تابعت بالأمس حواراً جمع بين الصحفية أمل هباني وحنان حسن، عضو لجنة محامي الطواريء. وبالرغم من أن موضوع الحلقة كان يدور حول ما تعانيه النساء في ظروف الحرب، فإن أمل هباني، الصحفية التي عانت الأمرين من غطرسة الكيزان وظلمهم، قد صدمتني أكثر من مرة.
وقبل الخوض في تفاصيل ما دار، وصدمات أمل، التي كنا نستمتع بكتاباتها القوية قبل خروجها من السودان، أود أن أقول لمقدم برنامج " الطريق ١٨" أنه ينبغي أن يتيح المجال كاملاً " للحوار الثنائي" كما يطلق عليه ، وألا يحاول إيقاف ضيوفه عنه بافتراض أنه يريد مناقشة الموضوع. فما هو الموضوع إن لم يكن هناك حوار ثنائي حين تستضيف ضيفين في حلقة ما؟ الطبيعي أن يعبر كل منهما عن وجهة نظره، حتي ولو أُضطر إلى الإشارة لمواقف الآخر وانتقاده، طالما أن النقاش يبتعد عن الإساءات الشخصية.
فثمة خلط عندنا بين انتقاد موقف شخص ما، ولو بأقسى العبارات، وبين التعرض لأموره الشخصية.
إن مناقشة المواقف بالوضوح التام هي الطريق لرفع مستويات الوعي التي تدنت كثيراً، فضلاً عن سبر أغوار النفس الأمارة بالسوء عسى أن يفيد ذلك بعض من عطلوا عقولهم لسنين عدداً، ويعينهم على اتخاذ المواقف السليمة.
بدا واضحاً أن لدى أمل هباني رأي سلبي تجاه قحت وصمود، وهو حق مشروع تماماً. وكاتب هذه السطور لديه أيضاً موقف واضح من قحت وصمود عبر عنه مراراً، حتى قبل أن تتشكل حكومة الثورة برئاسة د. حمدوك لكن، هل يبرر موقف هباني من قحت وصمود ما سمعناه بالأمس؟
إن أشد المواقف عداءً تجاه قحت وصمود لا يفترض أن يدفع صاحبه الواعي الراشد لتأييد القتلة والمجرمين والفاسدين، مهما كانت المبررات.
وتلك كانت أولى الصدمات بالنسبة لي، إذ لم أصدق أن المتحدثة هي أمل، تلك الصحفية الجسورة التي كان المعارضون يتلهفون لقراءة مقالاتها اليومية.
قالت أمل إن د. حمدوك كان ضعيف الشخصية، لذلك لم يتمكن من السيطرة على حاضنته السياسية " قحت". وهذا ما أتفق معه لدرجة ما على فكرة، لكن بماذا أكملت أمل فكرتها؟ لقد أضافت أن د كامل إدريس، الذي لا يملك حاضنة سياسية في نظرها، يمكن أن يؤدي بشكل جيد لو " قوى شخصيته"! هنا لم أعرف إن كان على أن أضحك أم أبكي، فكيف يقوي د. كامل شخصيته؟ هل يمكن أن يتم ذلك مثلاً عبر تناول عقار لتقوية الشخصية ؟
ثم إن المنطق "البائس" يهزم صاحبه، حتى قبل أن يفتح محاوره فمه. فإذا لم تشتد شخصية د. حمدوك، الذي تولى المنصب بعد ثورة شارك فيها غالبية السودانيين لإزاحة أشد أنظمة الاستبداد قسوة وجبروتاً، فكيف لكامل " المُتهافت" الذي عينه طاغية وقاتل ومجرم مثل البرهان أن يصبح قوي الشخصية، ليؤدي عملاً جيداً؟
جسدت أمل هنا مشكلة لا تخصها وحدها، بل أزمة يعانيها كثير منا كسودانيين: أختلف مع مجموعة أو شخص، فأحاول تجميل صورة خصمهم، حتى لو كنت أنا نفسي أكثر المتضررين من هذا الخصم.
ثم من قال لكِ يا أمل إن كاملاً لا يملك حاضنة سياسية، ولماذا النكران ومحاولة تضليل الناس، فحاضنته واضحة وضوح الشمس، وهم ذات الكيزان الذين ظلموكِ في فترة سابقة وأجبروكِ على مغادرة وطنك إلى مهجرك النائي.
أما صدمتي الأخرى في أمل فكانت مع نهاية الحلقة، وبعد أن مُنحت فرصتها كاملة. طلب مُقدم الحلقة من حنان أن تختم بما تريد قوله وأن تجيب على سؤاله الأخير حول منشور لها عن الجواز الدبلوماسي وكتيب حصن المسلم في دقيقة واحدة. لكن ما إن بدأت حنان حديثها حتى قاطعتها أمل أكثر من مرة، ومع محاولات الأخ فارساب المتكررة لإيقاف أمل عن المقاطعة، قالت له حنان: " دعها تكمل" ، فتخيلوا ماذا قالت أمل؟ قالت له " هي تتهرب". تتهرب من ماذا يا أمل، وأنتِ من أصررتِ على منعها من الحديث؟ في تلك اللحظة بدا لي وكأن أمل هباني شاركت في الحلقة من أجل تشويه صورة محاورتها ومجموعتها بأي شكل مع الدفاع عن باطل بين يجسده الجيش الخائب وأداته الضعيفة كامل إدريس.
وقبل الختام، لابد من همسة في أذن مُقدم الحلقة، حيث لم يرق لي قوله لحنان: " ٨٠‰ من كلامك ضد الجيش، وقد يمنح ذلك الانطباع بأنك دعامية". هذا تبسيط مخل وتسطيح غير معقول، فالموقف لا يُحسب بالنسب المئوية، أخي فارساب. وطالما أن ضيفتك قالت أكثر من مرة أن الطرفين على باطل، يبقى موقفها واضحاً. كما أنه لا يمكن لأي شخص أن يقول إنه ضد الحرب بكافة أشكالها ومبرراتها، وفي نفس الوقت يُتهم بالانحياز لأحد طرفيها. مؤيدو الحرب والدمار فقط هم من ينحازون لأي من طرفي هذه الحرب العبثية ذات الأهداف القذرة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة