المدخل الى قلب الشاعر الفذ والثائر المعذب محمد عثمان كجراي هو هذا الأسى العريض الذي جعله ملكاً متوجاً للكلمة الساحرة المحتشدة بتناقضات من الوجد والحرمان والفرح والشقاء مع ترانيم مشدودة على حبل من الخيال سابحة في التيه في وجه عواصف من الترحال لقي فيها الكثير من العنت والجور وهو يبحث عن فردوس مفقود في منافي الذات والأرض أفرغها في أربعة دواوين هي الصمت والرماد وهنا طرفة طرفاها الشاعر وأحد المطابع اللبنانية .. تقول الطرفة ان كجراي بعث بديوانه (الصمت والرماد) الى المطبعة لطبعه ودفع جزءا من المبلغ ولكنه لظروف مادية لم يتمكن من دفع باقي المبلغ وحينما تأخر عن السداد تلقى من المطبعة رسالة قصيرة تقول (لذت أنت بالصمت وتركت لنا الرماد) .. هناك أيضا ديوان (الليل عبر غابة النيون وفي مرايا الحقول) و(ارم ذات العماد) ولكنه لم يلن ولم ينحني بل أمسك بقرون القمع والتجويع والظلم والطغيان تشريحا وترويضا لواقع كنا نعيشه ولا زال جاثما عارا على صدورنا أنا من أمة سكرى بخمر الصبر تخرس صوت آهاتي يمر العام تلو العام لا الآمال تصدق لا ركام الهم يسقط من حساباتي ويخجلني امتداد الصمت .. لون الصمت في جدب المسافاتِ رفعت على ركام الغيب فوق مدارج المجهول راياتي فيا وطن الضياع المر يا نصلاً يمزقني ويكثر من جراحاتي متى ينسلّ موج الضوء يغسل رمل واحاتي؟ (2) في عواصف تقلبات الزمان أصابه دوار غضب جبار بعد أن ظل حاملا وطأة السنوات العجاف للإنسان السوداني ولم يكن قلب الشاعر سوى خافق بهذا الحرمان والضياع. والبلد يسلمه مدنيون (تسليم مفتاح) لعسكر يسوطوه قبل أن يتم استعادته عبر التظاهرات ثم تدور الأسطوانة مجددا لتعيد انتاج المشهد فما أشبه اليوم بالأمس بين جلاد وآخر نبرر أخطاءنا بالقدر فلا وطن نحن نحميه لا أمة تتجمع حين تهب رياح الخطر نتحدث عن أمة هي من خير ما أنجبته عصور البشر ويعجبنا صوت هذا الوتر (3) قصائد كجراي في معظمها تسبح في ظلمة وتنطلق من الأعماق نورا يبدد العتمة ناطقة بوحشة الزمان وعذابات أهل السودان ركبنا خيول السراب نثرثر باللغة السائدة نبيع على واجهات الرصيف بضاعة أسلافنا الكاسدة كفرت بجيل ينمي الجذور مع العار يأكل في مائدة ومن أعوزته خيوط الكرامة يسقط من محنة واحدة (4) أحاسيس كجراي كانت ملولة بالأشياء، فربما ذلك لتشرُّبه من تفاصيل الحريق المزمن في بيئة الشرق السوداني والذي يتمثل بعضها في مهرجانات السنوية لطائفة الختمية في كسلا حيث يختلط الحابل بالنابل والكتوف تتزاحم بالكتوف بحلم نيل بركات الحسيب النسيب فيقول وعرائس النوراب يحملن السلال والأعين المتطفلة صرخاتها لهب تمزق بين أوعية الجمال وهناك #################### يغني في ابتذال أسباب لوعتي التي حرقت حنايا مهجتي عيناك يا بنت الحلال (5) ساهم كجراي بجمال الكلمة وعذوبتها مخاطبا الجماهير بلغة دارجة وكان حينها ناظراً لمدرسة واو الثانوية فكتب (ما في داعي تقول ما في) وأهداها للفنان محمد وردي زميل الدراسة بمعهد التربية بشندي ما في داعي تقول ما في يا لربيع في عطرو د افي لهفة الشوق في سلامك في كلامك وسر غرامك ما هو خافي وأتبعها بقصيدة (يا نسمة النوار) وأهداها للفنان إبراهيم حسين قالوا الزمن دوّار يا بسمة النوّار يا ريت تعود أيامنا ونكمّل المشوار وأتبعها بقصيدة (شجون) لنفس الفنان يعاتب يوم ويرجع يوم يعذبنا بي ريدو ويتحدانا يوم يزعل يقول أقدارنا في ايدو ونقول ياريتو لو يعرف عذاب الحب وتنهيدو بدل ما نحنا بنعاتب بنفرح يوم يعاتبنا ونسأل عنو كان طول وما هاميهو كان غبنا حرام ترمينا للأيام حنانك يا معذبنا نحلف قلبك القاسي بكل حنان مودتنا بأفراحنا وأشواقنا وبي لهفة محبتنا رضينا عذابنا في حبك حرام تتناسي ريدتنا (6) تنعكس صورة الإنسان وصورة المجتمع في ديوان (الصمت والرماد) تحديدا في قصيدة العائد من صحراء التيه وكسْرتُ أطواقي وسِرتُ أليكِ في بحرٍ من الظلماتِ مبهُور العيونْ قد كان يطفو في عُبَابِ الموج ِ قاربيَ الحزينْ من رحلةِ المجهُولِ يْقَتَحمُ الشواطئ في ارتِعاشاتِ المغيبْ قد عادَ فارِسُكِ الحبيبْ يا نجمةٍ كانت على الأفقِ البعيدِ تذوبُ في المٍ غريبْ نفسي يُمزقُها الحنينُ إليك يَدفَعها اشتِياقْ صفصافةُ أكل الزمانُ جذوعها تمايلت فوقَ الجَدارِ وبين أعمدةَ الرواقْ عبثاً تُناضِلُ عاصِفَ الأنواء صدرُ الأرضِ اقربُ والظلامُ يدُ وساقْ (7) كافح وناضل كجراي عبر كلماته عالية النبرات كل أشكال العنف والظلم وظل صوتا داويا للمهمّشين والمعذبين الذين كان يلتقي بهم خلال عمله في التعليم وكان يوقع اسمه تحت قصائده تحت اسم مستعار هو (كجراي) وهي لفظة بجاوية فريدة تعني الجندي أو العسكري لم يكن أحد يحملها غيره .. ولكن رغم ان الإنجليز كانوا يحرّمون على الموظف الكتابة في الصحف بالتستر وراء الاسماء المستعارة فقد كان يرفد ميدان الثقافة بقصائد تحمل معاناة المواطن (واطي الجمرة) وعجائز المتسولين وبعض أبناء السبيل الراقدين على الرصيف الجوع يدفعهم إلى الأبواب يلتمسون رائحة الرغيف (8) في صبيحة الثامن من أغسطس عام 2003 بعد حياة مفعمة بكل معاني الوطنية والحرية وبعشق الوطن رحل شاعر الأمة محمد عثمان صالح كجراي الذي كان كانت أحد محطاته في سلك التعليم مدرسة كسلا الابتدائية كما يقول أحد زملائي الذين تتلمذوا على يديه وقال لي انه كان مثالا للهيبة والوقار ولم يكن له أعداء سوى الذين يعتدون على اللغة العربية وبالأخص (الأذكياء) الذين كان يتعامل معهم بكرباج كان لا يفارق يده وذلك اذا تكررت أخطائهم وبدت منهم انتكاسات يدفعون ثمنها ثلاثة جلدات على اليد أما المهملون زبائن (المقاعد الخلفية) فكان يطلق عليهم بسخرية (ناس ختمية غرب) . ترجل الزاهد فغادر الفانية ورغم انه أحد فحول الشعر العربي فقد كانت كل تنقلاته على متن دراجة عفا عليها الزمان حتى رحيله وهو في قامة فرسان المفردة المغردة محي الدين فارس وجيلي عبد الرحمن ومحمد المهدي المجذوب وصلاح أحمد إبراهيم وعلي المك.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة