أم سعونة: ذاكرة الريف الحيّة حين كانت التربية عملاً جماعياً (الجزء الثامن كتبه د. الهادي عبدالله اد

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-31-2025, 10:37 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-28-2025, 02:11 PM

د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
<aد. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
تاريخ التسجيل: 09-05-2017
مجموع المشاركات: 77

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
أم سعونة: ذاكرة الريف الحيّة حين كانت التربية عملاً جماعياً (الجزء الثامن كتبه د. الهادي عبدالله اد

    02:11 PM August, 28 2025

    سودانيز اون لاين
    د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر





    ٢٠٢٥/٠٨/٢٨
    د. الهادي عبدالله إدريس أبوضفائر

    أم سعونة لم تكن قريةً فحسب، بل كتاباً مفتوحاً على سرّ الريف، حروفه وجوهٌ تلمع بعرق الكدح، وصوت المطر على الطين، وضحكاتٌ تتردّد تحت الرواكيب. هناك نفهم أن التربية لا تُلقَّن بالكلام، بل تُزرع بالأيادي المتعانقة، وبالقلوب التي تدرك أن الحياة لا تكتمل وحدها. تمتد الحقول بسخاء، تتمايل عليها الخضرة والنسيم، وتتناثر أوراق النيم برفقٍ كرسائل من السماء. البيوت لم تكن مأوى فقط، بل دفئاً صادقاً. في ذلك المكان كان الجمال يسكن القلوب قبل أن يتجلّى في المظاهر، في الكرم، والشهامة، والعطف على الصغير قبل الكبير. وهناك، حين حمل عمّنا آدم أديس ومحمد أحمد سبيل وحسين إبراهيم حقائبهم مهاجرين إلى نيالا، أدركنا أن الإنسان يُصنع بالحب والمشاركة قبل أن يُصنع بالعلم والكلمة. وما زالت تلك الحياة تمشي فينا أينما ذهبنا، نجدها مجسّدة في عمّنا محمد آدم حبيب حين رحل إلى الضعين، كظلٍّ وفيّ لا يفارقنا، وكذاكرةٍ لا تعرف النهاية.

    ولم تكن التربية شأناً منزلياً مغلقاً، بل فضاءً ممتدّاً تتقاطع فيه الحياة بألوانها وأصواتها، حيث يتعلم الأطفال من أعين الجميع، ومن كل لحظة تمرّ بهم كأنها درس صغير. كل خطأ يُلاحظ قبل أن يُرتكب، وكل فضيلة تُكرم قبل أن تُطلب، كأنّ الرقابة الاجتماعية سورٌ غير مرئي يحرس القلوب قبل الأفعال. وفي قلب هذا المشهد، كان الأستاذ عبدالله حامد يتجول بين الناس، يربت على كتف الصغير، ويزرع في قلبه بذور المسؤولية، فتنبثق من أعماق الطفل حسّ الواجب والاحترام، وكذلك الأستاذ آدم خليفة وأحمد زايد، فكل خطوة لهما نحو الحياة كانت مدعومة بوعي جماعي، ذلك الوعي الخفي الذي لا يُرى إلا في تفاصيل القرية اليومية.

    في موسم الدرت، يكتمل الدرس القديم الذي ما زال يتردّد صداه في ذاكرة القرية. درس التربية الجماعية التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع المحصول. عند البرك، تنحني النساء لجمع الكول، فتلمع وجوههن بصفاءٍ لا يشيخ، ويهتزّ المكان بصدق الحضور وإخلاص العمل، كأن كل حركة صلاة خفية تؤديها اليد للأرض والروح للسماء. وفي النفير الممتد إلى القرى المجاورة (أم تقولة، رهد البقر، عبيدالله، جبرالله، سيل بارد، مفارق الزراف)، يتحوّل العمل إلى عرس جماعي. هناك تتشابك الأيدي الصغيرة والكبيرة، ويتعلم الأطفال أن عرق الجسد أثمن من الذهب، وأن الجهد المشترك هو الذاكرة التي تربي وتبقى. نتذكر عبدالله محمود، وعبدالله أبو كراوش، وكدبة وتجاتي دله، وعمّنا أبو تلاقيم، هؤلاء جعلوا من العمل وصيةً أخلاقية تتوارثها الأجيال. وكان الدرت أكبر من موسم حصاد، في سوقه لم يكن البيع مجرّد مقايضة، بل طقساً من الكرم الجماعي، يهمس أن قيمة الثمر لا تُقاس بما يُخزَّن في المخازن، بل بما يُزرع في القلوب من دفءٍ ووحدةٍ وبشارة أملٍ جديد.

    هكذا كانت القرية تربي أبناءها بلا خطبٍ ولا كتب، لتصبح التعاون لغة الحياة وروحها، واليد الممتدة بالعطاء تترك أثراً لا يمحوه الزمان. الأرض لا تمنح خيراتها إلا إذا اجتمعت عليها الأيادي، كما لا ينمو الإنسان إلا في حضن الجماعة. بين بيوت القش والرواكيب، يتعلم الطفل أن الضيافة جوهر من جوهر الأخلاق، وأن الطعام الذي لا يُقسم مع الجار يبقى ناقص البركة. وكانت الأمهات يخشين شيئاً واحداً: أن يُقال عن (فلان قليل الأدب). فالأدب كان رأس المال، يعادل الشرف والعِرض، ويعلو على الغنى والفقر، ليصبح عنوان التربية الجماعية، التي تضم القيم والواجب الاجتماعي والضمير الحي. وفي ذاكرة القرية تلمع وجوه مضيئة. خميس أبو أديا، وأبو روكوا، وفللي؛ لم يكونوا مجرد أسماء، بل مواقف وتجارب اختلطت بتراب الأرض وأحاديث الناس، لتظل القرية منارة لكل ما هو إنساني وحضانة للروح الجماعية.

    في قلب هذا النسيج الحيّ، كانت أم سعونة تنجب معلمات حملن رسالة التربية بصدق وأمانة. يشرق بينهنّ حواء حامد، وهدى محمد جمعة، وهدى أحمد أمام، يزرعن في قلوب الصغار بذور المسؤولية ويعلّمنهم الوعي الصادق. إلى جانبهنّ، برزت النابغات كلتوم هارونوزميلتها حواء عبدالله خليل من شق الجاموس، وقد شرفت أم سعونة برفقتهما الزميل نورالدين عبدالله خليل، يليهنّ كلتوم إبراهيم، التي جعلت حضورها جسراً يربط الأجيال بالعلم والواجب التي جعلت من عطائها جسراً يربط الأجيال ويشعل حب المعرفة والواجب. ولم تغفل أم سعونة العمل النسوي، فبرزت حواء حبيب وزينب صندوق، لتؤكد أن المرأة في القرية ليست على الهامش، بل في قلب الفعل، تصوغ بالعطاء والقدوة ملامح الغد. فالتعليم هنا مشروع حياة جماعي، تُغرس فيه القيم في الذاكرة وتستقر في الوجدان، لتبقى القرية مدرسة كبرى، يتعلم فيها الناس معنى المشاركة قبل أن يتعلموا القراءة والكتابة.

    ولم يكن ذلك غريباً على قريةٍ عرفت كيف تُنبت من رحمها رجالاً ونساءً أفذاذاً، حملوا السودان في قلوبهم وخدموه في ميادين شتى؛ ومنهم عمّنا محمد أديس الذي ترك بصمته في العسكرية، وآخرون شقّوا دروبهم، أحمد عبدالله في الصناعات الدفاعية، وعبده الزين في مجال البنوك والصرافات، وعماد محمد إدريس في حقل التأمين. كما برز علي عبدالحيالقادم من شق الجاموس، مع زميله الهادي سعدان التوم، وهما يحملان إرث القرية وروحها إلى فضاءاتٍ أبعد من حدودها، ليظل أثر أم سعونة ممتداً حيثما يمضي أبناؤها وبناتها، شاهداً على أن القرية الصغيرة يمكن أن تخلّف أثراً كبيراً في ذاكرة الوطن.

    وهكذا تبقى أم سعونة، برهودها وبيوت قشها، شاهدةً على زمنٍ كان فيه الناس يتشاركون الحياة بلا حدود، ويعلّمون بعضهم معنى المسؤولية والوفاء. في كل زاوية من زواياها، تنبض القيم كما تنبض الأرض بعد المطر، وتتجلى الكرامة في أدق التفاصيل، أيادي ممتدة، ابتسامات حقيقية، وكلمات صادقة تُعلّم قبل أن تُقال. لم يكن الطفل ابن أسرته وحدها، بل ابن القرية كلّها، ولم يكن الحصاد حصاد زرعٍ فحسب، بل حصاد إنسان يُصنع باليد والعقل والقلب معاً. هناك تعلّمنا أن الأدب يعلو على المال، وأن المشاركة أثمن من الملكية، وأن الضمير الحيّ هو أغلى ميراث. لذلك، ستظل ذاكرة أم سعونة أكثر من حكاية عن الريف، ستظل درساً مفتوحاً للأمة كلها، في كيف يُبنى الإنسان حين تكون التربية عملاً جماعياً، وكيف تبقى القيم حيّة ما دام أهلها أوفياء لها.
    [email protected]























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de