الحلقة الثانية بقلم: الخبير المصرفي / د. الطيب أحمد مكي العنوان: نواصل في هذه الحلقة تسليط الضوء على الأضرار الجسيمة التي ترتبت على حالة الجمود والخمول التي تعاني منها إدارة النقد الأجنبي بمصرف التنمية الصناعية، وكيف أسهمت سياساتها الطاردة والمستفزة في إهدار فرص حقيقية أضاعت على المصرف مليارات الجنيهات، كان من الممكن أن تعزز مركزه المالي وتدعم استدامته. لقد انعكست هذه السياسات السلبية بصورة مباشرة على أداء الفروع، حيث ذاق مديروها وموظفوها مرارة الرفض المتكرر والعراقيل الإجرائية غير المبررة، الصادرة من إدارة النقد الأجنبي. كما لوحظ أن بعض منسوبي هذه الإدارة يتعاملون مع مخاطبات الفروع الخاصة بعملاء المصرف بنوع من الغرور والتعالي، بل يصل الأمر أحيانًا إلى طلب أرقام هواتف العملاء مباشرة من الفروع، وكأن في ذلك افتراضًا مسبقًا بعدم إلمام موظفي الفروع بالإجراءات المصرفية، وهو أمر غير مهني وغير مقبول مؤسسيًا. إن العلاقة بين إدارة النقد الأجنبي والعملاء تبدأ – في كثير من الحالات – بالتحري والتحقيق، وتنتهي بإدانة العميل، مما يولّد شعورًا عامًا بعدم الثقة، ويدفع العملاء إلى التندر والسخرية بعبارات باتت مألوفة لدى موظفي ومديري الفروع، مثل: (ناسكم ديل ما عايزين يشتغلوا). وهنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لم تتوقف إدارة المصرف عند ضعف إيرادات النقد الأجنبي، سواء على مستوى الإدارة المختصة أو على مستوى الفروع؟ ولماذا تظل إيرادات المصرف معتمدة بصورة شبه كاملة على التمويل بالعملة المحلية، وهو تمويل بطبيعته بطيء العائد مقارنة بعمليات النقد الأجنبي؟ كما يلاحظ بوضوح أن عددًا من الفروع تعاني من فائض في موظفي الاعتمادات (Overstaffing) دون وجود نشاط فعلي، في حين يغيب عملاء الاستثمار والتمويل – وهم عملاء المصرف الأساسيون – عن قائمة المتعاملين في مجال النقد الأجنبي. وهذا يثير تساؤلات أكثر عمقًا: كيف ومن أين يستورد هؤلاء العملاء موادهم الخام، وماكينات الإنتاج، والأصول الرأسمالية؟ ولماذا نجدهم من العملاء المعروفين والمشهورين في بنوك أخرى نشطة في مجال النقد الأجنبي، بينما يغيبون عن مصرفهم الأصلي؟ إن معظم هؤلاء العملاء يشتكون صراحة من التعقيدات الإجرائية والتشدد غير المبرر في إدارة النقد الأجنبي بالمصرف، رغم أن احتياجاتهم في جوهرها بسيطة ومباشرة، وتتمثل في: تختيم المستندات التحصيل المستندي فتح الاعتمادات المستندية وهي عمليات تعد من أبسط الخدمات المصرفية وأكثرها ربحية إذا أُديرت بكفاءة ومرونة. يتضح مما سبق أن الإدارة العليا للمصرف – ممثلة في المدير العام وطاقمه المعاون – تركز بشكل شبه حصري على التمويل بالعملة المحلية، في نهج يخالف توجهات غالبية المصارف الأخرى التي جعلت من النقد الأجنبي محورًا أساسيًا لتعظيم الإيرادات وتحسين المراكز المالية. وقد تحمّل العاملون بالمصرف تبعات هذه الخيبات، سواء في شكل ضعف الإيرادات، أو تدني أداء الفروع، أو تراجع دور إدارة النقد الأجنبي. وفي ظل غياب أي مؤشرات لتغيير جذري، فإن التوقعات تشير إلى استمرار هذا الضعف لعام آخر على الأقل، ما لم يحدث تدخل حقيقي وإصلاح مؤسسي شامل. ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا في ظل ما نصّت عليه السياسة التمويلية لبنك السودان المركزي للعام 2026م، والتي أكدت على: تقوية مراكز النقد الأجنبي بالمصارف توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية إنشاء محافظ تمويلية لعدد من القطاعات، وعلى رأسها قطاع الصادر، باعتباره المحرك الرئيسي للتعافي الاقتصادي وعليه، يبرز سؤال جوهري لا بد من طرحه بوضوح: إلى أي فئة ينتمي مصرف التنمية الصناعية وفق ما ورد في السياسة التمويلية؟ الفئة الأولى: مصارف مستدامة لا تحتاج إلى تدخل مباشر؟ الفئة الثانية: مصارف تحتاج إلى توفيق أوضاعها؟ الفئة الثالثة: مصارف تتطلب إصلاحًا هيكليًا؟ الفئة الرابعة: مصارف يُنظر في تصفيتها؟
بالرغم من تلقيّ العديد من المبررات التي تُعزى إليها خسائر المصرف خلال الأعوام السابقة، إلا أنني أرى أن السبب الجوهري لتراجع أداء المصرف على صعيد تحقيق الأرباح يتمثل في غياب أو ضعف التعامل بالنقد الأجنبي. إذ يُعد هذا النشاط من أكثر الأنشطة المصرفية سهولة من حيث الإجراءات، وأعلى مردوداً من حيث الربحية، الأمر الذي انعكس سلباً على النتائج المالية للمصرف عند إهماله أو تعطيله.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة