لم يكن استقلال السودان لحظة عابرة في رزنامة التاريخ بل مسارا طويلًا من الوعي الوطني والتجاذب السياسي والإرادة الشعبية التي نضجت تحت وطأة الاستعمار حتى انفجرت قرارا سياديا لا رجعة فيه وبين اقتراح شجاع داخل البرلمان وفجرٍ جديد أُعلن في الأول من يناير 1956 كُتبت واحدة من أنصع صفحات التاريخ السوداني
البدية فكرة تُقال تحت القبة
في خضم نقاشات البرلمان السوداني منتصف خمسينيات القرن الماضي وبين تيارات متباينة الرؤى حول مستقبل البلاد برز اقتراحٌ سيخلده التاريخ حين تقدّم النائب عبد الرحمن دبكة من دائرة نيالا بمقترح واضح لا لبس فيه إعلان استقلال السودان استقلالًا تامًا من داخل البرلمان نفسه دون وصاية ودون انتظار لمفاوضات تُطيل أمد التبعية كان الاقتراح جريئًا في زمن تتشابك فيه الحسابات لكنه عبر عن نبض الشارع وتطلّع السودانيين إلى السيادة الكاملة.
الإجماع الوطني لحظة التقاء نادرة
ما إن طرح الاقتراح حتى تحول إلى اختبار حقيقي للنخبة السياسية غير أن اللحظة التاريخية فرضت سموّها فتلاقى الاتحاديون والامة والاستقلاليون وتجاوزوا خلافاتهم ليُجمع البرلمان على قرار الاستقلال كان ذلك الإجماع حيث كانت رسالةً مزدوجة للخارج بأن السودان قرر مصيره وللداخل بأن الوحدة الوطنية قادرة على صنع المعجزات حين تتقدم المصلحة العامة.
الطريق إلى الإعلان ما بين القرار والحدث
بعد إجازة القرار البرلماني بدأت الترتيبات السياسية والإدارية لإعلان الاستقلال رسميًا لم يكن الأمر احتفالًا فحسب بل انتقالًا كاملًا للسلطة وبناءً لمؤسسات الدولة وتأكيدًا لسيادة القانون كانت الأيام تمضي مثقلة بالترقّب والقلوب معلّقة بموعد سيغيّر وجه البلاد.
فجر الأول من يناير 1956 ميلاد الدولة
في صباح الأول من يناير 1956 ارتفعت الراية السودانية خفّاقة وأُعلن للعالم أن السودان أصبح دولة مستقلة ذات سيادة لم يكن المشهد بروتوكوليًا فقط كان لحظة وجدانية عميقة اختلطت فيها دموع الفرح بزغاريد الأمل وتقدم فيها الشعب خطوة واسعة نحو صناعة مستقبله بيديه.
ما بعد الاستقلال الحلم والتحدي
جاء الاستقلال تتويجا لنضال طويل لكنه في الوقت نفسه فتح أبواب التحدي نحو بناء الدولة وترسيخ الشورى "الديمقراطية" وتحقيق العدالة والتنمية، كان الاستقلال وعدًا كبيرًا ومسؤولية أكبر لا تزال أجيال السودان تتوارثها وتعيد طرح أسئلتها في كل منعطف تاريخي.
الاستقلال بين مجد الآباء وخراب الأبناء
لم يكن الاستقلال الذي صاغه جيل الآباء ترفا سياسيا ولا لافتة احتفال بل كان ثمرة وعيٍ عميق وتضحيات جسام ودربا شاقًا سلكه رجال ونساء آمنوا بأن الوطن لا يُمنح بل يُنتزع ولا يصان إلا بالوحدة والعقل والحكمة غير أن المشهد اليوم يقف على النقيض المؤلم فآثار الخراب والدمار تتناثر في كل صوب والمدن التي حلم بها الرواد مناراتٍ للعلم والنهضة تحولت إلى ساحات نار والقرى التي بشّروا لها بالأمان باتت مسارح للنزوح والفقد، إنها المفارقة القاسية أن تشتعل الحرب بنار أبناء السودان أنفسهم أولئك الذين كان يُفترض أن يكونوا حرّاس الاستقلال وبناة الدولة وسياجها الحامي فإذا بهم—إلا من رحم ربك—يهدمون ما شُيّد ويفرطون فيما حُفظ بالدم والوعي لم يُرفع علم السودان ليُظلَّل تحته الاقتتال ولم تعلن السيادة لتكون غطاء للفوضى والانقسام
الاستقلال ليس ذكرى تُحتفل بل أمانة تُحمل فإن ضاع السلام ضاع معناه كله
لقد علّمنا الآباء أن الاستقلال مسؤولية قبل أن يكون نشيدًا وأن الحرية لا تكتمل إلا بالأمن ولا تُصان إلا بالسلام ولا تعيش إلا في ظل دولةٍ تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم وبين أمجاد الأمس وجراح اليوم يقف السودان أمام امتحان وجودي هل نستدعي شجاعة الرواد ووحدتهم لإنقاذ وطنٍ يتآكله الاحتراب أم نترك التاريخ يكتب أننا بدّدنا الاستقلال بأيدينا (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) الأنفال الاية 46. تم الإرسال من هاتف Huawei الخاص بي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة