تكمن الخطورة المضاعفة لهذا التصريح ليس فقط في محتواه الهدام، بل في المكانة الرفيعة لمصدره فكون ياسر العطا يشغل موقع الرجل الثالث في الهرم القيادي العسكري يعني أن تصريحه يعكس، بالضرورة، ثقافة سلطوية متجذرة داخل جزء حاسم من قيادة الجيش هذه الثقافة تضع المؤسسة العسكرية فوق الإرادة الشعبية، وفوق الوثيقة الدستورية، متجاهلةً المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة المدنية الحديثة الأزمة البنيوية من جيش مهني إلى فاعل سياسي وصائي يضرب هذا التصريح جذوره في الأزمة البنيوية التي يعاني منها السودان منذ الاستقلال، وهي تحول الجيش من مؤسسة مهنية ملتزمة بواجباتها الدستورية إلى فاعل سياسي يمارس الوصاية على الدولة والمشروع الديمقراطي هذا الانحراف هو السبب الجوهري وراء الخمس انقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد، والتي أغرقتها في دوامة مزمنة من عدم الاستقرار والنزاعات يحدد القانون، محلياً ودولياً، أدواراً ومحددات صارمة لدور القوات المسلحة - حماية الحدود- الذود عن سيادة البلاد ووحدتها الترابية حماية الدستور- الالتزام بحماية الوثيقة الدستورية، لا انتهاكها الخضوع للقيادة المدنية- الانصياع لسلطة الحكومة المنتخبة ديمقراطياً الحياد السياسي- الابتعاد الكامل والتام عن العمل الحزبي والنشاط السياسي بناءً عليه، فإن التلويح بالانقلاب أو التدخل في نتائج الانتخابات لا يمثل مجرد خروج فاضح على القانون، بل هو انحراف خطير عن العقيدة العسكرية المهنية القائمة على الحياد والوطنية تهديد مباشر للشرعية ونسف للتحول المدني يُشكل خطاب العطا تهديداً صريحاً ومباشراً لمسار التحول الديمقراطي والمدني في السودان. فهو يؤكد أن مراكز قوى داخل المؤسسة العسكرية ما زالت تنظر إلى الحكم المدني كـ"خطر" يجب إجهاضه، وليس كـ "شراكة دستورية" يجب احترامها هذا الخطاب يتسق مع إرث شمولي استخدم الجيش تاريخياً كأداة لإعادة إنتاج السلطة أو منع التداول السلمي لها من الناحية القانونية، يجمع الخبراء على أن التصريح-: جريمة مكتملة الأركان - يندرج تحت طائلة المواد ذات الصلة في القانون الجنائي (كالمادتين 50 و65) انتهاك صريح: يشكل انتهاكاً فاضحاً لقانون القوات المسلحة الذي يُجرّم العمل السياسي والتحريض على قلب نظام الحكم ازدراء لسلطة الشعب- يمثل تحديًاً صارخاً لأساس الشرعية في الدولة، الذي ينبع من صناديق الاقتراب وليس من فوهات البناد. تفكيك مفهوم "الجيش القومي" والتحول إلى حزب مسلح إن تورط قائد عسكري رفيع في خصام سياسي علني يضرب في الصميم فكرة "الجيش القومي" الموحد فلا يمكن للجيش أن يتحمل انقساماً داخلياً إلى فصائل مؤيدة ومعارضة، أو أن يصنّف جزءاً من المواطنين كـ"خصوم سياسيين حين يحدث ذلك، يتحول الجيش من مؤسسة وطنية شاملة إلى حزب مسلح يسعى لحماية أجندة وسلطة محددة، مما ينسف مفهوم الأمن القومي من جذوره وهذا ما تؤكده التحليلات بأن "الجيش لم يعد جيشاً لكل السودانيين"، بل أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحول إلى فصيل سياسي. جرس إنذار لا يُغفل يجب أن يُنظر إلى تصريح ياسر العطا باعتباره جرس إنذار حاسم لكل القوى المدنية والسياسية لا يمكن لأي عملية بناء – سواء للسلام، أو التحول الديمقراطي، أو الاستقرار الاقتصادي – أن تنجح بينما يظل قادة الجيش يلوّحون بالانقلاب كلما اقترب الشعب من ممارسة حقه في اختيار حكومته *الجيش السوداني، شأنه شأن جميع الجيوش المحترمة عالمياً، ليس حاكماً للأمة، ولا مفوضاً سياسياً، ولا مشرّعاً فوق الدستور. مهمته الوحيدة والثابتة هي حماية الحدود.. حماية الدستور.. لا حكم الناس، ولا منافسة لإرادتهم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة