تبدو البلاد اليوم على مفترق طرق تاريخي، إذ هناك معركة مزدوجة: استكمال إنهاء تمرد مليشيا الدعم السريع من جهة، والشروع في إعادة بناء الدولة وبسط السلم الأهلي وإنعاش الاقتصاد من جهة أخرى. هذه التحديات لا يمكن مواجهتها بخطاب سياسي باهت أو بطيء، بل بخطاب متجدد في شكله ومضمونه، يتماشى مع متطلبات الواقع الميداني ويستجيب لحاجة المواطن الملحة إلى الثقة والأمل. ومن هنا تأتي الدعوة إلى إعادة تشكيل خطاب حكومة الأمل ورئيسها الدكتور كامل إدريس، بحيث يكون أكثر التصاقا بالمرحلة وأكثر إقناعا لجماهير الشعب.
الخطاب الإعلامي ليس مجرد بيانات أو تصريحات رسمية، بل هو انعكاس لروح المرحلة ولقدرة القيادة على تجسيد رسالتها بصورة تصل للمواطن البسيط، وتبني جسور الثقة بينه وبين مؤسسات الدولة. وحتى اللحظة، تبدو وتيرة الإنجاز أبطأ مما تقتضيه طبيعة التحديات، كما أن الرسالة الإعلامية لم ترقَ بعد إلى مستوى التعبئة الوطنية الشاملة المطلوبة في ظرف استثنائي مثل الذي يمر به السودان.
فمن حيث الشكل، استطاع الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن يكرس نموذجًا ميدانيًا جاذبًا، عبر زياراته المستمرة لجبهات القتال ولقاءاته مع الجنود والمواطنين على السواء. ولعل اللقطة التي ظهر فيها وهو يشارك جنوده طابور الصباح، في مشهد جري عسكري يبرز قوتهم واستعدادهم البدني، لم تكن مجرد صورة عابرة، بل رسالة سياسية – عسكرية تحمل معاني الالتزام، والتلاحم، والاستعداد الدائم. هذه الصورة أعادت إلى الأذهان تقاليد رسخها قادة عسكريون سابقون مثل جعفر نميري وعمر البشير، ممن خرجوا من رحم المؤسسة العسكرية وأدركوا أهمية الرمزية في مخاطبة الجنود والشعب معًا.
لكن الخطاب الإعلامي والسياسي لا يمكن أن يظل محصورًا في هذه الصور الرمزية، مهما كانت مؤثرة. فالمعركة اليوم ليست فقط في الميدان العسكري، بل أيضًا في ميدان السياسة والإدارة والخدمات. والبرهان معني بنجاح رئيس حكومة الأمل الذي اختاره وقدمه للناس داخليا وخارجيا. وهنا ربما يبرز سؤال جوهري: أين الحكومة المدنية بكامل طاقمها التنفيذي من هذا الحضور الميداني؟ هل اكتفت بإصدار التصريحات من المكاتب، أم أنها مستعدة للنزول إلى الميدان، والاقتراب من هموم الناس اليومية، والمشاركة في معاناتهم، بما يعزز مصداقية خطابها السياسي ويكسبها ثقة الجمهور؟
على سبيل المثال لا يمكن التعامل مع الإعلام بوصفه مجرد وسيلة ترويجية أو منصة لنقل أخبار النشاطات الرسمية. في هذه المرحلة الحرجة، يصبح الإعلام جزءًا من معركة استعادة الدولة ذاتها. ولا يضطلع الاعلام لاسيما الحكومي بمهامه بكفاءة ما لم تتمكن حكومة الأمل من صياغة خطاب وبرنامج سياسي واضح وقوي. فالمواطن العادي يريد أن يرى في حكومته تجسيدًا لمعاناته وآماله، لا مجرد شعارات عامة أو سرديات إنجاز غير محسوسة. يريد لغة صادقة، وخطابًا متماسكًا، ورسائل متكررة تزرع الثقة وتدفعه للمشاركة الفاعلة في معركة البناء.
إن استعادة ثقة المواطن في حكومته ليست أمرًا ثانويًا، بل هي شرط أساسي لنجاح أي مشروع وطني. الثقة لا تُبنى بالوعود، وإنما بالفعل القريب من حياة الناس: عودة المياه والكهرباء، إعادة فتح المدارس والمستشفيات، تحريك عجلة الاقتصاد، تخفيف الأعباء المعيشية، وتقديم حلول سريعة ولو جزئية للأزمات المتراكمة. وعندما يرى المواطن نتائج ملموسة على الأرض، يصبح أكثر استعدادًا لتصديق الخطاب الرسمي والانخراط في مشروع الدولة.
إلى جانب البعد العسكري في مواجهة التمرد، تقف مهمة بناء السلام وإعادة الخدمات الأساسية كأولوية لا تقل أهمية. خطاب الحكومة يجب أن يوضح بجلاء ما هي الخطط الموضوعة لتثبيت الأمن في المناطق المحررة، وكيف ستتم إعادة الخدمات بسرعة، وكيف سيُعالج ملف النازحين واللاجئين. فالمواطن لا ينتظر خطابًا تعبويًا فقط، بل ينتظر جدولًا زمنيًا وخطوات عملية تعطيه يقينًا بأن التضحيات التي قُدمت لن تذهب سدى.
لا يمكن لأي خطاب سياسي إعلامي أن يقنع الناس إذا تجاهل المعضلة الاقتصادية. فمع استمرار الحرب وتوقف الإنتاج وتراجع الصادرات، يعيش المواطن ضغوطًا معيشية خانقة. هنا يصبح الخطاب الاقتصادي مكوّنًا أساسيًا من خطاب الدولة: كيف ستتم إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية؟ ما هي خطط دعم المزارعين؟ كيف ستُستقطب الاستثمارات والمساعدات؟ إن وضوح الإجابات في الإعلام الرسمي والمعارضة على السواء يمنح الناس القدرة على الصبر، ويمنح الحكومة فرصة لكسب الوقت والمشروعية.
وتعضيد التحرك الداخلي يستوجب بالضرورة تحركا خارجيا فاعلا يخرج من اطار المجاملات والعلاقات العامة لينعكس برامج تنفيذية عملية تستهدف القضايا التنموية الراهنة لاسيما الجانب الاقتصادي. ولذلك ظل هناك تساؤل وجيه عن مخرجات أول زيارة لرئيس الحكومة إلى مصر، وهل خرجت من اطار البرتوكول الرتيب والمجاملات غير الضرورية التي تستفز واقع الحرب الضارب باطنابه كل مناحي حياة السودانيين؟ كنا نريد أن نرى اتفاقيات وبرامج عمل واضحة خاصة في مجال الاقتصاد.
إن إعادة تشكيل خطاب حكومة الأمل ورئيسها ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية. المطلوب خطاب يجمع بين الحضور الرمزي للقائد العسكري في الميدان، والحضور التنفيذي للحكومة المدنية في الشارع، مع خطاب سياسي يصاغ باحتراف، يعكس أولويات المرحلة ويتعامل بشفافية مع التحديات. المطلوب أيضًا الانتقال من خطاب الانفعال ورد الفعل، إلى خطاب المبادرة والتخطيط والاستشراف.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة لإعادة بناء دولته على أسس جديدة من الثقة والشفافية والمشاركة. والخطاب السياسي والإعلامي، إذا أحسن تشكيله، يمكن أن يكون أداة أساسية في هذه العملية، لا مجرد صدى لأحداث تتسارع دون أن تجد من يشرحها ويؤطرها ويوجهها نحو هدف وطني جامع.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة