ليسكت بالحزم قطيع النّعاج وينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى ، وتؤول الأمور الى أبي بكر الرقيق ، الرفيق ، الهيّن ، اللّين ، ويظنها قحاتة ذلك الزمان الفرصة الذهبية لنقض عرى الإسلام عروة ، عروة ، ثُمّ للقضاء على الدولة الاسلامية ، وعلى الاسلام ، فيسارعوا لتحريك عناصرهم ليحرضوا ضعاف النّفوس من العوام ( بالهتاف ، وبالعنتريات ، وبالأشعار السّراب التي تنتجها عقول خفاف عجاف ) يحرضونهم للتّوقف عن دفع الزكاة ، فقد كانوا يعرفون أثر المال في النفوس ، ويستجيب الالاف ، قبائل بأكملها ترفض دفع الزكاة ، ويظن أولئك لكثرتهم أنهم بمأمن ، ويظن آخرين لأشفاقهم على المسلمين ، أن التّصدّي لهم بالقوة أمر يمكن أن يؤدي الى مشاكل أكبر ، وفتن أخطر ، وأنّ الحكمة تقتضي التّريث ، والحلم ، ومحاولة إيجاد مخارج أخرى غير الصارم الفتاك ، لكنّ أبابكر الثّاقب الرّأي ، البعيد النّظر ، أدرك أبعاد ذلك الخطر مُنذ اللّحظة الأولى ، فلا فتنة أكبر من تلك التي تهدد الكيان كله ، مثلما أدرك عواقب الرد على ذلك الامر بما لا يتناسب وخطره المحدق ، وشره المستطير ، فقرر فوراً القتال ، قتال كل من يرفض أو يمتنع عن دفع الزكاة ، الركن الثّالث من أركان الإسلام الخمسة ، لم يقرر التّفاوض ، أو الحوار ، أو الاستجابة للمبادرات ، أو الاعتقال ، وانما قرر القتال ، ويحاول عمر ، عمر الذي أشتهر بسطوته ، وشدّته ، وبأسه ، وقوته في الحق ، عمر الذي كان يخترط سيفه لأبسط الأسباب ، يحاول أن يثني أبي بكر عما أنتواه لهول الموقف وتعقيده ، ولخوفه على المسلمين ، وعلى الدولة الاسلامية ، خوفاً من عواقب أشعال نار قد لا تنطفي ، ولكنّ أبوبكر الذي كان يدرك ما يفعل ، ويعرف أن هناك أموراً لا ينفع معها أنصاف الحلول ، يقسم له قائلاً في تصميم لا يقبل التراجع : ( والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ) ، ويتراجع عمر ، لما يريه الله أين الصواب ، ولما يدرك ان استفحال ذلك الامر بالتأكيد سيقضي على الاسلام ذاته وانه لا احتمال اخر مع بقائه ، وان القتال على الاقل فيه احد الاحتمالين ، وتقع حروب الردة ، ويموت فيها من يموت ، ويستشهد فيها من يستشهد ، وينتصر أبوبكر ، والمسلمين المخلصين ، وينجو الاسلام ، وتنجو دولته ، وتبقى قائمة حتى اليوم . وأيام عثمان يتجمع أهل الشر كعادتهم ،( أهل التغيير، والعدالة ، والحريات ) ، يطلقون الاشاعات عن عثمان ، نفس الاشاعات ، والاتهامات ، والأكاذيب التي نسمعها اليوم ، وكأن الزمان لم يستدير ، ويختار عثمان رضي الله عنه التّعامل مع أولئك بالرّفق ، وباللّين ، ظنا منه أن في إمكانه أن يقنعهم بالحق الذي لديه ، وأن يبرهن لهم بطلان إتهاماتهم بالأدلة ، والبراهين التي بين يديه ، ولكن أخصب الاراضي التي ينمو فيها زرع أولئك - على مختلف عصورهم - ويستشري فيها شرهم ، هي أراضي الرّفق اللّين ، والتّسامح ، ففي تلك البيئات يزدادون إنتفاخاً ، وشراً ، لأنه لا ضمير يلجمهم ، ولا أخلاق توقفهم ، فهم في الاصل يطلبون الباطل ، ولا يطلبون الحق ، فكلما ازداد النّاس معهم تسامحاً ، ولينا ، كلما ازدادوا جرأةً ، وتنمراً ، ويتجمع أولئك من العراق ، ومن مصر ، ويزحفون في حقد ، وغل دفين نحو مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحاصرون عثمان الذي تستحي منه الملائكة في بيته ، عثمان الذي طلب من الصحابة عدم قتالهم ، أو الوقوف في وجوههم للدّفاع عنه ، حفاظا على دمائهم ودماء المسلمين ، وحفاظا على بيضة الاسلام .. ويشرع عثمان في التحاور معهم ، وفي الرد على اتهاماتهم ، وفي تفنيدها ، وفي تبيان حججه ، ظنا منه أن رؤية الادلة الساطعة ، والبراهين الواضحة ، كفيلة بان تدفعهم للتخلّي عن مواقفهم المتشددة ، والى الرجوع من حيث أتوا وهم قانعين ، ولكنهم كعادة أمثالهم في كل زمان كانوا مدفوعين بالحقد ، وبالكراهية ، مثلما كانوا يعملون ضمن خطط مدروسة ، لتحقق أهداف محددة ، فاغلبهم كان قطيع تابع ، وأدركهم كان خائن بائع ، لذلك ينتهي الأمر بينه بينهم بقيامهم بقتله في داره والمصحف بين يديه في أسوا جريمة في تاريخ الاسلام كله . وفي عهد الدولة العباسية عندما ولي الرشد كان من أول أعماله أنه قَلّد يحيى بن خالد البرمكي رئاسة الوزراء، وقال له: (قد قلّدتك أمر الرّعيّة، فأخرجته من عُنقي إليك، فاِحكم في ذلك بما ترى)، ودفع له خاتمٌ يَختم نيابة عنه وثق هارون الرشيد بيحيى بن خالد البرمكي لأنه: أبوه بالرضاعة فقد رضع الرشيد وهو طفل من زوجته ، وله الفضل في تثبيت ولايته للعهد وكان مُربّياً له ولكن لما تزايد نفوذ البرامكة وزاد ظلمهم ، واصبحوا خطرا على الدولة لم يعاملهم الرشيد على محبته لهم وعلى اخلاصه لعلاقته بهم باللين ، أو الرأفة ، أو الرفق ، لأنه أدرك ان ذلك لا يتناسب مع الموقف ومع الامن القومي ، وان نتيجة الرفق ستكون خراباً ، لقد بطش بهم بما يتناسب مع الامن الذي يبقى السّلطان والحكم ، ويحافظ على هيبته ، ويكون عبرة لمن يعتبر . وفي عهد الدولة الأموية أيام عبد الملك بن مروان السياسي المحنك ، والمحارب الجسور ، والذي يعرف متى يلجأ الى الشدة ، ومتى يمارس الرفق ، يموج العراق بالفتن ، ويضطرب ، ، فيقرر عبد الملك القضاء على تلك الفتن ، لأنه يعرف أن في استمرارها سقوط دولة بني أمية ، وضياع الاسلام ، فيسرع يبحث عن رجل يكون قدر المهمة التي تحتاج الى بطلا لا يخشى في الله لومة لائم ، رجلا ذو شدة ، وبأس ، اذا قال فعل ، واذا وعد أوفى ، واذا توعد أنجز ، فنفر كِنَانته بين يديه ، وعجم عيدانها عوداً ، عوداً ، فوجد الحجاج أمرَّها ، وأصلبها مكسراً ، فرمى به أهل العراق ، وينطلق الحجاج الذي ندب نفسه للمهمة (و الذي تعمد الاعداء تشويه تاريخه ) ينطلق الى العراق عازماً على بسط هيبة الحكم ، ويخطب خطبته الشهيرة هناك ، ويضع الشّدة في موضعها ، واللّين في موضعه ، ولسانه حاله يقول : ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى ويسكن العراق ، وتنجو دولة الاسلام وتبقى قائمة . ففي المنعطفات الخطيرة كلها ، المنعطفات التي لا تعرف أنصاف الحلول قيض الله للدول التي استمرت رجالاً لا يغامرون بسلامة أوطانهم ، وبقائها فنجت أوطانهم ، ودولهم بفضل صرامتهم وشدتهم واخذهم على يد الظالم بيد من حديد ، لان في ذلك الرحمة كلها ، فعقاب البعض يجعل الاكثرية تنجو ، والتفريط في الحسم يجعل الاقلية تضيع ، وتضيع معها الاكثرية وفي هذا الظلم كله . لذا فما نحتاجه اليه اليوم هو حجاج يحكم السودان ، والسودانيين بالشدة ، وبالقوة ، وبالحزم ، وبالعدل ، أو على الاقل نحتاج الى شورى إسلامية يختار عن طريقها النّاس من يحكمهم ، نحتاج الى قانون الله ، وشرعه الذي طبقه في الماضي حكاماً لم يأتوا بديمقراطية الكفر ، حكاما لم يعينهم فولكر ، و أمثاله ، ولم يتم تدريبهم لخداع الشعوب ، من أجل القضاء على ثقافاتها ، واديانها ، ومعتقداتها ، وعليها ، ولم تشحن قلوبهم بكره الله ، وكل مخالف لهم في الرأي ، أو الفكرة ، فأما ذاك ، وإما ضياع كل شيء ، ويا حكومة السودان ...... اطري فانك ناعلة ... بهاء جميل
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة