لا تخاض الحروب على الأرض وحدها بل على الذاكرة أيضا. فقبل أن تدمر المدن وتزهق الأرواح، تستهدف القدرة على التذكر، لأن الذاكرة هي ما يمنح الألم اسمه، ويمنح الظلم معناه، ويمنع العنف من أن يتحول إلى أمر عادي. في المشهد السوداني الراهن، تبدو الحرب كأنها لا تسعى فقط إلى فرض واقع جديد بالقوة، بل إلى قطع الصلة مع ذاكرة ديسمبر بوصفها ذاكرة أخلاقية ما تزال تطرح- بإلحاح- أسئلة الحرية والسلام والعدالة.
يستدعي بول ريكور وعينا بأن الذاكرة لا تنحصر في استعادة الماضي، بل هي مسؤولية تجاه الغائبين، فالتذكرعنده شرط للاعتراف، والاعتراف شرط للعدالة. وفقدان الذاكرة ليس دائما بريئا فهناك نسيان طبيعي يسمح للحياة أن تستمر، وهناك محو مفروض يستخدم أداة للسلطة، يراد به إغلاق الملفات قبل أن تفتح، ودفن الأسئلة قبل أن تطرح. الحرب تخلق زمنا طارئا يضغط على الناس للتخلي عن التذكر ليس لأنهم شفوا بل لأن استحضار الماضي صار خطرا.
يتجلي هذا الخطر بوضوح في ردود الفعل التي صاحبت الخروج الأخير لإحياء ذكرى ثورة ديسمبر إذ لم يقابل هذا الفعل بوصفه ممارسة تذكر جماعي، بل جرى تأطيره في بعض وسائل الإعلام والمنصات باعتباره خرقا يستوجب الاعتقال والمحاسبة، وتفعيل القوانين الرادعة، وكأن استعادة الذاكرة نفسها تحولت إلى تهمة لا إلى حق أخلاقي.
ديسمبر- منذ لحظتها الأولى- لم تكن احتجاجا على وضع سياسي فحسب، بل انكشافا أخلاقيا وإدراكا جماعيا بأن ما كان قائما لا يمكن تبريره، وأن الصمت عنه لم يعد ممكنا. حين ارتفعت أسماء الشهداء في الشوارع، لم يكن ذلك استدعاء للماضي من أجل البكاء بل مطالبة صريحة بالاعتراف. لم تكن الذاكرة حنينا بل فعل مساءلة. تفرق الكاتبة حنّة أرندت بوضوح بين العنف والسلطة، وترى أن العنف يظهر حين تفشل السلطة في إقامة شرعية قائمة على الفعل المشترك. قد يفرض العنف الطاعة لكنه يعجز عن بناء عالم قابل للحياة. في المقابل، الفعل السياسي الحقيقي هو ما يفتح أفق بداية جديدة. كانت ديسمبر لحظة بداية، رأى فيها الناس إمكانية العيش خارج منطق الخوف. وما تحاول الحرب فعله اليوم هو إغلاق هذا الأفق وتحويل العنف إلى حالة طبيعية، وإعادة تعريف السياسة بوصفها شأن السلاح وحده حين يقال إن "المجد للبندقية لا للساتك"، لا يكون ذلك توصيفا للواقع بقدر ما هو إعلان عن اختزال السياسة في القوة المادية العارية ونفي لأي قيمة للفعل المدني، وللكلمة، وللجسد الأعزل الذي طالب يوما بحقه في المجال العام. هذا الخطاب لا يهمش الذاكرة فحسب، بل يعيد تشكيل الوعي، ويقنع الناس بأن السياسة لا تعني إلا الغلبة، وأن الصوت لا قيمة له ما لم تحمله فوهة بندقية. تعمل الذاكرة بوصفها فعل مقاومة، تذكر بأن السياسة في أصلها لم تبدأ بالسلاح، بل بالناس حين خرجوا معا بلا حماية سوى المعنى.
يذهب والتر بنيامين أبعد من ذلك حين يقول إن التاريخ الذي يكتب من وجهة نظر المنتصرين هو تاريخ أعمى، فالعدالة عنده، لا تتحقق عبر تجاوز الماضي بتواطؤ صامت، بل عبر إنصاف الضحايا، وإنقاذ ذاكرتهم من المحو الرمزي. الحرب تحاول دائما إعادة كتابة التاريخ، أن تجعل الدمار أضرارا جانبية، والضحايا أرقاما، والثورة خطأ يجب تجاوزه. في مواجهة هذا الخطاب تعمل الذاكرة كوقفة نقدية تقطع السردية الجاهزة وتعيد الاعتبار لمن سحق باسم الضرورة.
ليست الحرب صراعا على السلطة فحسب بل محاولة منظمة لإعادة تعريف الممكن، والمسموح، والمنسي. وحين يطلب من الناس أن ينسوا ديسمبر، فإن ما يطلب منهم في الحقيقة هو التنازل عن حقهم في السؤال، والمحاسبة، وتخيل سياسة لا تقوم على فوهة البندقية. فالتغاضي المتعمد ليس حيادا بل اصطفاف، وليس راحة بل استسلاما. لذلك، فإن التمسك بذاكرة ديسمبر ليس فعل حنين، بل شكل من أشكال العصيان الأخلاقي ورفض صريح لتحويل العنف إلى قاعدة، والظلم إلى واقع لا يناقش.
ما دامت هذه الذاكرة حية فإن الحرب العارية لم تنتصر بعد، لأن أخطر ما تسعى إليه ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المعنى. والحرب دوما تحاول جاهدة هدم المعاني قبل المباني!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة