تراتيل الحبر والدم: نون النسوة في مهبِّ الريح السودانية ..!!؟؟ - د. عثمان الوجيه لم تكن الصحافة في السودان مجرد مهنة، بل كانت ميثاقاً غليظاً مع الحقيقة، وظلّت لسنوات تقاوم أعاصير الأزمات، وتصارع من أجل نَفَسٍ من الحرية في فضاءٍ ضاقت مساحاته، ولكن، حين أشرقت شمس الخامس عشر من أبريل لعام 2023، لم تشرق بالضوء، بل بلهيب حربٍ ضروس التهمت الأخضر واليابس، وحوّلت دور النشر ومقارّ الإعلام إلى ركامٍ يذروه الريح، ليغدو صدى الكلمة أنيناً تحت وطأة القصف والنهب، وسط هذا الركام، وقفت الصحفية السودانية شامخة كالنخل، تحاصرها المأساة من جهات الأرض الأربع، لم تكن تخوض معركة نقل الخبر فحسب، بل كانت تخوض معركة "البقاء" في بيئةٍ لم تعرف يوماً ملامح الودّ تجاه نون النسوة، لقد صار "النوع الاجتماعي" في زمن الحرب تهمةً إضافية، وضريبةً باهظة تُدفع من اللحم الحيّ! فاستُهدفت الصحفيات قتلاً، وتشريداً، واعتقالاً، بل ووصلت يد الغدر إلى أجسادهنّ بالعنف الجنسي، وإلى أرواحهنّ بالاغتيال المعنوي والتشهير الرقمي، تأملوا في سجلّ الخلود؛ حيث ارتقت سماهر عبد الشافع تحت أنقاض منزلها بزالنجي، ومضت حليمة إدريس وهي تبحث عن حقيقة الضحايا فصارت هي الضحية تحت عجلات الغدر في أم درمان، وانضمت إليهما حنان آدم وبخيتة مسعود، ليرسمن بدمائهنّ حدود الوطن المستباح، حتى من نجت من الرصاص، لم تنجُ من لدغة ثعبان في غياب الدواء كـ هدى حامد، أو من مطاردات قانونية تلوح بحبل المشنقة كحال رشا عوض، أو تنكيلٍ واعتقال كالذي واجهته صباح محمد الحسن وامتثال سليمان، لقد انشطر واقع الصحفيات إلى نصفين مكروبين: نصفٌ داخل الوطن يقتات على القلق والنزوح ويواجه التهديدات المباشرة في نقاط التفتيش، ونصفٌ خلف الحدود يبحث عن أمانٍ مفقود في منافي اللجوء، ورغم أن (56%) منهنّ يحملن أعباء إعالة أسرهنّ وحدهنّ، وفي ظل انهيار ماليّ وخدميّ مريع، لم تنكسر أقلامهنّ، فمن رحم العجز والنسبة التشغيلية التي لم تتجاوز (1%) في بدايات الحرب، انتفضت (72%) من الصحفيات ليواصلن العمل بمهنيةٍ صلبة، متحدياتٍ فقْد الأوراق الثبوتية، وانقطاع الكهرباء، وتلاشي الأجور، غير أن خلف هذا الصمود المهنيّ، تكمن جراحٌ غائرة في النفوس؛ فالفجوة في الدعم النفسي عميقة كبئرٍ لا قرار لها، حيث تعيش الغالبية العظمى تحت ضغوطٍ نفسية هائلة دون يدٍ تمتد لتضمد أرواح المتعبات، وأصبح الفضاء الرقمي ساحةً أخرى للحرب، حيث التنمر المنظم والصفحات المزيفة التي تستهدف تشويه السمعة وكسر الإرادة، إن حكاية الصحفية السودانية اليوم ليست مجرد تقريرٍ إخباري، بل هي ملحمة تراجيدية لامرأة تقبض على جمر الحقيقة بيد، وعلى رمق حياتها باليد الأخرى. هي صرخة من أجل بيئة عملٍ آمنة، وعدالةٍ تقتص من الجناة، وسِياساتٍ تضمن ألا يكون "النوع" سبباً في القتل أو التهميش.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- في مستهل طريقي داخل بلاط "صاحبة الجلالة"، كنت كلما سُئلت عن هويتي المهنية، أجبت بابتسامة يغلفها الأسى: "أنا ممن امتهنوا النكد صَنْعة"، وما إن تقع كلماتي على مسامع السائل، حتى يرمقني بنظرة فاحصة مستنكراً: "إن كنت تدري أنها مهنة العناء والكدر، فما الذي ألقى بك في آتونها؟ أهي حمّى الشهرة التي تخلب الألباب؟"، كانت الأيام تمضي، وكان الأصدقاء والخلان والجيران يتوافدون عليّ، يجرون خلفهم أبناءهم في استعراضٍ لا يخلو من "مكايدة" لطيفة؛ إذ طالما سخروا من عزوبيتي الممتدة، كان كل واحد منهم يزهو بطفله قائلاً في فخر: "أريد أن أورث فلذة كبدي مهنتي"، وكنت، في غمرة إشفاقي على هؤلاء الصغار، أجيبهم بحسمٍ لا يلين: "لو أنعم الله عليّ يوماً بالذرية، لَحلتُ بينهم وبين دروب السياسة، ولأوصدتُ في وجوههم أبواب الصحافة"، لكنهم كانوا يواجهونني بحقيقة اجتماعية صادمة، قائلين: "إن الطفل الذي ينشأ في كنف أسرة مستقرة، يمتص مهنة والديه كما يمتص الضياء! فمصير أبنائك من مصيرك"، هنا، وتحت وطأة مزاحهم، قلت لهم مداعباً: "إذن، سأتزوج كابتن طيار، لعل أبنائي يحلقون في أعالي السماء بعيداً عن أوجاع الحبر"، ضحكوا ثم صدموني بيقينهم: "ستبقى الكتابة تجري في عروق أبنائك شئت أم أبيت، أما السياسة.. فربما لو وجهتهم نحو هواياتٍ أخرى، لنجوا من عالم (ساس يسوس)"، حينها، وأمام إصرارهم على ملاحقة هذه المهنة لي حتى في نسلي، قلت لهم بلهجة من اتخذ قراره الأخير: "أبشروا، فما إن يكرمني الله بالزواج ويرزقني بطفل، حتى أعتزل الصحافة فوراً، وأحترف الغناء.. سأصبح مطرباً، لكي أضمن ألا يدخل بيتي صحفي واحد!" الخلاصة: تفتقرُ الصَّحافةُ لِلأمانِ، وتُكَبِّلُها القيودُ، وتَسحقُ كرامَةَ المِهنيِّينَ ضائقةٌ معيشيّةٌ وجورٌ The press lacks security, is shackled by restrictions, and the dignity of its professionals is crushed by economic hardship and injustice.. وعلى قول جدتي:- "دقي يا مزيكا !!". خروج:- (المغرب مروضة الأمطار: حين تعانق التكنولوجيا عراقة الملاعب) كانت السماء فوق مدينة الرباط تصب جام غضبها، غيومٌ متراكمة حجبت الأفق، وأمطارٌ غزيرة انهمرت بلا انقطاع حتى غصت بها الشوارع والميادين، وفي قلب هذه الأجواء العاصفة، كانت الأنظار تتجه بشغف وقلق نحو "ملعب مولاي عبد الله"، حيث تدور رحى منافسات كأس أمم أفريقيا 2025، تملّك الخوف الجماهير؛ ففي مثل هذه الأنواء، عادة ما تتحول الملاعب إلى برك من الوحل، وتتعثر الأقدام، وتغرق الكرة في لجة المياه، لكن، وما إن أطلق الحكم صافرته، حتى بدت المشاهد كأنها تخرق قوانين الطبيعة، فبينما كانت حبات المطر ترتطم بالأرض بقوة، كانت الكرة تنساب على العشب الأخضر بيسرٍ مذهل، كأنما تجري على مرآة صقيلة، لم يترنح لاعب، ولم تتعثر هجمة، بل حافظ الإيقاع على سرعته، واللعب على رونقه، وسط دهشة المراقبين وإشادة الوفود، خلف هذا المشهد المهيب، لم يكن الأمر مجرد حظ، بل كانت معجزة هندسية تعمل في الخفاء، ففي أعماق تلك الأرضية، استيقظ نظام "ساب إير" (SubAir) الذكي؛ تقنيةٌ لا تكتفي بانتظار تصريف المياه، بل تمارس "التحكم النشط"، إنها منظومة تتنفس تحت التربة، تمتص المياه الزائدة بقوة تفوق الأنظمة التقليدية بستة وثلاثين ضعفاً، فتملأ الفراغات بالهواء وتمنع الأرض من الغرق في غياهب التشبع، لم يكن بساط الملعب مجرد عشب، بل كان لوحة معقدة البنيان؛ عشبٌ "هجين" يزاوج بين نضارة الطبيعة وقوة الألياف الاصطناعية، يستند إلى طبقات دقيقة من الرمل عالي النفاذية والحصى المتين، ولم تكن تلك الأمطار لتذهب سدى، بل كانت تُساق سوقاً إلى خزانات أرضية ضخمة، لتُبعث من جديد في سقي الملاعب، في صورة تجسد أسمى معاني الاستدامة والحفاظ على الموارد، بينما كانت الأمطار تواصل هطولها، كان المغرب يبعث برسالة صامتة وبليغة إلى العالم أجمع؛ رسالةٌ مفادها أن الإرادة حين تقترن بالعلم، تذلل الصعاب وتطوع المناخ، لقد أثبتت ملاعب المملكة أنها ليست مجرد مساحات للركض، بل هي صروحٌ تقنية عالمية، أُعدت لتكون مسرحاً للإبداع الكروي، لا توقفه عاصفة، ولا تعيقه الأنواء، لتظل راية التميز المغربي خفاقة في سماء القارة السمراء.. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام. [email protected] - @Drosmanelwajeeh
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة