أنيابٌ في "بيتِ القصيد": غارةُ "الظِلال" على الجدران ..!!؟؟ - د. عثمان الوجيه في مدينة "أم روابة"، حيث يختلطُ صمتُ الرمال بضجيج الفجيعة، لم تكن الأجهزة الأمنية تقتفي أثر المجرمين، بل كانت تقتفي أثر "الحوائط"، هناك، وفي مشهدٍ تراجيديّ يُعيد صياغة مفهوم "الدولة" إلى "عصابة ببدلات رسمية"، اقتحموا منزل عائلة السياسي محمد الفكي سليمان، لم يحملوا في أيديهم صكوكاً قضائية، بل حملوا "عُقد النقص" وكراهية التاريخ لكل من تجرأ يوماً على الحلم بمدنية الدولة، طردوا الأسر القاطنة، نثروهم في العراء كرمادٍ تذروه رياح الانتقام، بلا مبرر قانوني سوى أن صاحب الدار "مارقٌ" في قاموس الاستبداد، و"جَسُورٌ" في ميزان الأحرار، لم يكن الاستيلاء على الحجارة غايةً في حد ذاته، بل كان محاولةً بائسةً لانتزاع "الانتماء" من قلب رجلٍ كان يوماً وجهاً لثورةٍ كَسرت قيد البشير، قبل أن يكتشف السودانيون أن القيد لم يُكسر، بل أُعيد تدويره ليصبح أكثر صدأً وقسوة، يقول لسان حال "سلطة الأمر الواقع": "إن لم نستطع تقييد معصمك، فسنقتلعُ سقف عائلتك"، هي سياسة "ليّ الأذرع" التي وصفها احدهم بدقة الجرّاح؛ تبدأ بتجريد المعارض من جواز سفره كأنه يُطرد من هويته، وتنتهي بطرده من مسكنه كأنه يُطرد من جغرافياه، إنها ليست مجرد مصادرات تعسفية، بل هي "هندسة العودة" لنظامٍ بائد، يحاول إعادة إنتاج أنيابه الإسلاموية الباطشة، الصراع هنا ليس على "أثاثٍ" أو "غرف"، بل هو صراعٌ بين منطق "قوة السلاح" الذي يستبيح الحرمات، ومنطق "قوة القانون" الذي يحاولون جاهدين وأده تحت ركام المنازل المصادرة،في زوايا هذا القمع، تطلُّ المحامية رحاب مبارك لتضع النقاط على الحروف التي يحاول الرصاص طمسها تؤكد لل(الراكوبة) أن من يقتحمون البيوت اليوم لا يمتون للنظم العسكرية بصلة، بل هم "أشباحٌ" يتحركون بمزاج "المؤتمر الوطني" المحلول، ذاك الكيان الذي لا يؤمن بالعدالة إلا إذا كانت مصلوبةً على أبواب معتقلاته، لقد عجزوا عن النيل من الفكي وجسارته في الميدان السياسي، فارتدّوا إلى منازل أسرته كفعلٍ انتقامي صبياني، يحاولون من خلاله تصوير الشرفاء كمجرمين مطاردين، إنها عودة "قوى الظلام" بكل ما تحمله الكلمة من سواد، وردُ فعلٍ مذعور على الأصوات التي بدأت تهمس في أذن العالم بأن هؤلاء ليسوا سوى "جماعات إرهابية" ترتدي ثوب المؤسسات، لقد استولوا على البيت، لكنهم نسوا أن "الفكي" ورفاقه في "صمود" لم يبنوا قلاعهم من طوبٍ وإسمنت، بل من مواقفَ لا تقبل المصادرة، وتاريخٍ لا يمكن إخلاؤه بقرار أمني، أما الأجهزة الأمنية في "أم روابة"، فقد أثبتت للعالم أن أقصى إنجازاتها العسكرية هو الانتصار على "عائلة" وأطفالٍ عُزّل في بيتٍ قديم.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- في ربيع عام ١٩٧١م، وبينما كان النسيم يداعب غصون الخرطوم، قرر "جعفر نميري" — ذاك الذي امتطى صهوة الدبابة ليصل إلى سدة الحكم في مايو الغابر — أن يمارس هوايته المفضلة في "التقليم السياسي"، نظر حوله فلم يجد أصلب عوداً ولا أطول فرعاً من دوحتي "آل المهدي" و"آل الميرغني"، كانت التهمة جاهزة ومعلبة: "المعارضة"، وبما أن الدبابة لا تجيد لغة الحوار، فقد أجادت لغة "الحجز والمصادرة"، بجرّة قلمٍ "ثوري"، تحولت قصور السادة وأملاكهم من "حرمٍ آمن" إلى "فيءٍ مشاع"، وأصبح أصحاب العمائم والسيادة في مواجهة جنرالٍ يرى أن الأحزاب ليست إلا حجارة عثرة في طريق "نهضته" المظفرة، مرت السنون، وظل الجنرال يخطب، والشعب يصفق (أو يتظاهر بذلك)، والأملاك المصادرة ترقب من بعيد أصحابها الذين صاروا "لاجئين" في خارطة النفوذ، غابت الأحزاب خلف قضبان المنع، وظنّ النميري أن التاريخ قد كُتب بـ "الكاكي" ولن يمحوه "البياض"، لكن دوام الحال من المحال؛ ففي أبريل من عام ١٩٨٥م، استيقظت الخرطوم على زئير الشوارع، فطار الكرسي بساكنه، وتبخرت "المايوية" كما يتبخر السراب، وهنا بدأت الملهاة (أو المأساة، حسب زاوية الرؤية): فُتحت صناديق الاقتراع، فإذا بالشعب — الذي صودرت إرادته طويلاً — يعيد "السادة" إلى منصة التتويج، فاز حزب "الأنصار" وحزب "الختمية"، واجتمع الحفيدان تحت سقف البرلمان في مشهدٍ سريالي عُرف بـ "حكومة السيدين"، لم تكن أولويات الحكومة الجديدة البحث عن "الذرة" المفقود أو إصلاح ما أفسده الدهر، بل كانت "برّاً بالوالدين" ووفاءً للأجداد! فقبل أن يجف حبر التكليف، كان القرار التاريخي الأول: "تعود الحقوق لأصحابها.. وأصحابها هم نحن!"، وهكذا، في مشهدٍ يقطر بلاغةً وتهكماً، عادت الأملاك لأربابها، وكأن "ثورة أبريل" لم تقم إلا لتصحيح خطأ في "دفتر الأملاك"، واستعاد الحفيدان إرث الأجداد، بينما ظل الشعب يراقب المشهد بذهول، متسائلاً: هل عادت الديمقراطية لخدمة "الرعايا"، أم لإعادة "الرعوية"؟ Has democracy returned to serve the "subjects," or to restore "pastoralism"؟ وعلى قول جدتي:- "دقي يا مزيكا !!". خروج:- "أطلالُ العاصمةِ وقبضةُ القانون: مفارقةُ الوجودِ والضياع ..!!؟؟" ففي صبيحةِ الخامس عشر من أبريل لعام ألفين وثلاثة وعشرين، انفتحت في أرض السودان أبواب الجحيم؛ فانطلقت حربٌ ضروس لم تبقِ على أخضرٍ إلا أحرقته، ولا على يابسٍ إلا ذرته في مهب الريح، بين ليلة وضُحاها، تحولت الشوارع التي كانت تضج بالحياة إلى ميادين للموت، واختنق نيلُ الخرطوم بدخان القذائف، في صراعٍ مأساوي بين الجيش الوطني ومليشيا "الدعم السريع" المتمردة، ومما يثيرُ العجب ويبعثُ على الحيرة، أن هذه البلاد التي تنزف منذ ما يقارب العامين، وتودع الآلاف من أبنائها كل يوم في مقابر النزوح واللجوء، لا تزالُ تحاولُ بسط كف النظام على أنقاضها، ففي الوقت الذي شردت فيه الحربُ الملايين من مواطنيها، وقف مجلس السيادة الانتقالي موقفاً حازماً، مشدداً على ضرورة ترحيل الأجانب واللاجئين المخالفين، في محاولةٍ لضبط إيقاع الأمن الذي بعثرته رصاصات الغدر، اعتلى "إبراهيم جابر"، عضو مجلس السيادة، منبر الحزم ليؤكد أن العاصمة الخرطوم -التي أعلن الجيش سيطرته عليها بعد معارك طاحنة في "صالحة"- يجب أن تتهيأ لعودة أهلها المشردين، نادى في الناس أن "كفى تهاوناً"، محذراً من إيواء من لا يحمل وثيقةً رسمية، وساعياً لتطهير المدينة من فوضى السكن العشوائي وانتشار السلاح خارج إطار القانون، وكأن الدولة تحاول أن تبني صرحاً من النظام فوق رمالٍ متحركة من الاضطرابات، وعلى لسان وزير الدفاع "حسن داوود كبرون"، ترتسم ملامح الخطة الأمنية؛ فمن إخلاء العاصمة من التشكيلات المقاتلة إلى إزالة مخلفات الحرب التي غمرت الأزقة، تبرز الرغبة في رؤية المواطن السوداني آمناً في داره، ولكن، يا لها من مفارقة موجعة! فبينما تسعى السلطات لتأمين الخرطوم، لا تزال ولايات "كردفان" و"دارفور" تغلي فوق صفيحٍ ساخن، حيث تلتهم الاشتباكات ما تبقى من أمل، وتدفع بالآلاف نحو المجهول، إنه السودان، الأرض التي استقبلت يوماً لاجئي الجوار بصدورٍ رحبة، تجد نفسها اليوم أمام معضلة الوجود؛ فمن أصل ثماني عشرة ولاية، لا تزال نيران الصراع تلتهم أجزاءً عزيزةً من الغرب، بينما يصارع المركز لاسترداد هيبة القانون، إنها قصة وطنٍ يحاول أن يجمع شتات نفسه في خضم العاصفة، ويسعى لفرض النظام في مدينةٍ لم تجف بعد دماء شهدائها، بانتظار فجرٍ ينتهي فيه هذا الليل الطويل.. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام. [email protected] - @Drosmanelwajeeh
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة