حتى قبيل اندلاع هذه الحرب اللعينة، التي أخرجت إلى العلن، لأول مرة، ما كنا نحرص على إخفائه، كنت دائماً أرى أننا شعب شعارات، وأن أجدادنا وآباءنا أورثونا أشعاراً وكلاماً جميلاً مثل: " جدودنا زمان وصونا على الوطن.. علي التراب الغالي الما ليه تمن"، و " نحن من نفرٍ عمروا الأرض أينما ذهبوا". لكننا للأسف غير جديرين بترديد مثل هذه الأغنيات والشعارات، لأن فعلنا أفرغها من كل محتوى، وحولها إلى عبارات بلا قيمة.
وإن كنت قد تقبلت في زمن مضى غضب البعض من مثل هذا الكلام المُر، فلا أجد مبرراً واحداً لرفضه بعد كل ما اقترفناه في حق وطننا وما الحقناه بأنفسنا خلال هذه الحرب القذرة.
واستغرب، حقاً، حماسنا الزائد للاحتفال بذكرى الاستقلال المزعوم، فلو أن الاستقلال يقود الشعوب إلى ما نحن فيه اليوم، فما كان يفعل بنا المستعمر، بالله عليكم لو استمر في بلدنا حتى يومنا هذا؟ واهم من يظن أنه كان سيخرب أكثر مما خربنا، أو يقتل أكثر مما قتلنا، أو يدمر أكثر مما دمرنا بأيدينا.
صحيح أن المولى عز وجل، ولحكمةٍ يعلمها، سلط علينا فئة باغية وضالة فعلت بنا الأفاعيل على مدى نحو أربعة عقود، لكننا نحن أيضاً استسلمنا لهم سنين عددا، بل وتماهى معهم كثيرون منا. وحتى بعد أن ثرنا ضدهم، لم نكمل ما بدأناه وسمحنا لهم بالعودة. أما بعد أن اشعلوا حربهم البغيضة فقد ساهمت أعداد مقدرة منا – سواءً بجهلهم أو سذاجتهم أو انتهازيتهم- في إطالة أمدها، وفي السماح لها بأن تتحول إلى معول هدمٍ حقيقي، خاصة بعد تدخل الأطراف الخارجية ذات المصالح في بلدنا.
ومع استمرار الحرب انكشف المستور، وظهر كثيرون منا علي حقيقتهم، فسعوا بكل قوة إلى تحقيق مصالحهم الذاتية، غير آبهين بالدماء التي تُسال، والأرواح البريئة التي تُزهق. ولهذا لم ترد مفردة " الاستغلال" في عنوان هذا المقال كخطيء إملائي،بل قصدتها تماماً؛ إذ أن كلاً منا سعى، بدرجة أو بأخرى، إلى استغلال الآخر خلال هذه الحرب، كما ساعد كثيرون كل من أراد نهب مواردنا على الحصول عليها برخص التراب، ما دام ذلك يفي بمتطلبات فئة محدودة تتكسب من هذا الخراب.
فبأي ذكرى استقلالٍ نحتفل وجيش البلاد هو أول من مارس العمالة، وفرط في التراب والموارد وسلامة المواطن؟
ولأي أجداد واعمار نتغنى، ونحن ندمر بلدنا بأيدينا، ثم نردد بكل بلاهة أن قوى خارجية لا تريد لنا الخير؟ وهل نعيش أصلاً في عالم هو مدينةٍ فاضلة يرفق أهلها بمن يخونون أوطانهم ولا يحرصون عليها؟
نمارس الكسل في أسوأ صوره، ونعطل أذهاننا، ونتفرج على القتل والخراب، وعندما تحين ذكرى الاستقلال نحتفل به وكأن تلك اللحظة كانت بمثابة انطلاقةٍ إلى الأمام. يا قوم، نحن حتى المنشآت التي شيدها المستعمر دمرناها، فكيف نحتفل بذكرى خروجه من بلدنا؟
وختاماً أسأل بعض المستنيرين والمحللين السياسيين: بماذا تشعرون عندما تتذكرون احتفاءكم المفرط بتصريحات ترمب عقب لقائه بولي العهد السعودي، وتعويلكم الزائد على "الرباعية" في انهاء حرب لم يسع أهلها بجدٍ لإيقافها؟!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة