لمئات السنين يضيّع المسلمون الجمعة فيصلونها ظهرا بعد زوال الشمس بدلا من أن تكون (عيدا) -وتصلي قبل الزوال. هذا هو مضمون الخلاف الفقهي بين جمهور العلماء ومذهب الحنابلة؛ الخلاف الذي تحول إلي إختلاف ونزاع بسبب التعصب المذهبي.
رأي الحنابلة في وقت الجمعة: قال به بعض السلف، واختاره الشوكاني؛ ويري: أن صلاة الجمعة قبل الزوال، وذلك علي قولين: 1- أن وقتها في الساعة السادسة (أي: قبل الزوال بساعة)، واختاره الخرقي، وابن قدامة. 2- أن وقتها وقت صلاة العيد، ووقت الضحى.
قال الزركشي في "شرح مختصر الخرقي": "وقال أحمد: روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعد، ومعاوية: أنهم صلوا قبل الزوال، وإذا صلى هؤلاء مع من يحضرهم من الصحابة ولم ينكر، فهو إجماع" وفي صحيح مسلم عن جابر قال: (كان رسول الله يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس) وفي موطأ مالك عن سلمة بن الأكوع: (كنا نصلي مع رسول الله الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل) وفي البخاري ومسلم عن سهل بن سعد: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله) قال الشوكاني في "نيل الأوطار": "فيه دليل لمن قال بجواز صالة الجمعة قبل الزوال، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل. ووجه الإستدلال به: أن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال . وحكوا عن ابن قتيبة أنه قال: "لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال" وفي الموطأ عن أبي سهيل بن مالك: (كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشى الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلى، ثم نرجع بعد صلاة الجمعة، فنقيل قائلة الضحى) وفي الموطأ عن ابن أبي سليط: (أن عثمان بن عفان صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل؛ قال ابن أبي سليط: وكنا نصلي الجمعة مع عثمان وننصرف وما للجدار ظل) - وذكر أن المسافة بين "المدينة" و"ملل": اثنين وعشرين ميلا.
رأي الجمهور: (الحنفية والمالكية والشافعية): ويري أن وقت الجمعة هو وقت صلاة الظهر (بعد الزوال) وأن الجمعة لا تجوز قبل الزوال. واستدلوا بحديث البخاري عن أنس: (أن رسول الله كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس) وكذلك حديث مسلم عن سلمة بن الأكوع: (كنا نجمع مع رسول الله إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء )
- وقد حمل النووي الانصراف من الجمعة مع الزوال -الذي احتج به الحنابلة- علي شدة المبالغة في تعجيل الصلاة بعد الزول. وقد احتج النووي بعمل المسلمين المعاصرين، إذ لا يصلونها إلا بعد الزوال. [النووي: "المجموع شرح المهذب"]
ترجيح رأي الحنابلة: لاحظت أن بعض العلماء حتي الذين يميلون إلي مذهب الجمهور يفتون أحيانا بتجويز صلاة الجمعة قبل الزوال؛ وعلي سبيل المثال: هذه الفتوي بموقع الإسلام سؤال وجواب؛ والتي ملخصها:
"وعلى هذا ؛ لا حرج عليكم أن تصلوا الجمعة قبل وقت صلاة الظهر بنحو ساعة"
أحاديث التبكير ترجّح رأي الحنابلة: هناك أحاديث صحيحة تحض علي التبكير إلي الجمعة استجابة لقوله تعالى {فاسعوا إلي ذكر الله} فمنها ما رواه أوس بن أوس: (من اغتسل يومَ الجمعةِ وغسَّل، وبكَّر وابتكر، ودنا واستمع، وأنصتَ، كان له بكل خطوةً يخطوها أجرُ سنةٍ صيامُها وقيامُها) [أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: - (مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ ثُمَّ راحَ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَن راحَ في السّاعَةِ الثّانِيَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَة...الخ) قال إبن رجب: "وقوله: (ثم راح فكانما قرب بدنةً) المراد: راح في الساعة الأولى؛ بدليل قوله: (ومن راح في الساعة الثانية).. وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الساعات: هل هي من أول النهار، أو بعد زوال الشمس؟ على قولين: أحدهما: أن المراد بها أخر الساعة التي بعد زوال الشمس؛ لأن حقيقة الرواح إنما تكون بعد الزوال، والغدو يكون قبله، كما قال تعالي: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ:12]. واستدلوا –أيضاً –بالحديث الآخر: (المهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنةٍ)، فجعل البدنة بالتهجر، والتهجير إنما هو إلاتيان بالمهاجرة، وإنما يكون ذلك بعد الزوال. هذا تأويل مالكٍ وأكثر أصحابه، ووافقهم طائفة من الشافعية على ذلك.
والقول الثاني: أن المراد بالساعات من أول النهار، وهو قول الأكثرين. ثم اختلفوا: هل أولها من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس؟ فقالت طائفةٌ: أولها من طلوع الفجر، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد. واستدلوا بقوله: ((إذا كان الجمعة، كان على أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الناس الأول فالأول) .. وظاهره: أن ذلك يكون بعد طلوع الفجر. وقالت طائفة: أولها من طلوع الشمس، وحكي عن الثوري وأبي حنيفة ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ورجحه الخطابي وغيره، لأن ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر. ورجح هذا القول عبد الملك بن حبيبٍ المالكي. وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم" [إبن رجب: "فتح الباري"]
الأذان الأول للجمعة بدعة: أشار القرآن إلي نداء الجمعة بقوله: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} فهو لم يقل: (إذا نودي لصلاة الجمعة) لأن السعي إلى الجمعة متعلق بالأذان الأول -أذان التنبيه- وليس الثاني المتعلق بالصلاة وهذا ما يوضحه حديث البخاري عن السائب بن يزيد: (كانَ النِّداءُ يَومَ الجُمُعَةِ أوَّلُهُ إذا جَلَسَ الإمامُ على المِنْبَر ِ على عَهْدِ النبيِّ، وأَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهما، فَلَمّا كانَ عُثْمانُ، وكَثُرَ النّاسُ زاد َ النِّداء َ الثّالِثَ على الزَّوْراءِ)
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (ذكر الفاكهاني: أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحَجّاج، وبالبصرة زياد. وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة). وقال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري: (ونقل حرب، عن إسحاق بن راهويه: (أن الأذان الأول للجمعة محدث، احدثه عثمان) وقد قال الإمام الشافعي في الأم: (وأحب أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يدخل الإمام المسجد ويجلس على المنبر، فإذا فعل أخذ المؤذن في الأذان، فإذا فرغ قام فخطب لا يزيد عليه) وفي أحكام القرآن للجصاص: "عن هِشَامُ بْنُ الْغَازِ قَالَ: سَأَلْت نَافِعًا عَنْ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْجُمُعَة ِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهُ النَّاسُ حَسَنًا). ووافق ابن عمر على هذا الحكم مولاه نافع؛ كما روى عنه هشام بن الغاز قال: (سألت نافعا مولى بن عمر: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعة) وكذلك قال بإحداثه الحسن البصري؛ حيث قال: (النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام، والذي قبل ذلك محدث).
علاقة التبكير بالأذان: التبكير إلي الجمعة يبدأ منذ الفجر كما قال العلماء والتبكير إنما هو استجابة لأمر الله بالسعي إلي ذكر الله والسعي إلي ذكر الله مقترن بالنداء إلي الصلاة: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ...} وهذا يعني: أن نداء الجمعة الأول - بغرض التنبيه- إنما هو نداء الفجر لأن الجمعة تمتد من الفجر إلي قرب الزوال.
الخلاصة: الجمعة تعلُّم وتعليم: يتبين لنا من كل ما ذكر أن الجمعة تأخذ حيزا كبيرا من الزمن يمتد إلي خمس ساعات، ولهذا وُضعت الجوائز: بدنة، بقرة، كبش، دجاجة، بيضة وتكون الصلاة في أول الساعة السادسة، وهذا لأن الجمعة ليست للصلاة فقط، إنما هي مساحة مخصصة لتعلّم وتعليم الدين: ففي "باب حديث التعليم في الخطبة" بصحيح مسلم عن أبي رفاعة: (انْتَهَيْتُ إلى النبيِّ وَهو يَخْطُبُ، قالَ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جاءَ يَسْأَلُ عن دِينِهِ، لا يَدْرِي ما دِينُهُ، قالَ: فأقْبَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللهِ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتّى انْتَهى إلَيَّ، فَأُتِيَ بكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوائِمَهُ حَدِيدًا، قالَ: فَقَعَدَ عليه رَسولُ اللهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي ممّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتى خُطْبَتَهُ، فأتَمَّ آخِرَها)
وختاما نقول أن المسألة في غاية الوضوح؛ لأن الحق أبلج؛ لكن للأسف فقد تحوّل الخلاف الفقهي إلي نزاع فلسفي جدلي وذلك بسبب التعصب المذهبي؛ والله تعالي يقول: {وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ رِیحُكُمۡۖ}.
إنّ الدين النصيحة.. لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.
□■□■□■ نذكّر بالدعاء علي الظالمين فهو دعاء لا شك مستجاب الذين أخرجوا الناس من ديارهم بغير حق وسفكوا الدماء وانتهكو الأعراض وأخذوا الممتلكات وساموا الناس سوء العذاب
مواضيع ذات صلة: فتوي: "يصلون الجمعة قبل الزوال بنحو ساعة لانشغالهم بالدراسة" https://islamqa.info/ar/answers/140222https://islamqa.info/ar/answers/140222
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة