اطلعت بعناية على الورقة السياسية الصادرة بتاريخ 18 أغسطس 2025، التي تناولت جذور الحرب في السودان وأبعادها الإقليمية والدولية. ولا يسعني إلا أن أسجل تقديري لوضوح الموقف المبدئي الرافض للحرب وللصفقات المشبوهة على حساب السيادة الوطنية، وهو وضوح نفتقده في كثير من الخطابات الراهنة. كما أن الربط بين الداخل السوداني ومشاريع الخارج يمثل خطوة مهمة لتجاوز اختزال ما يجري في مجرد صراع على السلطة. لكن اسمحوا لي أن أسجل بعض الملاحظات: أولاً: أن الورقة نُشرت لأول مرة عبر صفحة أحد الرفاق القياديين، وهو أمر يستدعي توضيحاً ويستحق المراجعة ليتسق مع تقاليد الحزب في مخاطبة جماهيره عبر قنواته الرسمية. ثانياً: رغم قيمة الورقة وما تضمنته من مواقف مبدئية، فإنها جاءت مطولة ومثقلة بالخطاب الأيديولوجي، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى مخاطبة كوادر الحزب الداخلية منها إلى جمهور عريض. وهنا يثور سؤال مشروع: هل المقصود بها أن تكون دراسة تحليلية، أم خطاباً داخلياً، أم بياناً جماهيرياً؟ هذا الالتباس في الشكل والمخاطبة يعد بدوره خروجاً عن تقاليد الحزب الراسخة التي لطالما تميزت بالوضوح في تحديد طبيعة كل خطاب ولمن يوجَّه. والأهم أنها لم تتضمن خطة عملية واضحة تُترجم التشخيص إلى خطوات ملموسة. ثالثاً: إن حزبنا اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بالوضوح الفكري التام، خصوصاً حول قضية التحالفات وما المقصود بالقوى "الوطنية الديمقراطية السودانية" التي دعت الورقة إلى التحالف معها. وانطلاقاً من ذلك، أقترح أن تُستخلص من الورقة مسودة خارطة طريق وطنية، تجمع بين ثبات الموقف ومرونة التكتيك، وفق المحاور التالية: 1. وقف الحرب وإنقاذ الأرواح: وقف فوري لإطلاق النار، ضمان وصول المساعدات، وحماية المدنيين. 2. العدالة الانتقالية والمحاسبة: لا إفلات من العقاب، إنشاء آليات عدالة انتقالية مستقلة تشمل جبر الضرر. 3. استعادة المسار المدني الديمقراطي: عملية سياسية شفافة تؤدي إلى سلطة مدنية انتقالية مفوضة شعبياً، دون شرعنة أي سلطة منبثقة عن الحرب. 4. إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية: حل المليشيات، دمج المقاتلين وفق برامج DDR، وإعادة بناء جيش وطني مهني تحت إمرة مدنية. 5. المؤتمر الدستوري الجامع: عقده بنهاية الفترة الانتقالية للاتفاق على أسس الحكم، العدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية. 6. حماية السيادة والموارد الوطنية: رفض الصفقات غير الشرعية، وقف النهب والخصخصة المشبوهة، وبناء اقتصاد مستقل قائم على الذات. 7. إعادة الإعمار والتنمية المتوازنة: برنامج وطني لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية والتنمية المتوازنة بين الأقاليم. 8. بناء جبهة جماهيرية واسعة: إشراك لجان المقاومة، النقابات، الكتل المهنية، تجمع العسكريين المعاشيين، المفصولين، والتكايا الشعبية، مع الانفتاح على القوى السياسية والشخصيات الوطنية المؤثرة رغم الخلافات، فالحصة وطن. 9. لجنة الاتصال الوطنية: برئاسة شخصية قومية مثل المهندس صديق يوسف للتنسيق مع كافة القوى. 10. بيان مشترك للتحالف الوطني الجديد: تحويل خارطة الطريق بعد مناقشتها إلى وثيقة وطنية قابلة للتوقيع من القوى السياسية والمدنية. ختاماً، أحيي وضوح الورقة ومبدئيتها، لكن اللحظة التاريخية تتطلب أكثر: الجمع بين ثبات الموقف ومرونة التكتيك، من أجل أوسع اصطفاف وطني ممكن لإنهاء الحرب واستعادة مسار الثورة.
---------------------------------------- لجنة تفكيك التمكين كانت تمثلني ... وستمثلني لاحقا
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة