منذ الأيام الأولى بعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019، لم يكن المشهد كما بدا على السطح. لم تكن السلطة قد انتقلت فعليًا من يد المؤتمر الوطني، بل أعادت الدولة العميقة ترتيب مواقعها بسرعة، مستفيدة من ارتباك اللحظة الثورية، ومن شراكة عسكرية–مدنية غير متكافئة. حديث الدكتور عادل إبراهيم، وزير المعادن السابق، جاء متأخرًا زمنيًا، لكنه حاسم سياسيًا، حين كشف أن عبد الفتاح البرهان قام بحماية أفراد النظام البائد، وعلى رأسهم علي كرتي، خلال الفترة الانتقالية. هذا التصريح يعيدنا مباشرة إلى سؤال جوهري: كيف يمكن لثورة أن تنجح، بينما رأس المؤسسة العسكرية التي يفترض أنها شريك في الانتقال، يوفر الغطاء السياسي والأمني لأخطر رموز المؤتمر الوطني؟ علي كرتي لم يكن اسمًا عابرًا، بل أحد العقول المدبرة لشبكات الإسلاميين داخل الاقتصاد والأمن والسياسة، وحمايته لم تكن تصرفًا فرديًا، بل جزءًا من قرار أوسع بإبقاء مفاصل النظام القديم حيّة. في المرحلة الأولى من الفترة الانتقالية، بين 2019 و2020، انشغلت الحكومة المدنية بمحاولات تثبيت الاقتصاد ووقف الانهيار. في المقابل، بدأت مؤشرات التخريب تظهر بوضوح. أعضاء لجنة إزالة التمكين تحدثوا لاحقًا عن مقاومة شرسة من داخل مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسات الاقتصادية والعسكرية، لقرارات التفكيك. شركات تابعة للمؤتمر الوطني، وأخرى واجهاتها تغيرت لكن إدارتها لم تتغير، ظلت تعمل بلا مساءلة حقيقية. بين 2020 وبداية 2021، دخلت المؤامرة مرحلة أكثر تعقيدًا. لم يعد التخريب إداريًا فقط، بل اقتصاديًا مباشرًا. كشفت لجنة التمكين أن هذه الشركات نفذت مضاربات ممنهجة في السوق، لتدمير الاقتصاد وأظهار المدنيون كعاجزين وفاشلين. في هذه المرحلة، كان عبد الفتاح البرهان، ومعه قيادات عسكرية أخرى، يوفرون الغطاء الكامل لهذا العبث، إما بالصمت أو بالحماية المباشرة. في المقابل، تُركت الحكومة المدنية بلا أدوات حقيقية: لا سيطرة على الجيش، ولا على الاقتصاد الموازي، ولا على الشركات الأمنية والعسكرية التي تملك مفاتيح السوق. لكن هذه المؤامرة لم تبدأ بالفترة الانتقالية وحدها، بل سبقتها محاولات مبكرة لإجهاض الثورة نفسها. كانت المرحلة الأولى هي فض اعتصام القيادة العامة، كخيار دموي لكسر روح الشارع وإنهاء الزخم الثوري، لكنها فشلت في إنهاء الثورة. ثم جاءت المرحلة الثانية عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021، كمحاولة لإعادة السيطرة الكاملة على السلطة، لكنه فشل بدوره أمام مقاومة شعبية واسعة. ومع فشل الخيارين، لم يتبقَّ أمام بقايا النظام القديم وحلفائهم سوى الخيار الأخير: دفع البلاد إلى الحرب، كرهان أخير لإغلاق الطريق أمام أي انتقال مدني، ولو كان الثمن تدمير الدولة نفسها. مع تصاعد الخلافات داخل قوى الحرية والتغيير، ومع الحملات الإعلامية المنظمة ضد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وحكومته، اكتملت حلقات المؤامرة. الهدف كان واضحًا: امتصاص غضب الشارع، دفعه للملل واليأس، ثم تقديم الانقلاب أو العودة العسكرية كـ«حل اضطراري». ما جرى في 25 أكتوبر 2021 لم يكن قطيعة مع الفترة الانتقالية، بل تتويجًا لمسار بدأ منذ اليوم الأول لسقوط البشير. هكذا أُجهضت الفترة الانتقالية: بحماية علي كرتي، بتعطيل لجنة التمكين، بتخريب الاقتصاد، وبشراكة عسكرية لم تكن يومًا معنية بانتقال مدني حقيقي. لم تسقط الثورة فجأة، بل جرى خنقها ببطء. ولم يعد مقبولًا بعد اليوم التعامل مع ما جرى كأخطاء مرحلة أو سوء تقدير سياسي. ما حدث كان خيانة مكتملة الأركان لثورة شعب. المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع بوضوح على من وفروا الحماية لرموز النظام البائد، ومن عطلوا تفكيكه، ومن استخدموا الاقتصاد كسلاح ضد المواطنين، ومن اختاروا فض الاعتصام ثم الانقلاب ثم الحرب كوسائل لإجهاض أي أمل في انتقال مدني حقيقي. هذه المسؤولية لا تسقط بالتقادم، ولا تغطيها شعارات السيادة ولا دعاوى الحفاظ على الدولة. كل من حمى علي كرتي، وكل من أعاق لجنة التمكين، وكل من شارك في تخريب الاقتصاد، وكل من برر انقلاب 25 أكتوبر أو مهد له أو صمت عنه، شريك مباشر في ما آلت إليه البلاد من دمار وتشريد وحرب مفتوحة. الثورة لم تخسر لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها وُوجهت بتحالف منظم قرر أن يحكم أو يُحرق البلد. والتاريخ لن يرحم من اختار السلطة على الوطن، ولا من فضل بقاءه في الكرسي على دماء السودانيين ومستقبلهم. هذه ليست لحظة مجاملة ولا تسويات زائفة، بل لحظة تسمية الأشياء بأسمائها، ومساءلة من خانوا العهد، لأن أي حديث عن مستقبل السودان دون محاسبة حقيقية، ليس سوى تمهيد لتكرار الجريمة ذاتها من جديد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة