1-2ليس موعدًا سياسيًا… بل محكمة النخب امام تاريخ 2026
الجزء الأول
2026, خالد كودي
لحظة الارتداد التاريخي: حين يعود العنف إلى من أنكره/1 ما جرى في السودان بعد الخامس عشر من أبريل 2023 ليس طارئًا على مسار التاريخ، ولا انحرافًا مفاجئًا عن "سكة الدولة"، بل هو ما يسميه المؤرخون الارتداد المؤجَّل للعنف؛ تلك اللحظة التي يعود فيها ما جرى نفيه أخلاقيًا وسياسيًا، لا بوصفه ذكرى، بل كقوة مادية تقتحم الحاضر. إنه عنف لم يولد في تلك اللحظة، بل جرى تخزينه طويلاً في هوامش الجغرافيا والذاكرة: في دارفور، في جبال النوبة، في النيل الأزرق، في أطراف الخرطوم نفسها. ما تغيّر ليس طبيعته، بل موقعه الاجتماعي. لقد انتقل من أطراف اعتُبرت قابلة للاستهلاك، إلى مركز كان يتوهّم الحصانة. هنا لا نتحدث عن "انفلات أمني"، بل عن عودة التاريخ الذي أُجِّل عمدًا! كتب فرانتز فانون في معذبو الأرض مايعني: "العنف الذي يُمارَس على الأطراف لا يختفي، بل يتراكم، وحين يعود، لا يعود مؤدّبًا ولا انتقائيًا." ما عاشته النخب السودانية من قتل ونهب واغتصاب وتشريد، ليس استثناءً مأساويًا، بل هو انتقال العنف من طبقته الوظيفية القديمة إلى مركز الامتياز الاجتماعي. إن ما صُدم به المركز هو أنه أصبح، للمرة الأولى، موضوعًا للعنف لا مُديره من بعيد، وهذا ليس فريدًا في التاريخ. ففي الثورة الفرنسية، حين تجاهلت النخبة الملكية والبورجوازية المبكرة بؤس الريف والطبقات المسحوقة، عاد الغضب في صورة مقصلة. وفي هايتي، حين حُوِّلت العبودية إلى نظام اقتصادي "طبيعي"، جاء التمرد ليحرق النظام من جذوره. وفي الجزائر، حين وُضع الاستعمار خارج دائرة الأخلاق، عاد العنف ليهدم أسطورة "فرنسا المتحضرة". وفي رواندا، حين جرى تطبيع خطاب التفوق العرقي، انقلب المجتمع على ذاته في إبادة لم تبدأ في 1994، بل قبل ذلك بسنوات من الصمت والتواطؤ، السودان ليس استثناءً من هذا القانون التاريخي الصارم! إن ما حدث بعد 15 أبريل ليس لحظة انهيار الدولة فحسب، بل انكشاف أخلاقي شامل: سقوط الوهم القائل إن العنف يمكن احتواؤه في الجغرافيا، أو تسليعه سياسيًا، أو توظيفه ضد "آخرين" دون أن يرتد على الجميع. لقد اعتادت النخب – يمينًا ويسارًا ووسطًا – أن تتعامل مع المأساة بوصفها شأنًا طرفيًا، وأن تُحوّل المعاناة إلى مادة خطابية، لا إلى سؤال أخلاقي جذري. وحين طالها الخراب، لم يكن ذلك لأن التاريخ قاسٍ، بل لأن الإنكار كان طويلًا. هنا، لا يتحدث التاريخ بلغة الشماتة، بل بلغة التحذير. إنها لحظة سقوط "الاستثناء الأخلاقي" الذي عاشته النخب: وهمُ أن بإمكانها إدارة العنف دون أن تتلوّث، وأن تتحدث عن العدالة دون أن تمارسها، وأن تبني خطابًا حداثيًا فوق أرض لم تُعالج جراحها!
نحو أخلاق سياسية جديدة: ما بعد وهم البراءة /2 ما نعيشه اليوم ليس نهاية السودان، بل نهاية سردية قديمة عنه. نهاية الاعتقاد بأن الدولة يمكن أن تُبنى فوق نسيان الضحايا. نهاية وهم أن النخبة، بحكم التعليم أو اللغة أو الانتماء الثقافي او الجغرافي، معفاة من مساءلة التاريخ او تحويره حتي. اللحظة الراهنة تطالبنا بما هو أصعب من تغيير النظام: تطالبنا بتغيير نمط التفكير الأخلاقي نفسه! تقول حنّة آرنت، في تأملها في الشر العادي مايعني: "أخطر أشكال الشر هو ذاك الذي يُمارَس بلا كراهية، وبلا وعي، وباسم الواجب." والسودان اليوم مدعو إلى كسر هذه الحلقة، لا عبر انتصارات عسكرية عابرة، بل عبر تأسيس أخلاقي جديد يعترف بأن: - العنف لا يُدان حين يصل إلى المركز فقط. - والعدالة لا تُجزّأ بحسب الهوية أو الجغرافيا. - والذاكرة ليست عبئًا، بل شرطًا للتحرر. هذا هو المعنى الحقيقي لـ"السودان الجديد": ليس تحالفًا، ولا شعارًا، بل قطيعة معرفية مع ثقافة الإنكار، وبناء أخلاق سياسية ترى في الإنسان قيمة قبل أن تراه موقعًا أو وظيفة أو انتماء... او جغرافيا. وفي هذا المعنى، فإن 2026 ليست موعدًا سياسيًا، بل اختبارًا أخلاقيًا: إما أن ترتقي النخب إلى مستوى التاريخ، أو يُغلق التاريخ صفحته عليها.
أمراض السودان القديم: التركة التي لم تُدفن بعد/3 السودان القديم ليس نظام حكمٍ أُسقط ولا مرحلة سياسية أُغلقت، بل بنية ذهنية وأخلاقية عميقة تشكّلت عبر قرون من الهيمنة والإنكار، واستقرّت بوصفها منطقًا للحياة العامة لا كعارضٍ تاريخي. إنه نمط تفكير قبل أن يكون جهاز دولة، ومنظومة قيم مختلّة قبل أن تكون مؤسسة سياسية. لذلك لم تكن الأزمة يومًا مجرد فشلٍ في الإدارة أو الحكم، بل رسوخ عقلٍ سياسي تعلّم كيف يُعيد إنتاج نفسه مهما تغيّرت الواجهات. هذه البنية لا تختزل في الاستبداد المباشر، بل تعمل عبر منظومة أكثر تعقيدًا: تفوق رمزي يشرعن الامتياز، تحايل أخلاقي باسم الوطنية، مصالحة زائفة تُستبدل فيها العدالة بالتسويات، اختزال الدولة في المركز أو العسكر، وإحلال النسيان محل المحاسبة. وبهذا المعنى، لم يعانِ السودان من غياب الدولة بقدر ما عانى من نجاح نمطٍ مَرَضيّ في إعادة إنتاج ذاته. تستدعي هذه الحالة ما كتبته حنّة آرنت في تأملها حول تفاهة الشر: فالشر لا يحتاج إلى وحوش استثنائيين، بل إلى بشرٍ عاديين توقفوا عن التفكير، واعتادوا الامتثال، وفضّلوا السلامة الأخلاقية المريحة على الحقيقة. في صيغته الحديثة، لا يولد الشر من الكراهية الصاخبة، بل من الصمت المنظّم، ومن تأجيل الأسئلة الكبرى بذريعة "الواقعية" و"الاستقرار." هكذا كان حال النخب السودانية في معظم أطوارها: لم تكن دائمًا شريكة في الجرائم المباشرة، لكنها كانت شريكة في تعليق الأسئلة، وتبديد المسؤولية، وتحويل المأساة إلى شأنٍ مؤجّل. وحين يُقال إن "الوقت غير مناسب للعدالة التاريخية، أو للعلمانية، أو للمواطنة المتساوية"، فإن المعنى الفعلي هو أن الضحية يمكن أن تنتظر—غير أن التاريخ لا يعترف بمنطق الانتظار. وقد عرف العالم هذا المشهد من قبل: في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى حين مهّد الخوف من الفوضى لصعود الفاشية؛ وفي الجزائر حيث فجّر إنكار العنف الاستعماري انفجارًا شاملًا؛ وفي جنوب أفريقيا حيث لم يُفكك الأبارتهايد إلا حين واجهت النخبة البيضاء تاريخها بدل تبريره؛ وفي أمريكا اللاتينية حيث أثبتت الديكتاتوريات أن "النسيان الوطني" ليس مصالحة، بل عنفًا مؤجّلًا. السودان يقف اليوم عند اللحظة نفسها....
ثقافة الامتياز والاحتيال الرمزي /4 ما نواجهه ليس غياب الدولة، بل تشوّهًا أخلاقيًا في تعريفها: دولة تُوزَّع فيها الإنسانية على درجات، وتُمنح المواطنة بشروط ثقافية أو إثنية أو جغرافية. هذه هي أمراض السودان القديم: الاستعلاء الثقافي كرأسمال سياسي، تحويل الدولة إلى غنيمة تتقاسمها النخب، اختزال الوطنية في الجغرافيا لا العدالة، توظيف الدين والهوية للضبط والسيطرة، وتحويل المظلومية إلى ملكية خاصة بدل التزام أخلاقي عام. في هذا السياق، يصبح "الوعي" ذاته أداة هيمنة، وتتحول اللغة إلى ستار، كما وصف جورج أورويل، تُستخدم الكلمات لحجب الحقيقة لا لكشفها. وهنا تكتسب مقولة إدوارد سعيد معناها الحاسم: "المثقف الحقيقي هو من يزعج السلطة، لا من يبررها باسم الواقعية." غير أن ما حدث في السودان هو أن قطاعات واسعة من النخب اختارت السلامة بدل الحقيقة، والتكيّف بدل المواجهة، والنجاة الفردية بدل العدالة الجماعية. فتحوّل المثقف إلى مدير أزمة لا كاشف بنية، وصارت الوطنية خطاب استقرار يعلّم العنف كيف يتخفّى ويتزيّن. المأساة الأعمق أن يتحوّل التاريخ إلى عبء لا درسًا، وأن تُدفن الذاكرة بدل تفكيكها، وأن يُطلب من الضحية الصمت باسم الوطن" لكن التاريخ لا يُدفن حيًّا؛ إنه يعود، لا طلبًا للثأر، بل طلبًا للمعنى."
لعنة تجاهل الألم: حين تعود الأشباح لتطالب بالاسم /5 درس العام الجديد: في عودة الأشباح لأننا لم نصغِ! الأدب، أكثر من السياسة، يمتلك حسًّا مبكرًا بعودة ما يُقمع. فهو يدرك أن الألم الذي لا يُسمّى لا يختفي، بل يتحوّل إلى شبحٍ يسكن اللغة والذاكرة والفضاء العام. وما نعيشه اليوم في السودان ليس حدثًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لإنكار طويل للجرم. لهذا لم يكن غريبًا أن يكون كبار كتّاب العالم—خصوصًا من عاشوا تجارب العبودية والعنصرية والاستعمار—أسبق من الساسة في فهم ما يعرف بقانون "الارتداد الأخلاقي". توني موريسون، في روايتها "محبوبة"، لم تتعامل مع الأشباح كرمز بل كحقيقة تاريخية حين قالت: "الأشباح لا تختفي لأننا قررنا نسيانها." فالذاكرة المكبوتة لا تموت، بل تعود متحوّلة إلى خوف جمعي، عنف غير مفهوم، أو صمت ثقيل يخنق المجتمعات. النسيان، في منطق موريسون، ليس شفاءً بل إعادة إنتاج للصدمة... او كما واجه الجميع استاذنا محمد محي الدين، بعد ان تجرثم :"أجرثمكم"... ثم رحل! وجيمس بالدوين ذهب أبعد حين حذّر: "ما ترفضون رؤيته فينا، سيعود ليطاردكم في أبنائكم." تحذيره لم يكن أخلاقيًا فقط، بل تاريخيًا: فالعنف الذي يُبرَّر باسم النظام أو الاستقرار يتحوّل، مع الزمن، إلى شرخ في قلب المجتمع ذاته. وهذا ما سمّاه بالدوين "لعنة الإنكار": حين يُلقى بالألم خارج السرد، فيعود لا كحكاية، بل ككارثة... وحروب السودان، كارثة بعد الأخرى! ماتعلمنا له التجربة الأفرو–أمريكية، كما في جنوب إفريقيا ورواندا، لم يكن التحرر مجرد انتقال سياسي، بل معركة ضد النسيان المؤسسي. لذلك أصبح الأدب والمسرح والموسيقى أدوات مركزية لإعادة بناء الوعي: من لانغستون هيوز إلى توني موريسون، ومن تا-نهيسي كوتس إلى أصوات الذاكرة الجماعية، ظل السؤال واحدًا: كيف نعيش دون أن نخون ذاكرتنا؟ السودان اليوم يقف عند هذه العتبة نفسها. فالأشباح هنا ليست مجازًا: مقابر بلا شواهد، قرى مُسحت من الخرائط، نساء حُمِّلن العار بدل الجناة، لغات أُخرست باسم الوحدة والتحضر، وأقاليم دُفعت خارج "الوطن الكامل" كأنها قابلة للتضحية. إن تجاهل هذا التاريخ لم يصنع سلامًا، بل راكم انفجارات مؤجلة. فالإنكار—كما تعلمنا تجربة الأمريكان الافارقة—ليس حيادًا، بل مشاركة صامتة في الجريمة- وفي هذا ادب وفن غزير! وفي هذا ايضا يتقاطع الدرس السوداني مع التجربة الأفرو-أمريكية بوضوح: لا خلاص دون تسمية الجرح، ولا مصالحة دون تفكيك البنية التي أنتجته. كتب رالف إليسون: "أنا غير مرئي لأن الناس يرفضون رؤيتي." هكذا كان حال المهمشين في السودان: غائبون لا لأنهم غير موجودين، بل لأن الرؤية نفسها صُمّمت لإقصائهم.
/ إن الدرس الذي يجب أن يحمله العام الجديد لجميع السودانيين لا يقتصر على استدعاء الذاكرة، بل يفرض إدانة أخلاقية6 صارمة لمحاولات بعض النخب مصادرة الألم وإعادة توظيفه حين يمسّها منه شيء. فالمأزق ليس في العنف وحده، بل في تحوير المأساة: حين تُسمّى الجرائم البنيوية والتاريخية "ردود أفعال"، ويُختزل تاريخ الإبادة والتهميش في لحظة غضب للمقهورين، ويُعاد ترتيب السرد بحيث يُعترف بالألم فقط عندما يصيب المركز، بينما يُجرَّد الهامش من حقه في الذاكرة والعدالة والمعنى. هذا هو الاحتيال الأخلاقي: إدانة النتائج وتبرئة الأسباب، ومطالبة الضحايا بالانضباط، ومنح البنية التي قهرتهم امتياز "الواقعية" و"التعقيد". وكما حذّر فرانز فانون، فإن التركيز على عنف المضطهدين دون مساءلة عنف الاضطهاد نفسه ليس حيادًا بل انحيازًا مقنّعًا. وقد فضحت الفنون والآداب هذا الخداع مرارًا: غيرنيكا لبيكاسو كشفت النظام المنتج للعنف، وتوني موريسون أصرت على تسمية الجريمة الأصلية، وجيمس بالدوين أدان أخلاق التسويف، بينما نبّه بول ريكور إلى سوء استخدام الذاكرة، وحذّرت حنّة آرنت من دفن السؤال الأخلاقي باسم "التهدئة"... او علي "باركوها". السودان اليوم أمام امتحان فاضح: سردية نخب تُقنع نفسها بأن المأساة بدأت في 15 أبريل 2023، وأنها لم تصبح "وطنية" إلا حين انفجرت في الخرطوم ومدن الشمال وأصابت بيوت النخب. هذا تزوير واعٍ للذاكرة يمحو عقود الإبادة والتجويع والإقصاء في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ويجعل الألم مشروعًا فقط حين يصيب المركز. الأخطر من العنف هو الادعاء بأن التاريخ بدأ في الخرطوم. فضح هذه السردية ضرورة أخلاقية. فالحرب لم تبدأ في 15 أبريل ولم تولد في العاصمة؛ ما جرى هو انتقال العنف إلى من ظنّوا أن الجغرافيا تحميهم. ولن يخرج السودان من النفق إلا بكسر احتكار السرد، وتسمية الجريمة منذ نشأتها، والاعتراف بأن الألم ليس امتيازًا لمن تضرروا أخيرًا، بل حقيقة وطنية صُنعت طويلًا. أمّا الإصرار على بدء القصة من الخرطوم فليس سوى دعوة لإعادة إنتاج الكارثة مرارًا، والحاضر يكلم الغائب!
تزوير الذاكرة: حين تتحول المعرفة إلى أداة سلطة /7 أخطر أشكال العنف ليست ما يُمارَس بالسلاح، بل ما يُمارَس عبر إعادة كتابة المعنى. في لحظات الانكسار، تحتكر النخب المسيطرة على الإعلام والتعليم السرد لا للفهم، بل للنجاة الرمزية: تُسمّى الجرائم "فتنة"، ويُختزل التاريخ في "أخطاء متبادلة"، وتُستبدل المحاسبة بلغة ضبابية عن "التعقيد". هذه تقنية سلطة قديمة: من تبييض العبودية في المناهج الأميركية، إلى محاولة تأطير الجرائم النازية كـ"انحرافات فردية"، إلى "مصالحة بلا ذاكرة" في تشيلي بعد بينوشيه—وفي كل مرة كان الأدب والفن والتعليم النقدي يفرضون المواجهة. في السودان تتكرر الآلية نفسها: تُعاد صياغة المأساة كـ"صراع أهلي" أو "انفلات مؤسف"، فتُطمَس علاقات القوة، وتُبرَّأ البنية المنتِجة للعنف، ويُعاد تدوير الضحية كمسؤولة عن مصيرها. هنا تتحقق نبوءة بيير بورديو: أخطر الهيمنة ما يُمارَس عبر اللغة؛ فمن يعرّف الواقع يملك السيطرة على تخيّله. لذلك فمعركة السودان ليست حربًا على الأرض فقط، بل حربًا على المعنى. وكما قال فالتر بنيامين: "حتى الموتى لن يكونوا في أمان إذا انتصر العدو". كسر احتكار السرد، وتسميـة الأشياء بأسمائها، وإعادة كتابة التاريخ من موقع الضحايا—هي شروط الخروج من العنف، لا ترفًا ثقافيًا.
2026: حين ترتقي النخب من الشخصي إلى الموضوعي/8 عام 2026 ليس تاريخًا في التقويم، بل لحظة امتحان أخلاقي. ليس عامًا يُقاس بما سيقع فيه، بل بما سيتحوّل فيه الوعي الجمعي من الدفاع عن الذات إلى الاعتراف بالمسؤولية. إنه مفترق طرق بين استمرار التمركز حول الامتياز، أو الشروع في قطيعة واعية مع إرثٍ ثقيلٍ من الإنكار. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: كيف نفكّر؟ ومن نكون حين يُطلب منا التخلي عن امتيازات لم نعد نستحقها؟ إما نخب ترفع شعارات "التحول الديمقراطي" او "السودان الجديد - الفشنك" بينما تعيد إنتاج ذات البنى القديمة بوجوه أكثر تهذيبًا، أو نخب تقبل أن تخوض الامتحان الأصعب: الامتحان الأخلاقي، حيث لا خلاص دون تفكيك الذات قبل تفكيك الدولة. إن التحول الحقيقي لا يبدأ بإزاحة الخصوم، بل بكسر ما سمّاه بيير بورديو "الهابيتوس"؛ أي البنية الذهنية التي تجعل الامتياز يبدو طبيعيًا، واللامساواة قدرًا، والهيمنة حكمة سياسية. وهنا تصبح القطيعة ليست مع نظام سياسي فحسب، بل مع نمط شعور بالعالم، وليستيقظ الحالمون. أنجيلا ديفيس عبّرت عن ذلك بدقة حين قالت: "العدالة ليست شعورًا، بل بنية تُصمَّم" أي أن العدالة ليست تعاطفًا أخلاقيًا، بل هندسة واعية للعلاقات، للسلطة، للذاكرة، ولتوزيع الألم والاعتراف. ولهذا فإن السودان الجديد ليس خطابًا تعبويًا، بل مشروع إعادة تصميم أخلاقي للمجتمع.
/ الاعتراف والتخلّي: من نرجسية النخبة إلى مسؤولية التاريخ9 تُظهر التحوّلات الكبرى أن المجتمعات لا تنضج إلا حين تتخلّى نخبها طوعًا عن امتيازات غير مستحقة، وتستبدل نرجسية الموقع بمسؤولية التاريخ. في جنوب إفريقيا، لم يكن سقوط الأبارتهايد تفاوضًا سياسيًا فحسب، بل انكسارًا أخلاقيًا داخل الوعي الأبيض، واعترافًا بأن الامتياز نتاج عنفٍ ممنهج لا استحقاقًا طبيعيًا؛ لذلك غدت لجنة الحقيقة والمصالحة مسرحًا أخلاقيًا قبل أن تكون إجراءً قانونيًا. وفي ألمانيا ما بعد النازية، لم يكفِ إسقاط النظام؛ كان لا بد من إعادة تربية الوعي عبر "العمل على الماضي"، حيث لا خلاص دون مواجهة الجريمة بوصفها جزءًا من الهوية التاريخية لا خطأً عابرًا.. وفي الولايات المتحدة، لم تكن حركة الحقوق المدنية نزاعًا قانونيًا فقط، بل ثورة في الضمير: إعادة تعريف للإنسانية ذاتها. هنا جاءت أنجيلا ديفيس لتؤكد أن تحرّر المهيمنين مشروط بتحرّر المقهورين. أما الفن، فكان أعمق من السياسة: غيرنيكا لم تُصوّر الحرب بل فضحت منطقها الأخلاقي؛ وأعمال كارا ووكر كشفت توريث العنف في جمالياته؛ وكتابة جيمس بالدوين لم تُهادن، بل زعزعت راحة الامتياز. هذه الأعمال لم تطلب تعاطفًا، بل طالبت بالمسؤولية. فهل ترتفع نخب السودان الي مابعد النرجسية؟ 2026ف ! ليس موعدًا سياسيًا… بل محكمة التاريخ تواصل في الجزء الثاني.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة