يأتي كتاب الهيمنة المصرية على السودان الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع للكاتب الدكتور النور حمد في لحظة سودانية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحرب، والانهيار المؤسسي، والتدخلات الإقليمية، لتعيد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: لماذا فشل السودان، منذ الاستقلال، في تثبيت سيادته وبناء دولة مستقلة القرار؟
لا يتعامل الكتاب مع الحرب الجارية بوصفها صراعًا عسكريًا بين أطراف داخلية فحسب، بل يقدّم قراءة أعمق ترى فيها تتويجًا لمسار تاريخي طويل من إعادة إنتاج التبعية. أطروحة المؤلف الأساسية واضحة: العلاقة المصرية–السودانية لم تكن، في أغلب محطاتها، علاقة شراكة متكافئة، بل علاقة هيمنة متعددة الأدوات، ساهمت في تعطيل التحول الديمقراطي وإدامة الحكم العسكري في السودان. من التاريخ إلى الراهن
يعيد الكتاب تفكيك جذور هذه الهيمنة منذ الحكم الثنائي وما تلاه من استقلال منقوص، مشيرًا إلى أن خروج الاستعمار لم يُتبَع بتفكيك بنيته العميقة. فالدولة السودانية الناشئة ورثت مؤسسات هشّة ونخبًا مرتبطة بالخارج، ما جعلها عرضة للتدخل المستمر. في هذا السياق، يقرأ المؤلف الانقلابات العسكرية المتعاقبة لا كحوادث معزولة، بل كآليات لإعادة ضبط المجال السياسي بما يضمن استمرار النفوذ الإقليمي، وعلى رأسه النفوذ المصري. أدوات النفوذ: أكثر من السياسة
يمتد تحليل الكتاب إلى ما هو أبعد من السياسة المباشرة. فالإعلام والتعليم، وفقًا للمؤلف، لعبا دورًا محوريًا في تشكيل وعي عام يطبع العلاقة مع مصر بوصفها “قدرًا جغرافيًا” لا يجوز مساءلته. كما يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالاقتصاد السياسي للهيمنة: ملف المياه، الأراضي الزراعية، الموارد الطبيعية، والتبادل التجاري غير المتكافئ، بوصفها أدوات ضغط لا تقل فاعلية عن الأدوات الأمنية.
ثورة ديسمبر والاختبار الحاسم يمثل فصل ثورة ديسمبر 2018 أحد أكثر أقسام الكتاب حساسية. هنا يرى الكاتب أن الثورة كشفت حدود “الاستقرار السلطوي” الذي تفضّله قوى إقليمية عديدة. فنجاح انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان، بحسب التحليل، كان سيشكّل تهديدًا مباشرًا لنموذج الحكم العسكري في الإقليم. ومن ثمّ، لم يكن دعم “الاستقرار” سوى دعم غير مباشر لإعادة إنتاج سلطة العسكر، حتى وإن قاد ذلك إلى انسداد سياسي انتهى بالحرب.
الداخل شريك في الأزمة لا يكتفي الكتاب بنقد الخارج. إحدى نقاط قوته الأساسية أنه يحمّل النخب السودانية نصيبًا وافرًا من المسؤولية. فـ“الهيمنة”، كما يقدّمها المؤلف، لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تُستدعى من الداخل عبر تحالفات مصلحية قصيرة النظر، فيما يسميه “الاستعمار بالاستدعاء”. بهذا المعنى، تصبح الأزمة السودانية نتاج تفاعل بين ضغط خارجي وقبول داخلي، لا مؤامرة أحادية الاتجاه.
كتاب جدلي… وضروري قد يثير الهيمنة المصرية على السودان جدلًا واسعًا، خاصة لدى من يفضّلون مقاربة العلاقات الإقليمية بلغة المجاملات الدبلوماسية. غير أن أهمية الكتاب تكمن تحديدًا في كسره لهذا السقف، وطرحه أسئلة صعبة حول السيادة، والدولة، وحدود “الأخوة” حين تتحول إلى وصاية.
ليس هذا الكتاب بيان خصومة مع مصر، بقدر ما هو دعوة صريحة لإعادة تعريف العلاقة على أساس الندية والمصالح المتبادلة. وهو، قبل ذلك وبعده، محاولة لفهم جذور المأساة السودانية خارج الاختزالات السهلة، وإعادة وضع الحرب الراهنة في سياقها التاريخي والسياسي الأوسع.
في زمن تميل فيه التحليلات السريعة إلى اختزال الأزمة في معارك اليوم، يذكّرنا هذا الكتاب بأن ما نعيشه هو، في جوهره، نتيجة تاريخ لم يُحاسَب بعد
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة