قبل الحرب كانت (٩-طويلة) وكان انتشار عصابات النقرز وكان انتشار التسول في كل مكان وكان استشراء الجشع والطمع .. والاستغلال .. من قبل التجار وأصحاب المخابز ومن أصحاب المركبات العامة وكان انتشار جرائم النصب والاحتيال وجرائم المخدرات .. والفسوق الأخلاقي.. وكل ذلك ينبيء عن التردّي المريع في الأخلاق الذي انحدر إليه المجتمع
الحرب .. الحرب .. وما أدراك ما الحرب فقد كشفت لنا ما لم نكن نتوقعه فقد تكشف للجميع .. مع مرور الوقت أن جموع كثيرة ممن حملوا السلاح من الشباب المتعلمين حملوه فقط على سبيل الارتزاق !!! (لا حول ولا قوة إلا بالله) .. بل ان مقتنيات المواطنين "وشقاء عمرهم" اعتبروها (أنفال) !! نعم .. اعتبروها أنفال !!! واستحلّوها لأنفسهم بعد ما أخرجوا أهلها من ديارهم بغير حق .. الحرب كشفت للجميع أيضا سلاسل الجبال الضخمة من الأحقاد والضغائن التي يحملها السودانيون لبعضهم البعض !!! وكشفت أيضا حجم السفالة والوضاعة التي غرقت فيها أعداد ليست بالقليلة من الشعب عمالة.. وتخابر .. وتجسس .. وبيع للوطن وللشرف وحتي للأخوة بثمن بخس حتي أخوة الدم .. .. بيعت !! وكل ذلك يعتبرونه (ممارسة سياسية) ويدّعون بكل وقاحة أنّ السياسة أصلا قذرة !! أعوذ بالله .. من شياطين الإنس والجن وأعوذ بالله من السياسة إن كانت مثل ما تدعون
وبعد الحرب .. (مع أن الحرب لم تنته بعد) رجعنا إلي النهب المسلح وغير المسلح ورجعنا إلي الجشع والاحتيال والاستغلال ورجعنا إلي كل الرزايا .. وباختصار .. رجعت حليمة إلي قديما .. أمعقول هذا .. لا ..لا.. لا يمكن ..
الحرب .. يجب أن تجعلنا - علي الاقل- نعيد كل حساباتنا وسياساتنا ونراجع حتي منظوماتنا التربوية.. خاصة واننا شعب غالبيته من المسلمين .. مسلمين يعني .. لا إله إلا الله .. محمد رسول الله مسلمين لا تعني أن (الاسلام .. دين ودولة) هذا شيء آخر يقودنا إلي المذاهب والجماعات الاسلامية -(سنتناقش كثيرا عن المذاهب والجماعات)- لأننا حينما نقول إسلام.. يعني (تربية اسلامية) افتحوا أي حقيبة دراسية لأي تلميذ في أي صف في أي مرحلة تجد كتاب مكتوب عليه: (التربية الإسلامية). التربية الإسلامية .. تعني الأخلاق الإسلامية. وذلك لأننا.. نستمد تربيتنا .. من ديننا والإسلام أصلا دين اخلاق: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). ومع أن نبي الإسلام من العرب لكنه بُعث للناس كافة فهو ليس إذن دين العرب كما يعتقد البعض ولذلك يفترض أن المجتمع المسلم هو أكثر المجتمعات تعايشا مع الأقليات الدينية والعرقية لكن المشكلة أن هناك - أحيانا سوء فهم للنصوص الدينية تبعد الناس عن أخلاق الاسلام وان كان ذلك يتم بحسن نية (سنتعرّض لذلك في المقال القادم إن شاء الله)
هناك مشكلة كبيرة في التربية وهي اننا نعوّل تعويلا كبيرا علي المحتوي الدراسي بالمقررات المدرسية بالرغم من أن المدارس صارت لا تُعني كثيرا بقضية التربية وصار كتاب (التربية الاسلامية) مرتبط فقط ب (إمتحان التربية الإسلامية) فقد صار أقصي أهداف الحصة هو توصيل المعلومة فقط من أجل أن يستحضرها الطالب في الامتحان وهو يجاوب علي الاسئلة .. ومع أنه أمر جيّد أن أولياء الأمور أصبحوا يتابعون مع المدرسة أحوال أبنائهم الأكاديمية لكن لا يمكن - مثلا تلميذ بالصف الأول ابتدائي يأتي المدرسة لأول مرة لمّا يدري ما الكتاب ولا الإيمان أن تأتي أمّه وراءه لتسأل عن ما درسه وكيف تأتي أسئلة الإمتحان !!! فهذا إنما يدل علي أن كل الإهتمام أصبح ينصب علي الامتحانات والدرجات والشهادات وصار تقييم الطلاب فقط علي حسب درجاتهم التي يحرزونها في الامتحانات وحتي أنه لا يوجد أصلا قياس ولا مقياس للأخلاق يمكن أن يقيس اخلاقيات الخريج في نهاية كل صف أو كل مرحلة؛ فمع أن الطالب يمكن ان يتخرج من الجامعة طبيب أو مهندس أو استاذ جامعي لكنه يمكن أن يكون بعيدا كل البعد عن القيم والأخلاق وتجده لا يكترث إن تعامل بالرشوة أو الاختلاس أو الربا أو الغش أو التزوير والعكس بالعكس فقد تجد سواقا أو عاملا بسيطا فشل في التعليم ولكنه يرفض أن يتعامل بالرشوة أو لا يقبل أن يدلي بشهادة زور فماذا نسمي كلتا الحالتين؟ لا يمكن أن ننعت السائق بأنه (فاقد تربوي) لأنه ليس لديه مشكلة في التربية إنما يمكن أن ننعته بأنه (فاقد تعليمي) اما صفة: (فاقد تربوي) فهي تنطبق بدون ادني شك علي مهندس مرتشٍ أو طبيب مزوٍِر وعلي هذا الأساس يمكننا القول أن كثيرا من المدرسين أنفسهم في المراحل التعليمية المختلفة هم (فواقد تربوية) !! فبالرغم من أنهم قد يتصفون بالكفاءة العالية في تدريس المواد الدراسية المقررة لكن تجد لديهم أخلاقيات غير حميدة تكفي لأن تجعلهم غير مؤهلين ليكونوا تربويين فالشهادات الأكاديمية ليست كل شيء؛ فهذه مشكلة كبيرة عندما يصبح المدرّس نفسه يشكل خطرا علي عملية التربية ففاقد الشيء لا يعطيه المدرسون (التربويون) هم أول الناس في المجتمع الذين يفترض أن يكونوا قدوات لبقية أفراد المجتمع وإلا.. فعلام يربّون ؟؟!!
هناك ممارسات كثيرة غير اخلاقية مرتبطة بالدراسة والمدارس خذ مثلا مسألة الغش في الامتحانات اظن اننا أول من ابتدع قطع الاتصالات أثناء جلسات الامتحانات !! فهذا يعطيك مؤشرا قويا جدا علي مدي انتشار الغش في مدارسنا بل في المجتمع ككل فمن مظاهر الغش المحزنة كذلك - علي سبيل المثال لا الحصر- التي أصبحت شائعة عندنا هو ازدحام وتكدّس الطلاب ليلة الإمتحان عند ماكينات التصوير بالمكتبات لتصوير (و تصغير) بعض الأوراق من أجل استخدامها في الغش أثناء الإمتحان .. كذلك اذكر ذات مرة عندما انتهي الإمتحان باحدي المدارس التي مع أنها معروفة بتفوق طلابها بصورة ملحوظة وارتفاع نسبة التحصيل لجميع طلابها لكن ما ان فتح باب المدرسة لكي يخرج الطلاب حتي ابتدرتهم احدي الأمهات بسؤال معتاد: (اها المراقبة كانت كيف)؟؟!! هذا الأمثلة التي ذكرناها لا تعد شيئا إزاء كم هائل من الممارسات غير التربوية في مؤسسات التربية فما خفي أعظم .. بالطبع.
□■□■□■ نذكّر بالدعاء علي الظالمين فهو دعاء لا شك مستجاب الذين أخرجوا الناس من ديارهم بغير حق وسفكوا دماءهم وانتهكو أعراضهم وأخذوا حقوقهم وساموهم سوء العذاب
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة