منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين قبل قرن على يد حسن البنا ، خضعت الحركة لتحولات فكرية وسياسية متسارعة انتقلت بها من دعوة إصلاحية معتدلة إلى تقاطع مع الفكر التكفيري والإرهاب العابر للحدود . ففي البدء ركّزت على التربية والتنظيم لإعادة بناء المجتمع ، لكن انقساماتها الداخلية – وخصوصًا تأثير سيد قطب الذي حوّله السجن إلى متشدد عبر مفهوم « الجاهلية الكبرى » – أسس في كتابي « معالم في الطريق » و « في ظلال القرآن » منظومةٍ ترى الصراع مع «الجاهلية» ( الأنظمة والشعوب ) ضرورة وجودية . وقد حملت هذه الأطروحة بذور التكفير والعنف ، وفتحت الباب أمام تفاعل الإخوان مع الفكر التكفيري ومنحت الغطاء النظري للجماعات العنيفة لاحقًا .
شكّل السودان في عهد البشير محطة مركزية لهذه التحولات ، إذ استضاف رموزًا من التيارات المتشددة ، ووفّر بيئة آمنة لتنسيق أنشطة عابرة للحدود . هذا الإرث الثقيل أصبح اليوم جزءًا من النقاش حول التصنيف المحتمل أو القائم لإخوان السودان كجماعة ارهابية ، خصوصًا بعد اتساع الاتهامات بارتباط بعض عناصرهم بعمليات ذات طبيعة إرهابية .
في الولايات المتحدة ، فقد جاء تحرك لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس باتجاه تبني أساس قانوني لتصنيف الجماعة في سياق حساس ، تزامن مع هجمات استهدفت مصالح أمريكية في سوريا وأستراليا ، ما عزّز قناعة بعض المشرعين بارتباط الخطاب الإخواني ببيئة تُنتج التطرف .
انعكاسات أي تصنيف رسمي لإخوان السودان ستكون مباشرة ، سياسيًا عبر تقليص قدرتهم على التأثير في المشهد الانتقالي ومستقبل الحكم ، وأمنيًا عبر ملاحقات وتجميد أنشطة وشبكات دعم . ويتقاطع ذلك مع موقف “الرباعية” الدولية التي شددت على استبعاد الجماعة من أي صيغة حكم مستقبلي ، ذلك لبروز إشكالية الإخوان كقوة تسعى لإشعال الحرب الأهلية سبيلًا للعودة إلى السلطة بعد إزاحتهم من الحكم عام 2019 .
المؤشرات على هذا التوجه تتجلى في التصعيد الخطابي والتحريض على العنف ، مما يطرح سؤالًا جوهريًا : هل يُعدّ دعم العنف أداةً مشروعة للاستقطاب السياسي ؟ الإجابة واضحة : المجتمع الدولي لم يعد يقبل بجماعات تستخدم الحرب وسيلةً لاستعادة الشرعية المفقودة .
في ضوء الاتهامات المتعلقة بدورها في إشعال الحرب الراهنة أملاً في العودة إلى السلطة ، تبدو نهاية الدور السياسي للإخوان في السودان أكثر ترجيحًا ، كإحدى النتائج الطبيعية لمسار فكري وتنظيمي قادهم إلى مواجهة مفتوحة مع العالم والمجتمع والدولة على حد سواء ، وثمرة منطقية لمنهج رأى في العنف طريقًا إلى السلطة ، وفي التكفير بديلًا عن الحوار . فهذه النهاية المؤلمة شهادة على أن الأيديولوجيا المتطرفة لا تنتج إلا الخراب .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة