اكتظّت القاعة الكبرى بقاعةً الريجنسي الدوحة، م الخميس الأول من يناير 2026م، بحفل أنيق ومرتب، نظمته المدرسة السودانية بقطر إحتفاءً بمرور سبعين عامًا على استقلال السودان. شهد الحفل حضورًا لافتًا من أمهات وآباء الطلبة والطالبات، وتشريف سعادة السفير السوداني بدولة قطر بدر الدين عبد الله والذي ألقى كلمة مفعمة بالأمل وطاقم السفارة، وكوكبة من السفراء السابقين، إلى جانب رئيس مجلس أمناء المدرسة الأستاذ مختار عمر، وأعضاء الهيئة التدريسية والإدارية.
لفت الأنظار مشهد المعلمات، حاملات القلم والمحبرة واللابتوب، وقد تمنطقن بالثوب الأبيض الزاهي، مطعّمًا بخارطة السودان، في دلالة رمزية عميقة للدور التربوي والوطني. وتوسّطتهن معلمة ارتدت ثوبًا صُمِّم بعلم الاستقلال الذي رفعه الزعيم إسماعيل الأزهري، من تصميم طيبة الذكر السريرة بت مكي، فكانت اثوابهن رسالة بصرية تختزل التاريخ والهوية.
خلفية المسرح نصبت لوحة إلكترونية مضيئة استعرضت عليها الأنشطة المدرسية والفعاليات التي تشارك فيها المدرسة ضمن فعاليات الجاليات المقيمة بدولة قطر، مما يؤكد الحضور الثقافي والتربوي الفاعل للمدرسة السودانية في المهجر.
جلس الطلاب على المنصة في كامل أناقتهم، فتقدّم أحدهم بثقة وثبات، وبصوت جهوري مفعم بالاعتزاز، وكأنه يخاطب جلسة البرلمان السوداني في 19 ديسمبر 1955م، قال :-
“أنا النائب عبد الرحمن محمد دبكة… سيدي الرئيس، أرجو أن أقترح أن نُقدِّم خطابًا إلى معالي الحاكم العام بالنص الآتي: نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعين نعلن باسم شعب السودان أن السودان قد أصبح دولة مستقلة كاملة السيادة، ونرجو من معاليكم أن تطلبوا من دولتي الحكم الثنائي الاعتراف بهذا الإعلان فورًا.”
وتتابع المشهد بتجسيد أدوار قادة الاستقلال: إسماعيل الأزهري، عبد الرحمن زروق، ومحمد أحمد محجوب. كان ذلك اقتباسًا حيًا من فقرة «من البرلمان»، أجاد الطلاب أداءها بإحساس عالٍ وثقة لافتة، حتى خُيّل للحضور أنهم أمام أولئك الرجال الذين نقشوا أسماءهم في سجل عزة السودان وكرامته وسمو همته.
الشكر موصول لمجلس أمناء المدرسة السودانية، وللهيئتين التدريسية والإدارية، منظمي الحفل الذي جاء أنيقًا في فكرته، متقنًا في إخراجه، مختارًا لفقراته بعناية ورويّة ثاقبة تنظر للامام وتستدعي الإشراقات بعيدًا عن التشظي، وتضع الجالسين على مقاعد الدراس في قلب التاريخ والتراث.
لقد أجاد التلاميذ والتلميذات تقديم مضامين تحكي عن وطنٍ متعدّد الثقافات والأعراق، غني بعاداته وتقاليده، تحت شعارٍ وهاجٍ حمل الأمل واليقين:
«غدًا نعود… حتمًا نعود».
لم يكن ذلك المشهد البرلماني مجرّد تمثيل مسرحي، بل استعادةً لحظة مفصلية في تاريخ السودان الحديث؛ ففي 19 ديسمبر 1955م أعلن البرلمان ، بإجماع نوابه، قرار استقلال السودان عن الحكم الثنائي البريطاني-المصري، في خطوة جسّدت وحدة الإرادة الوطنية وتجاوز الخلافات الحزبية من أجل الوطن.
وتُوِّج القرار التاريخي برفع علم الاستقلال في صبيحة الأول من يناير 1956م، من داخل القصر الجمهوري، إيذانًا بميلاد دولة سودانية حرّة مستقلة كاملة السيادة، قادها الزعيم إسماعيل الأزهري، بمشاركة رموز وطنية خالدة في الذاكرة الجمعية ، محمد أحمد محجوب، عبد الرحمن زروق، مبارك زروق، وعبد الرحمن محمد إبراهيم دبكة، نقشوا أسماءهم في ذاكرة الأمة.
جاء الاستقلال ثمرةً لنضال طويل خاضه الشعب السوداني، عبر الحركة الوطنية، والنقابات، والطلاب، والإدارة الأهلية، في ملحمة سياسية سلمية تُعد من التجارب الفريدة في القارة الإفريقية، حيث انتُزع الاستقلال بالإجماع البرلماني، لا عبر فوهات البنادق .. وحتما يعود السودان معافى طالما هناك من يجلسون علي كراسي الدرس ..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة