحول الخطاب الثوري إلى لغة سياسية مفرغة من مضمونها التاريخي، غير قادرة على مواكبة التحول الجذري الذي يفرضه الواقع السوداني نفسه.
سابعًا: في استحالة التراجع عن أفق "السودان الجديد" تُظهر المعطيات التاريخية والسياسية المتراكمة أن الأزمة السودانية بلغت مرحلة لا تسمح بالعودة إلى مقاربات الإصلاح الجزئي أو المعالجات التوفيقية داخل بنية الدولة القائمة. فالتجربة التاريخية منذ الاستقلال، وما تخلّلها من حروب وانقطاعات عنف متكررة، تشير بوضوح إلى أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى ضمن الأطر السياسية والفكرية التي تكتفي بإعادة إنتاج الدولة القديمة بصيغ معدّلة. وفي هذا السياق، لا يبدو أن كلاً من الحزب الشيوعي السوداني بصيغته الراهنة، ولا التيارات المرتبطة بإعلان نيروبي، يقدّم مشروعًا قادرًا على تجاوز حدود الإصلاح نحو التأسيس. ذلك أن القاسم المشترك بين هذين المسارين يتمثل في تجنّب القضايا التأسيسية الجوهرية، والسعي إلى معالجة الأزمة عبر إصلاحات داخل دولة ثبت تاريخيًا أنها غير قابلة للإصلاح، فضلًا عن الحفاظ—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—على مصالح تاريخية موروثة تشكّلت في ظل بنية مركزية إقصائية. ومن ثم، فإن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتحقق دون قطيعة معرفية وسياسية مع هذه المقاربات. إن بناء وطن قابل للحياة والاستقرار لا يستقيم دون الاعتراف بمجموعة من الشروط التأسيسية الموضوعية، في مقدمتها: إرساء العلمانية بوصفها إطارًا حياديًا للدولة، وتأسيس المواطنة المتساوية كأساس للحقوق والواجبات، ومعالجة إرث العنف والإقصاء عبر العدالة التاريخية، وتفكيك بنية الدولة القديمة، والشروع في بناء دولة جديدة تنطلق من هوامش المجتمع وتعدديته، لا من مركزه السلطوي التقليدي. وفي هذا الإطار، تظل مقولة فرانز فانون ذات راهنية تحليلية لافتة، حين يؤكد أن: "تحرير الشعوب لا يتم عبر ترقيع الدولة الاستعمارية، بل عبر تفكيكها وإعادة بنائها" وبذلك، فإن أفق "السودان الجديد" لا يُطرح بوصفه شعارًا سياسيًا، بل باعتباره ضرورة تاريخية تفرضها حدود الدولة القائمة، وتناقضاتها البنيوية، وفشلها المتكرر في إنتاج سلام عادل ومستدام.
خاتمة: بين قصور المبادرات ووهم التفوق الثوري يكشف هذا التحليل أن كلًا من إعلان نيروبي وتصريح الحزب الشيوعي السوداني ينتميان، رغم اختلاف لغتهما وموقعهما السياسي، إلى أفق واحد محدود، هو أفق الإصلاح داخل الدولة القائمة لا تفكيكها وإعادة تأسيسها. فإعلان نيروبي، وإن قدّم نفسه بوصفه مبادرة لوقف الحرب ومعالجة الأزمة، ظل حبيس مقاربة تجنّبت تسمية جذور المأزق السوداني تسميةً مباشرة، وتجاوزت القضايا التأسيسية الحاسمة التي أثبت التاريخ أنها شرط أي سلام مستدام. وفي المقابل، فإن تصريح الحزب الشيوعي، بدل أن يشكّل قطيعة نقدية مع هذا القصور، وقع في وهمٍ موازٍ، مفاده أن مجرد استخدام لغة "التحليل الطبقي" يمنحه موقعًا أكثر تقدمًا أو ثورية من الإعلان نفسه. غير أن هذا الادعاء لا يصمد أمام الفحص العلمي. فالتصريح لا يكتفي بتشويه وتغبيش واقع السودان حين يختزل أزمته في صراع طبقي معزول عن تاريخه المادي الفعلي، بل يُسهم كذلك في تشويه الماركسية ذاتها، عبر فصل الصراع الطبقي عن شروطه التاريخية، وتعويم المفاهيم، واستبدال التحليل المادي التاريخي بإنشاء أيديولوجي يعيد إنتاج الدولة القديمة بلغة يسارية. وبهذا المعنى، لا يصبح موقف الحزب الشيوعي السوداني أكثر جذرية من إعلان نيروبي، بل يتحول إلى صيغة نقدية مفرغة تكتفي بإدانة المظاهر دون المساس بالبنية. إن المأزق المشترك بين هذين المسارين لا يكمن في ضعف النوايا، بل في حدود الأفق السياسي والمعرفي الذي يتحركان داخله؛ أفق يراهن على إصلاح دولة أثبتت، تاريخيًا وبالوقائع، أنها غير قابلة للإصلاح. ومن ثم، فإن طريق الخروج من الأزمة السودانية لا يمر عبر تعديلات جزئية، ولا عبر مفاضلة شكلية بين مبادرات سياسية أو بيانات أيديولوجية، بل عبر مشروع تأسيسي شامل يواجه جذور الأزمة مواجهة صريحة، ويعيد بناء الدولة على أسس جديدة. بهذا المعنى، فإن "السودان الجديد" لا يُطرح كشعار تعبوي أو بديل خطابي، بل بوصفه أفقًا تاريخيًا ضروريًا، تفرضه استمرارية الفشل، وتؤكده خبرة الحروب، ويستدعيه انسداد مسارات الإصلاح. إنه أفق لا ينفصل فيه السلام عن العدالة التاريخية، ولا الدولة عن المواطنة، ولا السياسة عن تفكيك البنى العميقة التي أعادت إنتاج العنف منذ الاستقلال. وفي هذا وحده يكمن معنى الثورة بوصفها تأسيسًا، لا مجرد تغييرٍ في الواجهات.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة