عودة الي د.اماني الطويل : دبلوماسية الخطوط الحمراء
هل أُديرت دماء السودان كأنها عصير كركدي مسكوب؟
بقلم: د. أحمد التيجاني سيد أحمد كريسماس ٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
حين أعلنت القاهرة أن «وحدة السودان خط أحمر»، بدا التصريح في ظاهره موقفًا داعمًا لوحدة دولة جارة تعصف بها الحرب. لكن القراءة المتأنية تكشف أن المسألة أعمق من مجرد تضامن سياسي؛ إنها تعبير صريح عن كيفية نظر الدولة المصرية إلى السودان: لا بوصفه وطنًا لشعب ذي حق، بل بوصفه ملفًا أمنيًا مرتبطًا مباشرة بحسابات الأمن القومي المصري.
هذا الخطاب ليس جديدًا. فقد كُتب السودان طويلًا في العقل السياسي المصري كـ«حديقة خلفية»، وكمجال حيوي يجب ضبطه، لا كشريك متكافئ في السيادة والمصير. من هنا، فإن «دبلوماسية الخطوط الحمراء» لا تُقرأ بمعزل عن هذا الإرث، بل كامتداد له بلغة أكثر صراحة وأقل مواربة.
المشكلة الأساسية في هذا الطرح ليست في إعلان المصالح، فكل الدول تفعل ذلك، وإنما في تجريد المأساة السودانية من بعدها الإنساني. في هذا الخطاب، تختفي صور القتل الجماعي، والنزوح، والإبادة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، لتحل محلها مفردات باردة من قبيل «تفكك الدولة» و«الفراغ الأمني» و«إعادة ضبط السلوك». وكأن دماء السودانيين ليست دماء بشر، بل لون أحمر في معادلة ردع… كأنه عصير كركدي مسكوب على رمال السياسة.
حين يجري الدفاع عن «مؤسسات الدولة السودانية» دون أي تمييز أو مساءلة، يصبح السؤال واجبًا: أي دولة يُراد الحفاظ عليها؟ هل هي دولة المواطنة والعدالة، أم دولة ١٩٥٦ المركزية التي همّشت الأقاليم، وشرعنت العنف، وأطلقت يد المليشيات، ثم انهارت تحت وطأة تناقضاتها؟ إن الدولة التي تحارب شعبها لا تستحق حماية غير مشروطة، بل تستحق تفكيك بنيتها العنيفة وإعادة بنائها على أسس جديدة.
الأكثر إشكالية هو الصمت المتعمد عن الدور الذي لعبته مصر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة إنتاج الأزمة السودانية. فالقاهرة احتضنت قيادات الحركة الإسلامية السودانية بعد سقوطهم، ووفرت لهم منصات سياسية وإعلامية، في وقت كانت فيه الثورة السودانية تُحارب داخليًا وخارجيًا. كيف يمكن الحديث عن «خطوط حمراء» تحمي السودان، بينما القوى التي دمّرته تجد الأمان والدعم خارج حدوده؟
القراءة المصرية للسودان غالبًا ما تظل حبيسة الجغرافيا الضيقة: النيل، الحدود الشرقية، البحر الأحمر. لكن السودان ليس حدودًا فقط؛ السودان هو الهامش الذي يُقتل بصمت، وهو الأقاليم التي تُباد بعيدًا عن عدسات الدبلوماسية. تجاهل هذا الواقع يعني أن أي سياسة تُبنى على هذه القراءة ستظل قاصرة، بل وخطيرة.
في الثقافة السودانية مثل قديم يقول: «يشوف الفيل… ويطعن في ظله». الفيل هنا هو منظومة الهيمنة الإقليمية، أما الظل فهو السودان: الأضعف، الأقرب، والأكثر قابلية للطعن. لا أحد يجرؤ على مواجهة الفيل، لكن الجميع يختبر سكاكينه في الظل.
الخلاصة أن السودان لا يحتاج إلى خطوط حمراء تُرسم فوقه من الخارج، بل يحتاج إلى موقف أخلاقي وسياسي واضح: وقف الحرب فورًا، تفكيك دولة العسكر والكيزان، ومحاسبة كل من ساهم في إشعال هذه المأساة، داخل السودان وخارجه. دون ذلك، ستظل كل دبلوماسية «حمراء» مجرد حبر بارد يُكتب فوق دم ساخن.
ويبقى السؤال معلقًا، ومؤلمًا، ولا يمكن الهروب منه:
هل أُديرت دماء السودان كدماء شعب؟ أم كعصير كركدي في حسابات الجيران؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة