في ذكرى الاستقلال، لا يصح النظر إلى الحرب الجارية في السودان بوصفها انهيارًا مفاجئًا أو حادثة طارئة خرجت عن مسار التاريخ، بل باعتبارها النتيجة المنطقية لمسار تراكمي طويل من الإخفاقات البنيوية التي صاحبت التجربة السياسية السودانية منذ لحظة تأسيسها الأولى. فالاستقلال الذي أُعلن في يناير 1956 ظل استقلالًا سياسيًا شكليًا، لم يُستكمل باستقلال مؤسسي حقيقي، وبقي مشروع الدولة الوطنية معلقًا بين طموحات النخب وحدود الواقع الاجتماعي المركب
دخل السودان مرحلة ما بعد الاستقلال دون أن يمتلك تصورًا متكاملًا للدولة التي يريد بناءها. فقد ورث جهازًا إداريًا صُمم أساسًا لخدمة أغراض السيطرة الاستعمارية، لا لخدمة المواطنين، واقتصادًا أحاديًا قائمًا على الزراعة التصديرية دون قاعدة إنتاجية متنوعة ومجتمعًا شديد التنوع جهوياً وإثنياً وطائفيًا دون آليات سياسية لإدارة هذا التنوع. وإلى جانب ذلك، غاب التوافق الوطني حول هوية الدولة وطبيعة نظام الحكم وصيغة الدستور، فصار الاستقلال نهاية لمعركة التحرر وبداية لأزمة تأسيس لم تُحسم
سرعان ما كشف المسار السياسي المبكر عن هذا الخلل البنيوي. فقد فشلت التجربة البرلمانية الأولى في معالجة القضايا الجوهرية، وأُجّلت المسألة الدستورية والدينية بدل مواجهتها، واستمر التفاوت التنموي بين الأقاليم دون معالجة، بينما تحوّل الصراع السياسي إلى تنافس على المناصب والولاءات لا على البرامج والرؤى. وبدل أن تكون الديمقراطية أداة لبناء الدولة، بدت كواجهة هشة سهّل ضعفها الطريق أمام التدخل العسكري
لم تأتِ الانقلابات العسكرية بوصفها قطيعة مع هذا الفشل، بل كانت امتدادًا له بأدوات أكثر عنفًا. فقد أسست فترات الحكم العسكري المتعاقبة لتحويل الجيش من مؤسسة وطنية يفترض أن تكون فوق السياسة إلى فاعل سياسي مباشر، وقُمعت التعددية باسم الوحدة والاستقرار، وهُمّش الفعل المدني والنقابي، واستُخدمت الهويات الدينية والإثنية كأدوات للضبط والسيطرة. وهكذا ترسخ منطق يرى في العسكر حلًا دائمًا لأزمات السياسة، بينما كان في جوهره تعبيرًا عن عجزها
بلغ هذا المسار ذروته خلال العقود التي حكمت فيها الحركة الإسلامية، حيث لم تعد الدولة مجرد إطار مختل، بل تحولت إلى أداة قمع وهيمنة شاملة. جرى تفكيك المؤسسات لصالح شبكات الولاء الأيديولوجي، وتسييس الخدمة المدنية والأجهزة النظامية وخصخصة الدولة لمصلحة نخبة ضيقة، وتخريب البنى الاجتماعية دون بناء بدائل وطنية جامعة. وفي هذا السياق، لم يعد الهدف إدارة الدولة، بل السيطرة عليها وإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور أيديولوجي مغلق، حتى لو كان الثمن تفكيك الدولة ذاتها
في عمق هذا الفشل، برزت أزمة الشرعية بوصفها العقدة المركزية للتجربة السودانية. فلم ينجح أي نظام سياسي، مدنيًا كان أم عسكريًا، في إنتاج دستور توافقي يعبر عن تنوع المجتمع ويؤسس لعقد اجتماعي مستدام. تحوّل الدستور إلى وثيقة مؤقتة تُستدعى عند الحاجة وتُعلّق عند أول أزمة، ما أفقد الدولة استقرارها المؤسسي، وأضعف ثقة المجتمع في السياسة باعتبارها أداة لتنظيم الحياة العامة
اقتصاديًا، انتقل السودان تدريجيًا من اقتصاد إنتاجي محدود إلى اقتصاد ريعي هش، يعتمد على موارد طبيعية غير مستدامة، مثل النفط والذهب والأراضي الزراعية، دون بناء قاعدة صناعية أو نظام توزيع عادل ترافق ذلك مع ترسيخ اقتصاد المحسوبية والفساد، وتهميش الأقاليم الطرفية، ما جعل الفقر والتفاوت الاجتماعيين ظاهرتين بنيويتين لا طارئتين، وأسهم في تغذية النزاعات المسلحة بوصفها تعبيرًا عن الإقصاء لا مجرد تمرد أمني
وفي ظل هذا الاختلال، جرى تسييس السلاح وعسكرة السياسة على نحو كامل. لم يعد الصراع السياسي صراع أفكار وبرامج، بل صراع قوة وأدوات قهر. نشأت المليشيات بوصفها امتدادًا للصراع داخل الدولة أو على هامشها وتآكل الفصل بين العسكري والمدني، وتحول السلاح إلى لغة التفاوض الأساسية. ومن هنا، فإن الحرب الحالية لا تمثل انحرافًا عن المسار، بل ذروته المنطقية
تزامن هذا الانهيار الداخلي مع فقدان تدريجي للسيادة الوطنية، إذ تحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية ودولية. اعتمدت النخب الحاكمة، في لحظات مختلفة، على دعم خارجي لضمان بقائها، وتداخل اقتصاد الحرب مع شبكات مصالح عابرة للحدود، فصار القرار الوطني مرتهنًا، وتحوّل الاستقلال من قيمة سيادية إلى شعار احتفالي فارغ من مضمونه
تكشف هذه التجربة عن مفارقة تاريخية عميقة: فقد نجح السودانيون في انتزاع الاستقلال السياسي من الاستعمار، لكنهم فشلوا في تحقيق الاستقلال الحقيقي، المتمثل في استقلال القرار الوطني، واستقلال المؤسسات عن الهيمنة الحزبية والطائفية واستقلال الاقتصاد عن الريع والفساد، واستقلال الهوية الوطنية عن الانقسامات الفرعية. وهكذا بقي الاستقلال ناقصًا، مؤجلاً، ومهددًا بالانهيار في كل أزمة كبرى
غير أن هذا النقد لا يُراد به تكريس اليأس، بل فتح أفق للمراجعة. فالأزمات الكبرى، على قسوتها، تضع المجتمعات أمام خيارين لا ثالث لهما- إما الانهيار الكامل، أو إعادة التأسيس على أسس جديدة. واستعادة معنى الاستقلال اليوم تقتضي شجاعة الاعتراف بفشل النخب المدنية والعسكرية، وتفكيك العلاقة المختلة بين المركز والهامش، وإعادة تعريف المشروع الوطني بوصفه عقدًا اجتماعيًا يقوم على المواطنة لا الغلبة، وعلى إدارة التنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديدًا.
إن إنقاذ فكرة الدولة يمر عبر إعادة بناء الجيش كمؤسسة وطنية مهنية واحدة، وبناء دولة خدمات ممولة بنظام ضريبي عادل، وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون. فالدولة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالمؤسسات، ولا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالشرعية والعدالة
في ذكرى الاستقلال، والسودان تحت وطأة الحرب، يتأكد أن الاستقلال ليس لحظة تُحتفل بها، بل مسيرة طويلة لم تكتمل بعد. فالسيادة الحقيقية لا تُقاس برفع العلم، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة وأمان داخل دولة تحميه ولا تحاربه والحرب الراهنة، رغم فداحتها، تفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة التفكير في السودان من جذوره. وليس هذا تفاؤلًا ساذجًا، بل إدراكًا بأن المعنى الحقيقي للاستقلال يُختبر دائمًا في لحظات الخطر، حين يصبح بناء الدولة شرطًا للبقاء، لا مجرد حلم مؤجل.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة