- د. عثمان الوجيه لم تكن شاشات الهواتف التي طالعناها مؤخراً مجرد نوافذ إلكترونية، بل كانت مرايا عاكسةً لانكسارٍ عظيم، هناك، في فيافي كردفان الغراء، حيث ترسم الرمالُ ملاحمَ الكرامة، بدأت تتساقط أوراق "المليشيا" كخريفٍ مبكر، ليس بيد الخصوم هذه المرة، بل بألسنة أبنائها الذين ذاقوا مرارة التيه، قد زأر الجيش السوداني في قلب الإقليم، فتهاوت المسافات واتصلت المدن؛ من "الدبيبات" إلى "كازقيل" و"الحمادي"، وصولاً إلى شريان الحياة الرابط بين "الأبيض" و"كادوقلي" عبر "الدلنج"، لم تكن تلك الانتصارات مجرد استرداد للأرض، بل كانت زلزالاً ضرب أركان البنيان العسكري للمليشيا، فصدّع عقول قادتها وبعثر معنويات جندها، خلف الستار الذي كشفت عنه "اعترافات من الداخل"، تتبدى صورةٌ سريالية للفجور العسكري؛ قادةٌ غارقون في ترف "الغنائم"، يكدسون الأموال وينهبون العربات، يتلذذون برغد العيش في المقاهي والبيوت الوارفة بين الحسان، مستندين إلى "نسبٍ عائلي" حصّنهم من لظى النيران، أما جبهات القتال، فلم تكن إلا محرقةً لـ "المستنفرين" والضعفاء الذين لا ظهير لهم، هؤلاء القادة، في قصور كذبهم، يرفعون للقيادات العليا تقاريرَ مخملية، تصفُ الواقع كجنانٍ مستقرة، يطلبون بها "الوقود" و"المؤن"، لا ليسدوا بها رمق معركة، بل ليقتسموها غنيمةً باردة بين ذوي القربى، في خيانةٍ لم تترك للولاء موضعاً، وفي محور "كازقيل"، يتجلى الزيف في أبهى صوره؛ أربعمائة عربة قتالية كانت تبدو كقوةٍ ضاربة في الدفاتر، لكنها في الواقع لم تكن سوى أدوات "للاستعراض" الأجوف في شوارع المدن، مائة وثماني عربات أصبحت حطاماً هامداً، وما تبقى منها لم يكن يتحرك إلا بـ "الدفع" وسواعد الجنود المنهكين، في مشهدٍ يلخص العجز: "نحن ثلاثةٌ ندفع العربة، والرصاص ينهمر فوق رؤوسنا!"، عبارةٌ تختزل مأساة جنديٍ تُرك ليواجه الموت بمحركٍ ميت وقادةٍ غائبين، وكانت قرية "الشنابلة" الشاهد الصامت على ذروة الاستهتار؛ هناك، سيقت أرواحُ ثلاثة آلاف مستنفرٍ أعزل إلى فوهة المدافع، بلا تدريب ولا خطة، فكانوا حطباً لنارٍ أشعلها إهمال القادة وانشغالهم بـ "قهوة المساء"، لقد تحولت المعركة هناك إلى مقبرة جماعية فضحها الناجون بمرارة الانهيار النفسي، معلنين أن الحقيقة قد بيعت في سوق النخاسة القبلية والمصالح الضيقة، إن المشهد في "كردفان" اليوم ليس مجرد انكسارٍ عسكري، بل هو إعلان عن موت "المنظومة"، غابت الاستخبارات، واختفى قادة العمليات، وصار التحرك عشوائياً كخبط عشواء في ليلٍ مظلم، العربات المصفحة، التي كان يُفترض أن تصون الأرواح، اختبأت تحت ظلال الأشجار، تُدخر لمآرب القادة الشخصية، بعيداً عن غبار الاشتباك، ان ما نطق به جنود المليشيا في فيديوهاتهم لم يكن شكوى، بل كان "نعيًا" لمشروعٍ نبت في مستنقع الزيف، لقد سقطت المليشيا داخلياً قبل أن تسقط ميدانياً؛ سقطت لأنها جعلت دماء أبناء القبائل ثمناً لرفاهية "أبناء الذوات"، ولأن الكذب لا يصمد طويلاً أمام حقيقة الرصاص إنها حكاية الانهيار الكبير، حينما تأكل النارُ نفسها إن لم تجد ما تأكله.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- في ركنٍ قصيٍّ من أروقة وزارة الخارجية السودانية، حيث الغبارُ يعلو الملفاتِ والواقعُ يئن تحت وطأة الرصاص، جلس "جهابذة" الدبلوماسية يمسحون نظاراتهم بعناية، متجاهلين الدخان المتصاعد من بيوت الخرطوم المحترقة، كانت الحرب، التي أشعلت نيرانها ميليشيا "الدعم السريع" المتمردة منتصف أبريل ٢٠٢٣، قد أكلت الأخضر واليابس، وكان الجميع يعلم —إلا هؤلاء فيما يبدو— أن الوقود الذي يغذي هذه النيران يتدفق بسخاء من "شريك قديم" خلف البحار، فجأة، استيقظت في عقولهم "نخوة العروبة" و"هموم الجار"، لا ليدافعوا عن سيادتهم المنتهكة، بل ليخطوا بمدادِ الغفلةِ بياناً يُبكي المضحك ويُضحك المبكي، تذكر التاريخُ، ونسي هؤلاء، يوم أن أرسلوا أبناء السودان —ومن بينهم ذات الميليشيا التي تحصدهم اليوم— ليخوضوا غمار "عاصفة الحزم" في ٢٠١٥، كانوا يومها يوزعون صكوك الشرعية في اليمن، ويقبضون ثمن "المرتزقة" من خزائن أولئك الذين يحاصرونهم اليوم بمسيّرات الموت، لكن، ويا للعجب! بمجرد أن انسحبت "الإمارات" من مسرح اليمن لتتفرغ لإدارة المسرح السوداني بالوكالة، وبمجرد أن رأت الخارجية أن السعودية تدعم الجيش السوداني، قرروا فجأة أن يلعبوا دور "الحكيم" الذي يخشى على وحدة اليمن من "التدخل الخارجي"! خرج البيانُ من مكاتبهم يقطرُ مثاليةً زائفة، قائلاً بصيغةٍ توحي بأن السودان يعيش في سويسرا العرب: "تؤيد حكومة السودان مساعي المملكة الحكيمة.. وتدعو لتجنب مخاطر التدخل الخارجي الذي يسعى لتمزيق وحدة اليمن!" يا للهول! يتحدثون عن "التدخل الخارجي" في اليمن، بينما بيوتهم تُنهب وخزائنهم تُفرغ بتمويل خارجي يعلمه الصغير قبل الكبير، يتحدثون عن "الحوار الشامل" في الرياض، بينما يطحنهم الحوار بالرصاص في شوارع أم درمان، إنها الدبلوماسية في أبهى صور انفصامها؛ أن تُصدر وزارة الخارجية بياناً يدعم الاستقرار في بلاد تبعد آلاف الأميال، بينما هي عاجزة عن إقناع "الشركاء القدامى" بكف أيديهم عن تمزيق قلب الخرطوم، وكأن لسان حالهم يقول: "ليحترق السودان بمال الجيران، طالما أننا نملك القلم لنبارك سلام الجيران"، لقد نسوا أن الميليشيا التي يصفونها اليوم بـ "المتمردة"، هي ذاتها التي صدروها بالأمس "كقوات شرعية" لليمن، وأن الحليف الذي يشكرونه اليوم هو الشريك السابق لمن يمول هلاكهم الآن.. They have forgotten that the militia they now call "rebels" was the one designated by the UN as "legitimate forces" for Yemen, and that the ally they are now praising is the former partner of those who are now funding their destruction وعلى قول جدتي:- "دقي يا مزيكا !!". خروج:- "فنزويلا: أشرعةُ الزيفِ.. وحصونُ الكرامة ..!!؟؟" تحت سماءِ "كاراكاس" التي لم تكفَّ يوماً عن استنشاقِ عبيرِ الحرية، كانت خيوطُ مؤامرةٍ تُغزلُ في غرفٍ مظلمةٍ بعيدة، غرفٌ لا تُبنى جدرانها من حجر، بل من شعاراتٍ براقةٍ تسمى "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، كانت هذه الكلمات تُرفعُ كأشرعةٍ بيضاء ناصعة، لكنها لم تكن تقصدُ دفعَ سفينةِ الشعبِ نحو النجاة، بل كانت ستاراً كثيفاً يواري خلفه وجوهَ الهيمنةِ الكالحة، في أروقة القوى العظمى، حيث تُقاسُ كرامةُ الشعوبِ بمقياسِ براميلِ النفطِ وعمقِ المناجم، تآمرَ السادةُ على شرعيةِ بلدٍ أبى أن يبيعَ سيادتَه في سوقِ النخاسةِ الدولية، لم يكن استهدافُ الرئيسِ "نيكولاس مادورو" مجردَ رغبةٍ في إصلاحٍ مزعوم، بل كان فصلاً صارخاً من فصولِ "الإمبريالية" التي لا تشبع! فصلٌ تَعرت فيه كلُّ المعايير المزدوجة، وبان فيه وجهُ المصالحِ الوحشيُّ الذي لا يعرفُ الرحمة، كانوا يهمسون في المحافلِ الدوليةِ بعباراتٍ منمقة، ينطقون بـ "الانتقال الآمن للسلطة"، وهي كلمةٌ حقٍّ أُريدَ بها باطلٌ مُطلق، لم تكن في حقيقتها إلا خنجراً مسموماً يهدفُ إلى اغتصابِ إرادةِ الشعبِ الفنزويلي، وإسقاطِ نظامٍ قررَ بملءِ فِيهِ أن يرفضَ الارتهانَ للإملاءاتِ الغربية، هكذا وقفت فنزويلا، صخرةً صماءَ أمامَ أمواجِ الأجنداتِ الخارجية، تُثبتُ للعالمِ أنَّ الحقَّ الذي يحميهِ شعبٌ مؤمنٌ بكرامتِه، لا يمكنُ أن تذرُوه رياحُ الزيفِ مهما اشتدَّ عصفُها.. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام. [email protected] - @Drosmanelwajeeh
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة