من أخطر ما يصيب الوعي العام تشويه المفاهيم. فحين يُخلط رجلٌ يريد أنْ يبدوَ مثقفاً، مثل دكتور عزام، بين الثورة والانقلاب، وبين الفعل الجماهيري والتآمر النخبوي، نكون أمام جريمة فكرية لا تقل فداحةً عن الاستبداد السياسي نفسه. فقد استوقفني وصفه انقلاب الإنقاذ بأنه ثورة. وهو توصيف لا أخالفه سياسياً فحسب، بل أرى فيه خلطاً مفاهيمياً مضراً، يسيء للثورة كقيمة إنسانية، ويمنح الاستبداد صكَّ براءةٍ تاريخياً.
جلس دكتور عزام على كرسي الأستاذية ليقدم الإنقاذ مثالاً للثورة، خالطاً خلطاً شنيعاً بين التأثير السلبي العميق الذي أحدثته الإنقاذ وبين التغيير الإيجابي العميق الذي تحدثه الثورات. كيف تعلّم الثوار معنى الثورة، يا عزام، ولما تجف دماء شهدائهم التي سالت بسخاء من أجلها؟ ويذكرني ما مارسه دكتور عزام من تغبيش للمفاهيم وتمييع للمصطلحات ما أكابده أنا شخصياً باستمرار في محاولة توضيح ضرورة عدم استخدام مصطلح "تواضع" في السياقات التي تعني الضعف. فحينما يصف دكتور عزام "كارثة الإنقاذ" بأنها ثورةً أجد ذلك مثل من يصف بيتاً يخلو تماماً من الجمال بأنه بيت متواضع، أو من يصف مستوى فريق كرة القدم الضعيف بأنه مستوى متواضع. ومثلما أن التواضع ليس ضعفاً، بل هو أعظم قوة رافعة منحها الله للبشرية، فإن الثورة هي أشرف عمل تقوم به الجماهير من أجل أوطانها.
أجل، الثورة، في جوهرها، فعل جماهيري واعٍ، ينشأ من رحم المجتمع، ويستهدف تغيير نظام ظالم بنظام أكثر عدالةً، لا في الأشخاص فقط، بل في القيم والبنية والشرعية. وهي تُعبّر عن إرادة عامة، وتستمد مشروعيتها من الشارع، وتخضع للمساءلة الأخلاقية قبل السياسية.
أما الانقلاب، فهو فعلُ نخبةٍ مغلقة، يتم في الظلام، ويقوم على مصادرة إرادة الناس، لا التعبير عنها.
والفرق بينهما ليس في النتيجة فحسب، بل في الوسيلة والمنهج والفاعلين والشرعية.
من أين أتت الإنقاذ؟ هل أتت من قلب الشارع ونبضه، أم أتت من مجلس كيزاني أربعيني لتقويض حلم الجماهير التي خرجت في رجب/أبريل ضد الدكتاتورية العسكرية؟ لقد صادر نظام جعفر نميري الحريات، وقضى على الديمقراطية والتعددية، ودمّر الخدمة المدنية، وأضر بالعلاقات الخارجية، وأقعد بالمشاريع التنموية. ثم أنّ نميري كان في شخصه تجسيداً للعسكري البليد الذي يصرح، بلا خجل، أنّ "العسكري أفضل من المدني"!
إذن فلم تكن الإنقاذ ثورةً شعبية، ولم تأت بتفويض من الشعب، ولم تُعلِن برنامجها على الناس، بل جاءت على صهوة دبابة، تحمل في جعبتها مجموعة من الأكاذيب لخداع الناس.
وكل سلطة تبدأ بالكذب، لا يمكن أن تُسمّى ثورة. فالثورة تُبنى على الارتقاء لا التشويه. ومن علامات الثورة الحقيقية أنها توسّع أفق الحرية، وترفع من قيمة الإنسان، وتعيد الاعتبار للأخلاق العامة، وتُصلح علاقة الفرد بذاته وبوطنه؛ أما ما فعلته الإنقاذ، فقد كان – بشهادة الواقع لا الخصوم – تدميراً ممنهجاً للشخصية السودانية: تطبيعاً للقمع، وتدييناً للفساد، وتسليعاً للقيم، وإشاعةً للخوف والانتهازية والازدواج الأخلاقي.
فكيف أمكنك يا دكتور عزام أن تُسمِّى هذا المسخ ثورة؟ وأي ثورة هذه التي تهدم الإنسان، وتستبيح الوطن، ولا تبنى دولة؟
نعم، لقد رفع رجال الانقلاب شعارات الثورة، وتزيّنوا بلغة العدالة والدين والوطن؛ لكن الشعارات لا تصنع ثورة، ولا تحدث التغيير الإيجابي المنشود. ففي نهاية المطاف، تقاس الثورة بمحصّلتها الأخلاقية والاجتماعية، لا بمجرد خطابٍ إعلامي أجوف.
ولو أننا سرنا على منهج دكتور عزام في تسمية الثورات، لانفتح الباب على آخره، فأصبح كل طاغية “ثائرا”، عِوَضَ أن يكون صنماً ودميةً من خشب!
إن الخطر الحقيقي في وصف انقلاب الإنقاذ بالثورة لا يُعيد كتابة التاريخ مشوهاً فحسب، بل يُربّي الأجيال على قبول الاستبداد متى ما لبس عباءة الثورية والمشروعية الزائفة. ولعمري هذا التزوير أخطر من الإنقاذ نفسها، لأن الاستبداد حين يُشرْعَنُ فكرياً، يصبح قابلا للتكرار. وأظن، وليس كل الظن إثم، أن تحريف معنى الثورة الذي يجسده أمثال دكتور عزام ينذر بهذا التكرار الذي نخشاه ونحذره.
وفي الختام نقول إن الثورة ليست كلمة محايدة. الثورة شرف أخلاقي قبل أن تكون حدثاً سياسياً. ومن حق الشعوب أن تُخطئ في ثوراتها، لكن ليس من حق النخب أن تُحوّل الانقلابات إلى ثورات، ولا الخراب إلى تنمية، ولا تشويه الإنسان إلى نهضة.
لقد أثبت ثورة أبناء وبنات السودان أن الثورة ليست لحظة غضب، بل سيرورة وعي؛ وليست إسقاطاً للأشخاص، بل إسقاط لنمطٍ في التفكير أوصل الناس إلى الانتفاض. انتفاضٌ على الذات، قبل أن يكون انتفاضاً على الآخر.
إنّ إنصاف الثورة هو الخطوة الأولى لإنصاف شعب السودان. ولعلّ حسنة الإنقاذ الوحيدة هي أنها هيئت شعب السودان للانتفاض في ثورة حقيقية. ثورة أخلاقية بامتياز أبهرت العالم بخطابها القيمي. فكأنها جاءت لتناقض عهد الأكاذيب الذي مثلته الإنقاذ! ثورة تريد بناء الدولة على المواطنة لا العرق ولا القبيلة. ولا شك أن ثورة السودان مستمرة. ولا نريد لها أن تكون ثورة تقليدية هدفها اقتلاع الكيزان فحسب. بل يجب أن تكون غايتها نزع عقلية الكيزان التي دمرت السودان؛ إذْ لا يمكن اقتلاع الكيزان إلا بهزيمتهم أخلاقياً. ولذلك لن تكتمل ثورة السودان إلا ببناء إنسان جديد، ونظام جديد، ووطن جديد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة