#الفوضى الخلاقة: حين تصبح الكلمات سكاكين، والوعود غزاةً جدد.
في العقدين الماضيين، لم يعد الغزو يحتاج دائماً إلى دباباتٍ تمر عبر الحدود. لقد اكتشفوا سلاحاً أخطر: الكلمة. كلمة تُلبس ثوب "الربيع"، وأخرى تتزيّى بـ"الديمقراطية"، وثالثة ترفع لواء "حقوق الإنسان". إنها نظرية "الفوضى الخلاقة"، التي تقدم نفسها كمخلّص، بينما تحمل في جعبتها خراب الدول وتمزيق المجتمعات. إنها ليست فوضى، بل هي فن محترف لتفكيك الأمم، حيث تُصنع الحروب في مختبرات سياسية، ويُزرع العملاء في دوائر القرار، ويُباع الوطن قطعةً قطعة تحت شعارات تثلج الصدور.
الآلية: كيف يخترقوننا؟
لقد تطورت أدوات الهيمنة. لم تعد القوة وحدها تكفي، بل أصبح الاختراق الناعم هو السيد. إنهم يفعلون ذلك عبر:
1.صناعة العملاء وتربيتهم في الظل: هذه أخطر الأدوات. إنها عملية غرس أفراد داخل جسم الدولة، يرقون في السلم الوظيفي أو العسكري، يحملون الولاء لقوى خارجية، ويتحولون إلى "فيروسات" داخل جهاز الدولة. طه عثمان في السودان ليس سوى نموذجاً صارخاً؛ رجل اقترب من أعلى هرم السلطة في عهد البشير، ونجح في تلميع صورة مليشيا الدعم السريع وترويجها كـ"حامي للوطن"، ليكشف الزمن لاحقاً كيف أصبح هذا "الحامي" أداة تفكيك وإذكاء حرب أهلية مدعومة إقليمياً. إنه نموذج للتجنيد الطويل المدى، حيث يُبنى العميل ثم يُوضع في المكان والزمان المناسبين لتفجير الدولة من داخلها. 2.اختطاف الخطاب وتجيير المطالب الشعبية: إنهم يصطادون في ماء الشعب العكر. يلتحمون بخطاب الغضب العادل من الفساد والاستبداد، ثم يحوّلونه عن مساره. الثورة السودانية (ديسمبر 2018) كانت هبة شعبية حقيقية ضد نظام فاسد. لكن سرعان ما تدخلت الأيادي الخارجية عبر منظمات و"قيادات" سياسية، لتحويل المسار من ثورة تحقق العدالة والحرية إلى فوضى مُمَأسسة، انفجرت في 15 أبريل 2023. نفس الشعارات البراقة استُخدمت لإقناع الشعب بقبول "شركاء" يحملون في جيناتهم السياسية بذور التقسيم والتبعية. 3.تمويل التناقضات وخلق الكيانات الموازية: ليبيا تروي القصة. خليفة حفتر، المقرب من دوائر إقليمية ودولية محددة، تحول من جنرال إلى "مارشال" يقسم البلاد ويقود حرباً أهلية مدمرة، بدعمٍ مفتوح. دوره لم يتوقف عند حدود ليبيا، بل امتد إلى تشاد المجاورة، متورطاً في اشتباكات أدت إلى مقتل رئيسها إدريس ديبي، مما زاد من اضطراب المنطقة ككل. في جنوب السودان، استُخدمت ورقة الانفصال ثم أُلقيت الدولة الفتية في بحر من الصراعات العرقية المدعومة، لتبقى ضعيفة ومستنزفة. حتى المنظمات الإقليمية لم تسلم، فقد تم اختراق بعضها لتعمل أحياناً كغطاء أو مُشرع لهذه الفوضى، بدلاً من أن تكون أداة لحلها. 4.احتلال العقول قبل الأرض: أخيراً، يأتي الغزو الثقافي تحت اسم "الديانة الإبراهيمية" أو "الحداثة". هو محاولة لطمس الهوية العربية الإسلامية، وخلق جيل منفصل عن جذوره، سهل القياد، يقبل بتبعية وطنه كأمر واقع.
السودان: مختبر الفوضى الخلاقة الحي
السودان ليس مجرد حالة دراسية؛ هو جسمٌ يُشرَّح الآن. انظروا إلى المسار:
· الانفصال: كان الضربة الأولى المُمنهجة بقطع الجنوب الغني. · التمكين السياسي للعملاء: إدخال عناصر موالية لأجندات خارجية في مفاصل الحكم والمخابرات أثناء عهد البشير وبعده، تحت ذرائع المصالحة أو الكفاءة. · صناعة المليشيا وتضخيمها: تحويل مجموعات مسلحة إلى جيش موازٍ (الدعم السريع) عبر التمويل والتدريب والتسويق السياسي. · تفجير الدولة: إشعال الحرب بين الجيش والمليشيا في أبريل 2023، ليبدأ فصل الدمار الأخير. كل ذلك جرى وسط حملة إعلامية ضخمة، بعضها محلي، تروج لرواية مزيفة وتلميع لأطراف تدمر الوطن، مستخدمة خطاباً عاطفياً يحمل "فيروس" التقسيم ويقدم القتلة كمخلّصين.
الخاتمة: النجاة تبدأ بالوعي
إنهم يسرقون أوطاننا بلغة أحلامنا. لذلك، فإن السلاح الأول للمواجهة هو الوعي. الوعي بأن الشعارات تحتاج إلى فحص، والوجوه الجديدة تحتاج إلى تمحيص، والدعم الخارجي غالباً ما يكون فخاً.
الخلاص لن يأتي من الخارج. إنه يبدأ من إعادة بناء العقد الاجتماعي الوطني داخل كل بلد، قائم على العدالة والمواطنة المتساوية. يكمله تعزيز المناعة الثقافية لدى أبنائنا، وتطهير مؤسسات الدولة من فيروسات العملاء، وبناء تحالفات إقليمية حقيقية تقوم على المصالح المشتركة لأبناء الجوار، لا على ولاءات الأسياد البعيدين.
إن معركتنا اليوم هي معركة إرادة ووعي. إما أن نرى الخيوط الخفية التي تحرك دمى الفوضى، فنقطعها، أو سنبقى ندور في حلقة الخراب التي رسمها لنا من يريدونا ضعفاء مشتتين. السودان، وليبيا، واليمن، والصومال... كلها ندوب على جسد أمة، وصرخات تحذير: انتبهوا، فالغزو صار يرتدي أقنعةنا، ويتكلم بلساننا.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة