من المزايدة إلى المقاصّة: اختبار النخب عند لحظة الدم كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-01-2026, 06:41 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
12-31-2025, 11:32 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 197

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
من المزايدة إلى المقاصّة: اختبار النخب عند لحظة الدم كتبه خالد كودي

    11:32 AM December, 31 2025

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    31/12/2025 ، القاهرة

    من "المزايدة" إلى "المقاصّة": ماذا يفضح خطاب النخب، د. كبلو عن الحزب الشيوعي نموزج!؟
    إنّ المتابع لمسار الخطاب السياسي للنخب السودانية في قضايا الحرب والسلام يلحظ إصرارًا متكررًا على الاشتغال بمنطق المزايدة الأخلاقية، لا بمنهج التحليل العلمي البنيوي والموضوعي. فبدل تفكيك الشروط التاريخية والمؤسسية التي أنتجت العنف، يجري الاكتفاء بإدانة نتائجه، وكأن الجريمة حادثٌ منفصل عن النظام الذي أنشأها ورعاها. ويتجلّى هذا المنطق بوضوح في حديث د. صدقي كبلو في برنامج سودان بودكاست المنتشر في الاسافير، حين قال:
    (يعني في زول عاقل بيقول أنا طلعت أدافع عن الشعب السوداني، أمشي أضع يدي في الدعم السريع البينتهك أي حاجة للشعب السوداني؟ قتل، عذّب، سرق، كسر، وإنت بتدّعي إنك بتاع حقوق إنسان وبتاع دولة وبتاع سودان جديد؟… الزول العاقل بشوف إنو الحرب ضد مصالح كل السودانيين، إلا الناس البتحارب ديل، عندهم مصالح خاصة: عايزين يصلوا للسلطة، يستردوا ممتلكاتهم المصادرة، يغتنوا من جديد، يوسّعوا نفوذهم) الخ الحديث....
    هذا الخطاب، رغم اتساقه الأخلاقي الظاهري، يشتغل في مستوى الإدانة الأخلاقية لا في مستوى تحليل البنية التي أنتجت الجريمة. فهو يُدين الفاعل، لكنه يعزل الفعل عن شروط إنتاجه، ويحوّل العنف إلى انحراف أخلاقي بدلاً من كونه وظيفة داخل نظام سياسي–اقتصادي محدد. وهنا يكمن مأزق الخطاب: فهو يربح "تصفيقًا أخلاقيًا"، لكنه يخسر السؤال الجوهري الذي يفترض أن يطرحه أي تحليل مادي نقدي، وهو: كيف تُنتج الدولة قوةً شبه عسكرية، ثم تدمجها، ثم تفاوضها، ثم تعود لتدينها حين يتغيّر ميزان القوة؟ ده كلام ده!!
    إن ما يغيب عن هذا النوع من الخطاب هو أن قوات الدعم السريع لم تنشأ خارج الدولة، ولم تكن انحرافًا طارئًا عن نظامها، بل تشكّلت داخل بنيتها الأمنية والاقتصادية، ومُنحت الشرعية القانونية، واستُخدمت كأداة لإدارة العنف باسم المركز. ومن ثمّ، فإن إدانتها بمعزل عن مساءلة البنية التي أنشأتها، موّلتها، وتستدعيها عند الحاجة، لا تمثّل موقفًا مبدئيًا بقدر ما تمثل تفريغًا أخلاقيًا يريح الضمير ولا يغيّر الواقع.
    هنا تتجلّى وظيفة المقاصّة لا بوصفها محاكمةً أخلاقية لأفراد، بل باعتبارها مساءلةً شاملة للبنية التي تتغيّر وجوهها بينما تبقى آليتها واحدة. فالمقاصّة لا تطرح سؤال: من ارتكب الجريمة؟ فقط، بل تذهب أعمق لتسأل: من صاغ النظام الذي جعل الجريمة ممكنة، بل مقبولة، بل قابلة للتكرار؟ ومن الذي شرعنها سياسيًا وقانونيًا، ثم تنصّل منها حين تغيّر ميزان القوة؟
    بهذا المعنى، فإن الخطاب الذي يُدين قوات الدعم السريع دون أن يضعها داخل تاريخ الدولة الأمنية الريعية، إنما يعيد إنتاج الوهم ذاته الذي غذّى الكارثة منذ بدايتها: وهم أن المشكلة تكمن في "فاعل منحرف"، لا في بنية صنعت هذا الفاعل ورعته واستخدمته. وحين يُفصل الفعل عن سياقه البنيوي، يتحوّل النقد الأخلاقي من أداة تفكيك إلى أداة تعمية، ويغدو جزءًا من آلية إعادة إنتاج الأزمة بدل أن يكون مدخلًا لتجاوزها.
    المقاصّة الحقيقية، إذن، لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف النظام الذي أتاح لهم أن يكونوا ما هم عليه. وهي لا تُقاس بحدة اللغة ولا بارتفاع النبرة، بل بعمق السؤال الذي تطرحه: كيف تشكّلت الدولة؟ ولصالح من تعمل؟ وبأي منطق تُدار القوة داخلها؟ من دون مواجهة هذه الأسئلة، سنبقى ندور في الحلقة ذاتها: إدانة متأخرة، ذاكرة انتقائية، ودولة تعيد إنتاج عنفها بأسماء مختلفة، فيما يُترك الحاضر معلّقًا على حسابٍ لم يُفتح بعد- والي بعضا من هذا الحساب:

    ١/ من "التكتيك" إلى شرعنة الأمر الواقع: تاريخٌ يعيد نفسه
    هذه المفارقة ليست حادثةً منفصلة، بل امتدادٌ لمعضلة قديمة في سلوك النخب الحزبية—يسارًا، ووسطا ويمينًا—بين خطاب القطيعة وممارسة "المرحلية" التي تنتهي عمليًا إلى الاعتراف بسلطات الأمر الواقع. مثلا، منذ انقلاب 25 مايو 1969 عاش الحزب الشيوعي السوداني هذه الثنائية؛ ثم انفجرت العلاقة في لحظةٍ دامية بعد 19 يوليو 1971 وما تلاه من موجة إعدامات واسعة في 28 يوليو 1971. ولمّا جاءت ديكتاتورية الإنقاذ بانقلاب 30 يونيو 1989، تكرّر مأزق الواقعية بصورة أخرى في سياق "دولة الحرب": حرب الجنوب (1983–2005)، ثم دارفور منذ 2003، ثم جبال النوبة/النيل الأزرق منذ 2011. في هذه المنعطفات ظل خطابٌ واسع من النخبة يفضّل عبارات "وقف الحرب" و"استعادة الديمقراطية" دون تسميةٍ بنيوية لطبيعة الدولة العسكرية–الأمنية التي تنتج الحرب كسياسة حكم، لا كطارئٍ عسكري.
    وجاءت انتفاضة ديسمبر لتضع النخب أمام اختبارٍ مباشر: بعد سقوط البشير في 11 أبريل 2019، اختيرت شراكةٌ انتقالية مع العسكر عبر وثيقة 17 أغسطس 2019، رغم أن الدعم السريع كان قد تشكّل رسميًا كقوة منذ 2013، ثم جرى تقنينه بقانون صادر في 16 يناير 2017، أي إن وجوده لم يعد "انفلاتًا خارج الدولة" بل جزءًا من هندستها القانونية والأمنية وجاء وفي جعبته جرائم تشيب لها الابدان... صحيح أن الحزب الشيوعي أعلن رفضه للوثيقة لاحقا ثم انسحب من تحالف الحرية والتغيير في 7 نوفمبر 2020، لكن "الأثر الأخلاقي" كان قد ترسّخ: قبولُ معادلةٍ سمحت بشرعنة شراكة مع بنيةٍ مسلحة داخل الدولة بعد مجزرة كبرى وقعت قبلها بأسابيع... ولا ماياهو؟

    ٢/ شروط القطيعة: اختبار البنية لا شتم الظاهرة
    القطيعة ليست شعارًا ضد طرفٍ بعينه، بل معيارٌ ضد "آلية إنتاج العنف" داخل الدولة. السؤال الحاسم ليس: من هو الأسوأ؟ بل: كيف نكسر ماكينة إعادة إنتاج السودان القديم؟ ففي السودان، تعدّد الفاعلين المسلحين يخفي وحدة الوظيفة: مركزٌ سياسي–اقتصادي يصنع أدوات العنف، يفوضها، يساوم بها، ثم يطالب المجتمع بالمفاضلة بين نتاجه. لهذا يصبح شرط النزاهة السياسية واضحًا: من يرفض التحالفات اليوم باسم الأخلاق، عليه أن يعلن رفضه لمبدأ الشراكة المدنية–العسكرية الذي كُرّس يوم 17 أغسطس 2019، ويتحمل نتاج فعلته لا أن يجعل الأخلاق والمثالية مطرقةً تُرفع فقط على خصوم اللحظة!

    ٣/ المقاصّة الأخلاقية: حين تتحول الذاكرة إلى أداة انتقائية
    المعيار الأخلاقي الجاد لا يُستدعى ضد الدعم السريع وحده، بل ضد كل سلطة عنف: الجيش، الأمن، المليشيات، ومن منحها الغطاء السياسي والشرعي. وإلا صار الخطاب جزءًا من "بيروقراطية تبرير" — بتعبير قريب من تحذير حنّة أرندت من تحويل الشر إلى إجراءاتٍ وتكييفات — حيث يصبح الدم بندًا تفاوضيًا لا حقًا للضحايا. إذا كانت الحقوق "لا تسقط بالتقادم"، فالمقاصّة تشمل ثلاث حلقات لا تُفكّك واحدةً وتترك اثنتين:
    أولا، من نفّذ الانتهاكات، ثانيا، من شرعنها أو وفّر لها الغطاء، وثالثا، من حوّل الدم إلى تكتيك سياسي.

    ٤/ المقاصّة بحساب البنية: الدعم السريع كأداة دولة لا كاستثناء
    اختزال الدعم السريع إلى "جسم منفلت" كم يروج استاذنا كبلو وغيره من النخب السياسية يطمس الحقيقة الأكثر خطورة: أنه-الدعم السريع صُمّم داخل منطق الدولة الأمنية باعتباره ذراعًا لخفض كلفة العنف على المركز ورفع فعاليته في الأطراف، ثم تمدد اقتصاديًا عبر شبكات الريع واقتصاد الظل (حراسة، تهريب، ذهب، شركات واجهة)... بالحيل، حتى صار "دولة داخل الدولة". هنا تتعرّى مسؤولية النخب: كثير منها تعامل مع تفويض العنف عبر وكلاء مسلحين باعتباره حلًا عمليًا، ثم ادّعى البراءة حين يتحول الوكيل إلى شريك أو منافس. وهذه ليست مفارقة سودانية صرفة؛ إنها نمط معروف في دول الريع والأمن حين يفلت الوكيل لأن الدولة أصلًا قامت على "تفويض العنف" لا احتكاره المدني الخاضع للمساءلة!

    ٥/ المقاصّة بحساب الضحايا: قيمة الدم تتبدل بتبدل هوية الضحية
    العلامة الأخطر على المزايدة هي مرونة التعاطف وانتقائيته. عندما كانت الجرائم تُرتكب في دارفور وجبال النوبة، سهل على المركز أن يعاملها كهامش بعيد أو "نزاعٍ محلي". وعندما وصل العنف إلى الخرطوم في 3 يونيو 2019 صار الدم مرئيًا، لكنه دخل سريعًا سوق التسويات (تفاوض/وثيقة/شراكة). ثم حين انفجرت الحرب في 15 أبريل 2023 وصار المدنيون ضحايا الطرفين، برزت انتقائية أخلاقية خطيرة: إذ تُستدعى ضحية الجيش أحيانًا لتبييض المؤسسة العسكرية، بينما تُستدعى ضحية الدعم السريع لتجريم أي مشروع يسعى إلى تفكيك بنية الدولة القديمة. بهذا المعنى، لا تُستحضر المعاناة بوصفها حقًا إنسانيًا مطلقًا، بل تُستخدم كأداة خطابية لخدمة موقع سياسي محدد. وهذا ما يمكن تسميته بـ "تشييء الضحية": أي تحويل الألم الإنساني إلى رأس مال رمزي في صراع السلطة، بدل أن يكون منطلقًا للعدالة.
    هنا يكتسب استدعاء إيمانويل ليفيناس معناه الأخلاقي العميق؛ فـ"وجه الضحية"، عنده، ليس موضوعًا للتأويل السياسي ولا مادة للتوظيف الخطابي، بل نداء أخلاقي سابق على كل سياسة، يفرض التزامًا غير مشروط تجاه الإنسان بوصفه إنسانًا. وعندما يُنتقى هذا الوجه أو يُستبعد بحسب موقع الفاعل في الصراع، فإننا نكون أمام انهيار أخلاقي لا مجرد خطأ في التقدير
    وحتى إذا تغيّرت تموضعات بعض القوى لاحقًا، أو أعادت صياغة خطابها كما فعلت قوات الدعم السريع في مراحل لاحقة برفع شعارات جديدة أو تبنّي رؤى مغايرة كتأسيس، فإن ذلك لا يلغي التاريخ ولا يمحو المسؤولية. فالتحولات الخطابية لا تمحو الأفعال السابقة، ولا تمنح البراءة بأثر رجعي. التاريخ لا يُمحى بالتموضع الجديد، ولا تُلغى الجرائم بتغيير الرؤي او اللغة السياسية، بل تُواجه بالاعتراف والمساءلة وإعادة بناء البنية التي أنتجتها.

    ما الذي ينبغي أن تتعلّمه النخب إن أرادت مستقبلًا خارج دائرة الفشل؟
    إذا أرادت النخب السياسية السودانية بيمينها ويسارها ووسطها أن يكون لها مستقبل أخلاقي وسياسي، فعليها أولًا أن تعترف بحقيقة جوهرية طال إنكارها: الجرائم ليست أصل الأزمة، بل عرضها؛ أما الجذر الحقيقي فهو بنية الدولة نفسها. فالعنف الذي شهدته دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ثم الخرطوم، ليس انحرافًا طارئًا ولا نتاج "سوء استخدام للقوة"، بل نتيجة منطقية لدولة مركزية عسكرية تأسست تاريخيًا على نفي التعدد والتهميش البنيوي، واحتكار السلطة، وتفويض العنف بوصفه أداة حكم. إن التركيز الحصري على الجرائم—مهما كانت فداحتها—من دون تفكيك البنية التي أنتجتها، لا يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الفشل والمزيد من الجرائم... وبلاش احتيال، ولف ودوران!

    أول ما ينبغي وضعه بلا مواربة أمام النخب السودانية—من الحزب الشيوعي، إلى المؤتمر السوداني، الي البعث والناصريين مرورًا ببعض تيارات الأمة والاتحاديين، وأطراف واسعة من القوى المدنية والنسوية—هو أن الدولة السودانية القائمة ليست دولة قابلة للإصلاح الأخلاقي، بل بنية تاريخية مختلة شاركت هذه القوى، بدرجات متفاوتة، في شرعنتها أو التعايش معها أو تدويرها وتبريرها. فالأزمة ليست في أخطاء مرحلية ولا في "سوء إدارة"، بل في منطق نشأة دولة تأسست على الإقصاء، واحتكار السلطة، وإعادة إنتاج الامتياز عبر العنف. وكما نبّه ألكسيس دو واال وغيره من الدارسين لمثل الحالة السودانية، فإن الأنظمة المبنية على الامتياز لا تسقط بسبب فسادها وحده، بل بسبب عجزها البنيوي عن استيعاب المساواة—أي عن التحول من دولة تحكم الناس إلى دولة يحكمها القانون.
    في السودان، تجسّد هذا العجز في مركزية خانقة، وفي تسييس الهوية، وفي الغياب الكامل لأي مسار للعدالة التاريخية. ونتيجة لذلك تشكّلت مؤسسة عسكرية لم تُبنَ لحماية المجتمع، بل لحماية الدولة من المجتمع، ولم تُصمَّم لضمان الأمن العام، بل لإدارة السياسة بالقوة. إن الحديث المتكرر من هذه القوى عن "إصلاح" الدولة أو "إصلاح" الجيش، دون مساس بجذور هذه البنية، ليس إلا إعادة إنتاج للدولة القديمة بأدوات لغوية أكثر تهذيبًا... ممارسة للاستهبال!
    من هنا، تصبح العلمانية—التي تتهرب منها هذه القوى صراحة أو مواربة—شرطًا تأسيسيًا لا خيارًا أيديولوجيًا. فهي ليست مسألة ثقافية ولا شعارًا نخبوياً، بل الإطار البنيوي الوحيد الذي يفصل السلطة عن الانتماء، ويمنع تحويل العقيدة إلى أداة حكم، ويقطع الصلة بين السلاح والوصاية الأخلاقية. الدولة التي لا تفصل بين الدين والدولة/السياسة، ولا بين الجيش والدولة، محكوم عليها بإنتاج جيوش عقائدية أو مليشيات ولاء، لا جيشًا وطنيًا خاضعًا للقانون. وكما يوضح يورغن هابرماس، فإن الديمقراطية لا تقوم إلا على حياد مؤسسي يضمن المساواة أمام القانون، لا الخضوع لتوازنات السلاح أو الخطاب الأخلاقي المتقلب.
    وعليه، فإن الاكتفاء بالدعوة إلى "إصلاح القوات المسلحة" بوصفه إجراءً تقنيًا يعبّر عن العجز ذاته. فالمطلوب ليس الإصلاح، بل إعادة التأسيس: تفكيك العقيدة العسكرية التي نشأت منذ الاستعمار واستُعيد إنتاجها بعد الاستقلال، والتي جعلت من الجيش ذراعًا لدولة مركزية لا أداة لحماية المواطنين. أي مشروع لا يبدأ بتفكيك هذه العقيدة—عقيدة الحراسة والوصاية—سيبقى حبيس التجميل المؤقت.
    بهذا المعنى، فإن التأسيس ليس تعديلًا في الهياكل ولا تحسينًا في الخطاب، بل قطيعة معرفية وسياسية مع الدولة القديمة، وبناء عقد جديد يقوم على العلمانية، والمساواة، واللامركزية، والمساءلة، واحتكار مدني للعنف المشروع. وما لم تواجه هذه النخب تاريخها ودورها في إنتاج هذا المأزق، ستظل تدور في حلقة الإصلاحات الشكلية، تغيّر الواجهات وتبقي الجوهر، وتعيد إنتاج الفشل باسم الواقعية والحكمة السياسية

    إن بناء جيش جديد لا يمكن أن يتم عبر ترقيع المؤسسة القائمة، بل يقتضي قطيعة مفاهيمية واضحة مع منطقها التاريخي. فالجيش المنشود لا يقوم على الولاء أو الغموض الأيديولوجي، بل على عقيدة دستورية صريحة يكون فيها دوره حماية الدستور والمواطن، لا حماية "الوطن" بوصفه مفهومًا مطاطًا يُستدعى لتبرير قمع المجتمع. هذه العقيدة لا تكتمل إلا بخضوع كامل للسلطة المدنية المنتخبة، وبنظام رقابة برلمانية وقضائية صارمة، يضع القوة المسلحة تحت القانون لا فوقه. كما يقتضي الأمر تمثيلًا عادلًا لأقاليم السودان المختلفة داخل المؤسسة العسكرية، بما يعكس تعددية البلاد، لا مركزيتها التاريخية التي أنتجت الإقصاء والصراعات.
    وبالمثل، فإن أجهزة الأمن لا يمكن إصلاحها ما دامت قائمة على منطق "الأمن الوقائي العنصري" الذي يرى المجتمع بوصفه خطرًا محتملاً. المطلوب ليس تغيير الأسماء أو إعادة الهيكلة الشكلية، بل تأسيس أجهزة أمن مدنية جديدة، وظيفتها حماية الحقوق والحريات، لا مراقبة السياسة أو ضبط المجال العام. وكما نبّهت حنّة أرندت، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام القوة ذاته، بل في تطبيعها وتحويلها إلى ممارسة إدارية يومية، حيث يصبح العنف إجراءً روتينيًا لا حدثًا استثنائيًا.
    ولا يمكن كسر حلقة الفشل دون تبنّي لامركزية حقيقية، لا بوصفها ترتيبًا إداريًا بل تحوّلًا في منطق الحكم. فالدولة المركزية هي التي أنتجت الحروب، لأنها احتكرت القرار وفرضت حلولًا عسكرية على أزمات سياسية واجتماعية عميقة. اللامركزية، في هذا المعنى، ليست تنازلًا من المركز، بل تصحيح تاريخي يعيد السلطة والموارد والقرار إلى المجتمعات التي دفعت ثمن الدولة القديمة دمًا وتهميشًا...ولاتزال!
    وأخيرًا، ينبغي على النخب أن تدرك أن العدالة ليست مجرد محاكمات، بل بنية حكم. صحيح أن الجرائم يجب أن تُحاسب، وأن الحق لا يسقط بالتقادم، لكن الاقتصار على العدالة الجنائية دون تفكيك النظام الذي أنتج تلك الجرائم لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة كما أسلفنا وكررنا مرارا. وكما يقول والتر بنيامين، فإن أخطر أشكال العنف هو ذاك الذي يتخفّى في هيئة قانون ونظام.
    أن ما يحتاجه السودان ليس مزيدًا من الإدانات، بل قفزة معرفية وأخلاقية: انتقال من سؤال "من ارتكب الجريمة؟" ثم التباكي إلى سؤال أعمق هو: "أي دولة أنتجت هذه الجريمة؟" ثم مواجهتها - ومن إدارة الأعراض إلى اقتلاع الجذور؛ دولة علمانية، ديمقراطية، لامركزية علي حد حق تقرير المصير، بجيش مهني واحد، وأجهزة أمن مدنية، وسلطة تخضع للمساءلة لا للسلاح. دون ذلك، ستظل الجرائم تتبدل في أشكالها، بينما يبقى جوهر الأزمة ثابتًا، وتبقى النخب—مهما بدّلت لغتها—جزءًا من المشكلة لا من الحل.

    خاتمة: المقاصّة بوصفها شرط تأسيس لا ذريعة ضرورة
    ليست "المقاصّة" فعلَ غضبٍ أخلاقي عابر، ولا ردّ فعلٍ انفعالي على حدثٍ دمويّ، بل هي اختبارٌ جذري لقدرة النخب على كسر البنية التي أعادت، عبر عقود، إنتاج الدولة السودانية كجهاز لإدارة الامتياز لا كفضاء للمواطنة. فالمشكلة لا تكمن في فظاعة الجرائم وحدها، بل في المنطق الذي يبرّرها، ويحوّلها—كلما لزم الأمر—إلى "ضرورة سياسية" تُدار باسم الواقعية والحكمة، بينما هي في جوهرها آلية دفاع عن مصالح تاريخية متجذّرة.
    من هذا المنظور، فإن خطاب د. صدقي كبلو، وغيره من النخب الذي يستنكر التحالف مع قوات الدعم السريع بوصفه فعلًا غير عقلاني أخلاقيًا، يظل حبيس هذه البنية ذاتها. فهو يختزل الأزمة في سؤال السلوك والنيات، لا في سؤال التكوين التاريخي للدولة التي أنتجت هذا الفاعل وشرعنته ثم فاوضته. بذلك، تتحول "العقلانية" إلى غطاء أخلاقي لإعفاء البنية من المساءلة، ويُعاد تعريف السياسة بوصفها إدارةً للأضرار لا تفكيكًا لأسبابها.
    لقد أثبتت التجربة السودانية أن "الضرورة" ليست مفهومًا محايدًا، بل أداة أيديولوجية تُستدعى كلما اهتزّت امتيازات النخب. تُرفع حين يُراد تبرير الشراكة مع العنف، وتُسحب حين يصبح العنف عبئًا أخلاقيًا أو سياسيًا. وهكذا تتحول السياسة إلى إدارة دائمة للأزمات، لا إلى مشروع لتجاوزها، وتُعاد صياغة الأخلاق بما يخدم بقاء البنية لا تفكيكها. هنا تتجلى أطروحة حنّة أرندت في أوضح صورها: الشر لا يحتاج إلى وحش، بل إلى جهاز إداري يُطبع الاستثناء ويحوّله إلى قاعدة، ويجعل "الضرورة" عقلًا دائمًا لا لحظة استثنائية.
    في هذا السياق، لا تعود "الضرورة" توصيفًا لواقع ضاغط، بل تصبح لغة لتبرير استمرار الامتيازات التاريخية: امتياز المركز على الهامش، وامتياز السلاح على السياسة، وامتياز النخبة على المجتمع. وعندما تُستخدم هذه اللغة لتبرير شراكات الدم أو تعطيل المساءلة، فإنها تكشف جوهرها الحقيقي بوصفها أداة لإعادة إنتاج الدولة القديمة، لا وسيلة لحمايتها من الانهيار.
    من هنا، تغدو المقاصّة فعلًا تأسيسيًا لا أخلاقيًا فحسب. إنها ليست إدانة أشخاص، بل مساءلة البنية التي جعلت من العنف وسيلة حكم، ومن "الضرورة" أيديولوجيا دائمة. إنها إعادة طرح السؤال الجذري: أي دولة نريد؟ دولة تُدار بمنطق الحفاظ على الامتياز ولو عبر الدم، أم دولة تُبنى على تفكيك هذا الامتياز وإعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس المساواة والمساءلة؟
    وحين تفشل النخب في خوض هذا السؤال، فإنها لا تُخطئ التقدير فحسب، بل تُعيد إنتاج المأساة ذاتها. فالتاريخ، كما يُذكّرنا هيغل، لا يعيد نفسه عبثًا، بل لأن شروط التعلم لم تُستوفَ بعد. وفي السودان، لن تُستوفى هذه الشروط ما لم تُكسر دائرة "الضرورة" بوصفها ذريعة، ويُعاد تأسيس السياسة بوصفها فعل تحرّر لا إدارة أزمة.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de