السودان اليوم لم يعد مجرد دولة تواجه أزمة داخلية أو صراعاً عابراً على السلطة، بل أصبح منصة اختبار للتوازنات الإقليمية، حيث تتقاطع مصالح مصر والسعودية مع مشروع الحركة الإسلامية السودانية، في لعبة محفوفة بالمخاطر تتجاوز حدود الخرطوم إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي. المفارقة الكبرى في الرهان الإقليمي تكمن في قراءة الجيش السوداني. كثير من التحليلات الخارجية تفترض أن المؤسسة العسكرية يمكن فصلها عن الإسلاميين، وأن دعم البرهان بوصفه قائد الجيش هو دعم للاستقرار الوطني. لكن الواقع على الأرض يقول عكس ذلك: العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية ليست تحالف مصالح عابر يمكن تفكيكه بقرار سياسي، بل هي اندماج عميق، منذ انقلاب 1989، أعاد تشكيل القيادات، ومراكز القرار، والعقيدة العسكرية بما يخدم مشروع الحركة الإسلامية. في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في واشنطن لتوضح أن الرياض لا تقارب مع الإسلاميين، وأن دعم الجيش السوداني يُقدّم تكتيكياً لا أيديولوجياً، مع مساعٍ لإبعاد العناصر المحسوبة على الإخوان من داخل المؤسسة العسكرية. هذه التصريحات تهدف أساساً لطمأنة واشنطن، لكنها تواجه اختبار الواقع السوداني، حيث أي دعم للجيش دون تفكيك أيديولوجي شامل يتحول عملياً إلى دعم لمنظومة مختطفة بالفعل. الكيزان فهموا هذا الواقع واستغلوه جيداً. بعد سقوط نظامهم في 2019، لم يغادروا المشهد، بل أعادوا ترتيب أوراقهم: عطّلوا الانتقال المدني، حرّضوا على انقلاب أكتوبر 2021، ثم وجدوا في حرب أبريل 2023 فرصة للعودة كلاعب رئيسي. في الوقت نفسه، حاولوا استمالة واشنطن بعروض تشمل التعدين والبحر الأحمر، لكن الرفض الأمريكي كان صريحاً، ليس لضعف العرض، بل لعدم الثقة بسجل الحركة في الالتزامات السابقة. في المقابل، اتجه المشروع الإسلامي إلى استثمار تناقضات الإقليم. السعودية تعاملت مع السودان من زاوية البحر الأحمر وأمن الملاحة، بينما ركزت مصر على مياه النيل وعمقها الاستراتيجي. في كلتا الحالتين، جرى الرهان على الجيش بوصفه ضامن “ممكن”، لكن دون اعتبار لطبيعة المؤسسة نفسها. تحركات الجيش نحو النيل الأزرق والحدود الإثيوبية كانت رسائل ضغط سياسية أكثر من كونها ضرورات عسكرية، تعكس التداخل بين الرهان على البرهان ومصالح القاهرة والرياض. الخطر لا يقتصر على استمرار الحرب، بل يمتد إلى إعادة تمكين الإسلاميين كلاعبين إقليميين وظيفيين. تمددهم يهدد أمن البحر الأحمر، الملاحة الدولية، واستقرار القرن الإفريقي. أي دعم للجيش دون تفكيك المشروع الأيديولوجي الذي صاغه يعني استمرار الفوضى واستنزاف الدولة والإقليم معاً. الخلاصة واضحة : السودان لا يحتاج إلى إدارة تكتيكية للأزمة، بل إلى قراءة صحيحة لطبيعتها البنيوية. دعم الجيش كحل تكتيكي، بلا تفكيك جذري للحركة الإسلامية داخل مؤسساته، هو رهانات محفوفة بالمخاطر، وقد تتحول إلى أزمة إقليمية مفتوحة. من يعتقد أن الاستقرار يمكن أن يُنتج بهذه الطريقة، يكرر خطأ الإقليم نفسه، ويخاطر بآثار تتجاوز حدود السودان إلى مصالح دولية استراتيجية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة