في خضمّ الحرب الدائرة، لم يعد خطاب القادة العسكريين مجرد بيانات ميدانية، بل تحوّل إلى ساحة معركة لغوية تكشف مكنونات العجز والخوف بقدر ما تدّعي القوة. وفي هذا السياق جاءت عبارة البرهان: «سقطت الخرطوم من قبل واستعدناها، فسقوط الفاشر متوقع ولن يغير معادلة انتصار الجيش.» هذه الجملة، بما تحمله من مراوغة واعتراف مبطن، تصلح نموذجًا لـ«مجمجة» سياسية: كلام يبدو فيه القدرةً علي الانتصار، لكنه في جوهره تهنئة مسبقة بهزيمة لا مفر منها.
١. الاعتراف بالهزيمة قد يظن السامع أنها عبارة ثقة، لكنها في الحقيقة اعتراف مسبق بالهزيمة. فالخرطوم لم «تسقط» فقط، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة بين المليشيات الإسلامية الإرهابية ومكونات الجيش المهترئة، أما جيش السودان فهو لم يعد في الوجود ليستعيدها. أمّا الفاشر، عاصمة سلطنة دارفور التاريخية، فإن مجرد التلميح إلى سقوطها يعني أن القيادة تعلم يقينًا أنها عاجزة عن حمايتها.
٢. التبرير المسبق هذه «المجمجة» – أي خلط الكلام بين الإقرار والإنكار – ليست إلا محاولة يائسة لتقليل أثر الصدمة قبل وقوعها. لكنها تكشف جوهر الأزمة: جيش البرهان فقد القدرة على حماية المدن، وبات يكتفي بالتصريحات الدعائية بدل الفعل العسكري، بينما تتحرك المليشيات الإسلامية الإرهابية في فراغ الدولة.
٣. الفاشر ليست مدينة عادية الفاشر ليست مدينة عادية، بل قلب دارفور ورمز صمودها منذ قرون. سقوطها ليس حدثًا عابرًا في الحرب، بل يوازي سقوط الخرطوم في رمزيته السياسية والمعنوية. والقول بأنه «لن يغيّر معادلة النصر» ليس سوى تهنئة مبطنة لـ **سلطة التأسيس** التي تنتظر لحظة الإعلان، فيما تبقى المليشيات الإسلامية الإرهابية وأجهزتها القمعية عاجزة عن حماية المدن.
٤. التهنئة المسبقة إنها التهنئة المسبقة بسقوط لا بد منه، تخرج من لسان قائد فقد السيطرة ولم يعد يملك سوى التبرير. وهكذا ينكشف وجه الخطاب الرسمي: لغة الانتصار بينما الواقع يسجل هزيمة تلو الأخرى على يد **سلطة التأسيس** وصمودها، في مقابل انكسار المليشيات الإسلامية الإرهابية وأذرعها.
٥. ما وراء المجمجة هذا الخطاب ليس مجرد زلة لسان أو تصريح عابر، بل يعكس مأزقًا سياسيًا وعسكريًا عميقًا. فعندما يبدأ القائد الأعلى للجيش بتبرير الهزائم قبل وقوعها، فهذا يعني أن منطق القوة قد نفد، وأن ساحة السياسة الدولية باتت أكثر حضورًا من ميدان المعركة. الفاشر ليست فقط قضية عسكرية، بل اختبار لمشروعية السلطة كلها: هل يمكن لنظامٍ يفرّط في العواصم والمدن أن يزعم تمثيل السودان؟
من هنا، تصبح «مجمجة البرهان» رمزًا لانتهاء مرحلة وبداية أخرى. مرحلة يُدرك فيها السودانيون أن خلاصهم لا يأتي من شعارات جوفاء، بل من بناء جيش قومي جديد، وإعادة تأسيس عقد سياسي لا يُدار بالانقلابات أو المليشيات، بل بالشرعية الشعبية. ذلك هو الدرس الحقيقي خلف كلمات البرهان، مهما حاول أن يخفيه.
ملحوظة توضيحية: في هذا المقال يُستخدم تعبير «المليشيات الإسلامية الإرهابية» حصراً للإشارة إلى الحركة الإسلامية وأذرعها القمعية مثل الدفاع الشعبي والقوات المشتركة والمستنفرين والمرتزقة (البراون)، بينما يُستخدم تعبير «سلطة التأسيس» للدلالة على القوة الثورية والسياسية الجديدة التي تمثل مشروع السودان الجديد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة