609يوم ليست مجرد رقم في التقويم؛ إنها€ 509}يوم من الألم والصمود،{ 609} يوم يواجه فيها أطفال الفاشر جوعاً شديداً، وتهجيراً جماعياً، وعنفاً فتاكاً يهدد وجودهم. إنها 500 يوم تُختبر فيها ضمائر العالم، التي غالبًا ما تصمت أو تلوذ بالصمت، ويُخيب فيها أمل المحيط الإقليمي الذي يبدو أنه قد تخلى عنهم، مدفوعاً بحسابات جيوسياسية معقدة ومصالح حلفاء إقليميين يزرعون أموالاً طائلة عبر شبكات شركات متعددة. الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة في دارفور؛ إنها نبض السودان المحاصر، ورمز لتحدي وجود الدولة، ومرآة تعكس أبعاد صراع أكبر بكثير من كونه إقليميًا.
لقد رأينا جهودًا مقدرة من ولاة الولايات، وحكومة إقليم دارفور، ومؤسسات الدولة، واللجان التي تشكلت لبدء خطوات عملية لفك الحصار وتحرير دارفور من "دنس الأوباش". لكن هذه الجهود، مهما عظمت، تحتاج إلى استراتيجية شاملة ترفع قضية الفاشر من كونها قضية إقليمية تخص أبناء دارفور فحسب، إلى قضية وطنية بامتياز، قضية كل سوداني غيور على أرضه وكرامته.
#بطولات على الأرض... وصرخة من أجل تغيير الاستراتيجية.
علينا أن نتجاوز مرحلة الإشادة بالبطولات المجردة، مهما كانت عظيمة ومُلهمة. فالشباب في الفاشر يسطرون أروع ملاحم الفداء، ضحوا بأرواحهم، تعرضوا للإصابة والأسر، وما زالوا صامدين كالجبال. لقد خاضوا أكثر من مائتين وثلاث وثلاثين معركة، وهم يدافعون عن تراثنا التاريخي وهويتنا الوطنية. لكن المهرجانات والخطب، وحدها، لن تفك الحصار.
إلى متى سنستمر في اتباع استراتيجيات أثبتت فشلها في مواجهة عدو يحشد قواته كل يوم، ويدعمها بمرتزقة من كولومبيا وروسيا وغيرها، وبتقنيات تشويش معقدة، وبتمويل خارجي لا ينضب؟ بينما يموت أهلنا يومياً جوعاً أو بسلاح الغدر، يواصل "الداعمون للأوباش" تجاهل الأدلة الدامغة على تورطهم، متحدين كل مبادئ الأمم المتحدة وبروتوكولات جنيف. يجب أن ندرك أن المجتمع الدولي والإقليمي ليسوا جزءًا من الحل بالضرورة، بل قد يكونون جزءًا من المشكلة، ويهدفون إلى فرض واقع جديد على الأرض يتوافق مع مصالحهم.
#الفاشر: قضية شعب... وليست مجرد إقليم
إن إنقاذ الفاشر يتطلب تحركاً جذرياً يغير قواعد اللعبة. هذا يتطلب:
1 التعبئة الوطنية الشاملة: يجب إعلان التعبئة العامة وتركيز الجهود نحو الفاشر. لا يمكن أن يظل أهل الفاشر وحدهم يواجهون هذا الحجم من العدوان. هذه معركة السودان، وكل شبر من أرضه. 2. الضغط الشعبي الدولي: يجب أن تتداعى الجاليات السودانية في كافة أنحاء العالم لتنظيم لقاءات ومظاهرات في العواصم العالمية، وجعل كل سبت "يومًا للفاشر". يجب أن نتحول إلى قوة ضغط لا يمكن تجاهلها. 3. الدبلوماسية الشعبية وصناع القرار: يجب قيادة حوارات مكثفة مع صناع القرار في العالم، ليس لمجرد المناشدة، بل لتقديم الأدلة، وكشف الحقائق، وإحداث اختراق فعلي وعملي. 4. خطاب إعلامي موحد: بناء خطاب إعلامي يحيي السلام الاجتماعي ويرفض وصم المكونات الاجتماعية بجرم أبنائها، ويفشي ثقافة القبول بالآخر، ويعزز اللحمة الوطنية.
#سيناريوهات فك حصار الفاشر: رؤية استراتيجية متكاملة
إن الوضع اليوم خطير، ويدل على أننا نقترب من نهاية فصل البطولات التي سطرت بدماء الأبطال. يتطلب فك الحصار رؤية شاملة تتجاوز المعارك اليومية إلى استراتيجية أمنية ودبلوماسية كفيلة بإحداث اختراق فعلي، إذا أردنا الحفاظ على الإقليم والسودان موحدًا.
#السيناريو الأول: العزم العسكري الحاسم يعتمد هذا السيناريو على حشد شامل للقوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها، مدعومة بتعبئة شعبية واسعة النطاق. يهدف إلى شن هجوم عسكري منسق ومكثف لكسر الحصار بالقوة، وتحرير المدينة والمناطق المحيطة بها. * الأبعاد الأمنية: يتطلب قيادة عسكرية موحدة وواضحة، تخطيطًا دقيقًا للمعارك، تأمين خطوط الإمداد، وتوفير غطاء جوي. يجب أن يترافق ذلك مع استراتيجية لحماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية أثناء العملية وبعدها. * الحراك الاجتماعي: تتجلى هنا أهمية التعبئة العامة، حيث يلتحم الشعب مع جيشه في معركة وجود. هذا الحراك يعزز الروح المعنوية ويقدم دعماً لوجستياً ومعلوماتياً للقوات. * تحديات: مخاطر كبيرة على المدنيين، وحشد مضاد من قبل المليشيات وداعميها، وتكاليف بشرية ومادية باهظة.
#السيناريو الثاني: الضغط الشعبي والدبلوماسي الشامل يركز هذا السيناريو على تكثيف الضغط الدولي والإقليمي على الأطرافالمتورطة في دعم المليشيات. * الأبعاد الدبلوماسية: قيادة دبلوماسية قوية من قبل الحكومة السودانية لتقديم الأدلة، وفضح المتورطين، والمطالبة بتفعيل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. * لحراك الاجتماعي: تفعيل دور الجاليات السودانية حول العالم، وتنظيم "أيام الفاشر العالمية"، والضغط على الحكومات الغربية والمنظمات الدولية. هذا يشمل حوارات مكثفة مع صناع القرار لفهم الموقف السوداني وإحداث تغيير في السياسات. * تحديات: بطء الاستجابة الدولية، مقاومة من الدول ذات المصالح، قد لا يكون كافياً لوحده لكسر حصار عسكري فعلي على الأرض.
#السيناريو الثالث: الإستراتيجية المتكاملة (الأكثر واقعية وفعالية) هذا السيناريو يدمج بين العزم العسكري الحاسم والضغط الشعبي والدبلوماسي المكثف. * لأبعاد الأمنية: استمرار العمليات العسكرية الهادفة إلى إضعاف المليشيات وقطع طرق إمدادها، مع التخطيط لعملية فك الحصار الكبرى. يجب أن تكون هذه العمليات مدعومة بمعلومات استخباراتية دقيقة وشبكات محلية. * الأبعاد الدبلوماسية والشعبية: في الوقت ذاته، تتولى الحكومة وفعاليات الشعب السوداني مهمة فضح ممارسات المليشيات وداعميها على الساحة الدولية، ومطالبتهم بالمساءلة. هذا الضغط المزدوج قد يخلق بيئة تدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة النظر في دعمها للمليشيات، أو يمهد الطريق لتدخل دولي أو إقليمي إيجابي. * تحديات: يتطلب تنسيقًا عاليًا بين الجبهات العسكرية والدبلوماسية والشعبية، وموارد كبيرة للحفاظ على الزخم.
إن توظيف السلاح لمصلحة الشعب السوداني والسيطرة عليه يتطلب بدءاً فورياً في تكوين لجان للترتيبات الأمنية، بهدف دمج جميع القوات تحت لواء الجيش السوداني. هذا الدمج يجب أن يترافق مع إصلاحات هيكلية شاملة تضمن استيعاب تلك القوات ضمن إطار مؤسسي واضح، وتخضع لضبط كامل تحت قيادة الجيش وقوات الشرطة والأمن. هذه ليست رؤية للترفيه، بل هي ضرورة وطنية تحتاج إلى إخلاص وتفانٍ، دون التفكير في اتساع حجم القوات المساندة للجيش فحسب، بل في توحيدها وتوجيهها نحو حماية الوطن.
#ما بعد الفاشر: السودان الموحد ينهض
يجب أن لا نكتفي بتحرير الخرطوم وبعض الولايات، فمعاناة باقي سكان الأقاليم، وعلى رأسها دارفور، هي معاناة للوطن بأكمله. الفاشر ليست منطقة متأزمة عسكرياً فحسب، بل هي نقطة اختبار لاستقرار الدولة ووحدتها. إن العالم والداعمين لـ "الأوباش" لا يعرفون طبيعة الشعب السوداني ومدى حبهم للحرية والكرامة، وكراهيتهم للعملاء والدخلاء. اصطفاف الشعب نحو القوات المسلحة، مهما طالت المعاناة، يدل على حبهم للوطن وأصالة معدنهم.
إن الشعب السوداني، بإذن الرب وعزيمته، قادر على تغيير قواعد اللعبة. سوف تفشل كل الرهانات على تمزيق السودان وتكوين حكومة تابعة للعملاء. إن طهر هذه الأرض المحملة بتضحيات الأبطال سينتصر، وسينتصر معه السودان موحدًا، قويًا، وكريمًا.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة