يُعدّ التعليم أحد أرقى أدوات الحضارة البشرية حيث كان يومًا ما مصدرًا للمتعة والنمو العقلي ليصبح اليوم موضوعًا مثارًا للكثير من الجدل والقلق في هذا السياق يقدم المفكر المصري الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري رؤية عميقة حول التحولات التي طرأت على التعليم في العالم العربي مشيرًا إلى أنه كان يومًا ما مجانيًّا وممتعًا لكنه اليوم أصبح عملية معقدة ومرهقة يقول المسيري إن التعليم بدأ في الانفصال تدريجيًا عن جوهره الحقيقي فتَحوّل من رحلة لاكتشاف المعرفة إلى سباق ضيق لا يتقن فيه الطالب إلا مهارة اجتياز الامتحانات،الدرس الخصوصي والانفصال عن الجوهر مع انتشار الدروس الخصوصية فقد التعليم طبيعته المجانية التي كان يتمتع بها في السابق فقد أصبح الحصول على المعرفة مشروطًا بالقدرة المالية مما ساهم في تفاقم الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وزيادة الضغوط على الأسر كما أن الاعتماد على الدروس الخصوصية أضفى طابعًا تجاريًا على العملية التعليمية ما جعل التعليم يتحول من غاية إنسانية إلى سلعة تُباع وتشترى اضافة الي هيمنة الامتحانات في مسيرة التعليم وخلقت نوع من الحواجز وأزمة في الروح التعليمية حيث لا يقتصر التحول الذي يراه "المسيري" على المجال المالي فقط، بل يتعداه إلى هيمنة الامتحانات على العملية التعليمية فبعد أن كانت المدرسة تمثل فضاءً للتفكير الحر والاستكشاف الفكري والتدريب على العقل أصبحت الامتحانات هي المعيار الوحيد للنجاح والفشل أصبحت روح التعليم مفقودة وتحولت المدارس إلى مصانع لإنتاج الشهادات ليغدو هدف الطالب الأوحد هو اجتياز الامتحان بأعلى الدرجات دون أن يُتاح له مجال للاكتشاف أو التفكير النقدي، وهذا الوضع يرجع بنا الي "ظاهرة التشييء التعليمي" لان هذا التحول في التعليم يُمكن تفسيره من خلال ما يُعرف في علم الاجتماع التربوي بظاهرة "التشييء التعليمي" حيث تصبح العملية التعليمية مجرد سلعة تباع وتشترى بعيدًا عن جوهرها التربوي والإنساني بهذه الطريقة يتحول التعلم إلى أداة لحصد الدرجات والشهادات ويصبح الطالب مجرد مستهلك للمعلومات بدلاً من أن يكون مفكرًا مبدعًا قادرًا على إضافة شيء جديد للمجتمع، فإن أزمة التعليم هي ضياع المعنى الحقيقي للتعليم حيث يُبرز "الدكتور المسيري" أن أزمة التعليم الحقيقية لا تكمن في نقص الإمكانيات المادية بل في ضياع المعنى الحقيقي للتعليم فالتعليم الذي لا يصنع عقلًا مفكرًا أو مبدعًا لا يمكنه أن يُنتج إنسانًا كاملًا مهما كثرت الشهادات والدرجات من هنا تصبح الأزمة في التعليم أزمة فلسفية تتعلق بكيفية إعادة بناء العملية التعليمية لتعود إلى جوهرها ليصبح الهدف منها هو تطوير الإنسان وتزويده بالأدوات الفكرية التي يحتاجها للمشاركة في بناء مجتمعه.
خاتمة
إن التعليم ليس مجرد عملية تزويد للطلاب بالمعلومات أو إجبارهم على اجتياز الامتحانات بل هو عملية تنمية للقدرات العقلية والنقدية وقد حان الوقت لإعادة النظر في فلسفة التعليم بحيث يعود إلى هدفه الأساسي في تكوين الإنسان وتنمية شخصيته وإعداده ليكون مبدعًا ومفكرًا قادرًا على التعامل مع تحديات المستقبل، ويجب علي الدول محاربة التجارة خصوصا في التعليم الأساسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة