في الوقت الذي يغيب فيه وقف إطلاق النار، يترنح السودان تحت وطأة نزاع دموي يضع النظام السياسي كله في ورطة وجودية. لكن وسط هذه الكارثة، يظهر واقعٌ أسوأ: ظهور "دول سطحية" تديرها فصائل مسلحة، تصادر الحياة والكرامة والموارد عبر هوامش خفية من "الفساد المنظم". أحدث حلقة في هذا الانهيار، "شركة أبو عاقلة كيكل للخدمات المالية والإكراهية". اشتراك في الماء والكهرباء من المليشيا؟ الوثيقة المسربة التي فرضت “اشتراكًا” للحصول على الماء والكهرباء ليست مجرد ورقة. إنها إعلان ميلاد نموذج جديد: الفصيلة المسلحة تتحول إلى شركة خدمات، تقدم عروضًا مُضللة مثل: 10 آلاف جنيه خلال 72 ساعة مقابل تفعيل المياه (إن وجدت) أو تشغيل الكهرباء ــ كأنك تدفع رسوم اشتراك في نادٍ استشفائي! غرامة 50 ألف جنيه للعاجز عن الدفع، حتى يُضَاف الفقر إلى مقاييس الجريمة. قطع الخدمات كعقوبة جماعية لمن "تأخر" عن الدفع، في مهرجان رقابي بشع.
من "حامي الحمى" إلى "جابي الضرائب" بمهارة المافيا، تحولت مليشيا كيكل من القوة المسلحة إلى جهة جباية منظمة، تستخدم النار كسلاح ضد من بقي في مدينته. أصبحت الخدمات الأساسية أسيرة في صراع أرباح مشبوهة، جاعلين المواطنين عملاء إجبارين في سوق احتكارية تحت ظل السلاح.
مرتزقة إثيوبيون في الجزيرة: خليط من الاعتداء والاستغلال في وسط هذه الدراما السودانية، برز خبر وجود مرتزقة إثيوبيين إلى جانب قوات الدعم السريع في مناطق كولاية الجزيرة. تقارير موثوقة تشير إلى أن القوات المسلحة استعانت بمقاتلين من إثيوبيا، بما في ذلك مقاتلين بلائقية احترافية، تحت غطاء بسط السيطرة على المناطق الزراعية والبنى التحتية ﹙مثل موارد الري وحقول النيل﹚ 3ayin.com Council on Foreign Relations هذا الوجود الأجنبي أضاف شريحة أخرى من المعاناة -تعتيم إعلامي ممنهج على هذه الحقائق، بينما تُروج المليشيا روايات "جنسية" أو "تقدير تكتيكي" لتبرير وجودهم. نزاعات واحتكاكات داخلية بين المليشيات المحلية والعناصر الأجنبيّة. مصادر تتحدث عن تهديد لاستقرار المناطق الزراعية وتقويض السيادة الوطنية. السودان – سوق مفتوح للفصائل المسلحة الواقع بات أقرب إلى كابوس: كل فصيل يدير "قطاعًا جغرافيًا" كقطعة أرض استثمارية، يفرض ضرائب، ويُقدم خدمات مشوّهة، ويزيّن جرائمه بكلمات "تكتيكية" و"استراتيجية". هنا المواطن ليس مجنّدًا فقط، بل عميل تحت التهديد.
*السودان لم يعد دولة مركزية واحدة، بل مول تجاري للفصائل المسلحة. كل مليشيا تعمل كفروع تجارية، تتاجر بالهوية والخدمة. وإذا بقي هذا الوضع دون محاسبة حقيقية للدولة الحقيقية، فما سوداننا إلا فرنشابّيز للفساد والقمع. من يأخذ هذه الدولة إلى "المرحلة القادمة"؟ هل يتوقف الفساد عند الحرب، أم يستعد الجميع للاشتراك بحرية في باقات مثل "المواطنة البلاتينية" لحماية نفسك حتى من تزحزح رشاش؟ لا خلاص حقيقي إلا باستعادة الدولة، وليس تجزئتها إلى أبراج تحصيل الأموال.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة