هذه رسالة موجَّهة إلى طرفي الصراع، إلى الجيش وإلى قوات الدعم السريع، رسالة تتجاوز الاصطفاف وتعلو فوق ضجيج السلاح: تواصَوا بالأسير خيراً، واحفظوا له إنسانيته، وتعاملوا معه بما يليق بكرامة البشر في أشدّ اللحظات محنة وقسوة.
لقد كان رسول الإنسانية، يوصي بالأسرى خيراً بعد كل حرب، مدركاً أن ميزان الأخلاق هو الاختبار الحقيقي للمنتصر والمهزوم معا. ولم يأتِ القانون الدولي الإنساني الحديث بجديد حين أفرد مساحات واسعة لحماية الأسير، وإنما أعاد تذكير العالم بما عرفته الضمائر الحية منذ القدم: أن الإنسان لا يفقد آدميته حين يقع في الأسر.
في تراثنا الشعبي مثل بسيط في ألفاظه، عميق في معناه، ظلّت أمهاتنا تردده دون أن ننتبه إلى حكمته البالغة حينها: "الراجل في يد الرجال زي الزرزورة في يد الجهال"، والجهال هنا هم الأطفال؛ أي أن من لا يملك الحكمة قد يسيء استخدام القوة، حتى دون قصد. وهكذا هو الأسير: بين يدي من أسره، لا تحميه إلا أخلاق من يملك القرار.
الأسير ليس جباناً، بل هو أحد رجال المعركة، دخلها وفق قناعاته وخياراته. فالهزيمة ليست عاراً، إذ إن العار الحقيقي هو الجبن، والجبناء وحدهم لا يخوضون المعارك أصلاً، فالمعارك يخوضها الشجعان. وإن تحوّل المقاتل إلى أسير، فلا يمنح ذلك آسره حق الإذلال أو التنكيل أو انتقاص الكرامة. من يهين أسيرا اليوم، عليه أن يتذكر أن في الطرف الآخر أسرى يخاف عليهم، وأن عجلة الحرب لا ترحم أحداً حين تدور.
وقد عبّر الشعر العربي المعاصر ببلاغة عن هذا المعنى حين أشار إلى أن بعض الهزائم تكون أشرف من انتصارات خاوية، وأن هناك معارك يكون الخروج منها منكسراً أنبل من الفوز فيها، لأن الأخلاق لا تُقاس بنتائج السلاح وحده، إنما هناك قيم إنسانية تميز الفارس من الجبان الوضيع.
نحن، كشعب سوداني، ننظر إلى هذه الحرب بعيون دامعة وقلوب مثقلة: القاتل سوداني، والمقتول سوداني، والدم واحد، والأرض واحدة. وبعبارة موجعة، فإن السودان اليوم يقاتل نفسه بيده. ولا نصر في حرب كهذه، ولا مجد في استمرارها، ولا مستقبل يُبنى على جماجم الأبناء.
أوقفوا هذه الحرب اللعينة، اليوم قبل الغد. أوقفوها قبل أن نخسر ما تبقى من إنسانيتنا، وقبل أن يصبح الوطن كله أسيرا في يد العنف، لا يجد من يوصي به خيراً. المجد للوطن هو الباقي، احفظوا كرامته للقادم من أجيال.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة