حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي تأشيري

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 18-08-2019, 08:18 AM الصفحة الرئيسية

المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-08-2019, 06:20 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي تأشيري

    06:20 PM August, 06 2019

    سودانيز اون لاين
    حسين أحمد حسين-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر



    حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي تأشيري

    تقديم

    تُعرَّف الدولة بأنَّها "حزمة الإجرآءات القانونية والمؤسسية المعبِرة عن مجتمع بعينه، على بقعة أرض بعينها، بالكيفية التى تُكسبها اعترافاً دولياً وسيادةً على تلك البقعة من الأرض" (لنستحضر ولادة دولة الجنوب - رغم قيصريتها - حتى نتبيَّن تعريف الدولة).

    وهذا التعريف البسيط يخضع بالطبع لشروط التشكل الإقتصادى الإجتماعى التى تُفَسِّر لنا صيرورة الدولة ومسيرة نضجها منذ ولادة الحاجة إليها قبل نحو 10 ألف سنة حتى يوم النَّاس هذا. فالدولة قد بدأت ثيوقراطية/دينية، ثمَّ أصبحت علمانية بأنواعها المتعددة، ثمَّ وصلت في الوقت الراهن إلي مرحلة الدولة المدنية.

    فالتعريف أعلاه يُمثل الشروط العلمية لإنجاز مهام الدولة فى أىِّ مكان، وعلى أىِّ دين/لا - دين كانت؛ لا يهم أنَّها في مكة المكرمة زادها اللهُ تشريفاً ورفعةً، ولا يهم أنَّها في موسكو زادها اللهُ بيريسترويكا وغلاسنوست.

    كما أنَّ الدولة بهذا التعريف ليست معصومة من التعاطى مع معتقدات النَّاس. بل إنَّها تتأثر بمعتقدات شعبها وتؤثِّر فيها، فى إطارٍ من الجدل الحميم والمحتدم. ويجب ألاَّ يتوقع السياسى الناضج إجابة سهلة على عواقب إقحام الدين فى الدولة أو فصله عنها؛ فالمخاض طويل. والمهم فى كل ذلك هو أنْ تتعاطى الدولة مع معتقدات شعبها بالطريقة التى لا تخل مطلقاً بالحقوق الأساسية لكافة مواطنيها وأن تتعامل معهم على قدمِ المساواة.

    وبالتالي إذا قام المجتمع بوضع دستور يتأوَّل (وتتأوَّل تشريعاته القانونية والمؤسسية المنبثقة من ذلك الدستور) معتقداتٍ لدينٍ بعينه (دين أغلبية مثلاً) تصبح دولته دولة دينية، وسوف تتضرر منها الأقليات الدينية/اللادينية الأخري لا محالة. وعليه ستفشل هذه الدولة في التعاطي العادل والمعتدل مع الحقوق الأساسية لكافة مواطنيها، وستفشل في التعامل معهم على قدم المساواة، وبالضرورة سينعدم الاستقرار في ظل هكذا دولة، والتي عادة ما تنتهي إلى البتر والانقسامات في البلد الواحد كما حدث لجنوب السودان المسيحي. وبالتالي تحتاج الدولة الدينية لكيفية ديمقراطية سلسة للفكاك من هذه العقلية الثيوقراطية والتعسف السياسي المصاحب لها (http://www.sudanile.com/111778http://www.sudanile.com/111778.

    وسوف يحدث نفس الشئ من عدم الاستقرار القائم على تبني دستور علماني يُسقط الحقوق الأساسية لأصحاب المعتقدات الدينية (أغلبية أو أقلية)، في عدم رفع الحرج العقدي عنهم بسبب منعهم من تطبيق شرائعهم على أنفسهم (لا يستطيع المسلم أن يطبق الحدود الاسلامية على نفسه في أوروبا العلمانية مثلاً). ونرجو أنْ تبتدع العلمانية السودانية حلولاً تُجيبُ بها على مثل هذه التساؤلات بشكل ديمقراطى أيضاً وغير متعسِّف، حتى لا ينفر منها المتدينون المدافعون عنها ولو مؤقتاً - الفكر الجمهورى مِثالاً (http://www.sudanile.com/111955http://www.sudanile.com/111955.

    وفي ظل هكذا واقع، كان لابد للفكر الإنساني أن يبتدع مخرجاً لهذا التعسف السياسي والتعاطي اللاديمقراطي في التعامل مع حقوق الأقليات من قِبَل الدولتين الدينية والعلمانية، بالقدر الذي يُتيح للناس ممارسة معتقداتهم بما يرفع عنهم الحرج العقدي، وفي ذات الوقت يبعد الدولة كليةً عن التدخل والمساس بهذه المعتقدات.

    نشوء وتطور مصطلح الدولة المدنية

    لاشك أنَّ بدايات السلوك المدنى نبعتْ من أول أسرة من لَدُن سيدنا آدم عليه السلام، ثمَّ من المصادقة على عقد إجتماعى للعشيرة، ثمَّ للقبيلة ثمَّ فى نهاية المطاف آل الأمر للدولة. وقد كانت الغرائز وحدها - لاسيما الشجاعة والخوف - على أيام العهود البدائية قبل ولادة الدولة، هى التى تدفعُ بالنَّاسِ للصراعات وتكفَّهم عنها (Jean Jacques Rousseau 1913).

    ثمَّ من بعد ذلك استطاعت الأديان - خاصةً التى بقِيتْ خالية من الهوى والغرض فى التأويل والتحريف البشرى - أنْ تمدَّ الإنسانية بِبَواكير العقود الإجتماعية الناصعة التى قد أسَّستْ للحال المدنى الذى أنجب الدولة الدينية، فالدولة العلمانية فيما بعد، ثم مؤخراً الدولة المدنية. وعبر هذه الصيرورة قيَّدَ الفردُ نفسَه، من حال التعامل الغريزى مع محيطه، بحال مدنى/بعقد إجتماعى فَصَله عن التعامل البوهيمى مع ذلكم المحيط.

    ويجب علينا أن نوضِّح هنا بأنَّ عبارة الـ (Civil State) التى ظهرت فى كتابات جان جاك روسو 1712- 1778م، ما كانت لتعنى الدولة المدنية بحال من الأحوال، بل كانت تعنى الحال/الوضع المدنى خاصةً إذا علمنا أنَّ جينولوجيا الحديث عن طبيعة الدولة نفسه هو حديث ورد فى التاريخ المعاصر: بداياته عند أنجلز ولينين، عميقه عند الماركسيين البنيويين وغيرهم من اللاحقين (حسين 2018). وفوق ذلك فإنَّ الغربَ الذي تحدث كثيراً عن المجتمع المدني، فهو لا يعرف مصطلح الدولة المدنية ويعتبره مصطلحاً شرقياً.

    ونحن هنا نؤكد بأنَّ مصطلح الدولة المدنية، كمقابل لمصطلحى الدولة الدينية والدولة العلمانية، هو مصطلحٌ سودانىُّ الجنسية وأبوه (The Father Founder) هو المفكر الجليل محمد إبراهيم نقد رحمه الله (محمد إبراهيم نقد، حل مشاكل السودان يتمثل فى دولة مدنية، الحوار المتمدن: العدد 425، 15/03/2003 - محمد إبراهيم نقد، حوار حول الدولة المدنية 2012). وأقول ما أقول، لأنَّ كثيراً من الكتابات التى طالعتُها تحاول أنْ تُمصِّرَ المصطلح، أو تُسَوِّرَه، أو تُمغرِبَه، أو تُبغْدِدَه؛ وذلك يحدث فقط لأنَّ الغرب قال بأنّه لا يعرفَ مصطلح الدولة المدنية ويعتبره مصطلحاً شرقيٌاً؛ فالكلُّ هبَّ لينسبه لنفسه؛ ولكنَّه، شاءَ من شاء وأبى من أبى، فهو سودانىُّ الجنسية.

    وصحيحٌ أنَّ هناك العديد من الكتابات التى تناولت المجتمع المدنى وأهميته فى الثلاثة عقود المنصرمة فى المنطقة العربية والإسلامية (راجع مثلاً: عزمى بشارة، محمد الغيلانى، الحبيب الجنحانى، عبد الإله بلقزيز، إلخ)؛ وفى الغرب منذ أزمنة بعيدة؛ إلاَّ أنَّها كلُّها لم تنفذ إلى حقيقة الدولة المدنية كما كتب عنها المفكر محمد إبراهيم نقد. ولكن من المؤسف أنَّ مصطلح الدولة المدنية مازال مهزوزاً فى أذهان النَّاس رغم ظهوره باكراً كبرنامج عمل للمعارضة الديمقراطية (الحزب الشيوعى السودانى) لحل مشاكل الدولة الدينية المتمثلة فى حكومة الوفاق أبّان الديمقراطية الثالثة عام 1988م. ومَرَدُّ هذا الإهتزاز لسببين فى تقديرى المتواضع:

    الأوَّل: عدم ربط المصطلح بشروحات وتفسيرات من أوجده (Lack of Symptomatic Reading) تحت شروط ظرفه التاريخى المحدد الذى هو الوحيد الكفيل (أى ذلك الظرف التاريخى) بأن يُضفى على المصطلح دلالته؛ بعيد عن إعمال الذهن والتَّكهُّن اللَّذَيْنِ يُحاولان جعلَ المصطلح مصطلحاً لقيطا أو مفخَّخاً؛ أى بلا واقع تاريخى مادى محدد، وبالتالى يُمكن أن تمتد إليه يدُ السرقة الأدبية أوتعريضه للإنتياش. غير أنَّ المصطلح يرتبط بجدل المجتمع والدولة فى واقع صيرورة جدلية تاريخية فى المحيط السودانى، غايتها السلام الاجتماعي والمواطنة والحرية والديموقراطية كما يذكر ذلك دائماً الدكتور عزمي بشارة (بشارة 2012).

    والثانى: تجيير أيديولوجيا أهل اليمين وأهل اليسار معاً للمصطلح ليخدم أغراضاً أيديولوجية تسئ فهم دلالة المصطلح التى عناها مُوجِدُهُ. فاليسار صار يرى فى مصطلح الدولة المدنية مخرجاً من لعنة الإلحاد التى تلازم علمانيته (رغم انحساره بعد تفكك الإتحاد السوفياتي)؛ وبالتالى فإن مصطلح الدولة المدنية قد يُساهم فى زيادة عضويته فى مجتمعات أغلبيتها متدينة. أما اليمين فيتوارى بالدولة المدنية من أيديولوجيته المتهافتة "الإسلام هو الحل"، والتى أفرغتها الممارسة الفعلية للإسلام السياسى فى السودان ومحيطه الاقليمي من معناها.

    وسوف نرى فيما سيأتى إنْ شاء الله، بأنَّ المفكر محمد إبراهيم نقد لم يكن يضع نصب عينيه هذه التُّقية الأيديولوجية حينما تكلَّمَ عن الدولة المدنية، بل كان يعنيه إيجاد حل لمأزق أمته التاريخى المتعلق بإهدار حقوق المواطنة وحقوق الإنسان وضياع الديموقراطية والحريات العامة وإعاقة التنمية لثلاث مرات فى: 1958، 1969، و1989، فابتكر لذلك مصطلح الدولة المدنية، وهو ابتكار له حجته المعرفية والعملية كما هو موضَّح أدناه.

    الخلفية السوسيوسياسية لنشوء الدولة المدنية فى فِكر الأستاذ محمد إبراهيم نقد

    هناك العديد من الأسباب فى الواقع السودانى التى تشكل دافعاً مهماً لكلِّ سياسى سودانى جاد فى البحث "فكرياً" عن مخرج يعالج قضايا المشكل السودانى، وما أكثرها. ولم يذهل المفكر نُقُد، بِنُقُد السياسى، عن مشاكل السودان التى أصبحت معقدة بعد الإستقلال، وصارت أكثر تعقيداً منذ ظهور الجبهة الإسلامية القومية فى الأرينة السياسية السودانية. كما أنَّ الفكر اليومى لم يَلْهِ المفكر نقد عن الفكر المُنْتِج للمعرفة الذى يضع حلولاً مستدامة لقضايا السودان، وقد نظر الرجلُ ثاقباً فى بعض القضايا الإجتماعية السياسية التى شكَّلتْ وعيه باتجاه الدولة المدنية، ومنها:

    1- فشل النخب السودانية فى إيجاد حلول لمشاكل السودان المصيرية بعد الاستقلال (التنمية، الهوية، فصل الدين عن الدولة، تقرير المصير، كيفية الحكم فى السودان، وغيرها) عن طريق منظور الدولة العلمانية (بواكير النظام المايوى) والدولة الدينية (نظام الإنقاذ المتساقط حالياً) معاً. وبالتالى كان هذا الواقع أكثر تذكيراً للحادبين، من أمثال المفكر محمد إبراهيم نقد، على مصلحة هذا الوطن من أن يبتدعوا حلولاً مستدامةً لهذه القضايا.

    2- لقد كان المفكر نُقُد على علم بأنَّ السلوك المدنى والحال المدنى، لم يَقُدْ إلى الدولة المدنية فى المجتمعات الغربية، وذلك ببساطة بسبب تجارب الدولة العلمانية نفسها (خاصة الإلحادية) التي لا تخلو سياساتها من التعسف السياسي والفكري الذي انتهى إلى اضمحلال المعتقدات عندهم، وإلى منع الأقليات من ممارسة عقائدهم بالكيفية الصحيحة التي ترفع عنهم الحرج العقدي، بالرغم من أنَّها وفَّرت لهم قدراً مهماً من الديمقراطية والحقوق والحريات الأخري.

    وبالمقابل فإنَّ مفكرنا نُقد كان على علمٍ تام بأنَّ مجتمعنا السودانى بخاصة (والشرقى عموماً) غنىٌّ بالسلوك المدنى/السلوك الأهلى الرفيع، لكنَّه ما انفكَّ - لعقود طويلة - عاجزاً عن خلق وضع مدنى/مجتمع مدنى يفضى للدولة المدنية. ويحدث ذلك ببساطة أيضاً لأنَّ سياسات الدولة الدينية وأيديولوجياتها (والجماعات المدافعة عنها خاصةً بعد أنْ ذاقت عسيلة السلطة في الثلاثة عقود المنصرمة) تفيض بالتعسف السياسي والفكري الذي يُعيق الوصول للدولة المدنية. ويتجلَّى ذلك في تصوُّر الدولة الدينية للدولة المدنية على أنَّها "اسم دلع" للعلمانية التى أذبلت الدين فى الغرب، وبالتالي هى أداة غربية لمحاربة معتقدات النَّاس في المجتمعات المسلمة وغيرها، والتي من الممكن أنْ تُذْبِلَ الدين فى السودان (فى الشرق).

    هذا الأمر اضطرَّ الغرب لاستزراع العقيدة المدنية وسط القوى الحية فى بعض المجتمعات العربية اختباراً، خاصةً فى مناطق شمال افريقيا وأنفق على ذلك أكثر من 5 مليار دولار. وهذا الاختبار للأسف لم يشمل السودان لعوامل كثيرة معلومة لصانعى القرار الغربى، وأهمها أنَّ الإسلام السياسي في السودان مازال قادراً على التمسك بالسلطة أكثر من غيره، وفاعلاً في محاربة كافة محاولات التغيير، خاصةً حينما بدأت مصالحه تتشابك مع مصالح بعض الدوائر الغربية (د. الصديق عبد الباقى 2011).

    ولكن من سخرية أقدار الاسلامويين السودانيين، أنَّ التديُّن المنحرف للدولة الدينية اللاديمقراطية في السودان خلال الثلاثة عقود المنصرمة قد أذبل الدين هو الآخر (كما فعلت العلمانية المنحرفة) بصورة فاجعة حتي، ولم تخطر على بال دعاة الدولة الدينية أنفسهم؛ إذْ أنَّ عدد الملحدين بين أولاد دعاة الاسلام السياسي أنفسهم فاق 1200 ملحد "اسلاموي"؛ ناهيك عن أنَّ عدد الملحدين السودانيين الآخرين الذي قارب المليون ملحد سوداني.

    إذاً المفكر نُقد بوعيه الطلعة وبصيرته النافذة، قد أدرك باكراً خطر السياسيين المنحرفين على عقائد أهل السودان، وبالتالي على السلم والنسيج الاجتماعييْن. وأدرك ضرورة التدخل الفكري العاجل لمنع ذلك الخطر. ولا غُروَ أنَّه أول من قال (مدنياااااااو) في وجه الدولة العلمانية والدولة الدينية معاً، وهو أول من قال – حينما بدأ ذلك الخطر يتجسَّد أمام بصره في حقيقة احتمال أن ينفصل الجنوب – قال وقتها: "إن شا الله ربنا ما يحضرنا اليوم النشوف فيهو الجنوب ينفصل عن الشمال".

    3- لم يكن العرب عبر تاريخهم المجيد ذوى إهتمام بالفكر إذا ما قارنا ذلك بإهتمامهم بالسلطان، وبالتالى كانوا أكثر ما يُعالجون قضاياهم بالتوازنات السياسية القائمة على ما يرد إليهم من الخارج. ولا عجب إذاً، أن نجد أنَّ معظم الذين أضافوا للفكر العربى والإسلامى فى السابق هم وافدون من أطراف الدولة/الإمبراطورية الإسلامية إلى جزيرة العرب، لا سيما الروّاة الستة الأشهر من رواة الحديث على سبيل النذر لا الحصر.

    كما أنَّ كل محاولات المُفكرين المُحدثين الذين أَثْرَوْا المدرسة الفكرية بالحديث عن الدين والدولة (محمد عابد الجابرى) ونَقْد الدولة الطائفية (مهدى عامل) والدولة فى التاريخ المعاصر وفى محيط أزماتها الراهنة (سمير أمين) وغيرها، لم تتجاوز رؤاهم الفكرية المطلب الغربى فى خلق مجتمع مدنى يُفضي فيما بعد إلى العلمانية؛ وبالتالى هى الاخرى لم تنفذ إلى مطلب الدولة المدنية كما نفذ إليه المفكر محمد إبراهيم نقد، وذلك لتمحور هذه العقول حول المطلب الغربي العلماني رغم تناقضاته.

    4- نشأت فكرة الدولة المدنية عند المفكر محمد إبراهيم نقد من واقع محك عملى غير متوفر للكثير من الدول العربية أبّان فترة الديموقراطية الثالثة (1985- 1989). وهذا المحك هو الديموقراطية نفسها، وتحديداً حين أحكمت الجبهة الإسلامية القومية خناقها على رئيس وزراء السودان الأسبق السيد الصادق المهدى وإرغامه على توسيع حكومته لتشمل الجبهة الإسلامية القومية بقوانينها السبتمبرية الشهيرة، فكان أنْ أعلن الصادق حكومة الوفاق فى عام 1988.

    ولتجنيب البلد متاهات الدولة الثيوقراطية التى تحمل الجبهة الإسلامية القومية جرثومتها من الديانتين الإسلامية والمسيحية البروتستانتينية الكالفينية (راجع الرابط الأول أعلاه)، عرض المفكر محمد إبراهيم نقد مفهوم دولته المدنية لأول مرة فى ذلك العام (1988) "خلال المشاورات التي أجراها مجلس رأس الدولة مع الكتل البرلمانية" بغرض التوسيع المذكور بعاليه.

    5- كان للأُستاذ المفكر محمد إبراهيم نقد رأى فى العلمانية الإلحادية؛ علمانية الإتحاد السُفياتى على وجه التعيين، لِما تنطوى عليه من مفهوم لقمع الحريات وبالأخص الحريات الدينية، وكان هناك تخوُّف بالمقابل من أنْ تستغل الجبهة الإسلامية القومية هذا المفهوم وتُروَّج له أيديولوجياً لتصادر الديموقراطية والحريات العامة بموجبِهِ (وللأسف قد حدث).

    ولعلَّ سقوط الإتحاد السوفياتى عام 1989م قد أفردَ مناخاً معافىً ليتخلص العالم من وِزر الأيديولوجيا الثقيل، وبالتالى انهار المفهوم العلمانى الإلحادي الصِّرف بكل تناقضاته، فنأى المفكر نُقد بنفسهِ عن العلمانية المُقيِّدة للحريات عامةً والحريات الدينية خاصةً فى كتاباته اللاحقة بشكل صريح، ونأى كذلك عن العلمانية المتبنِّية للأديان كعلمانية إنجلترا (راجع أنواع العلمانية في الرابط الثاني أعلاه)، وانتهى الأمر بالمفكر نقد إلى التركيز على الممارسة الديمقراطية والحريات العامة والتى تُغذِّى مفاهيم الثورة الوطنية الديموقراطية بشكل مباشر؛ والثورة الوطنية الديموقراطية "بمحتواها الليبرالي" هى في تقديري المتواضع تُمثل السياق المعرفى العام (البارادايم) للدولة المدنية.

    6- لقد كانت البلد أبَّان فترة الديمقراطية الثالثة (أعادها اللهُ على الجميع باليمن والبركات) مشحونة بحالة من الاستقطاب الأيديولوجى الحاد بين خيارات الدولة العلمانية والدولة الدينية، وكلاهما لا يخلو من المحاذير التى يتخوف منها المفكر نقد كما جاء بعاليه. وقد تجلى هذا الاستقطاب فى رغبة الكثيرين فى إلغاء قوانين سبتمبر 1983، الذى ناحرته الجبهة الإسلامية القومية فى حكومة الوفاق بقوانين بديلة.

    هذا الاستقطاب الحاد (الذى قاد إلى إنقلاب الجبهة الإسلامية فيما بعد) هو الذى ألهم مُفكرنا نقد، فى إطار بحثه الدؤوب لِايجاد حل لمشاكل السودان - لابتداع الدولة المدنية. وهذه الدولة المدنية ليست وليدة الفكر اليومى كما أسلفنا، ولكنها ترقد بشكل جنينى فى رحم أدبيات الماركسية السودانية خاصة فى حديثها عن الماركسية وقضايا الثورة السودانية، وفي الوثيقة التي تتحدث عن الديموقراطية لسنة 1977، وفي رؤيتها عن النقابات كمنظمات مجتمع مدنى. كما توجد تجليات لهذه الدولة المدنية فى كثير من القوانين السودانية الشرعية والمدنية (القانون المدنى وقانون المعاملات المدنية)، وغيرها من القوانين التى تنظم العمل الطوعى ومنظومات المجتمع المدنى.

    وبالتالى إلتقاط هذا المفهوم من قِبَل المفكر محمد إبراهيم نقد وإضافته لقاموس الفكر السودانى والعالمى ليس مستمدَّاً من أىِّ حالة من حالات النزق السياسى (المعادلات السياسية)، ولكنَّه نابع من وعى عميق بوقائع التاريخ وحيثيات تشكل واقعنا السودانى؛ وبالتالى المفردة ليست وافدة بحال من الأحوال.

    7- لعلَّ مفهوم الدولة المدنية قد استند على الفكر الحر والتفكير الحر الذى كان يوجِّه المعارضة الديموقراطية فى برلمان 1986 الحر الديمقراطي، والذى كان يقوده المفكر محمد إبراهيم نقد بنفسه من داخل ذلك البرلمان. وذلك الفكر الحر لم يكن متاحاً فى أىِّ دولة من دول المحيط العربى ولا الأفريقى فى ذلك الوقت، لأنّهما كانا تحت سطوة الأنظمة العسكرية الديكتاتورية.

    وحتى فى الوقت الذى انعدمت فيه الحرية فى السودان بمجئ الإنقاذ للسلطة، ظلَّ الحزب الشيوعى السودانى يبشِّر بالدولة المدنية عن طريق عضويته فى المعارضة السودانية فى الخارج، المتمثلة فى التجمع الوطنى الديموقراطى، بعد إنقلاب الإنقاذ فى عام 1989؛ الذى تبنِّى مضامين الدولة المدنية وضمَّنها فى دستور السودان الإنتقالى الذى إنعقد بصدده التجمع الوطنى الديمقراطى فى 26 يناير – 3 مارس 1992 بمدينة لندن.

    وقد كان أمر هذه الدولة المدنية أكثر وضوحاً فى إعلان نيروبى الذى إنعقد فى 17 أبريل 1993 حول علاقة الدين بالدولة، وأكثر دقةً فى مؤتمر القضايا المصيرية الذى إنعقد بأسمرا فى يونيه 1995. وعن طريق هذ الفعاليات بُذلت الدولة المدنية لمحيطنا الأفريقى والعربى والعالمى قبل أن يصدُر بشأنها كتاب السيد محمد إبراهيم نقد "حوار حول الدولة المدنية" فى عام 2012.

    ليس هذا وحسب، بل أنَّ التجمع الوطنى الديمقراطى المعارض قد استمع فى عام 1999 لورقة الحزب الشيوعى السودانى "قضايا استراتيجية" المقدمة من عضويته فى الشتات والتى تحدثتْ عن:

    "فصل الدين عن الدولة المتأسِّس على التسامح والإحترام للمعتقد الدينى الذى ينتهى بالأمة للمساواة فى المواطنة؛ حيث لا تخضع المعتقدات لمعيار الأغلبية والأقلية، وأنَّ الدين يشكل مكوناً من مكونات فكر ووجدان الشعب السودانى، ومن ثمَّ رَفْض كل دعوة تنسخ أو تستصغر دور الدين فى حياة الفرد. وعلى خلفية هذا الواقع الموضوعى وتأسيساً عليه تستند الديمقراطية السياسية السودانية فى علاقتها بالدين على مبادئ النظام السياسى المدنى التعددى، والتى تشكل فى الوقت نفسه فهمنا لمعنى العلمانية. فمصطلح النظام المدنى أقرب لواقعنا من مصطلح النظام العلمانى ذى الدلالات الأكثر إرتباطاً بالتجربة الأوروبية. وبالتالى طرح الحزب الشيوعى السودانى للدولة المدنية يرتكز على أسبقية الديمقراطية والتأكيد على أنَّ العلمانية ليست بالضرورة ديمقراطية (مثال دولة ستالين، موسيلينى، وبونيشيه)، وكذلك الدولة الدينية" (الشريف، سودانيزاونلاين/ محمد إبراهيم نقد، مجلة البيان 28 أغسطس 2002).

    هذه هى منطلقات الدولة المدنية فى فكر الأستاذ محمد إبراهيم نقد، التى منبعها التجربة الفكرية الثَّرَّة، وحيثيات الصراع الإقتصادى الإجتماعى فى السودان. وفى هذا الأثناء، كانت كل الدول العربية (والأفريقية) من حولنا ممنوعة من التفكير الحر، والسياسة – لا الفكر – هى من يوجه صراعاتها. ونتمنى من الذين يَدَّعون بولادة هذا المصطلح خارج البيئة السودانية أن يأتوا بأدلَّتِهم.

    إرث أهل السودان من الدولة المدنية

    لقد رأينا بعاليه أنَّ الدولة المدنية دولة سودانية خالصة. وأنَّ المرحوم المفكر محمد إبراهيم نقد هو مبتدع هذا المصطلح، ولن نُكرِّر ذلك هنا. غير أنِّى هنا بصدد البحث عن تناص فكرة الدولة المدنية مع بعض الآراء السودانية المطروحة عبر التاريخ، لا سيما أنَّ المرحوم نقد قارئ نهم ومطلع على دقائق التاريخ؛ وقديماً قال أبو البنيويةِ إبنُ عمتنا عنترة بن شدَّاد "الكوشى": "هل غادر الشعراءُ من مُتَرَدَّم". فمثلاً:

    1- أشك فى أنَّ المفكر محمد إبراهيم نقد قد ابتدع دولته المدنية دون أن يمر بمنحوتة الأمير خاليوت بن بعانخى التى كُتبت على أقل تقدير قبل 4 ألف سنة قبل الميلاد، والتى تقول:

    (إنَّنى لا أكذب، ولا أعتدى على ملكية غيرى، ولا أرتكب الخطيئة، وقلبى ينفطر لمعاناة الفقراء، إنَّنى لا أقتل شخصاً دون جرمٍ يستحق القتل، ولا أقبل رشوة لأداء عمل غير شرعى، ولا أدفع بخادم استجارنى إلى صاحبه، ولا أُعاشر إمرأة متزوجة، ولا أنطقُ بحكم دون سند، ولا أنصب الشراك للطيور المقدسة "أو أقتلُ حيواناً مقدساً"، إننى لا أعتدى على ممتلكات المعبد - الدولة، أُقدمُ العطايا للمعبد، إنَّنى أُقدم الخبز للجياع، والماء للعطشى، والملبس للعُرى. أفعلُ هذا فى الحياة الدنيا وأسير فى طريق الخالق، مبتعداً عن كلِّ ما يغضب المعبود، لكى أرسم الطريق للأحفاد الذين يأتون من بعدى فى هذه الدنيا وإلى الذين يخلُفُونهم وإلى الأبد).

    ويقول الأستاذ أحمد طه عن هذه المنحوتة: "إذا استبعدنا طيوره وحيواناته المقدسه.. يصلح هذا النص لنا نحن أحفاده وللإنسانية جمعاء (دستوراً) لتأصيل القيم والاخلاق صاغه ملكاً بيده السلطه والقوه ولكنه كان رحيماً بشعبه" (أحمد طه، الراكوبة 24/12/2014).

    وعن ذات المنحوتة يقول الأستاذ صلاح هاشم السعيد عن جزئية "ولا أقبل رشوة لأداء عمل غير شرعي": "أنَّ ما قاله هنا في هذه الجملة تحديداً يدل على وجود دولة مدنية مؤسسية بأنظمتها الإدارية والعدلية ـ بدليل إمكانية خرقها ـ على افتراض وجود أداء شرعي وآخر غير شرعي" (صلاح هاشم السعيد، موقع البركل، 14/10/2009).

    وعلى العموم أقل ما يمكن قوله عن منحوتة خاليوت بن بعانخى الذى كان زاهداً فى التسلُّط السياسي أنَّها قسمٌ كوشىٌّ عاكس لدولة راسخة القدم فى المؤسسية، والكفاية والعدل، والقضاء النزيه الشفاف، والتوحيد والقيم الرفيعة. إذاً، فهى دولة مؤسسات، ودولة قانون، ودولة مواطنة (وذلك شطر الدولة المدنية)، خاصةً إذا علمنا أنَّها دولة سابقة لنزول الأديان المعروفة (قبل 7000 سنة قبل الميلاد كما في رواية الأستاذ أحمد طه في مقاله أعلاه).

    نعم قد إختطَّ لنا جدنا خاليوت بن بعانخى، نحن الأحفاد، طريقاً معبدةً بتلك القيم والأخلاق والمؤسسات إلى الأبد، والمفكر محمد إبراهيم نقد ليس بِدعاً من أحفاد خاليوت البررة، فهو متشبِّع بتلك القيم. أمَّا من حادوا عنها، فحُقَّ لنا أن نسأل كما سأل أديبنا الطيب صالح: "من أين أتى هؤلاء؟".

    2- إنَّ المفكر محمد إبراهيم نقد يعلم علم اليقين بالأيقونة الفكرية للأستاذ المفكر الشهيد محمود محمد طه - وهذا الشبلُ من ذاك الأسد البعناخوى أيضاً - القائلة: "الحُرِّيَّة لنا ولِسِوانا". وهذا القول الباسق الشاهق إذا تمَّ تفكيك كبسولته وتمَّ تنزيله على أرض الواقع، فلن تستوعبه بالطبع الدولة الدينية لأنَّها عدوة الحرية والديمقراطية، ولا الدولة العلمانية الإلحادية (ولو مؤقتاً) لأَنَّها ضد كل ما هو دينى؛ ولكن فقط يستوعبه سياق الدولة المدنية.

    لكلِّ هذه الأسباب السوسيوسياسية والسوسيوثقافية فإنَّ السودان يُشكِّل بيئة خصبة لنشوء الدولة المدنية فيه قبل غيره، وذلك بما لديه من إرث تاريخى فى هذا الشأن، وبما لديه من مفكرين شُجعان بذلوا النَّفْسَ والنفيس فداءاً لفكرهم.

    لقد قلتُ ما قلتُ بعاليه من واقع قراءتي الدلالية للأستاذ محمد إبراهيم نقد المُفكر، ومن ذات الواقع أسأل سؤالي الراتب وهو: "إذا كانت معتقدات النَّاس – حسب ما يقول الحزب الشيوعى السودانى - لا تخضع لمعيار الأغلبية والأقلية (وفي هذا فوت فكرى للحزب الشيوعى السودانى على الأحزاب الأخرى التى تنادى بديمقراطية الأغلبية)، فإنَّ الحزب الشيوعى السودانى لم يُخبرنا عن المخرج المدنى الديمقراطى غير المتعسف المتعلق بالأقليات الدينية/اللادينية حينما قال الناطق الرسمى للحزب الشيوعى السودانى المرحوم يوسف حسين ذات حوار بالراكوبة قولاً سياسياً لا فكرياً: "إذا جاءتنا الشريعة الإسلامية بالديمقراطية فسنقبل بتطبيقها".

    وهذا يعنى أنَّ بعض الأقليات ستقبل بهذا التطبيق كَرْهاً فى حالة فوز الأغلبية المسلمة بالإنتخابات. وإذا بعد أربعَ سنوات خسِرَ دعاة الشريعة مقعدهم، هل سنمنع تطبيق الشريعة على من أراد أن يُطبقها على نفسه لأنَّ أقلية علمانية أو مدنية فازت بالسلطة؟ كيف العمل إزاء هذه القضية التى لا تقبل بأى تعسف فكرى أو سياسى كما يشير الحزب الشيوعى السودانى نفسه؟

    مفهوم الدولة المدنية فيما بعد حقبة المفكر محمد إبراهيم نُقُد

    من الواضح كما رأينا بعاليه أنَّ ثمةَ مشكلة بالنسبة لكلِّ نوع من أنواع الدول الثلاثة (عن نوعي الدولة الدينية والعلمانية أرجو مراجعة الروابط أعلاه) حينما يكون الحديث عن المعتقدات بشكل عام، والحديث عن معتقد الأغلبية ومعتقد الأقلية على وجه الخصوص، كما أنَّ للدولة الدينية مشاكل أُخرى متعلقة بالحرية والديمقراطية ومفهوم المواطنة القطرية.

    والجدير بالذكر، أنَّ الثلاثة أنواع للدولة تُقِر بالتنوع الثقافى، والإثنى، والدينى، واللغوى فى السودان. وبالرغم من هذا الإقرار، إلاَّ أنَّ المشرعين المعنيين بقضايا السودان المصيرية فى إطار كلِّ دولة من الدول الثلاث، يلجأون إلى حلول غير متناغمة مع هذا التنوع وفوق ذلك تعسُّفية؛ ومنها مَن ينحو منحىً تمييزيا/تمكينياً وعنصرياً كالدولة الدينية.

    وبالتالي في هذا الجزء من هذا المقال التأشيري، نحاول أن نضع المحددات الفكرية التي تخلِّص مصطلح الدولة المدنية من أيِّ تعسف فكري أو سياسي فيما يتعلق بمعتقدات الأقليات/الأغلبيات؛ وذلك بما يضفي عليه صفته الديمقراطية السلسة، ودلالته التي يستطردها المرحوم المفكر محمد إبراهيم نقد.

    محددات الدولة المدنية

    يمكننا من حيثيات التشكل الاقتصادي الاجتماعى في السودان، ومن القراءة الدلالية لمفهوم الدولة المدنية عند المفكر محمد إبراهيم نقد، ومن الكتابات الحديثة نسبياً التي تناولت موضوع الدولة المدنية بإضافات مهمة - كمقال د. أحمد زايد والذي يُعتبر تطوراً نوعياً باتجاه ترسيخ معاني الدولة المدنية (كل ما هو بين معكوفتين مقتبس من مقاله)* - أن نعيِّن محددات الدولة المدنية وأركانها (ومن ثم تعريف مفهومها) التى إنْ غاب أحدها إنزلقَ مفهوم الدولة المدنية إلى الدولة الدينية أو العلمانية، وهذه المحددات هى:

    1- كما هو معلوم فإنَّ الأساس المادى للثورة الوطنية الديمقراطية بمعناها الليبرالي وبالتالي بالنسبة للدولة المدنية، هو إتزان معادلة الإنتاج/معادلة الإقتصاد القومي (العمل/العمال والقوى الحديثة + رأس المال/رجال الأعمال + التنظيم/المهنيين + الأرض/بورجوازية الدولة = الإنتاج/العملية الإنتاجية/الثورة الوطنية الديمقراطية فى نهاية المطاف) وديموقراطيتها واستدامتها. ولن تكون معادلة الإنتاج هذه ديمقراطية فى غياب تنظيمات المجتمع المدنى والسياسي الممثِّلة/الحارسة لكلِّ عنصر من عناصر إنتاج هذه المعادلة. وإذا نظرنا للواقع الإقتصادى والسياسي والإجتماعي/المدني السوداني نجد فيه غياب تام لحزب يُمثل العمال بكلِّ شِعبِهِم والقوى الحديثة فى السودان، ليقف على حراسة استحقاقات عنصر العمل بالأصالة لا بالوكالة.

    وبالتالي من أهم محددات الدولة المدنية هو قيام حزب للعمال والقوى الحديثة ليكون مفتوحاً لكلِّ التحالفات (مع المهنيين السودانيين بخاصة) التي تجعل الإقتصاد والسياسة القوميين متجانسين ومتوازنين وديمقراطيين ومستدامين.

    2- من أهم محددات الدولة المدنية هو رغبة المجتمع فى الخروج من البوهيمية إلى الحال المدنى (Civil state)، بالتوافق على عقد إجتماعى يشمل كافة قطاعات المجتمع، ويتحوَّل فيما بعد إلى دستورٍ مؤقت/دائمٍ مُعبرٍ عن إرادة ذلك المجتمع وإجماعه، فى صورة مؤسسات وقوانين لا تطالها تأثيرات القوى المجتمعية أيَّاً كان مصدرها: الفرد أو الجماعة أو الطائفة أو المذهب أو مجموعات الضغط؛ غايتها تنظيم الحياة العامة وحماية الملكية الخاصة وتنظيم العقود وشمولية تطبيق القوانين على كافة أفراد المجتمع دون إستثناء لذى جاهٍ أو سلطان.

    3- من أهم سمات الدولة المدنية هى أنَّها دولة القانون التى تحتاج إلى القضاء المستقل والمؤسسات العدلية المستقلة عن المؤسسات الأُخرى السيادية والتشريعية والتنفيذية المستقلة هى الأُخرى كلٍّ على حدة؛ وذلك لضمان إرساء المبادئ العدلية وشموليتها. ولعلَّ "أهم سمة من سمات دولة القانون هى ألاَّ تخضع حقوق الفرد فيها لأىِّ إنتهاك من قِبَل أى طرف آخر، وذلك لأنَّ سُلطة الدولة دائماً حاضرة وهى فوق سلطة الأفراد، ويلجأ إليها كل أفراد المجتمع حينما تُنتهك حقوقهم أو تكون قابلة للإنتهاك".

    4- من سمات الدولة المدنية هى "تنامى الوعى المدنى والعقيدة المدنية التى تنبنى على السلام والتسامح وقبول الآخر واحترام خصوصياته والمساواة فى الحقوق والواجبات والثقة فى عمليات التعاقد والتبادل المختلفة". وهذه القيم تمثل ما يُطلق عليه "الثقافة المدنية" وهى ثقافة تخلقها إستدامة حكم القانون والديمقراطية، أىْ العيش في واقع الثورة الوطنية الديمقراطية بمعناها الليبرالي، وهى تقوم على مبدأ الإتفاق والتراضى، وتعززها أعراف وأنساق عديدة غير مدونة تمثل عصب الحياة اليومية للمواطنين (وما أعظم هذه الأعراف والأنساق عند أهل السودان التي جسدها اعتصام القيادة العامة)، تصوغ لهم "مبادئ التبادل القائم على النظام لا الفوضى" (أرفع إيديك فوق التفتيش بالذوق)، "وعلى السلام لا العنف" (سلمية سلمية ضد الحرامية)، "وعلى العيش المشترك لا الفردى" (العندو يخت والماعندو يشيل)، "وعلى القيم الإنسانية العامة لا الفردية ولا المتطرفة" (إيدينا للبلد، يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور).

    فالثقافة المدنية تخلق من المواطنين نشطاء مثقفين مدنياً (شباب شارع الحوادث ونفير مِثالاً) يعرفون ما لهم وما عليهم، ويساهمون بفعالية فى تحسين ظروف مجتمعاتهم، بحيث يرتقون بوعيهم المدنى بشكلٍ مستدام، ويُمجِّدون كلَّ ما هو عام: "كالأخلاق العامة، الصالح العام، الملكية العامة، المبادئ العامة، ويحرصون دائماً على كل ما يتصل بالخير العام".

    5- من سمات الدولة المدنية أنَّها دولة مواطنة، يُعرَّف الفردُ فيها "تعريفاً قانونياً إجتماعياً على أنَّه مواطن (بدون ألقاب) فى المجتمع له حقوق وعليه واجبات يتساوى فيها مع جميع المواطنين. وإذا كان القانون يؤسس فى الدولة المدنية قيمة العدل، وإذا كانت الثقافة المدنية تؤسس فى الدولة المدنية قيمة السلام الإجتماعى، فإنَّ المواطنة تؤسس فى الدولة المدنية قيمة المساواة والقيم الإنسانية جميعها".

    6- ومن أهم سمات الدولة المدنية ومحدداتها هى الديمقراطية، وهى بالتالى الصمام الذى يمنع أخذ السلطة بالقوة والغصب بواسطة "فرد أو نخبة أو عائلة أو أُرستقراطية، أو نزعة أيديولوجية". إنَّ الديمقراطية هى سبيل الدولة المدنية الوحيد لتحقيق كلِّ ما هو عام، "كما أنَّها هى وسيلتها للحكم العقلانى الرشيد وتفويض السلطة وانتخابها وتداولها سلمياً. وإنَّ الديموقراطية تتيح التنافس الحر الخلاَّق بين الأفكار السياسية المختلفة للمواطنين، وذلك بما ينبثق عنها من سياسات وبرامج مكرسة لتحقيق المصلحة العليا للمجتمع، ويكون الحَكَم النهائى لهذا التنافس هو الشعب؛ لابصفة شخوصه، ولكن بما يطرحونه من برامج وسياسات" لتحقيق تلك الأهداف العليا (اقتصادية، اجتماعية، سياسية وغيرها) بالنسبة للوطن بالشكل المتجانس الديمقراطي المتوازن والمستدام.

    إذاً، فالديمقراطية تُزَكى الثقافة المدنية التى تَرْقى بالمجتمع وتحسِّن ظروفه المعيشية. ولا تتحقق الديمقراطية إلاَّ بمزيدٍ من الديمقراطية (بالثورة الوطنية الديمقراطية بمعناها الليبرالي)؛ أىْ "بقدرة الدولة المدنية على خلق مناخ عام للنقاش والتبادل والتواصل الإجتماعى بين المجموعات المدنية المختلفة والآراء المختلفة وغيرها. ويشمل هذا المناخ العام فى المستوى الجزئى {لجان المقاومة} والجماعات الفكرية والأدبية والروافد الثقافية، ويتدرج ليشمل الجمعيات الأهلية والمنتديات والمؤتمرات العامة، وصولاً إلى النقاشات التى تدور فى أروقة النقابات وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدنى الأخرى والحركات الإجتماعية والأحزاب السياسية".

    هذا المناخ العام يجب أن يكون مستقلاً ومدنياً وغيرَ مُحَرَّضٍ بالأيديولوجيا، ليكون بمستطاعه القدرة على طرح الفهوم والأفكار بشكل ناضجٍ وحرٍ ونزيه. وبالتالى هذا المناخ العام هو الذى يُحرِّض المجتمع على ابتداع الأساليب المدنية النوعية فى التثاقف العام والتواصل الجمعى، ويخلق من الحوارات المتنوعة والمتباينة فُسيفساء مدنية مُقترنة بالهم العام. "ويتأسس هذا المناخ المدنى العام بالفعل التواصلى الحوارى الذى يقوم على احترام أفعال الآخرين وأفكارهم ومعتقداتهم والإستجابة إليها بشكل مدنى عقلانى من غير فوضى أو رفض".

    تعريف الدولة المدنية من واقع محدداتها

    الدولة المدنية هى: جملة الإجراءات القانونية والمؤسسية المُتَوَصَّل إليها ديمقراطياَ/توافقياً، وِفق دستورٍ ديموقراطىًّ انتقالي/دائم، ومُنبثقٍ عن عقدٍ إجتماعىٍّ مدنىٍّ جامعٍ وديمقراطيٍّ أيضاً، ومعبِّرٍ عن إرادة المجتمع بكل تنوعاته (مدنياااااو)؛ وبالتالي هى غير خاضعة لتأثيرات القوى الإجتماعية فى ذلك المجتمع ولا لأيديولوجياتها ولا لنزعاتها، وعلى هذا الأساس تمنع الدولة المدنية تسمية وقيام الأحزاب السياسية على أساس ديني/عقدي؛ مهمتها إنجاز الحقوق والواجبات المتبادلة بين الدولة المدنية والمجتمع المدني كتجانس وتوازن واستدامة وديمقرطة معادلة الاقتصاد القومي والمعادلة السياسية والاجتماعية/المدنية وغيرها وخلق مناخ للعمالة الكاملة، فى إطار دولة القانون، ودولة المواطنة في سياقها القطري، ودولة الحرية والديمقرادية وحقوق الانسان المنصوص عليها بكل المواثيق الدولية، وسيادة الثقافة المدنية؛ وتتعامل مع تنوعات ذلك المجتمع بالطريقة التى لا تخل مطلقاً بتلك الحقوق والواجبات لكافة المواطنين؛ وأن تتعامل معهم على قدمِ المساواة بلوغاً لاستدامةِ الديمقراطية وترسيخها.

    موقف الدولة المدنية من المعتقدات (الشريعة الإسلامية مثالاً):

    لا تقوم الدولة المدنية بمعاداة معتقدات النَّاس (أىِّ معتقدات) كما كان الحال على عهد الدولة العلمانية الإلحادية فى الأتحاد السوفياتى السابق. كما لا تسمح الدولة المدنية باستغلال المعتقد لمصلحة دنيوية (لا حزب الإسلاميين الجدد، ولا حزب الملحدين السودانيين)، وبالتالى تجرح قُدُسِيَّتَهُ وتستهزء به كما فعلت الإنقاذ فى السودان وغيره من الدول المسماة اسلامية وغيرها. ولا تتسربل الدولة المدنية بدِين أغلبية ولا بدين أقلية كما هو الحال فى بعض نماذج دول العلمانية السياسية كبريطانيا. ولكنَّ الدولة المدنية تؤكد على أهمية الدين كجزء لا يتجزأ من منظومة الحياة المدنية، وكقيمة إيمانية روحية بالغة التأثير فى حياة النَّاس ومعزِّزة لجوهر الثقافة المدنية من جهة كون أنَّ المعتقد هو "الداعم الأهم للأخلاق والحاض على الإستقامة والإلتزام لا سيما فى الشئون التعاقدية؛ بل هو عند البعض الباعث على حب الخير للنَّاس والإخلاص فى العمل والنجاح فى الحياة عموماً".

    إذاً، فالدولة المدنية لا تتسامح مطلقاً مع إستخدام المعتقد لتحقيق أهداف سياسية (تنتهي في العادة إلى أهداف إقتصادية)، وبالتالى تحويله إلى موضوع خلافى وجدلى وإلى تفسيرات تُسئ إليه وتبعده عن عالم القداسة وتدخل به إلى عالم المصالح الدنيوية الضيقة الزائلة. فالمعتقد فى ظل الدولة المدنية ليس أداةً للسياسة تُجيِّرُهُ أنَّى شاءت لتحقيق مصالحها، ولكنَّه بالمقابل فهو أسمى القِيم فى الفضاء المدنى، وتتطور علومُهُ وفهومُهُ بقوة الفكر ومنطقه الداخلى القويم؛ بعيداً عن منطق التطرف والعنف الذيْن لا يُسمح بهما البتة فى إطار الدولة المدنية والثقافة المدنية.

    وبهذا الفهم فإنَّ الدولة المدنية لا تتعامل مع الأديان (الشريعة الإسلامية مثالاً) بالمنطق المتعسف التى تمارسه دولة العلمانية الإلحادية أو الدولة الدينية، ولكنَّها تلجأ إلى التخيير كقيمة مدنية ديموقراطية محقِّقة لشروط المواطنة. وبالتالى من حق المواطن (أى مواطن) أن يختار نوع الشرائع/القوانين التى يود أن تُطبَّق عليه؛ سواء أكانت شرائع/قوانين دينية (إسلامية، مسيحية، يهودية، إلخ) أو وضعية، ويجب أن تُسجَّل فى سجلِّه المدنى ويحويها رَقْمُهُ الوطنى. كذلك فإنَّ الدولة المدنية تكْفُل له الدخول تحت الشِّريعة والقانون الذى يُريد، وتكْفُل له الخروج منهما متى ما يريد تحت ضوابط تكفل احترام المعتقدات فى الحالتين (حسين أحمد حسين ولؤى هاشم، مناقشات حول تطبيق شرائع/قوانين الأغلبية والأقليِّة، 2013).

    ولعل فضيلة التخيير المدنية هذه ستُساعدنا فى تجاوز مأزق الدولة الدينية المتاجِرة بالأديان، والتى تود أن تفرض قوانينها الدينية بمنطق الإكراه والوصايا والحاكمية الإلهية، ومنطق الأغلبية والنخبوية والأُرستقراطية. كما يُساعدنا ذلك التخيير بالنفاذ بالعبارة الحصيفة التى أوردتها دولة نُقُد المدنية "لا تخضع المعتقدات لمعيار وعلاقة الأغلبية والأقلية" إلى غاياتها؛ وهى حرية الإعتقاد، إحترام المعتقدات، حرية الإنتقال بين المعتقدات، وتحرير المعتقد من عسف السياسة وتركه للفضاء المدنى.

    وصحيح، ربما تكون هناك مشكلة فى ذهن المشرِّعين متعلقة بكثرة الشرائع وكثرة القوانين، ولكنَّها فى نهاية المطاف تعبِّر عن تنوعنا (لكلٍ جعلنا منكم شِرعةً ومِنهاجاً) بشكل مدنى ديموقراطى خالى من التعسف والإكراه والجبرية، ويجب أن يكون الدستور الدائم للسودان معبِّراً عن هذا الواقع أيضاً. كما أنَّ تتعدد القوانين وتعدد الشرائع، أهون على النَّاس من أن يكون التعسُّف السياسي القائم على التعسف العقدي سبباً فى حروب وفتن لانهائية.

    لقد جرَّب السودان العسف والحَيْف منذ الإستقلال إلى يومِ النَّاسِ هذا، وكانت النتيجة فُرقة أبناء الوطن الواحد، واحترابهم الدائم وانفصال جزءٍ عزيز من بلدهم، وبُغِّضَ إليهم كلُّ ما هو دينى. فلماذا لا نجرِّب التخيير؟ فبدلاً من أنْ تُطبَّق علىَّ الشريعة إكراهاً كما هو قائم الآن، فلتُخيِّرُنى الدولة المدنية بمسلك مدنى ديموقراطى متحضر (وهنا تسقط صفتها الدينية والعلمانية القُحَّة معاً) فى القوانين التى أحب أنْ تُطبَّق علىَّ: قوانين الشريعة (الإسلامية، المسيحية، اليهودية، وغيرها)، القوانين الوضعية، أو أى قوانين أُخرى. وهنا تظهر عدد من الحقائق التى لا يراها المتعسف الديني ولا المتعسف العلماني:

    1- ستتبدَّى للنَّاس لِأَوَّل مرة سماحة الشريعة الإسلامية فيكثر أتباعُها، أو وجاهة القوانين الوضعية فيزداد أنصارها. وإذا كان اللهُ عزَّ وجلَّ مُتِمَّاً نوره ولو كَرِهَ الكافرون، فَفِيمَ الخشية من التخيير؟ هل هى حيطةٌ وحرصٌ وخوفٌ من الحاكم إذا لم يُكره النَّاس على الشريعة سيصبح كافراً وظالماً وفاسقاً، وإنَّ النَّاس سيهجرون دين الله؟ هل هى خشية من الله لأنَّ الحاكم طبَّقَ شرائعَ أخرى إلى جوار شرع الله؟

    ونقول على العكس، النَّاس يهجرون دين الله بسبب القدوة السيئة التى تستخدم الدين كغطاء للفساد والإفساد، وبسبب الإكراه أكثر مما لو خُيِّروا (1200 ملحد - وفي بعض الروايات مليون - في السودان بالتزامن مع التطبيق الشائه للشريعة). ولن يكون عدد المطبقين للشريعة الإسلامية على أنفسهم بشكل اختيارى أقل من الآن بأىِّ حال من الأحوال؛ بل على العكس سيتضاعفون بشكل كبير للغاية؛ ونحن نراهن على ذلك. فقط يجب على النَّاس أن يعملوا بكلَّ ما أوتوا من حصافة فكرية لمنع تشويه المعتقدات وطمس مقاصدها السمحة والعبث بها من قِبَلِ المستهزئين بها وردِّ قدسيتها لها.

    2- سينتقل النَّاس من أُفقِ الأيديولوجيا الضيق الدموى إلى أُفقِ المناخ المدنى السلمي الخصيب، الذى تنشط فيه حرية الفكر المحرَّضة بالعقل الحر والتفكير الحر بغرض إنتاج المعرفة الدينية الحقة الناصعة، وتطوير الفكر الدِّينى وإخراجه من حالة التكلُّس التى هو فيها الآن. والجدير بالذكر أنَّ الشريعة الإسلامية لم تُنْعَتْ بالسمحاء، إلاَّ لأَنَّ مِضمارَها هو الفِكر الحر المتأتى من التخيير. ولم تتطور الشريعة الإسلامية في موطنها عبر قرونها الطِوال إلاَّ لأنَّ أهلَها أكثرُ إشتغالاً بالسلطان من الإشتغال بالفكر الحر كما جاء بعاليه.

    3- وفى إطار الدولة المدنية لن يُسمح بأى نوع من أنواع العنف الدينى أو الثقافى أو الإثنى أو اللغوى، أو العنف الأيديولوجى/السياسى/الإقتصادى أو الجسدى أو اللفظى المُجيَّر لخدمة أى شرخ فى البناء المدنى، وسوف يُفسح فقط للفكر الحر والتفكير الحر ليكونا مُدْخَلَيْنِ مُهِمَّيْنِ فى مجال المعرفة المعلومة الأدوات فى إطار الدولة المدنية.

    وبهذه الكيفية سيكون بالإمكان حل كل مشاكل السودان المصيرية بأُفقِ الدولة المدنية ذى القدرة الحقيقية على حماية التنوع فى البيئة السودانية الغير متوفرة لدى الدولة الدينية والدولة العلمانية معاً. وبالتالى فى إطار هذا الأفق المدنى يمكن ان يعود الجنوب إن رغِب، ومن ثم نسعى إلى آفاق جديدة من التماسك والاستقرار والانطلاق نحو مستقبل مزدهر.

    4- فى إطار الدولة المدنية، ستنتهى حالة النفاق الدينى/الإجتماعي وتطبيق الشريعة على اللا - إخوانويين دون الإخوانويين، وسيُحاسب النَّاس بالشرائع التى اختاروها ومضمنة فى سِجِلِهِم المدنى، ولا مجال هنا للمحاباة والمحسوبية فى إطار القضاء المستقل والسلطات الأخرى المستقلة. وليس ثمة خوف فى أن يقل عدد النَّاس المناصرين للشريعة الحقة ولا توجد أىُّ أرضية لذلك؛ فالمسلم المُحَقِّق لن يتراجع عن تطبيق الشريعةِ الناصعة عليه اختياراً فى إطار الدولة المدنية العادلة، إذا ما قارنا تطبيقها الشائه عليه إكراهاً فى غيرها حيث يُستثنى القوى من التطبيق والضعيف يُقام عليه الشرع.

    بل على العكس، فيومئذٍ سنجد كثيراً من منافقي الجبهة الإسلامية القومية سيختارون قوانين غير قوانين الشريعة الإسلامية لتُطبق عليهم (وربما غادروا السودان إلى بلدان لا تُطبَّق فيها الشريعة الإسلامية من الأساس)، طالما أنَّهم يتحايلون على تطبيقها على أنفسِهم الآن ويُطبقونها على اللا – إخوانويين فقط. ومن هنا يجب أن يعلم الجميع أنَّ الإنقاذ ترفض الدولة المدنية؛ لا لأنَّها "إسم دلع" للعلمانية وقد جاء بها الشيوعيون كما تروِّج هِىَ لذلك - وقد فنَّدنا هذا فى الروابط بعاليه - ولكن لأنَّ الشريعة الإسلامية حينما تكون فى يد القضاء المستقل والنزيه فى إطار الدولة المدنية، ستُطبَّق على الوجه الأكمل على من اختاروها، وبالتالي سوف تطال أهل الإنقاذ الذين اختاروها أجمعين قبل غيرهم على حسب إفادة د. حسبو عبد الرحمن الذى قال: "كلُّ أعضاء حزبه فاسدون".

    5- حينما تكف الدولة عن حشر أنفها سلباً فى طريقة تدين النَّاس وإثنياتهم وثقافاتهم ولُغاتهم، تخمد الفتن والحروب القائمة على أساسها، وتتحول ميزانية هذه الحروب بالنسبة للدولة إلى ميزانية مواطنة؛ ميزانية مدنية تخدم إيجاباً ذات التنوع الدينى والإثنى والثقافى واللغوى.

    6- فى إطار الدولة المدنية؛ دولة المواطنة والديموقراطية؛ ستكون البرامج الحزبية (خاصةً في إطار الكيانات السياسية الفتية الجديدة: حزب العمال والقوى الحديثة السوداني، حزب الحرية والتغيير، حزب سودان المستقبل (Sudan NextGen)، إلخ) ملحمة من التنافس على كيفية خدمة كافة المواطنين (ليس حكراً لأغلبية على حساب أقلية ولا العكس)، وستكون مُكرَّسة لعكس استحقاقاتهم من حقوق المواطنة وواجباتها بما يخدم التوازن الكلي للمجتمع، ولن تكون مكرَّسة تمكيناً للأنا السياسية أو الاقتصادية أو الأيديولوجية أو الإثنية أو الجهوية أو اللغوية أو لمطامع حزبية أو فردية؛ فالكلُّ رابح فى ظل الدولة المدنية وبشكلٍ ديمقراطى متوازن ومستدام وفي كامل السلام الإجتماعي.

    خاتمة

    لقد قصدنا من السرد المطوَّل أعلاه (وأنا هنا ألتمس العذر من القارئ الكريم)، أن نثبت أنَّ الدولة المدنية منتج سوداني خالص، وهو أحد صادراتنا للعالم في مجال العلوم السياسية، وله ميزاته على الدولتين الدينية (بالقدر الذي يتيح حرية الاعتقاد، وتطبيق المعتقد دون عسف أو تمييز أو متاجرة بذلك المعتقد) والعلمانية (التي تمنع بعض ممارسة المعتقدات بما يرفع عن المعتقدين حرجهم العقدي) بكونه يجعل الدين أعلى القيم في الفضاء المدني، وفي نفس الوقت يصونه بعيداً عن الدولة والسياسة، وعن هوى السياسيين المنحرفين.

    حسين أحمد حسين،
    كاتب وباحث اقتصادي، اقتصاديات التنمية.
    __________
    *(دكتور أحمد زايد: "ماذا تعنى الدولة المدنية"، الشروق الألكترونية، 26 فبراير 2011).








                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-08-2019, 00:25 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    أستاذنا الجليل عبد الله عثمان تحياتي:

    أريد أن أسمع رأي أستاذنا الجليل بروفسير عبد الله النعيم في الأطروحة أعلاه، فهلاَّ تفضلت
    بتوصيلها له؛ وأكون لك من المدينين بجميلٍ عظيم.

    المعزة التي تعلم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-08-2019, 03:29 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    مدنيااااااااااو
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-08-2019, 01:34 PM

عبد الصمد محمد
<aعبد الصمد محمد
تاريخ التسجيل: 12-12-2004
مجموع المشاركات: 689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    مقال دسم وشحمان ومحفز على التفكير
    شكراً أستاذنا حسين
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

09-08-2019, 00:20 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: عبد الصمد محمد)

    Quote: مقال دسم وشحمان ومحفز على التفكير
    شكراً أستاذنا حسين


    شكراً الأستاذ عبد الصمد محمد على تكبد قراءة هذا المقال الطويل، والشكر
    أجزله على كلماتك الطيبات وعلى التشجيع اللذين يضعاننا أمام مسئولية أكبر
    للتحصيل والاستزادة؛ ونسأل الله التوفيق لنا جميعاً هنا.
    ممنون.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

09-08-2019, 05:22 AM

محمد حيدر المشرف

تاريخ التسجيل: 20-06-2007
مجموع المشاركات: 19718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)



    حسنا !!

    مبتدر القول ان المقالة اقصر مما تضمنته من المعاني, سياسية وفكرية وتاريخية وفلسفية ....
    ده مشروع كتاب من القطع المتوسط "الاخدر الجميل"
    عشان ال symptomatic reading. وأضيف "نجرا" diagnostic reading

    انا لله ياخي ..

    طراز رفيع من الكتابة التي تلبي الحاجة need .. تمام الحاجة ..

    1988 واجتماعات مجلس السيادة مع الكتل البرلمانية

    و محمد ابراهيم نقد و "مدنيااااااو"

    الكثير ليقال ويدرس ويتدارس هنا ..
    وما المدنية الا نضوج العلمانية في الماعون البشري بعد خروجها من رحم اوروبا؟!

    او ما الفرق بين "مدنيااااو" وعلمانية انجلترا في السياق المعرفي؟

    اعجبني الانتصار ل "نقدنا"
    لم ترض عنه يهود فكرتو ولا نصارى الضد ..
    في زمن جاء بعد زمان عبدالخالق "الاسطوري"

    انا لسه ما قريت symptomatically



                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

09-08-2019, 05:27 AM

محمد حيدر المشرف

تاريخ التسجيل: 20-06-2007
مجموع المشاركات: 19718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)



    قبل القراءة الثانية

    هل من الممكن مشاركة المقالة في قروب يخص خريجو مدرسة خور عمر الثانوية؟

    قروب فكري من الطراز الرفيع ..
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

09-08-2019, 07:38 AM

adil amin
<aadil amin
تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 20123

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: محمد حيدر المشرف)

    يا ريت هذه الافكار تنتقل الي الاذاعات والفضائيات السودانية
    عشان ما يستهين البعض بالسودان والسودانيين
    جهد مقدر جدا
    فقط سؤال في الدولة المدنية
    في المستوى التطبيقي بالتاكيد لازم تكون الدولة المدنية ديمقراطية ايضا وبكل اكسسوارات الديمقراطية
    اين موقع المحكمة الدستورية ووظيتها في الدولة المدنية السودانية من الاستقلال حتي اليوم
    وما الفرق الاجتماعي والنفسي بين ناس الخرطوم الاقلياات =المركز وناس الاقليم في السودان الهامش اللقبائل ؟

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

09-08-2019, 10:45 AM

جمال المنصوري
<aجمال المنصوري
تاريخ التسجيل: 02-04-2009
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: adil amin)

    Quote: وفي ظل هكذا واقع، كان لابد للفكر الإنساني أن يبتدع مخرجاً لهذا التعسف السياسي والتعاطي اللاديمقراطي في التعامل مع حقوق الأقليات من قِبَل الدولتين الدينية والعلمانية، بالقدر الذي يُتيح للناس ممارسة معتقداتهم بما يرفع عنهم الحرج العقدي، وفي ذات الوقت يبعد الدولة كليةً عن التدخل والمساس بهذه المعتقدات.

    استاذنا / حسين احمد حسين
    تحية طيبة خالصة لمجهوداتك الحثيثة في الهم السياسي والإقتصادي السوداني.
    المقالة جيدة جدا إن لم تكن ممتازة..
    لي تعليق بسيط على الجزئية الفوق دي..
    الحقيقية مسألة معالجة الواقع الفكري والإنساني اعلاه، قام بها الإسلام قبل 1400 سنة حين دعا مكونات المجتمع في ذلك الزمان الى فيدرالية أو علي وجه الدقة (كونفيدرالية) بين تلك المجتمعات ومراعاة خصوصية أن يطبق كل مجتمع شريعة دينه في اطار عام لممارسة السلطة، خلينا نورد بعض النصوص في هذه السانحة للتدليل على هذه النقطة:
    خصوصية المجتمع اليهودي:
    (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) المائدة..
    ثم خصوصية المجتمع المسيحي:
    ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) المائدة
    ثم ما يهم المسلمين: بصفة خاصة وبقية مكونات المجتمع الأخرى بصفة عامة:
    (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة
    نظرية الدولة المدنية، او على وجه الدقة (الدولة الإنسانية- كما اشار اليها الأستاذ / محمود محمد طه ) وردت كاملة في سورة المائدة (ارجو مراجعتها في موضعها...
    بالتأكيد دليلها تحديدا في هذه الجزئية: وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
    اشكالية الإسلام السلفي السياسي لايرى من الإسلام إلا ما تم تطبيقه من السلف مغيبا تماما اى اعتبار للهدف الكلي للأديان من حيث هي اديان وهي العمل على ترقية الإنسان من حيث هو انسان ليكون متهيئا للإستحواذ على مقعد الخلافة الذي انشأ خصيصا لأجله..
    عموما المقال يفتح الباب واسعا لإدارة حوار عقلاني حول انجع السبل لإقامة دولة تستوعب هذا التنوع الفريد المقدر تقديرا من الخالق: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن.... البعض يقول مدنية، ونحن نقول (انسانية) ومابين هذا وذاك فالتكن المدنية هي الخطوة الأولى نحو الإنسانية)
    ولك جزيل محبتي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

09-08-2019, 11:36 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: محمد حيدر المشرف)

    Quote: حسنا !!

    مبتدر القول ان المقالة اقصر مما تضمنته من المعاني, سياسية وفكرية وتاريخية وفلسفية ....
    ده مشروع كتاب من القطع المتوسط "الاخدر الجميل"
    عشان ال symptomatic reading. وأضيف "نجرا" diagnostic reading

    انا لله ياخي ..

    طراز رفيع من الكتابة التي تلبي الحاجة need .. تمام الحاجة ..

    1988 واجتماعات مجلس السيادة مع الكتل البرلمانية

    و محمد ابراهيم نقد و "مدنيااااااو"

    الكثير ليقال ويدرس ويتدارس هنا ..
    وما المدنية الا نضوج العلمانية في الماعون البشري بعد خروجها من رحم اوروبا؟!

    او ما الفرق بين "مدنيااااو" وعلمانية انجلترا في السياق المعرفي؟

    اعجبني الانتصار ل "نقدنا"
    لم ترض عنه يهود فكرتو ولا نصارى الضد ..
    في زمن جاء بعد زمان عبدالخالق "الاسطوري"

    انا لسه ما قريت symptomatically
    _______

    قبل القراءة الثانية

    هل من الممكن مشاركة المقالة في قروب يخص خريجو مدرسة خور عمر الثانوية؟

    قروب فكري من الطراز الرفيع ..


    د. محمد حيدر المشرف تحياتي
    وكل عام أنت ومن يليك والجميع هنا بألف خيرٍ وعافية.

    أولاً، لك مطلق الحرية (ولكل فرد هنا) في أن يشارك المقال مع من يود. والمهم أن
    نحدث الناس عن المدنية ونفشي المدنية بيننا.

    ثانياً، أشكرك جزيل الشكر على قراءة هذا المقال الطويل، الذي فشلت في كلِّ محاولات
    إختصاره أو إيراده منجماً لحساسية الظرف السياسي الذي نحن فيه، وكان لابد أن يُقرأ
    كلُّهُ أو يُترك كلُّهُ. وأشكرك جزيل الشكر على الإطراء والتشجيع، وأرجو أن أكون بقدر
    ما يوازي هذه المسئوليات والأشواق.

    ثالثاً، المقال في طريقه للمطبعة بعد إثراء وتوسيع المقارنات بين أنواع الدولة الثلاثة، و
    سماع بعض المداخلات النقدية التي تصب في نهاية المطاف في تطوير مفهوم للدولة
    المدنية يشبه سودانويتنا.

    رابعاً، قطعاً التاريخ المادي للشعوب بنائي ولا يعرف حرق المراحل، ولكنه يتناقضها
    ويخلق منها واقعاً متنافياً ذا ارتباط وثيق بمصالح الشعوب وتطور قواها المنتجة. فمن
    رحم الثيوقراطية ولدت الدولة العلمانية، ومن رحم العلمانية ها هي المدنية تُولد في أرض
    آبائها وأجدادها - أرض ولادة الدولة الأولى على هذا الكوكب.

    خامساً، للوقوف على الفروق بين أنواع الدول الثلاثة هناك أربع مقالات تأشيرية فقط
    بسودانايل (أكثر تنقيحاً هناك) ولا تُغني عن الاستزادة بطبيعة الحال، ولكن يمكن أن
    تؤسس لمنصات ابتدائية للنقاش؛ وفي انتظار مناقشاتك يا عزيزي.

    سادساً، الأستاذ المرحوم المفكر محمد إبراهيم نقد أيقونة فكرية طُمرتْ بنقد السياسي.
    وما من جدوي لأيِّ سياسي أن يستمر سياسياً بعد سِن التقاعد عن العمل السياسي (60)
    سنة، وكان على الحزب أن يُفرِّغه لانتاج الفكر والمعرفة المرتبطتين بتطوير الحزب.
    ولكن من أقدار أحزابنا السودانية أن تستمر سياسية هكذا إلى الأبد، ويُذبح على أرائكها
    الفكرُ والمفكرون.

    معلوم المعزة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

09-08-2019, 11:20 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: يا ريت هذه الافكار تنتقل الي الاذاعات والفضائيات السودانية عشان ما يستهين البعض بالسودان والسودانيين
    جهد مقدر جدا
    فقط سؤال في الدولة المدنية
    في المستوى التطبيقي بالتاكيد لازم تكون الدولة المدنية ديمقراطية ايضا وبكل اكسسوارات الديمقراطية
    اين موقع المحكمة الدستورية ووظيتها في الدولة المدنية السودانية من الاستقلال حتي اليوم
    وما الفرق الاجتماعي والنفسي بين ناس الخرطوم الاقلياات =المركز وناس الاقليم في السودان الهامش اللقبائل ؟


    الأستاذ عادل أمين تحياتي وكل لحظة أنت ومن يليك بألف خيرٍ والعيد مبارك عليك وعلى الجميع هنا.
    وشكراً يا عزيزي عادل على التقريظ والتشجيع، ولك الثناء كلُّهُ.

    وفيما يتعلق بالديمقراطية فهي من أهم محددات الدولة المدنية. بل لعل ترسيخ الثقافة المدنية عماده هو الديمقراطية ودولة القانون.
    ولعلى ذكرت في موضع من المواضع بأنَّه في حالة الفراغ الدستوري الذي نعيشه الآن، فلا يصح أن تكون لجنة البرهان الأمنية
    هى المسئولة عن تصريف الدولة، وبالتالي كل ما تقوم به هذه اللجنة فهو بالطل قانوناً ودستوراً، مع وجود المحكمة الدستورية؛
    أو هكذا يجب أن يكون.

    وبالتالي فإن المصادرة المستمرة لدور المحكمة الدستورية في حالات الفراغ السياسي، فهي من وجهة نظري متعمدة من قِبَل
    السياسيين أجمعين. ويحدث ذلك لأن الفترات الانتقالية هي فترات لتحديد موضع الهيمنة لا سيما في ظل الفوضي الدستورية
    والقانونية المصاحبة لِحراك الفترات الإنتقالية.

    كما أنَّ كل الفروق بين الأشخاص والمناطق وغيرهما من الفروق، فهيَ محسومة في إطار الدولة المدنية. فمحدد المواطنة الذي
    هو أحد أركان الدولة المدنية وأسُّها، لا يعترف بأيِّ نوع من الفروق البتة، ويعمل على محو المتوارث منها بالتمام والكمال.
    بل وأرجو أن يستلهم القائمون الجدد على الأمر التجربة السورية في عهد الأسد الأب، والتي كان فيها الريف السوري أكثر تقدماً
    في المجال التنموي من المدن الرئيسة.

    وكن مطمئن يا عزيزي إذا قامت دولة مدنية في السودان (شريطة أن يذهب هؤلاء العسكر الممثلين لِلَجنة البرهان الأمنية أجمعين،
    ويتم استبدالهم بالكوادر الوسيطة في الجيش السوداني) سترى بإذن الله إنساناً سودانياً في غاية البهاء والنضار والرفاه المستدام.

    ممنونك أستاذ عادل أمين.

    (عدل بواسطة حسين أحمد حسين on 09-08-2019, 11:30 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 02:21 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: استاذنا / حسين احمد حسين
    تحية طيبة خالصة لمجهوداتك الحثيثة في الهم السياسي والإقتصادي السوداني.
    المقالة جيدة جدا إن لم تكن ممتازة..
    لي تعليق بسيط على الجزئية الفوق دي..
    الحقيقية مسألة معالجة الواقع الفكري والإنساني اعلاه، قام بها الإسلام قبل 1400 سنة حين دعا مكونات المجتمع في ذلك الزمان الى فيدرالية أو علي وجه الدقة (كونفيدرالية) بين تلك المجتمعات ومراعاة خصوصية أن يطبق كل مجتمع شريعة دينه في اطار عام لممارسة السلطة، خلينا نورد بعض النصوص في هذه السانحة للتدليل على هذه النقطة:
    خصوصية المجتمع اليهودي:
    (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) المائدة..
    ثم خصوصية المجتمع المسيحي:
    ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) المائدة
    ثم ما يهم المسلمين: بصفة خاصة وبقية مكونات المجتمع الأخرى بصفة عامة:
    (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة
    نظرية الدولة المدنية، او على وجه الدقة (الدولة الإنسانية- كما اشار اليها الأستاذ / محمود محمد طه ) وردت كاملة في سورة المائدة (ارجو مراجعتها في موضعها...
    بالتأكيد دليلها تحديدا في هذه الجزئية: وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
    اشكالية الإسلام السلفي السياسي لايرى من الإسلام إلا ما تم تطبيقه من السلف مغيبا تماما اى اعتبار للهدف الكلي للأديان من حيث هي اديان وهي العمل على ترقية الإنسان من حيث هو انسان ليكون متهيئا للإستحواذ على مقعد الخلافة الذي انشأ خصيصا لأجله..
    عموما المقال يفتح الباب واسعا لإدارة حوار عقلاني حول انجع السبل لإقامة دولة تستوعب هذا التنوع الفريد المقدر تقديرا من الخالق: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن.... البعض يقول مدنية، ونحن نقول (انسانية) ومابين هذا وذاك فالتكن المدنية هي الخطوة الأولى نحو الإنسانية)
    ولك جزيل محبتي


    أستاذنا الجليل جمال المنصوري رِدفُ التحايا وأطيبها وخالصها لك، والعيد مبارك عليك وعلى من يليك وعلى جميع أفراد منبر سودانيزأونلاين.
    وشكري لك موصول على قراءة المقال، وعلى كلماتك الطيبات وعلى التشجيع؛ ممنونك.

    ودعني أقول لك يا عزيزي أنَّني أتفق معك جملةً وتفصيلاً في أنَّ الدولة الإنسانية الأولى هى دولة المدينة باعتبارها دولة خاتمة/نموذج. غير أنَّ إرذال المجتمعات وتشيؤها والطمس المتعمد على تلك الدولة قدأعمانا عن حقيقتها الإنسانية. ولآ أكتمك أنَّني قد ناديت في كتاب صدر لى في عام 2018 عن التشكل الاقتصادي الاجتماعي في السودان وآفاق التغيير السياسي بـ "نظام إنساني عالمي جديد"؛ على الأقل منزوع الحروب. وقد عرضت فكرة هذا النظام الانساني العالمي الجديد (ومعه الشيوعية /الاشتراكية والفكرة الجمهورية) على مرآة النقد. فوجدت من الأفيد لهذه الأفكار النبيلة أن تكون مرتبطة بسياق مادي تاريخي محدد حتي يستطيع أن يستوعب غاياتها النَّاس، وإلاَّ فسوف تكون شاهقة بعيدة ومتأنقة عن واقعنا وسوف نُرهق الناسَ بطول الأمل؛ والعياذ بالله من طول الأمل.

    هذا النقد أوصلني إلى بعض الحقائق ومنها: قبل أن ننادي بالشيوعية علينا أن ننجز الاشتراكية، وقبل أن ننجز الاشتراكية علينا أن ننجز الثورة الوطنية. والثورة الوطنية الديمقراطية نفسها تسبقها مرحلتان: مرحلة العمالة الكاملة، وقبلها لابد من جعل الاقتصاد القومي متجانس وديمقراطي ومتوازن ومستدام (وهذا الأمر نفسه ينطبق على الفكرة الجمهورية والنظام الإنساني العالمي الجديد). وأعتقد إعتقاداً كبيراً أن العسكر لو انتبه، لوجد إرادة صلبة عند شبابنا بالقدر الذي يفتح البلد على آفاق جديدة مبشرة (Sudan NextGen)، وأنَّه لشرفٌ للعسكر أن يكونوا جزءاً من هذا الفتح القادم.

    وبالنسبة للنظام الرأسمالي الذي نحاول أنسنته وجدنا أنَّ الحرب جزء مهم في نموذج تطويره (تناقص أرباح/كساد - حرب - تسوية اقتصادية جبرية - تناقص أرباح/ كساد - حرب من جديد؛ وهكذا دواليك)، وهذا النموذج يُعرف بالكينزية العسكرية. وإذا نزعنا عنه الحرب المتكررة هنا، فسيكون باستطاعتنا أن نتكلم عن الكينزية المدنية (الثورة الوطنية الديمقراطية). ويمكن انتزاع الحرب المتكررة هنا بتجاوز أسبابها والدلوف إلى مرحلة التسوية لنجنب شعوبنا ويلات الحروب.

    وفي تقديري المتواضع يمكن تقييد هذه الأطروحات الثلاث (الشيوعية، النظام الإنساني العالمي الجديد، والفكرة الجمهورية عن الدولة الإنسانية) بالبرادايم صاحب الوقت (وهو الثورة الوطنية الديمقراطية بمعناها الليبرالي الواضح البحت - القحت)، وذلك ببساطة لأنَّ التاريخ المادي للشعوب (كما قلت للدكتور حيدر المشرف بعاليه) بنائي ولا يعرف حرق المراحل، ولكنه يتناقضها ويخلق منها واقعاً متنافياً ذا ارتباط وثيق بمصالح الشعوب وتطور قواها المنتجة. فمن رحم الثيوقراطية ولدت الدولة العلمانية، ومن رحم العلمانية ها هي المدنية تُولد في أرض آبائها وأجدادها. ودعنا يا عزيزي نفتح هذا الحوار على مصراعيه لنرى إن كانت الدولة المدنية (وفق وقائع التشكل الاقتصادي الاجتماعي في السودان) هي خيار الساعة أم لا.

    سعدتُ جداً بمداخلتك يا عزيزي جمال المنصوري.
    ممنونك.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 05:16 PM

جمال المنصوري
<aجمال المنصوري
تاريخ التسجيل: 02-04-2009
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: وفي تقديري المتواضع يمكن تقييد هذه الأطروحات الثلاث (الشيوعية، النظام الإنساني العالمي الجديد، والفكرة الجمهورية عن الدولة الإنسانية) بالبرادايم صاحب الوقت (وهو الثورة الوطنية الديمقراطية بمعناها الليبرالي الواضح البحت - القحت)، وذلك ببساطة لأنَّ التاريخ المادي للشعوب (كما قلت للدكتور حيدر المشرف بعاليه) بنائي ولا يعرف حرق المراحل، ولكنه يتناقضها ويخلق منها واقعاً متنافياً ذا ارتباط وثيق بمصالح الشعوب وتطور قواها المنتجة.

    استاذنا / حسين احمد حسين
    ربنا يتقبل منا ومنك صالح الدعاء، وكل عام انت واسرتك الصغيرة والشعب السوداني، والعالم كافة ينعم ب (حرية، سلام، وعدالة)
    سيدي
    بالتأكيد اتفق معاك على مسألة التطوير بتدرج، عشان كدا قلت (فلتكن المدنية اولى الخطوات نحو الدولة الانسانية)قصدت منها ان يكون الهدف النهائي المطلوب إدراكه هو (الدولة الانسانية) وأن لا نقتصر على تحقيق المدنية..
    سؤال كده بالجنبة:
    بصفتك متخصص في الإقتصاد، رايك شنو قي ما طبقه الثوار في الأعتصام تحت شعار (عندك حت، ما عندك شيل) الا تعتبر هذه المشاركات الواسعة في تلك الدعوة نوع من الإشتراكية الشعبية السودانية الخالصة؟
    وهل يمكن تطويرها بحيث تصبح نطاما إقتصاديا فاعلا؟
    ولك خالص محبتي

    (عدل بواسطة جمال المنصوري on 10-08-2019, 06:23 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 11:34 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: جمال المنصوري)

    Quote: بالتأكيد اتفق معاك على مسألة التطوير بتدرج، عشان كدا قلت (فلتكن المدنية اولى الخطوات نحو الدولة الانسانية) قصدت منها ان يكون الهدف النهائي المطلوب إدراكه هو (الدولة الانسانية) وأن لا نقتصر على تحقيق المدنية..
    سؤال كده بالجنبة:
    بصفتك متخصص في الإقتصاد، رايك شنو قي ما طبقه الثوار في الأعتصام تحت شعار (عندك حت، ما عندك شيل) الا تعتبر هذه المشاركات الواسعة في تلك الدعوة نوع من الإشتراكية الشعبية السودانية الخالصة؟
    وهل يمكن تطويرها بحيث تصبح نطاما إقتصاديا فاعلا؟


    أستاذنا الجليل جمال المنصوري تحياتي والإجلال،

    لعلي ذكرتُ أيضاً في أول كلامي بعاليه أن الدولة الإنسانية (دولة المدينة) دولة خاتمة، وسوف تتنزل في سياقها المادي التاريخي في لحظةٍ ما طالما كان هناك مفكرون أفذاذ يدافعون عن فكرهم بشجاعة. والأستاذ الشهيد محمود محمد طه تحدث عنها نعم (فالفكر يسبق المادة ويحتاجها للتنزُّل)، ولكن مازالت شاهقة في هذا العالم المتشئ بالرأسمالية، وسوف تخرج من رحم الدولة المدنية بإذن الله؛ تلك القائمة على أيقونة "الحرية لنا ولسوانا"، وسوف يستوعبها الناس. ... فلا اختلاف أبداً بيننا يا عزيزي.

    وإذا تابعت الروابط المرفقة، ستجد أن كل أنواع الدولة المذكورة بعاليه منبعها السودان. فالسودان عرف التوحيد/الدولة الدينية قبل نزول الأديان الثلاثة المعروفة، والشاهد على ذلك قول الله تعالى (ورسلاً لم نقصصهم عليك)، ومنحوتة خاليوت بن بعانخي المقتبسة بعاليه أيضاً. وكذلك فالعلمانية موطنها السودان الكوشي، وذلك حينما أنهى الملك اركماني سلطة الملك الإله، فأخذ سلطة الملك لنفسه، وأعطى السلطة الدينية للإله أبادماك. وكذلك المدنية صاحبها الأستاذ المرحوم محمد إبراهيم نقد، والدولة الإنسانية صاحبها الأستاذ المرحوم محمود محمد طه. ... فلنلتفت لسودانويتنا ففيها كلُّ شئ.

    أما عن الاشتراكية الشعبية السودانية الخالصة، فهى رأس المال الإجتماعي الذي لم يلتفت إليه المنظرون الإقتصاديون أصحاب العقليات الفردية إلاَّ مؤخراً حينما بدأ يُهيمن بعض الشئ مع ثورة المعلوماتية. ولعلَّ الأمرَ كما تعلم قديم؛ والمثال من التاريخ القديم دائماً عندي هو الأمير خاليوت، والمثال الأعظم هو حبيبنا محمد صلوات ربي وسلامُهُ عليه حين ذبح شاةً أُهديت إليه فقسمتها أمُّنا عائسة رضي الله عنها كلَّها إلاَّ كراعاً. وحينما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت قالت السيدة عائشة: "لقد ذهبت كلها إلاَّ هذه الكراع". فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لقد بقيت كلها إلاَّ هذه الكراع".

    من هذا الحديث الشريف طوَّر أستاذنا الجليل بروفسير الطاهر محمد نور (متعه الله بالصحة والعافية) معادلة/نظرية اقتصادية سماها "دالة المنفعة اللانهائية". فالنقود لا تزداد قيمتها بتكديسها، ولكن بقضائها لحوائج أكبر عدد من الناس، ولذلك كان حبيبنا صلى الله عليه وسلم ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، وبِل قيتس يُكدِّس تكديسا.

    فالشاهد، "دالَّة المنفعة اللانهائية" لأيقونتنا بروفسير الطاهر محمد نور (وهى لانهائية لأنها مرتبطة بالغيب/بالاعتقاد في الغيب) المعبرة عن اشتراكية "العندو يَخُت، والماعندو يشيل"، هى الأساس لنظام اقتصادي سودانوي؛ وأرجو أن يوليه المعنيون بالأمر كامل الإهتمام؛ وأرجو أن نحفر في الشخصية السودانية عميقاً فهى مليئة بالكنوز.

    المحبة التي تعلم.

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

12-08-2019, 07:24 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    ملحوظة

    العالِم الجليل الطاهر محمد نور المذكور بعاليه والذي ينتمي في الأصل لجامعة الجزيرة ليس بإسلاموي، وهو زول "حُمَدِ - احْمَد"
    زينا كدا. والرجل مهموم بتطوير النظرية الاقتصادية الجزئية والكلية وإزاحة الفقر. وله دراسة مهمة للغاية عن الزكاة في السودان
    وأنَّها كفيلة بإزاحة الفقر في السودان من الجنينة لبورتسودان ومن نمولي لحلفا، لو أنَّها فقط أُدخلت في الدورة الاقتصادية للسودان.

    لن يكون في السودان فقر إذا خرج منه الإسلام السياسي الإخوانوي تحديداً؛ ونستطيع أن نراهن على ذلك.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

13-08-2019, 05:28 PM

محمد حيدر المشرف

تاريخ التسجيل: 20-06-2007
مجموع المشاركات: 19718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)



    متابعة تليق بهذا المستوى من الطرح..

    Quote: ودعني أقول لك يا عزيزي أنَّني أتفق معك جملةً وتفصيلاً في أنَّ الدولة الإنسانية الأولى هى دولة المدينة باعتبارها دولة خاتمة/نموذج.


    التاريخ يمضي للامام ..
    وذلك التراكم المعرفي والحضاري يقود دوما لي قدام.

    لذلك لا افهم ان تكون (الخاتمة) الى الوراء . لحظة زمكانية عبرت فبل 14 قرن.

    باعتبار دولة المدنية نموذجا, فاننا نقع في اشكتاليات كثيرة, فلسفية ومعرفية وسياسية وتاريخية ودينية ..


    سؤال لاستاذنا المنصوري

    كيف حكمت دولة المدينة .. بالقرآن المكي ام المدني
    باي رسالة؟

    وكيف نقرأ اندلاع البحروب الاهلية في تلك الدولة؟
    "حروب اهلية تعبير مخفف"

    اخشى ان يلقي ذلك ظلالا كثيفة على الطرح يا عزيزي حسين
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

13-08-2019, 06:39 PM

جمال المنصوري
<aجمال المنصوري
تاريخ التسجيل: 02-04-2009
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: محمد حيدر المشرف)

    Quote: كيف حكمت دولة المدينة .. بالقرآن المكي ام المدني
    باي رسالة؟

    وكيف نقرأ اندلاع البحروب الاهلية في تلك الدولة؟
    "حروب اهلية تعبير مخفف"

    الدكتور / محمد حيدر
    كل عام وانت بخير
    لا اظن انني تطرقت لدولة المدينة في كل مداخلاتي هنا.. افتكر أن استاذنا الجليل / حسين احمد حسين هو من اشار اليها..
    حديثي كان عن الدولة الإنسانية ،
    وحبيت اوضح أن الإسلام قد دعا الى الكونفيدرالية المجتمعية قبل 1400 سنة، وأوردت الأدلة من سورة المائدة، ولكنني لم اتوسع في الشرح خوفا من جرف اطروحة الدكتور/ حسين احمد حسين، عن مسارها الذي يريده لها، وفي نفس الوقت لا اريد ان ادعو هنا الى الفكرة الجمهورية.. تداخلي فقط من باب أن يعلم عامة المسلمين، أن مسألة تحيكيم الشريعة التي يدعوا لها علماء اليوم ليست هي كما في القرأن، وعلى كل مسلم أن يقرأ (ومن لم يحكم بما انزل الله ..) كما وردت وليس طبقا لما يقوله ما يسمون بعلماء ألإسلام..
    اخشى أن نحرف معا البوست عن سياقه..
    ولكن لا محالة من الإجابة على سؤالك...
    إجابتي هي: دولة المدينة حكمت بالقران المدني...
    لكـــــــــــــــــــــــــــــن
    هذا لا يمنع ان النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) قد دعا ابتداءا الى الدولة الأنسانية في الأساس ولعدم قدرة المجتمع في ذلك الوقت على استيعاب هذا الطرح فقد ووجه بمقاومة شديدة، مثلما يحدث الأن، لما تشوف تشدد مايسمون بعلماء الإسلا وهم في القرن الواحد وعشرين يرفضون مجرد ذكر كلمة ديمقراطية، ويكفرون الدعي اليها، والناطق بها، بالتأكيد حتكون فكرة عما واجهه الطرح الإنساني في ذلك الزمان...
    الحقيقة يا دكتور لو جينا للطرح الإسلامي في مستوى القرأن المكي حتكتشف أن كل ما يطرح الأن من نظريات عن الحكم واساليبه ستجد أن له اصلا في القرأن، خذ مثلا في الدولة الإنسانية المستهدفة وشكل المجتمع فيها:
    (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) الحج

    شوف التنوع ده يا دكتور..
    وشوف هذا الجزء من الأية:
    (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ)
    طبعا مافي داعي لشرح الاية وفق قواعد النحو والتعبير اللغوي الظاهر، لأنو عادي معروف للكل...
    بس الزاوية اللي بيغفلها الناس دائما هي: ما هو روح هذه الأية؟
    روح الأية هي (الله يفصل) ولا احد غيره، والفصل زي ما انت عارف هو الحكم النهائي..
    طيب الكلام ده معناتو شنو؟
    الكلام ده معناته: يا مجتمعات يا مختلفة، عيشوا مع بعض في :
    - حرية المعتقد.
    - وسلام بينكم كمكونات مختلفة.
    - وعدالة...
    اما فيما يختص بالنزاع الديني بينكم فأنتم لستم مفوضون بالفصل فيه، أمر الفصل ده حق اصيل لله سبحانه وتعالى وحده...
    دي الدولة المكية..
    قراءتي للحروب الإهلية الإسلامية، هي حروب سياسية بإمتياز...
    دولة المدينة.. وضع لها قوانينها في سياق تاريخي معين، وهي قوانين طواريء انتهت بأنتهاء مدة الطواريء، اي دعوة اليها لن تنجح ... ومعناها الرجوع بالبلد واهل البلد للخلف
    يعني حكم الجبهة الأسلامية، اي واحد بيفتكر انو الجبهة اللإسلامية حكمت بغير الشريعة الإسلامية (السلفية والموروثة، والمتعارف عليها بالإجماع) يبقى يراجع دينه.
    ارجو الا اكون قد حرفت البوست
    ولكم جميعا مودتي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

13-08-2019, 10:29 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: محمد حيدر المشرف)

    Quote: التاريخ يمضي للامام ..
    وذلك التراكم المعرفي والحضاري يقود دوما لي قدام.

    لذلك لا افهم ان تكون (الخاتمة) الى الوراء . لحظة زمكانية عبرت فبل 14 قرن.

    باعتبار دولة المدنية نموذجا, فاننا نقع في اشكتاليات كثيرة, فلسفية ومعرفية وسياسية وتاريخية ودينية ..


    سؤال لاستاذنا المنصوري

    كيف حكمت دولة المدينة .. بالقرآن المكي ام المدني
    باي رسالة؟

    وكيف نقرأ اندلاع البحروب الاهلية في تلك الدولة؟
    "حروب اهلية تعبير مخفف"

    اخشى ان يلقي ذلك ظلالا كثيفة على الطرح يا عزيزي حسين


    د. محمد حيدر المشرف تحياتي،

    نعم يا عزيزي التاريخ يمضي للأمام وليس لى أيّ اشكالية مع ذلك. والتاريخ هو المسئول من فك شفرات تلك الدولة الإنسانية الخاتمة. وخاتمة لا تعني عندي أنها قابعة وراء 14 قرن ونيف، ولكن تعني عندي أنَّها كثيفة العلوم والفهوم التي تتجاوز حاجة زمانها، وبالتالي تحتاج قطعاً أن تُفسر بحركة التاريخ. عن حذيفة بن اليمان قال: "قام رسول الله ﷺ فينا مقاماً ما ترك فيه شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله. وقد كنت أرى الشيء قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه".

    إذاً، كلُّ شئٍ يرقد هناك في مكان ما في تلك الكبسولة (الحقيقة المحمدية)، والبعض يُدركها بالتجلي والبعض الآخر يُدركها بالتدلى - بحركة التاريخ. وحركة التاريخ عندي هى أعظم مُفسِّر لتلك الحقيقة؛ ولا غُرو أن يقول سيدي إبن العربي: "الماديون أكثر وصولاً للحقيقة". ولذلك تجد في تفسيرات بعض أهل الفهوم للقرآن الكريم من الذين يعيشون بيننا كبروفسير أحمد الكبيسي مثلاً، أنَّ ثمة آيات قرآنية مازالت تبحث عن معانيها. وعن نفسي مثلاً إلى الآن لم أجد تفسيراً مقنعاً من التفسيرات المتداولة لقوله تعالى: "فإذا انشقَّتِ السماءُ فكانت وردةً كالدهان"؛ وهذه الآية هى عندي من الآيات التي سوف تفسرها بشكل ناجع صيرورة التاريخ (التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية وتداعياتها: ثقب الأوزون، التلوث البيئي، التغيرات المناخية، إلخ).

    وبالتالي بهذا المنظور يا عزيزي المشرف أنا لم أُصادف اشكالاً من الإشكالات التي ذكرها شخصكم الكريم (I'm not a fanatic person at all). ومرحب يا عزيزي بأي ظلال تقودني إلى معرفة؛ فأنا من طُلاَّبِها.

    المعلوم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

13-08-2019, 11:04 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: لا اظن انني تطرقت لدولة المدينة في كل مداخلاتي هنا.. افتكر أن استاذنا الجليل / حسين احمد حسين هو من اشار اليها..
    حديثي كان عن الدولة الإنسانية ،
    وحبيت اوضح أن الإسلام قد دعا الى الكونفيدرالية المجتمعية قبل 1400 سنة، وأوردت الأدلة من سورة المائدة، ولكنني لم اتوسع في الشرح خوفا من جرف اطروحة الدكتور/ حسين احمد حسين، عن مسارها الذي يريده لها، وفي نفس الوقت لا اريد ان ادعو هنا الى الفكرة الجمهورية.. تداخلي فقط من باب أن يعلم عامة المسلمين، أن مسألة تحيكيم الشريعة التي يدعوا لها علماء اليوم ليست هي كما في القرأن، وعلى كل مسلم أن يقرأ (ومن لم يحكم بما انزل الله ..) كما وردت وليس طبقا لما يقوله ما يسمون بعلماء ألإسلام..
    اخشى أن نحرف معا البوست عن سياقه..


    الأستاذ جمال المنصوري تحياتي،

    نعم أنا مَنْ تطرق لدولة المدينة وأعني بها الدولة في سياق "الحقيقة المحمدية"، ولآ أُبالي بحرف البوست/النقاش كما قلت لدكتور المشرف لأحصل معلومة مهما تناهت في الصغر. كما أنَّ الدولة الإنسانية ليست بعيدة عن الدولة المدنية إن لم تكن وريثتها. ولعلِّي قد ذكرتُ ذلك تحت عنوان: "إرث أهل السودان من الدولة المدنية"، وأنَّ المرحوم الاستاذ محمد ابراهيم نقد بوصفه قارئ نهم للتاريح ومراقب حصيف لصيرورته، فلا بد أن يكون قد مرَّ على منحوتة الأمير خاليوت بن بعانخي (4000 -7000 سنة قبل الميلاد) التي تحوي شطر محددات الدولة المدنية العصرية. كما أنَّه لابد أن يكون قد مرَّ أيضاً على أيقونة الأستاذ المرحوم محمود محمد طه "الحرية لنا ولسوانا"، وهى السياق الأوسع للدولة المدنية من الديمقراطية الليبرالية نفسها؛ إذا كانت تعني ديمقراطية الإغلبية/الأقلية.

    إذاً، الفكرة الجمهورية حاضرة في الحديث عن الدولة المدنية، ومن أجلها فلينحرف البوست؛ لا أُبالي.

    المعلوم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 10:16 AM

جمال المنصوري
<aجمال المنصوري
تاريخ التسجيل: 02-04-2009
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: إذاً، الفكرة الجمهورية حاضرة في الحديث عن الدولة المدنية، ومن أجلها فلينحرف البوست؛ لا أُبالي.


    دكتور / حسين

    ياخي لمن قريت العبارة دي استحولت...
    ياخي ده الزيت كلو..

    المعلوم وصل
    حرم ما بترجع فاضي
    المعلوم ومعاه كيل 1000 بعير

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 02:54 PM

محمد حيدر المشرف

تاريخ التسجيل: 20-06-2007
مجموع المشاركات: 19718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    العاليان المنصوري وحسين ..
    كل الود والاحترام

    هي اذن لحظة تأريخية اتسعت فحوت كنز المعرفة للقادمين في رحم البشرية ..

    استطيع فهم ذلك جيدا واحترمه جدا ..

    بيد ان الحديث هنا متشابك ..
    فدولة المدينة محكومة بسياقها التأريخي وأحداثها التي وصلت الينا بالتفصيل .. ذلك يعود لعظمتها عندنا كمسلمين لدرجة تصل في بعض الاحيان للتقديس. محاكمة هذه التفاصيل والاحداث التأريخية يثير الكثير من الاسئلة من قبيل:

    لماذا لم يكن المنتج النهائي من ناحية انسانية في دولة المدينة يتفق, وفي الاعتبار قربه الشديد ووحدة المصدر, مع جوهر "تلك اللحظة التاريخية التي اتسعت فحوت الخ"؟ .

    اعتذر عن اشارتي حول انحراف البوست بتفاصيل تاريخية ..
    لا املك هذا الحق ابتداء في ابداء الاشارة ..

    الود والاحترام

    (عدل بواسطة محمد حيدر المشرف on 14-08-2019, 02:56 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 03:14 PM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: محمد حيدر المشرف)


    سلام اخ حسين وضيوفه
    طبعا
    الدولة المدنية كنقيض للدولة الدينية هي المقصودة لا الدولة المدنية كنقيض للعسكرية والشمولية !

    في اعتقادي ان اول من طرح الدولة المدنية بهذا الفهم هو الحزب الشيوعي في ورقة مقدمة من حول الدين والدولة لمجلس رأس الدولة ١٩٨٨ - ثم ورقة لأستاذ نقد والمشروع المقدم للمؤتمر الخامس -وقد استخدموا. مصطلح الدولة المدنية. كبديل لمصطلح العلمانية -المثقل بدلالات التجربة الأوربية ولكنه لإيخرج عن الإطار. العام للعلمانية
    السودانية ماقبل ١٩٨٣ !

    * وقد تبنت كثيرا من التيارات المستنيرة واليسارية هذا المفهوم -مفهوم الدولة المدنية- بدلالاته الإيجابية - القائمة علي عري دولة المواطنة وحقوق الإنسان وقيم العصر والقوانين الوضعية !
    *
    ولكن لاسف سرعان ما وثبت تيارات الإسلام السياسي لتسطو علي مفهوم الدولة. المدنية -وتفرغه من محتواه - فأصبح الصادق المهدي -صاحب نهج الصحوة يدعو لدولة مدنية. وكذلك المؤتمر والشعبي والمؤتمر الوطني وغيرهم -اصبحوا يطرحون هذا المفهوم ولكنهم يتمسكون بالشريعة العقابية والحدود -!
    * اصبح مفهوم الدولة المدنية يحمل في جوفه الشئ ونقيضه -حتي اصبح فارغ المحتوي وجرد من مضمونه الايجابي وأصبح ينعق فيه بوم الإسلام السياسي !

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 03:23 PM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)


    ٢/

    العلمانية السودانية هو المفهوم الذي ظل مطبقا في بلادنا طيلة خمسة قرون - طوال عهد الفونج والعهد التركي والإنجليزي والعهود الوطنية الديموقراطية. وحتي العسكرية انتهاء ب١٩٨٣ قوانين سبتمبر !
    في العهود الوطنية -وحتي العهد الإنجليزي - كانت الدولة تنظم الموالد والإذاعة والتلفاز يفتتح بالقران والبرامج الدين تبث من هذه الأجهزة والأديان تدرس بالمدارس -وللمرأة حق ان تتحجب اولاتتحجب !وهناك قوانين للأحوال الشخصية مستمدة من الأديان يقابلها تشريع مدني -لمن يريد !
    هذه هي علمانيتنا وهي تختلف عن علمانية فرنسا وتركيا !
    كان هناك تزاوج بين الصيغ الوضعية =العلمانية والديموقراطية -ودساتير مواطنة وضعية وقوانين وضعية !
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 03:29 PM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)


    ٣/
    مقابل الطرح العلماني والديموقراطي

    تنهض مشاريع اسلاموية متناقضة ومتناحرة !
    لك ان تسأل كم عدد الحدود ومتي وكيف تطبق ومن المناط به تطبيقها ؟
    ما هو موقع المرأة وغير المسلم ؟
    شهادة المرأة !
    الشوري وصيغة أهل الحل والعقد والديموقراطية !نظام فصل السلطات ! الاقتصاد !
    لن تجد اجابة ولن تجد بديل اسلاموي ولن تجد حلول علي مستوي خطاب الإسلام السياسي !
    لا شئ سوي شعار فضفاض وغامض لايقدم حلولا ولا اجابات !
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 03:35 PM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)


    ٤/
    الدولة المدنية ومايسمي بدولة المدينة !

    اي دولة مدينة وبأي فهم يراد استنساخها وماهو موقعها من قيم العصر ومنجزات الإنسانية !
    نحن لسنا في عهد دولة المدينة الواحدة -كما في اليونان او يثرب عقب الهجرة وإنما في عهد الدولة الممتدة. الأطراف ! في عهد دولة المدينة وفي حياة. الرسول -كان هناك الرق والجهاد. الهجومي وشهادة المرأة النصفية وتعدد الزوجات. وميراث المرأة النصفي !وكان هناك ما سمي بالمنافقين واليهود الذين طردوا والصراع بين المهاجرين
    والانصار !
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 03:46 PM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)


    ٥/
    الخلافة الراشدة
    بدأت بصراع بين المهاجرين والانصار والمبشرين بالجنة والبيعة القسرية !
    تولي الخليفة عمر الخلافة بتعيين من الخليفة ابوبكر !
    وخلف الخليفة ٦ من القرشيين لم يكن من ضمنهم امرأة !
    * ثم قتل الخليفة عثمان بواسطة مسلمين ولم يجد نصيرا آو مدافعا! ودفن ليلا وسرا بمقابر اليهود أومأ يجاورها !

    ثم تقاتل الصحابة والمبشرين بالجنة وكتبة الوحي وأمهات المؤمنين !
    * طلحة والزبير يرفعان السيوف في وجه الخليفة !
    أم المؤمنين عائشة تخرج مقاتلة للخليفة !
    كاتب الوحي معاوية بتمرد علي خليفته !وسالت الدماء انهارا !
    لم يختلف هؤلاء في صيام او عقيدة وإنما اختلفو في السياسة وشكل الحكم وكيفية اختيار الحاكم ومهامه وصلاحيته !
    اختلفوا لان هذا لم يكن مشرعا ومنصصا في القران الكريم !
    وان كان هناك حقا نموذجا لدولة مدينة فاضلة لاتبعه هؤلاء !لاتبعه المبشريين بالجنة وكتبة الوحي وزوجات. الرسول !
    *
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 05:16 PM

عبداللطيف حسن علي
<aعبداللطيف حسن علي
تاريخ التسجيل: 21-04-2008
مجموع المشاركات: 8019

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    البروفايل بتاعي بختصر البوست دا كلو !
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

14-08-2019, 09:51 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: عبداللطيف حسن علي)

    Quote: دكتور / حسين

    ياخي لمن قريت العبارة دي استحولت...
    ياخي ده الزيت كلو..

    المعلوم وصل
    حرم ما بترجع فاضي
    المعلوم ومعاه كيل 1000 بعير


    الأستاذ الجليل جمال المنصوري عاطر التحايا،

    أود أن أُنبه كما نبهت من قبل في هذا المنبر الكريم بأنِّي لم أنل لقب دكتور بعد، وشكراً على حسن الظن والتلطُّف والكرم.

    وعن الفكرة الجمهورية أقول: أنَّ الذي يحجب معظم النَّاس عنها أنَّها أولاً، شاهقة وغير مرتبطة بتشكل اقتصادي اجتماعي بعينه، وأنَّها ثانياً، محجوبة بالتكلس الذي يعتري الفكر الديني منذ عصر الأنوار (الوجود الفيزيائي لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وحقيقته المحمدية، التي سأل عنها سيدي أُويس القرني التابعي خليفتين جليلين هما سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما: ماذا تعرفان عن رسول الله؟ فقالا: نعرف عنه كذا وكذا، وكيت وكيت. فقال لهما: واللهِ إنَّكما لتعرفانه كما يُعرفُ السيفُ في غِمدِهِ)، وأنَّها ثالثاً، محجوبة بالأحكام المسبقة والنظرة الآحادية التي هِىَ آفة كلِّ البصائر. ولكن سيدركها النَّاس يوماً ما لأنَّهم سيحتاجونها، وسيحتفون بها كما يحتفي بها الغرب الآن وحتى المغرب العربي. وليس أدل على ذلك من أن يهتمَّ بها أحد مؤسسي "نظرية التبعية المشهورة في اقتصاديات التنمية" - العلاَّمة المصري سمير أمين، ويترجم منها "الرسالة الثانية" للغة الفرنسية.

    الخلاصة ستسود الفكرة الجمهورية ولو كره الظلاميون.
    المعزة التي تعلم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 00:16 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote:
    بيد ان الحديث هنا متشابك ..
    فدولة المدينة محكومة بسياقها التأريخي وأحداثها التي وصلت الينا بالتفصيل .. ذلك يعود لعظمتها عندنا كمسلمين لدرجة تصل في بعض الاحيان للتقديس. محاكمة هذه التفاصيل والاحداث التأريخية يثير الكثير من الاسئلة من قبيل:

    لماذا لم يكن المنتج النهائي من ناحية انسانية في دولة المدينة يتفق, وفي الاعتبار قربه الشديد ووحدة المصدر, مع جوهر "تلك اللحظة التاريخية التي اتسعت فحوت الخ"؟ .

    اعتذر عن اشارتي حول انحراف البوست بتفاصيل تاريخية ..
    لا املك هذا الحق ابتداء في ابداء الاشارة ..

    الود والاحترام


    (اللهم صلِّ على سيدنا محمد النور الذاتي والسر الساري في سائر الأسماء والصفاتِ وعلى آله وصحبه وسلم).

    مرحباً بعالي القدر والمِقدار د. محمد حيدر المشرف،

    نعم نعم دولة المدينة محكومة بسياقها التاريخي، ومحاكمة تفاصيلها يثير الكثير من الأسئلة وهي عندي مشروعة بطبيعة الحال، والرد عليها مُشرعٌ ومشروع أيضاً.

    أمَّا لماذا لم يكن المنتج إنسانياً بمقدار تلك "اللحظة التاريخية التي اتسعت فحوت"، فذلك لأنَّ تلك اللحظة ترمز للمثال النهائي والشاهق، ولأنَّ قدرات الناس وخبراتهم تختلف ( "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" - يونس، "لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها" - البقرة، "فاتقوا الله ما استطعتم - التغابن) ، وقول رسول الله صلي الله عليه وسلم (... وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم).

    الحقيقة التي لا يعيها من يسمون أنفسهم برجال الدين/أو علماء السلطان، أنَّ هذا الدين لم يجلبْه لنا أُناسٌ عاطلون عن المواهب (رجالٌ يتسولون على موائد السلاطين)، بل جلبه لنا المهنيُّون: كالخبَّاز والورَّاقُ والنطاسي والكيميائي وعالم الاجتماع والفلكي والمهندس. وبالتالي أنا من أنصار ألاَّ يُترك الدين لما يُسمى برجال الدين؛ وإلاَّ لأصابه التكلس والتشيؤ. وهؤلاء المهنيون هم الذين سيربطون تلك الحقيقة المحمدية بسياقاتها التاريخية ويجعلون نورها متصلاً ومتواصلاً.

    وبالتالي من أخطر مظاهر ترك الدين لما يُسمى برجال الدين، أنَّها تحول المهنيين إلى حداثويين صوريين، تركوا تثقيف شعوبهم بتلك "الحقيقة المحمدية" لدجل الدعاة وغرض تجار الدين وخطل المتشعوذين، بدلاً من إعمال العلم في كشفها وتبدِّيها ودحرجتها من وراء التاريخ على عجلة الصيرورة حتى وصولها مبتغاها (لكلِّ نبإٍ مستقر وسوف تعلمون - الأنعام).

    المعزة التي تعلم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 01:43 AM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    مسألة الدين والدولة: دراسة فى اطار التحضير للمؤتمر الخامس الحزب للشيوعي السوداني

    الحزب الشيوعي السوداني
    (Sudanese Communist Party)

    الحوار المتمدن-العدد: 1690 - 2006 / 10 / 1 - 10:50
    المحور: التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية







    لا نؤسس لموقف جديد بقدر ما نسعى لتطوير رؤيتنا التى برهنت الخبرة التاريخية على صحتها ، ونسدد ، فى الوقت نفسه ، نقداً ذاتياً لتقصيرنا فى تطويرها بالقدر اللازم من الوضوح من خلال نشاطنا العملى وسط الجماهير ، وفق ما كنا قد ألزمنا أنفسنا به منذ مؤتمرنا العام الرابع على الأقل. وثمة حقيقتان فى هذا الاتجاه تقتضى الاستقامة الواجبة إجلاءهما ابتداءً:

    الحقيقة الأولى: أن الماركسية الكلاسيكية تشتمل على رؤية ناقدة للدين ضمن السياق العام لتطور النزعات الالحادية فى الفلسفة المادية الأوروبية بأسرها ، شرقاً وغرباً ، والتى رفدت واسترفدت خصائص عقلانية الثقافة اليونانية ، وطبعت بطابعها العام مشهد التطور العلمى فى الغرب ، ووسمت ، فى عقابيل القرون الوسطى الأوربية ومطالع عصر الحداثة ، الاصطدام العنيف بين المجتمع الذى كانت تملأ أشرعته رياح التغيير الثورى البرجوازى وبين الاكليروس الكنسى المدافع عن الاوضاع الاقطاعية البالية ، وما انتهى إليه ذلك الصراع من انتصار تاريخى للبرجوازية ومن خلفها مجموع الشعوب الكادحة تحت رايات الحرية والاخاء والمساواة والعلمانية والديموقراطية .. الخ. لقد كان منطقياً أن تتواصل تلك السيرورة الفلسفية فى مرحلة لاحقة من التطور التاريخى ، هى مرحلة الثورة الاشتراكية ، من خلال أعمال ماركس وانجلز خلال النصف الثانى من القرن التاسع عشر ، ثم أعمال لينين بين خواتيم القرن التاسع عشر ونهايات الربع الأول من القرن العشرين.

    فالماركسية إذن تشترك مع كل الفلسفات المادية الأخرى ، منذ الاغريق حتى عصر الحداثة البرجوازية ، فى النظر العلمى ، ولا يوجد سبب واحد (لتخصيصها) وحدها بالهجوم تحت شعار (الالحاد) سوى أنها ، وعلى عكس الفلسفات الأخرى ، لم تعتبر هدفها الأساسى (تفسير الطبيعة) ، الميدان التقليدى للمواجهة بين (الفلسفة) و(الدين) ، وإنما اعتبرت مهمتها الاساسية (تغيير المجتمع) ، كما فى عبارة ماركس الشهيرة :"لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بطرق مختلفة ، لكن المهم الآن هو تغييره". (التغيير) ، إذن ، وليس (الالحاد) ، هو الفارق الأهم بين الماركسية وبين غيرها من الفلسفات المادية ، ومن ثم فهو كلمة السر فى الهجوم المنهجى عليها وحدها من قبل القوى الاجتماعية المتضررة من فقدان امتيازاتها.

    إن العقول المستنيرة تستطيع أن تكتشف بقليل من التفكير مغزى التناقض المفضوح بين موقفين تاريخيين للبرجوازية من الدين: موقفها قبل انتصار ثوراتها ، حيث اعتمد مفكروها العداء للدين كأيديولوجية فى الحرب على حلف الإقطاع والاكليروس الكنسى ، وموقفها بعد بعد انتصار ثوراتها ، حيث استدارت مائة وثمانين درجة لتستخدم نفس أسلحة الاكليروس الأيديولوجية الدينية فى دعايتها المضادة للماركسية!

    بل وربما تصبح المفارقة أكثر جلاءً حين نعلم أن الماركسية ، على ماديتها ، إنما تتميز عن سائر الفلسفات المادية الأخرى بكونها الأكثر بعداً عن الاشتغال بـ (نقد الدين) ، بل إن مشروعها نفسه قد انطلق أصلاً من (نقد النقد للدين) الذى راج وقتها فى الفلسفة الغربية ، مفسراً عذابات الإنسان بما أسماه (الاستلاب الدينى) ، أى أن (الدين) هو مصدر (الاستلاب) ، وأن الغاءه سيؤدى لإلغاء (الاستلاب) ، الأمر الذى عدته الماركسية وعياً زائفاً ، وخرجت بفكرتها الرئيسة التى تنبه إلى (استلاب العلاقات الاقتصادية) فى المجتمع الرأسمالى ، باعتبارها هى ، لا الدين ، أصل الداء ، جاعلة عملها الأساسى إزالة القناع عن الاستلاب الذاتى فى اشكاله غير المقدسة حتى يمكن جذب الصراع البشرى من السماء إلى الأرض ، وتحويل نقد الدين واللاهوت إلى نقد الحقوق والسياسة ، وهذا بالتحديد ، وليس (الالحاد) هو ما شكل مدخلنا الأساسى ، كشيوعيين سودانيين ، إلى الماركسية.

    الحقيقة الثانية: أنه مع ذلك ، وبالرغم من أن الماركسية ظلت تشكل بوجه عام ، وما تزال ، أهم مصادرنا المنهجية والنظرية لمجابهة أسئلة التقدم والحداثة فى مشروعنا الاشتراكى ، وما اتصل منها خصوصاً بحقل الاقتصاد وتحليل وتفسير الظاهرات والعلاقات الاجتماعية فى ضوء قوانين الدياليكتيك ، إلا أننا ظللنا نحذر دائماً ، كمبدأ عام ، من الانزلاق فى التعاطى معها كمذهب مغلق ، وإنما كمرشد للنشاط الثورى فحسب ، مما يستوجب الاجتهاد المستقل فى تطبيقها بأسلوب خلاق يتغذى ، قبل أى شئ آخر ، من مرجعية شعبنا التاريخية وحقائقه الاقتصادية الاجتماعية والروحية الثقافية. ولذلك فقد أولينا دائماً ، وما زلنا ، إنتباهاً وثيقاً للدور الذى يلعبه الدين عموماً فى حياة الشعب ، ومن ثم للجوانب السالبة فى النمط السوفيتى الستالينى الذى شكل الخبرة التاريخية الأولى ، وليست الأخيرة ، فى البناء الاشتراكى ، وما تعلق منها خصوصاً بعدم تقدير هذا الدور. هكذا ظل حزبنا ، منذ التكوين الجنينى لحلقاته الأولى أواسط أربعينات القرن الماضى ، يراكم تدريجياً عناصر المقاربة المطلوبة لمسألة الدين والسياسة باتجاه الوضوح النظرى حولها ، حتى أمكن وضع الاقدام على أول الطريق الصحيح ، وبصورة تحويلية حاسمة لأول مرة ، من خلال مداولات ومقررات المؤتمر الرابع فى أكتوبر عام 1967م.

    لقد عنى ذلك المؤتمر بقضية (الدين) ، وبخاصة (الاسلام) لما يمثله من ثقل تاريخى روحى وثقافى وسياسى معلوم فى بلادنا ، وصاغ موقف الحزب منها ، بشكل مؤسسى من مستوى أعلى سلطة فيه ، بما يستكمل تأهيل خطوطه الفكرية والسياسية والدعوية لتجاوز الجمود فى أسر مقتضيات الدفاع عن النفس بازاء هستيريا الدعاية المضادة ، المحلية والأجنبية ، إلى المدى الذى يتقدم فيه الدين كسلاح للثورة والتغيير الاجتماعى. ولكننا ، فى ذات الوقت ، تقاعسنا طوال عقدين من الزمن عن النهوض بمقتضيات ذلك الطرح التحويلى. فمع كوننا ظللنا نرفض بمنتهى الصرامة قبول مبدأ اتهامنا (بالالحاد) ، إلا أننا ، وفى ما عدا بعض الجهود المتفرقة لنفر من أعضاء حزبنا فى القيادة وبين القواعد ، واصلنا عموماً التعويل بعد المؤتمر على ما ظللنا نعول عليه قبله من أن عشرة الجماهير معنا كفيلة وحدها بإثبات كوننا غير ملحدين ، وبإلحاق الهزيمة بالدعاية المغرضة ضدنا. والآن ، فإن تلك السنوات الطوال التى تصرمت فى الصراع السياسى لا بد ترغمنا على مراجعة ما سبق أن أهملنا من واجبات، والعودة مجدداً لتدقيق ما كنا قد انتهينا إليه فى مؤتمرنا الرابع حول هذه المسألة.

    فمن جهة ، ورد فى (البرنامج) المجاز فى ذلك المؤتمر أن "..الامبريالية العالمية وطلائعها المحليين .. يحاولون تصوير الدين الاسلامى بوصفه عقيدة تؤمن بالفوارق الطبقية ، وتعادى الاشتراكية ، ينحاز إلى جانب الاستعمار الحديث ، ويرفض الاستقلال الوطنى ، يدفع شعوبه إلى قبول العيش تحت ظل الاستعمار (المؤمن) ضد الاشتراكية (الملحدة) الخ .. (وهذه) الشعوب .. ترفض هذا التزييف للأسلام ، وترى فى دينها قوة للجماهير المناضلة فى سبيل الكرامة والحرية .. و .. الاشتراكية بوصفها النظام الوحيد الذى يسمو بالقيم الروحية ، ويقيم العدالة والمساواة بين البشر والحزب الشيوعى السودانى .. يجاهد بحزم وبصبر لتحرير الدين .. بوضعه فى مجرى تطوره الحقيقى .. ضد التمييز الطبقى وحكم الطاغوت ، ومن أجل السير بالحضارة الإسلامية إلى عالم القرن العشرين".

    ومن الجهة الأخرى ، جاء فى وثيقة المؤتمر الأساسية الموسومة (بالماركسية وقضايا الثورة السودانية) ، وفى معرض توصيف الأزمة السياسية آنذاك: " لقد ظلت القوى الرجعية تعمل فى إطار الحركة السياسية (العقلانية) .. ولكن تصاعد نشاط الجماهير .. دفع بها إلى ترك الحياة السياسية (العلمانية) .. ونشر جو من الدجل اليمينى .. يهدف إلى قيام سلطة رجعية (باسم) الدين" . و".. أن خط حزبنا بين الجماهير فى الدفاع المستميت عن مصالحها ، وفى الاقتراب اليومى من طرق معيشتها وتقاليدها السياسية والاجتماعية ، سيجعل هذه الجماهير تقتنع بتجاربها ببطلان الهستيريا الرجعية ، وستكشف الدجل الطبقى الذى تحاول القوى الرجعية إلباسه مسوح الدين " . ولكن الوثيقة سرعان ما تستدرك أن ".. هذا وحده لا يكفى لمواجهة خطر مستمر من الهجوم الفكرى". ومن ثم تبلغ الوثيقة ذروة تلخيصاتها واستنتاجاتها بقولها: " أصبح لزاماً على حزبنا أن ينمى خطة الدعائى حول قضية الدين الاسلامى وعلاقته بحركة التقدم الاجتماعى" ، وأن أهمية هذا الخط "لا تقتصر .. على الردود على ما يثار .. بل يتعدى ذلك لجعل الدين الاسلامى عاملاً يخدم المصالح الأساسية لجماهير الشعب ، لا أداة فى يد المستغلين والقوى الرجعية". وتمضى الوثيقة إلى تحديد المستوى المطلوب لهذا الخط بقولها: "نحن فى حاجة إلى هذا الخط فى المستوى الفلسفى ، إذ تجرى محاولات دائبة فى معاهد التعليم للتخلى عن الحياة العلمانية وتربية جيل بتزوير الافكار الإسلامية ضد التقدم الاجتماعى والاشتراكى .. (و) لمواجهة هذا الوضع الخطير أصبح لزاماً على حزبنا أن يدخل بين الطلاب لا بصفته داعية للنضال السياسى ، بل كقوة فكرية تتصدى لهذا الخطر وتواجهه بخط يضع الدين فى مكانه بين حركة الشعوب".

    ينطوى هذا الطرح التحويلى الباكر على أمرين فى غاية الأهمية:

    الأمر الأول: الاستخدام المنتبه لمصطلح (العلمانية) ، لا بمدلولاته التى استقرت فى الفكر الغربى منذ حقبة التنوير ، إحدى الحقب الثلاث لعصر الحداثة ، وإنما كمرادف لمفهوم (العقلانية) فى الفكر الإسلامى.

    الأمر الثانى: سداد تلك الانتباهة الذى يتجلى فى كونها سعت إلى تلمس (عصب) فائق الحساسية فى القوام الفكرى والسياسى للجماعة المستعربة المسلمة فى بلادنا ، وقلما يبرز بوضوح كافٍ من بين وقائع تدافعها السياسوى ، وفحواه أن أهم وجوه الصراع حول (قضية الدين) لا يدور ، فحسب ، بين (الأنا) المسلم و(الآخر) غير المسلم ، وإنما داخل (الأنا) المسلم نفسه بين تيارين:

    (1) عقلانى منفتح ، ينظر للإسلام فى جوهره القائم فى معانى وقيم العقل والحرية والكرامة والإخاء والمساواة والمشاركة والعدل والسلام ، على خلفية تستوعب مقتضيات الحداثة والتطور ، وتضرب ، فى ذات الوقت ، بجذورها فى عمق أصالته ، فلا هو ينكرها ، ولا هو يحتاج لالتماسها من خارجه.

    (2) وسلطوى منكفىء ، لا يرى الإسلام إلا طغياناً واستبداداً وإكراهاً وقسراً وتسلطاً واضطهاداً ، وبالجملة: مشروعاً قمعياً ينقض كل تلك المعانى والقيم ، ويجعل من الإسلام عامل هدم للحياة ، بدلاً من كونه محفزاً لإعمارها كما ينبغى.

    هكذا حدد الحزب أن المشكلة ليست فى (الدين) نفسه ، بل فى التفسير والتأويل والفهم المتباين لنصوصه ومبادئه ومقاصده الكلية ، وبخاصة فى ما يلامس (السياسة) ، أو ما يطلق عليه (التديُّن بالسياسة) فى أدبيات القوى الاجتماعية التى أفرزت (التيار السلطوى) تاريخياً فى بلادنا ، الأمر الذى يستوجب إصلاح تصور الوعى الاجتماعى للصراع ، لا باعتباره قائماً فقط حول قضية التساكن بين المسلمين وغير المسلمين ، كما لو أن مجرد إبرام أى اتفاق للسلام بين الفريقين سوف يؤدى ، ضربة لازب ، إلى الحل السياسى النهائى لكل مشكلاتنا الوطنية والاجتماعية ، وإنما باعتباره قائماً ، بالأساس ، داخل الجماعة المستعربة المسلمة نفسها ، بين تياريها المتمايزين: (العقلانى المنفتح) ، من جهة ، والذى ينبغى ألا يكف عن إعمال النظر المستنير فى حركة الواقع ومتغيراته ومستجداته بمنهج يستوعب مبادئ الدين ومقاصده الكلية المتجذرة فى كل معانى الخير ومصالح الفرد والجماعة ، كمحفز روحى ، بخاصة ، للفقراء والكادحين والمهمشين ، رجالاً ونساءً ، لتغيير واقعهم البائس بأنفسهم على قاعدة الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه ، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به" ، و(السلطوى المنكفئ) ، من الجهة الأخرى ، الذى يرمى إلى فرض نمط (تدينه السياسى) الخاص على كل الوعى الاجتماعى ، مستخدماً (الدين) مطية للتسلط والقهر ، ومتوسلاً به للكسب الدنيوى ، وخداع الكادحين بحملهم على التسليم بواقع الاستغلال المفروض عليهم ، قبل أن يكون هذا الصراع قائماً بين (الدين) و(العلمانية) وفق الإرث التاريخى الأوربى.

    لقد أثبت تطور الصراع الاجتماعى فى بلادنا صحة هذا النظر ، بخاصة عبر المحطات الرئيسة لوقائع مشروع (الدولة الدينية) التى وضع التيار (السلطوى) حجر أساسها بتحالفه مع ديكتاتورية جعفر نميرى ، وسنه لقوانين سبتمبر 1983م ، ثم عودته بعد انتفاضة أبريل 1985م للدفع بالأوضاع باتجاه استكمال ذلك المشروع ، تارة بممارسة شتى أساليب الدجل والابتزاز والعنف السياسى بين عامى 1985م ـ 1989م ، وتارة بلجوئه لحل قضية السلطة عن طريق الانقلاب العسكرى فى 1989م ، وتأسيس أبشع نظام قمعى شهدته بلادنا عبر تاريخها باسم الدين. ومع ذلك كله فإن مسلمى السودان جابهوا مشروع (الدولة الدينية) بالرفض والمقاومة ، وأغلقوا الطريق أمام محاولات استكماله رغم استمراره فى التشبث بالسلطة ، مستمسكين بإرادتهم نحو استعادة النظام المدنى الديموقراطى ، وباذلين فى سبيل ذلك المهج والأرواح. على أنه ، مهما يكن مقدار البسالة والاستعداد للتضحية ، فإن الصراع السياسى وحده لن يحسم هذه القضية أو يسدل عليها الستار نهائياً. وما لم ينتقل التيار (العقلانى) ، ومن ضمنه حزبنا ، من خانة المدافعة السياسية المجردة إلى مواقع الهجوم الفكرى فى حركة تنوير هائلة تنتظم فيها جهود مختلف الأقسام المستنيرة لهذا التيار ، فإن خطر العودة ، المرة تلو المرة ، إلى مشروع (الدولة الدينية) يبقى شاخصاً ، والاستبداد خلف قناع الاسلام ماثلاً. إن المعركة فى الوعى أصلاً ، فلا بد ، إذن ، من تسليح الجماهير المسلمة بالوعى (بالسم) الذى يقدم لها مغلفاً (بالدسم). ولما كان من المستحيل على طرف واحد ضمن التيار (العقلانى) أن ينهض بتلك المهمة منفرداً ، فقد سعينا ، ومانزال نسعى ، وسوف نواصل السعى لإحسان الاصطفاف العريض لقوى (العقلانية) وسط المستعربين المسلمين بخاصة ، واستعدال المناهج والمصطلحات اللازمة لبلورة هذا الوعى المطلوب فى المستوى الفكرى بالأساس ، حيث الأولى من ترديد شعارات المطالبة ، مثلاً ، بإلغاء قوانين سبتمبر إلحاق الهزيمة الفكرية بالذهنية التى أنتجت تلك القوانين أيام دكتاتورية جعفر نميرى ، وشبيهاتها خلال الفترة التى أعقبت إنقلاب الجبهة الاسلامية القومية فى الثلاثين من يونيو عام 1989م.

    وكمساهمة فى هذا الاتجاه طرحنا وما زلنا نطرح مصطلح وتصور (الدولة المدنية) ، تجاوزاً للجدل والمماحكة حول مصطلحات (دولة دينية ، دولة علمانية ، دستور اسلامي ، دستور علماني). واستطراداً على ما سبق أن عرضنا له أعلاه فإننا لا نرى مسوغاً أصلاً للتقيد بحرفية مصطلح (علمانية) ، وما إذا كان بكسر العين ام بفتحها ، وإنما نعطي الأسبقية (للديمقراطية) كحقوق وحريات ، وكنظام حكم ومؤسسات ، ونعارض الدولة العلمانية نفسها عندما تصادر الديمقراطية ، مثل معارضتنا لدكتاتورية عبود ، من جانب ، ودخولنا ، من الجانب الاخر ، في صراع وصدام مع نظام مايو ، سواء عندما بدأ يسارياً وعلمانياً ، أو عندما اعلن نميري قوانين سبتمبر عام 1983م ونصب نفسه إماما منذ ذلك الحين حتى اطاحت به الانتفاضة الشعبية في ابريل عام 1985م. وننطلق فى اقتراح مصطلح (الدولة المدنية) من يقيننا الراسخ بأن التخندق فى المواقف المتصلبة هو أضر ما يضر بقضية تستوجب كما قلنا وحدة القوى العقلانية حول أفقها العام ، ولو بالحد الأدنى من الاتفاق ، بعيداً عن إهدار الجهود فى الاختلاف على الشكليات أو إثارة الشجارات اللفظية. بهذا الفهم نواصل سعينا لتقريب وجهات النظر لنزع فتيل الاشتعال عن استقطاب (دولة علمانية ، دولة دينية) ، ونقترح مصطلح (دولة مدنية) ، على اعتبار تعامل المجتمع السوداني في الشمال والجنوب مع القانون المدني والمعاملات المدنية ، والقانون الشرعي والمحاكم الشرعية.

    نخلص مما تقدم إلى تركيز جملة حقائق تشكل عظم الظهر بالنسبة لبرنامجنا حول علاقة الدين بالدولة والسياسة فى بلادنا على النحو الآتى:

    أولاً: السودان متعدد الديانات والمعتقدات ، فثمة أغلبية مسلمة ، وثمة مسيحيون ومعتقدات افريقية. من هنا جاء شرط التسامح والاحترام في المعتقد الديني كمقدمة لازمة للمساواة في المواطنة ، حيث لا تخضع المعتقدات ، بالطبع ، لمعايير الاغلبية والأقلية. كما جاء ايضا شرط الاقرار بحقيقة أن الدين يشكل مكوناً أساسياً من مكونات فكر ووجدان شعبنا ، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ او تستصغر دور الدين في حياة الفرد ، وفي تماسك لحمة المجتمع وقيمه الروحية والأخلاقية وثقافته وحضارته.

    ثانياً: السودان ، على تعدد أديانه ومعتقداته ، ساده دائماً ، وبوجه عام ، نزوع فطرى غالب نحو التعايش والتسامح الديني ، برغم كل المرارات التى تسبب فيها (التيار السلطوى) المستعلى بالدين والثقافة والعرق واللغة ، وبرغم التقصير التاريخى (للتيار العقلانى) فى منازلة هذا الاستعلاء كما ينبغى ، مما يسر للديكتاتور نميري فرض قوانين سبتمبر ، وتنصيب نفسه إماما جائرا على بيعة زائفة ، وما تبع ذلك من ترسيخ لدولة الارهاب والفاشية منذ العام 1989م. لقد انغرست نصال هذه الخبرة المريرة فى صدور المستعربن المسلمين ربما بأقسى مما انغرست فى صدور غيرهم من السودانيين. وعلى خلفية هذا الواقع الموضوعي تتأسس رؤيتنا وبرنامجنا للديمقراطية السياسية السودانية في علاقتها بالدين على مبادئ النظام السياسي المدني التعددى ، لا على (العلمانية) كمفهوم تاريخى محدد. فمصطلح (النظام المدنى) أقرب لواقعنا من مصطلح (النظام العلمانى) بدلالاته الاكثر ارتباطا بالتجربة الاوروبية.

    ثالثاً: تتمثل مباديء النظام السياسي المدني الديمقراطي التعددي فى الآتى:

    (1) المساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير بصرف النظر عن المعتقد الديني.

    (2) المساواة في الاديان.

    (3) الشعب مصدر السلطات ، ويستمد الحكم شرعيته من الدستور.

    (4) سيادة حكم القانون ، واستقلال القضاء ، ومساواة المواطنين امام القانون بصرف النظر عن المعتقد او العنصر او الجنس.

    (5) كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الفكرى والفقهى.

    (6) ضمان الحقوق والحريات الاساسية ، السياسية ، المدنية ، الاقتصادية ، الاجتماعية ، والثقافية ، وضمان حقوق الانسان حسب المواثيق والمعايير الدولية.

    (7) الالتزام بما اجمعت عليه مواثيق الحركة السياسية السودانية ، والمكونة منها بالأخص لتيار (العقلانية) بين المسلمين فى بلادنا ، فى ما يتعلق بالتشريع ، وذلك منذ إعلان نيروبي (أبريل 1993م). فقط وفق المباديء العامة لهذه المواثيق يمكن ان تتسع الاجتهادات لكي تشمل مصادر التشريع الدينى ، وعطاء الفكر الانساني ، وسوابق القضاء السوداني.

    رابعاً: هكذا نعمل على تطوير تصورنا لمفهوم (الدولة المدنية) ، إستكمالاً لمحتواه الذى أرسيناه من خلال جهدنا الجماعي المشترك مع أطراف الحركة السياسية السودانية ، ومعاناتها للانعتاق من أسر الاستقطاب العقيم المغلق (دولة دينية ـ دولة علمانية). ويمكننا تلخيص العناصر الاساسية لهذا التصور على النحو التالي:

    (1) لسنا ملزمين لا بنماذج (العلمانية) كما استقرت في إنجلترا أو أمريكا أو فرنسا ، ولا بنماذجها من فوهة البندقية كما فى تركيا ، إنما نتعامل معها بذهن نقدى مستقل ومنفتح فى آن، كتجارب ضمن خبرات شعوب العالم ، فضلا عما تخلفه الترجمة العربية نفسها لمصطلح العلمانية من التباس: (بفتح العين) غيرها (بكسرها).

    (2) نعتمد أسبقية (الديمقراطية) ، بدلالة الحريات العامة والحقوق الأساسية ، وتأكيد أن العلمانية ليست بالضرورة ديمقراطية ، وثمة أمثلة لذلك من دولة ستالين ، موسوليني ، بينوشيه .. الخ. لا ديمقراطية مستدامة مع مظالم اجتماعية وقومية مستدامة ، ولا ديمقراطية مستدامة مع التطرف والارهاب ، سواء من منطلقات دينية او علمانية ، يمينية أو يسارية.

    (3) مع ذلك ، ورغم أننا لسنا ملزمين ، ولا حتى مهتمين ، بالانشغال بالدفاع عن مجتمعات العلمانية الغربية ، لكن بعض الحجج التي يسوقها دعاة التطرف والهوس الديني والدولة الدينية تتمادى في تشويه الواقع وإنكار الحقائق. مثال ذلك الادعاء العريض حول طرد الدين من الحياة والمجتمع في الغرب ، مع انهم يعلمون ان ملكة بريطانيا تحتل منصب رأس الكنيسة، مما كثر اجتراره في معرض التدليل على خطل ذلك الترويج الشائه ، ويعلمون قوة ونفوذ اللوبي الكنسي في الولايات المتحدة الاميركية وصوته الراجح في انتخابات الرئاسة والكونغرس ، وقد نشرت مجلة نيوزويك نتاج المسح الذي جرى عام 1991م لمستوى التدين في اميركا حيث ينتمى 42% من البالغين الى كنيسة ، كما يؤدى 42% صلاة الأحد في الكنيسة. أما الاحزاب السياسية الاوروبية ذات الطابع الديني ـ مثل الديمقراطي المسيحي في إيطاليا أو ألمانيا ـ فقد شاركت في وضع الدستور العلماني الديمقراطي ، والتزمت به وبما يتفرع عنه من تشريع في الممارسة. كما يعلمون ان فرنسا ، بكل زخم ثورة 1789م ، أقدمت على فصل الدولة عن الكنيسة ، ثم تبنت دولتها الكنيسة حتى نالت لقب طفل الكاثوليكية المدلل، ولم يصدر تشريع الفصل إلا في العقد الاول من القرن العشرين عام 1905 بعد أكثر من قرن على الثورة ، وفي المقابل لم تعترف الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية بوثيقة حقوق الانسان والمواطن الصادرة عن الثورة الفرنسية إلا في عام 1966م اي بعد 168 عاماً.

    إن فصل الدولة عن الكنيسة لم يعن إقصاءها عن المجتمع أو مصادرة دورها الروحى ، لكن مناخ الديمقراطية أجبر الكنيسة على الحد من غلوائها السياسية ، والتصالح مع التاريخ ، والاعتراف بجور بعض أحكامها ومراجعتها وتصحيحها. فقد راجعت الكنيسة ، مثلاً ، في عام 1920م ، إدانتها لجان دارك في القرن السادس عشر بالهرطقة والسحر ، بل وعمَّدتها قديسة بعد 500 سنة. كذلك راجع الفاتيكان عام 1992م إدانته للعالم غالليلو غاليليه ، وذلك فى ضوء تأويل وتفسير معاصرين للكتاب المقدس يقران بالحقيقة العلمية القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس ، كما أصدرت الكنيسة الكاثوليكية في فبراير عام 2000م اعتذاراً صريحاً عن حرق محاكم التفتيش للعالم جوردانو برونو. وربما كان من المناسب الاشارة ، ضمن هذا السياق ، إلى أن قائد الحركة الاسلامية التونسية راشد الغنوشي كان قد اقترح في منتصف تسعينيات القرن الماضي رد الاعتبار للفكر المعتزلي ورواده ، مما يعد فتحاً جديداً في الفكر السني الاشعرى.

    دعاة التعصب والاقصاء يهابون الحوار ، ولأن ديدنهم الاملاء يسارعون لسد منافذ تجديد الفكر ، ومهمتنا فتح منافذ الحوار لهزيمة التعصب في حلبة الصراع الفكري.

    (4) لا يعفينا تصنيف الدولة (دينية ـ علمانية ـ مدنية) من تطوير ثقافتنا ومعرفتنا بنظرية الدولة في حد ذاتها كظاهرة تاريخية اجتماعية ، بدلا من القناعة الكسولة بتوصيفها او تصنيفها. ولعل افضل مدخل يتناسب وقدراتنا النظرية الأولية والمتواضعة ، ان نولى اهتمامنا لدراسة الدولة السودانية ونشأتها وأطوار تجلياتها المتعاقبة ، دون ان نحشرها قسرا في قوالب وأطوار الدولة الاوروبية الحديثة (القرون الوسطى ، عصر النهضة ، عصر التنوير ، ثم الثورة البرجوازية.. الخ). لا ننفي او ننسخ ما هو عام في ظاهرة الدولة في تاريخ المجتمع الانساني ، لكن لكل دولة ما هو خاص تنفرد به. وواجبنا ان نستخلص تفرد وخصوصية الدولة السودانية التى نستند إلى تجربتها بالأساس ، وبالأخص نماذجها الدينية أو التي أقحم عليها الدين: فمن جهة كانت الدولة المهدية وليدة ثورة وطنية استعادت للسودان سيادته ، لكن ضيق المذهبية والنزوع إلى فرض نمط محدد من (التدين بالسياسة) اقصى طرقا صوفية مؤثرة وقبائل ذات شوكة بسبب عدم اقتناعها بمهدية المهدى ، إما من منطلق فقهي محض أو عن حمية قبلية ترفض أن تخضع لكيان قبلي آخر ، دون ان تكون تلك الطرق وهاتيك القبائل موالية للتركية ابتداءً. ومن الجهة الأخرى أفضت تجربة دولة مايو الامامية وقوانين سبتمبر والقطع والبتر والصلب والتشهير وما يسمى بأسلمة النظام المصرفى إلى إثراء الفئات الطفيلية، وإلى استشراء ظاهرة التجريم والتكفير فيما اجاز فيه الشرع الاجتهاد كإعدام الشهيد محمود محمد طه ، مثلما أدت إلى نسف الوحدة الوطنية وإهدار السلام المستعاد بعد حرب دامت 18 عاما بخرق اتفاقية أديس أبابا. ضف إلى ذلك ، من الجهة الثالثة ، تجربة دولة (الانقاذ) وويلاتها الماثلة.

    (5) لا نتخذ من قضية الجنوب تكأة او ذريعة ، رغم الأهمية الحاسمة لضمان وحدة الوطن وإرساء دعائم السلام. فمن جهة ، لا بد للتيار (العقلانى المنفتح) وسط المستعربين المسلمين السودانيين ، وغالبية حزبنا فيه ، من خوض معركته الفاصلة على وعى الجماهير مع التيار (السلطوى الاستعلائى) ، بصرف النظر عن أية ترتيبات إجرائية يتم التوافق عليها بين الشمال والجنوب. أما من الجهة الأخرى ، فإن (الدولة العلمانية) الفيدرالية او الكنفدرالية في الجنوب، كحل مفاضلة للوحدة مع (دولة دينية) في الشمال ، لا تشكل ضمانة (للديمقراطية) حتى في الجنوب نفسه ، بدليل دول أفريقية مجاورة وجامع الديكتاتورية العلمانية في كل منها. لذلك فسوف نواصل طرحنا (للدولة المدنية) حتى لو انتصر خيار السلام وفق شروط مشاكوس ونيفاشا فى إطار مبادرة الايقاد.

    (6) نولى اعتباراً لائقاً لمحصلة تجارب الحركة السياسية السودانية فى حقل الصراع حول الدستور منذ الاستقلال ، وقد أثبتت ، بأغلى التضحيات فى الأرواح والأموال والزمن المهدر، إستحالة أن يفرض اتجاه فكري أو سياسي واحد تصوره للدستور ، بإزاء معادلة الفارق القومي والإثني والديني والطبقى ، سواءً توفرت له الأغلبية البرلمانية ، أو سطوة العسكرية الشمولية (راجع مضابط لجنة الدستور الاولى 1957م ، واللجنة الثانية 1968م ، ودستور نظام مايو لسنة 1973م ، ودستور نظام الانقاذ لسنة 1998م). وفى هذا السياق:

    أ/ لم يشهد السودان سوى حالتين استثنائيتين: الأولى دستور ستاتلي بيكر للحكم الذاتي والاجماع الوطني حوله كامتداد للاجماع الوطني حول الاستقلال من داخل البرلمان ، والثانية ما أفرزته ثورة اكتوبر من اجماع وطني حول تعديل ذلك الدستور.

    ب/ أما مشروع دستور 1968م ، الذى سمى (بالدستور الاسلامى) ، فقد غلب عليه التعبير عن برنامج القوى التقليدية الحاكمة بعد ثورة أكتوبر ، والتى وقعت ، أوان ذاك ، تحت ضغط الابتزاز الذى مارسه عليها الاخوان المسلمون لإخراجها من إطار الحركة السياسية (العقلانية)، والدفع بها على طريق (الدولة الدينية) ، الأمر الذى تمثلت مقدماته فى تعديل الدستور لحظر نشاط الحزب الشيوعى ، وإغلاق دوره ، ومصادرة ممتلكاته ، وطرد نوابه من البرلمان ، علاوة على إهدار استقلال القضاء برفض الانصياع لحكمه ببطلان مجمل تلك الاجراءات ، فآلت الأوضاع إلى استقطاب حاد فى الساحة السياسية فتح الأبوب على مصاريعها أمام انقلاب 25 مايو 1969م الذى أطاح بمجمل تجربة الديموقراطية الثانية.

    ج/ وأما دستور مايو 1973م فقد صيغ فى الغرف المغلقة على يد خبراء فنيين تمخض عملهم عن مجرد أداة إضافية لسلطة الفرد المطلقة ، تضبط علاقات المواطنين بالدولة ، وببعضهم البعض ، فضلاً عن علاقات أجهزة الدولة فيما بينها. وعلى حين جرى الترويج لذلك الدستور بنشاط إعلامى وسياسى كثيف كما لو كان معبراً عن الإرادة الشعبية ، كانت نصوصه تتنزل فى الواقع دونما أدنى اعتبار لهذه الإرادة بالذات.

    د/ وأما تجربة الانتفاضة 1985م فقد شابتها سلبيات تدخل المجلس العسكري الانتقالي ، والتفافه على ميثاق الانتفاضة الذي نص على دستور 56 المعدل 64 ، بتعيينه للجنة منتقاة أهمل فى تشكيلها تمثيل الجنوب ، ومارست مهامها بعيدا عن الرأي العام ، وذلك لوضع دستور انتقالي يضمن النص على الشريعة وفق تصورات الجبهة الاسلامية القومية! مما حدا بالجمعية التأسيسية لتعديله لاحقاً ، قبل ان يطيح به انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م.

    هـ/ وأما حكومة ذلك الانقلاب فقد عينت أيضاً لجنة قومية لوضع دستور دائم للبلاد. وبعد أن انجزت اللجنة مهمتها وسلمت المشروع للقصر خرج منه على سحنة غير التي دخلها بها ، فأجازه مجلس (السلطة) الوطنى لاحقا بهذه السحنة.

    و/ وأما التجمع الوطني الديموقراطى فقد ضمَّن أهم وثائقه (ميثاق مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية ، يونيو 1995م) نصاً صريحاً يحظر استغلال الدين فى السياسة أو إنشاء الأحزاب السياسية على أسس دينية. ثم أعد ، لاحقاً ، مشروعه لدستور الفترة الانتقالية في حالة انتصاره وإقصاء الانقاذ ، ريثما تقوم بمقتضاه هيئة تشريعية لوضع الدستور الدائم (وثائق مؤتمر لندن ، فبراير 1992م).

    ز/ وعندما أصبح التفاوض هو الحل المطروح للأزمة الوطنية أعلنت (الانقاذ) استعدادها ، حال نجاح مساعي ذلك الحل ، لإدخال تعديلات على دستورها دون مساس بثوابته! فوافق حزب الامة على ذلك ، ولكنه اقترح العمل بمسودة دستور الانقاذ التي أقرتها اللجنة القومية الأولى (المسودة الأصلية) مع ادخال بعض التعديلات. واقترح التجمع الوطني وضع دستور تتفق عليه الاطراف التفاوضية ، فلا هو بالدستور الانتقالي للتجمع ولا هو بالدستور الدائم (للانقاذ). وطرحت المبادرة المصرية الليبية المشتركة ، من جانبها ، تصورها للفترة الانتقالية ولاجراء تعديلات على دستور (الانقاذ).

    هكذا نستطيع أن نرى بوضوح كيف أن المسألة الدستورية بما لها من صلة وثيقة بقضايا (الدين والدولة والسياسة) مازالت وستظل في قلب قضايا الصراع السياسي الاجتماعي حول حاضر ومستقبل السودان ، حتى حل القضايا المصيرية والاتفاق على الدستور الذي يقننها. لهذا فسوف نواصل تطوير قدراتنا الفكرية والسياسية حول المسألة الدستورية ، حرصاً على العطاء المسهم في الاجماع الوطني لقوى (العقلانية) الدينية والسياسية بشأن أساسيات الدستور، وكسر حاجز الاستقطاب المطلق العقيم وسطها ، والانطلاق الى فضاءات الحوار الحر والقواسم المشتركة معها. فمنذ إعلان نيروبي (ابريل 1993م) تواترت وجهات نظر وتصورات عدة حول الدستور والدولة ، (دولة المواطنة ، دولة مدنية ، دستور محايد تجاه الاديان ، ألا ينص الدستور على دين الدولة) ، وكلها محاولات جادة لتجاوز أزمة (الدولة الدينية) في وطن متعدد الاديان والمعتقدات. والحوار الجاد المستنير مع هذه الاجتهادات يلزمنا بأن نطور طرحنا وتصورنا (للدولة المدنية) وعناصرها ومكوناتها (حقوق طبيعية ، حقوق مدنية ، مجتمع مدني ، دستور مدني) من حيز الشعار والبيان السياسي إلى مستوى المعالجة النظرية عمقا واتساعاً ، كيلا يضاف إلى ركام الشعارات التي تزحم الآفاق ثم ما تلبث أن تنزلق من ذاكرة المواطنين دون ان تستقر في وجدانهم.

    (7) ولا شك أن من شأن التربية والأخلاق والقدوة ثم .. القانون أن تدعم وضوح تصورنا (للدولة المدنية) ، وما يميزها من بعض تطبيقات (العلمانية) المنبثقة عن حقبتى الاصلاح الديني اللوثري والتنوير في غرب أوروبا:

    أ/ (فالدولة المدنية) ، مثلاً ، لا ترفع يدها عن الاشراف على الشئون الدينية ، أو رعاية المساجد والكنائس ودور العبادة الأخرى ، ولا تغلق المعاهد الدينية العليا ، أو تحظر تدريس مادة الدين ضمن مناهج التعليم العام ، مع مشروعية الاختلاف حول المنهج كيلا يتحول الى امتداد لبرنامج حزب سياسي بعينه كما فى تجربة الجبهة الاسلامية مثلا.
    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp؟aid=76910
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 01:47 AM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    أقف وعلي المستوي الشخصي مع إستخدام مصطلح العلمانية السودانية - وإعتقد أن مفهوم
    الدولة المدنية أصبحت فضفاضا وحمال أوجه - يحمل في جوفه الشئ ونقيضه !
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 08:11 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    Quote:
    سلام اخ حسين وضيوفه
    طبعا
    الدولة المدنية كنقيض للدولة الدينية هي المقصودة لا الدولة المدنية كنقيض للعسكرية والشمولية !

    في اعتقادي ان اول من طرح الدولة المدنية بهذا الفهم هو الحزب الشيوعي في ورقة مقدمة من حول الدين والدولة لمجلس رأس الدولة ١٩٨٨ - ثم ورقة لأستاذ نقد والمشروع المقدم للمؤتمر الخامس -وقد استخدموا. مصطلح الدولة المدنية. كبديل لمصطلح العلمانية -المثقل بدلالات التجربة الأوربية ولكنه لإيخرج عن الإطار. العام للعلمانية
    السودانية ماقبل ١٩٨٣ !

    * وقد تبنت كثيرا من التيارات المستنيرة واليسارية هذا المفهوم -مفهوم الدولة المدنية- بدلالاته الإيجابية - القائمة علي عري دولة المواطنة وحقوق الإنسان وقيم العصر والقوانين الوضعية !
    *
    ولكن لاسف سرعان ما وثبت تيارات الإسلام السياسي لتسطو علي مفهوم الدولة. المدنية -وتفرغه من محتواه - فأصبح الصادق المهدي -صاحب نهج الصحوة يدعو لدولة مدنية. وكذلك المؤتمر والشعبي والمؤتمر الوطني وغيرهم -اصبحوا يطرحون هذا المفهوم ولكنهم يتمسكون بالشريعة العقابية والحدود -!
    * اصبح مفهوم الدولة المدنية يحمل في جوفه الشئ ونقيضه -حتي اصبح فارغ المحتوي وجرد من مضمونه الايجابي وأصبح ينعق فيه بوم الإسلام السياسي !

    ٢/

    العلمانية السودانية هو المفهوم الذي ظل مطبقا في بلادنا طيلة خمسة قرون - طوال عهد الفونج والعهد التركي والإنجليزي والعهود الوطنية الديموقراطية. وحتي العسكرية انتهاء ب١٩٨٣ قوانين سبتمبر !
    في العهود الوطنية -وحتي العهد الإنجليزي - كانت الدولة تنظم الموالد والإذاعة والتلفاز يفتتح بالقران والبرامج الدين تبث من هذه الأجهزة والأديان تدرس بالمدارس -وللمرأة حق ان تتحجب اولاتتحجب !وهناك قوانين للأحوال الشخصية مستمدة من الأديان يقابلها تشريع مدني -لمن يريد !
    هذه هي علمانيتنا وهي تختلف عن علمانية فرنسا وتركيا !
    كان هناك تزاوج بين الصيغ الوضعية =العلمانية والديموقراطية -ودساتير مواطنة وضعية وقوانين وضعية !


    الأستاذ كمال عباس تحياتي،

    أخشي أنَّك لم تقرأ مقالي. ولو قرأته كاملاً وبروابطه لما احتجت لإرفاد المقتبس بعاليه. ومن الواضح أنَّك قرأت الردود ولكنَّك مررت على المتن مرور الكرام؛ ولا تثريب، فالمقال طويل والناس مشاغل.

    ملخص المقال أنَّه انتصار لدولة نقد المدنية وانتشال لنُقد المفكر من بين ثنايا نُقد السياسي. وأرجو أن تقرأ المقال منجماً في سودانايل تحت عنوان: أنواع الدولة وتعاطي كل نوع مع قضايا السودان المصيرية (الشريعة الإسلامية مثالاً). وافتكر بعد ذلك سنكون قادرين على خلق حوار مفيد للجميع.

    كما أحيطك علماً بأني قرأت جل ما كتبه الزملا بالحزب الشيوعي، وأنِّي قارئ نهم ومتتبع لكتاباتهم وبعشق كامل، خاصةً كتابات الاستاذ المرحوم المفكر محمد ابراهيم نقد التي أملكها كلها.

    كل عام أنت ومن يليك بألف خير وعافية.
    ممنون.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 08:19 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote:
    ٣/
    مقابل الطرح العلماني والديموقراطي

    تنهض مشاريع اسلاموية متناقضة ومتناحرة !
    لك ان تسأل كم عدد الحدود ومتي وكيف تطبق ومن المناط به تطبيقها ؟
    ما هو موقع المرأة وغير المسلم ؟
    شهادة المرأة !
    الشوري وصيغة أهل الحل والعقد والديموقراطية !نظام فصل السلطات ! الاقتصاد !
    لن تجد اجابة ولن تجد بديل اسلاموي ولن تجد حلول علي مستوي خطاب الإسلام السياسي !
    لا شئ سوي شعار فضفاض وغامض لايقدم حلولا ولا اجابات !


    أتفق معك في كثير من الطرح هنا.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 08:25 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: ٤/
    الدولة المدنية ومايسمي بدولة المدينة !

    اي دولة مدينة وبأي فهم يراد استنساخها وماهو موقعها من قيم العصر ومنجزات الإنسانية !
    نحن لسنا في عهد دولة المدينة الواحدة -كما في اليونان او يثرب عقب الهجرة وإنما في عهد الدولة الممتدة. الأطراف ! في عهد دولة المدينة وفي حياة. الرسول -كان هناك الرق والجهاد. الهجومي وشهادة المرأة النصفية وتعدد الزوجات. وميراث المرأة النصفي !وكان هناك ما سمي بالمنافقين واليهود الذين طردوا والصراع بين المهاجرين
    والانصار !


    وحول هذه الجزئية أرجو أن تقرأ بتأني ردودي على الأخوين محمد حيدر المشرف وجمال المنصوري.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 10:22 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    Quote: أقف وعلي المستوي الشخصي مع إستخدام مصطلح العلمانية السودانية - وإعتقد أن مفهوم
    الدولة المدنية أصبحت فضفاضا وحمال أوجه - يحمل في جوفه الشئ ونقيضه !


    في اعتقادي أنَّ الذي يُلام على كون مصطلح الدولة المدنية أصبح فضفاضاً هم الزملاء في الحزب الشيوعى السوداني. فالمصطلح - هذا المنتج السوداني العلمي الراقي، قد تُرِكَ غُفلاً لاشتغال الحزب وزملاء الحزب بالسياسة أكثر من اشتغالهم بالفكر. وكَتَّر خير نُقد المفكر الذي غالب نقد السياسي فأنتج لنا أهم منتج في حقل العلوم السياسية على أعتاب الألفية الثالثة منذ العام 1988.

    وبالتالي ترك المصطلح هكذا هَمَلاً مُهملاً (وهو الكسل بعينه) جعل الكثيرين يمدون إليه أياديهم بالسرقات الأدبية (ومنهم أضاف إليه إضافات جليلة)، خاصة بعد أن اعتبره الغرب مصطلحاً شرقياً؛ فمنهم من مصَّره ومنهم سوَّره ومنهم بغدده. والعلمانية (والدولة الدينية) لن تكون بديلاً للدولة المدنية بحال من الأحوال طالما كان هناك تعسف سياسي فيما يتعلق بدين الأقليات (راجع مقالي بعاليه، أو مقالاتي الأربع بسودانايل).

    وبالتالي إن ترك زملاء الحزب الدولة المدنية فلن نتركها.

    مدنيااااااااااو.

    مع خالص شكري.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 09:52 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp؟aid=76910

    شكراً الأستاذ كمال عباس على إرفادك لهذه الدراسة المهمة، وإن كنت قد قرأتها قبلاً عن طريق الصديق راشد سيد أحمد؛ فأنا أحتاجها هنا بشدة.

    ممنون لك.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 09:00 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: عبداللطيف حسن علي)

    Quote: البروفايل بتاعي بختصر البوست دا كلو !


    الاستاذ عبد اللطيف حسن على تحياتي،

    بروفايلك يوفر الكثير حقيقةَ. فشكراً؛ خير الكلام وبليغه ما قلَّ ودلَّ.
    ممنونك.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 08:55 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    Quote: ٥/
    الخلافة الراشدة
    بدأت بصراع بين المهاجرين والانصار والمبشرين بالجنة والبيعة القسرية !
    تولي الخليفة عمر الخلافة بتعيين من الخليفة ابوبكر !
    وخلف الخليفة ٦ من القرشيين لم يكن من ضمنهم امرأة !
    * ثم قتل الخليفة عثمان بواسطة مسلمين ولم يجد نصيرا آو مدافعا! ودفن ليلا وسرا بمقابر اليهود أومأ يجاورها !

    ثم تقاتل الصحابة والمبشرين بالجنة وكتبة الوحي وأمهات المؤمنين !
    * طلحة والزبير يرفعان السيوف في وجه الخليفة !
    أم المؤمنين عائشة تخرج مقاتلة للخليفة !
    كاتب الوحي معاوية بتمرد علي خليفته !وسالت الدماء انهارا !
    لم يختلف هؤلاء في صيام او عقيدة وإنما اختلفو في السياسة وشكل الحكم وكيفية اختيار الحاكم ومهامه وصلاحيته !
    اختلفوا لان هذا لم يكن مشرعا ومنصصا في القران الكريم !
    وان كان هناك حقا نموذجا لدولة مدينة فاضلة لاتبعه هؤلاء !لاتبعه المبشريين بالجنة وكتبة الوحي وزوجات. الرسول !
    *


    توجد دولة مدينة لمن أراد أن يبحث عنها "بمحبة" عزيزي كمال عباس خارج أُطُر الأحكام المسبقة والنظرة الآحادية والتمركز على الذات.

    وكما قلت بعاليه، علينا أن نربط الدولة في سياق الحقيقة المحمدية تلك، بسياقات التاريخ. ففي زمن سيادة نمط الإنتاج الخارجي/العبودي الذي ولدت فيه دولة المدينة فكان كل ما يحتاجه المجتمع هو واعظ ديني وسيادة الأيديولوجي، وفي زمن الإقطاع احتاج المجتمع للسياسي، وفي أزمنة الرأسمالية احتاج المجتمع لسيادة الاقتصادي. فالأيديولوجي أفرز الدولة الدينية، والسياسي أفرز الدولة العلمانية والاقتصادي يفرز الدولة المدنية الآن، وفي زمن سيادة العلمي ستولد الدولة الانسانية. ... هكذا أفهم دولة المدينة.

    معلوم المعزة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 12:38 PM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    سلام أخ حسين
    Quote: في اعتقادي أنَّ الذي يُلام على كون مصطلح الدولة المدنية أصبح فضفاضاً هم الزملاء في الحزب الشيوعى السوداني. فالمصطلح - هذا المنتج السوداني العلمي الراقي، قد تُرِكَ غُفلاً لاشتغال الحزب وزملاء الحزب بالسياسة أكثر من اشتغالهم بالفكر. وكَتَّر خير نُقد المفكر الذي غالب نقد السياسي فأنتج لنا أهم منتج في حقل العلوم السياسية على أعتاب الألفية الثالثة منذ العام 1988.وبالتالي ترك المصطلح هكذا هَمَلاً مُهملاً (وهو الكسل بعينه) جعل الكثيرين يمدون إليه أياديهم بالسرقات الأدبية (ومنهم أضاف إليه إضافات جليلة)، خاصة بعد أن اعتبره الغرب مصطلحاً شرقياً؛ فمنهم من مصَّره ومنهم سوَّره ومنهم بغدده. والعلمانية (والدولة الدينية) لن تكون بديلاً للدولة المدنية بحال من الأحوال طالما كان هناك تعسف سياسي فيما يتعلق بدين الأقليات (راجع مقالي بعاليه، أو مقالاتي الأربع بسودانايل). وبالتالي إن ترك زملاء الحزب الدولة المدنية فلن نتركها.مدنيااااااااااو.

    الحزب الشيوعي لم يترك مشروع الدولة المدنية بل لازال متمسكا به وهو جزء من نسيج برنامجه - مفهوم المدنية - لم يهمل بل بالعكس تم تروجيهوتسويقه بصورة مدهشة - لدرجة أن خصومه- ناس الإسلام السياسي - إستلفوه أو سطو عليه - بعد أن أ فرغوه من مضمونه الإيجابي وحشوه بنقيضه - وكما قلت أصبح حمال أوجه - بعد أن أفرغ من دلالاته العقلانية والإستنارية ..
    ثانيا المدنية المطروحة هنا في مداخلاتي ليست civilian مدنية مقابل عسكرية أوشمولية - أو حتي مرادف للديموقراطية - فال civilian government والحكم الديموقراطي مسألة لاخلاف عليها -
    * أنا أتحدث هنا عن مفهوم الدولة المدنية كمقابل للدولة الدينية والإسلام السياسي والشريعةالعقابية والحدود - أنا أفضل مصطلح علمانية سودانية لأنه قاطع ومحدد الدلالات - بعكس مفهوم الدولة المدنية الفضفاض وحمال الأوجه !
    ثالثا دولة المدينة : أنا قلت أن مايسمي بدولة المدينة - يشبه عندي مفهوم دويلات المدن في المجتمع الإغريقي - ال citiy وال town هي الدولة - وهو نموذج - يصلح في فترة الطفولة والصبا المجتمعي لافي عهد الدولة الشاسعة والمترامية الأطراف والمعقدة المطالب والمتشابكة الإشكلات - أفهم مشروع دولة يثرب في سياقه التاريخي والظرفي وفي إطار معارف ذلك الزمن - حيث كان يمكن للحاكم الطواف راجلا علي مدينته خلال نصف ساعة - هذا بالإضافة إلي حقيقة أن دولة الرسول كانت مربوطة بوحي - وتصحيح وتصويب للحدث اليومي عبر الوحي - وكان بها نبي يؤمن به الناس إيمان روحي بإعتباره لاينطق عن الهوي وإنه يعبر عن إرادة الله تعالي- ومع هذا فهي لم تكن مدينة رومانسية - بل كانت تعج بتناقضاتها وصراعتها - اليهود وماسمي بالمنافقيين - المهاجريين والأنصار - فاليهود خرجوا عنها - إي إن طابعها الروحي لم ينفيطابعها البشري - ففي لحظة ما إنفض المؤمنيين من المسجد وتركوه شبه خالي والرسول علي لمنبر لقدوم قافلة من الشام !
    * أما نموذج ماسمي بالخلافة الراشدة فقد إسهبت في الحديث عنه في أعلاه ونزعت عنه الغلالة الرومانسية والطابع التقديسي والوهج الزائف الذي طبعته كتب التاريخ المدرسي وكتب الفقه المتكلس والكتابات التاريخية الإنتقائية .والخلاصة هنا هي - تجارب صدر الإسلام تجارب بشرية يجب أن تفهم في سياقها التاريخي والمعرفي وألا يحكم عليها بمعايير عصرنا كما لايجب رهن عصرنا بتلك الفترة ونسعي لإستنساخهابإعتبارها النموذج والنبراس
    .. رابعا أن هنا يا أخ حسين أطرح رؤيتي - الشخصية وهي ليست بالضرورة كنقيض لرؤيتك أو مطابق لها -

    حاشية نموذج دويلات المدن:
    نموذج المدينة الدولة الإغريقي قدم نماذج رائعة في الفلسفة والنحت وضروب الأدب والفنون الأخري وفيه مورست الديموقراطية - الأولية - الديموقراطية المباشرة إجتماع كل أهل المدينة في زمان ومكان واحد - هذه الديموقراطية لم يكن للأرقاء دور فيه ولا حتي ولدرجة كبيرة المراة!
    - خضع هذا النموذج للتطور - الإضافة والإختزال - ولعملية الصيرورة التاريخية والإجتماعية ولم يقدس أو يتم إعتباره سدرة المنتهي ونهاية التاريخ..

    (عدل بواسطة كمال عباس on 15-08-2019, 02:07 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 01:01 PM

كمال عباس
<aكمال عباس
تاريخ التسجيل: 06-03-2009
مجموع المشاركات: 10793

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    الغريبة إن المفكر الأستاذ محمود محمد طه - كان مشدودا للنموذج المكي - الإنساني - العالمي- نصوص التسامح والتعائش وحرية الإعتقاد - مقابل - التشريعات والنظم الخاصة بسياق وظرف ومجتمع - بشري محدد - في القرن السابع الميلادي .. مقابل ترتيبات العهد المدني = إي عهد يثرب..

    (عدل بواسطة كمال عباس on 15-08-2019, 01:53 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 10:45 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    Quote: الحزب الشيوعي لم يترك مشروع الدولة المدنية بل لازال متمسكا به وهو جزء من نسيج برنامجه - مفهوم المدنية - لم يهمل بل بالعكس تم تروجيهوتسويقه بصورة مدهشة - لدرجة أن خصومه- ناس الإسلام السياسي - إستلفوه أو سطو عليه - بعد أن أ فرغوه من مضمونه الإيجابي وحشوه بنقيضه - وكما قلت أصبح حمال أوجه - بعد أن أفرغ من دلالاته العقلانية والإستنارية ..

    ثانيا المدنية المطروحة هنا في مداخلاتي ليست civilian مدنية مقابل عسكرية أوشمولية - أو حتي مرادف للديموقراطية - فال civilian government والحكم الديموقراطي مسألة لاخلاف عليها -
    * أنا أتحدث هنا عن مفهوم الدولة المدنية كمقابل للدولة الدينية والإسلام السياسي والشريعة العقابية والحدود - أنا أفضل مصطلح علمانية سودانية لأنه قاطع ومحدد الدلالات - بعكس مفهوم الدولة المدنية الفضفاض وحمال الأوجه !

    ثالثا دولة المدينة : أنا قلت أن مايسمي بدولة المدينة - يشبه عندي مفهوم دويلات المدن في المجتمع الإغريقي - ال citiy وال town هي الدولة - وهو نموذج - يصلح في فترة الطفولة والصبا المجتمعي لافي عهد الدولة الشاسعة والمترامية الأطراف والمعقدة المطالب والمتشابكة الإشكلات - أفهم مشروع دولة يثرب في سياقه التاريخي والظرفي وفي إطار معارف ذلك الزمن - حيث كان يمكن للحاكم الطواف راجلا علي مدينته خلال نصف ساعة - هذا بالإضافة إلي حقيقة أن دولة الرسول كانت مربوطة بوحي - وتصحيح وتصويب للحدث اليومي عبر الوحي - وكان بها نبي يؤمن به الناس إيمان روحي بإعتباره لاينطق عن الهوي وإنه يعبر عن إرادة الله تعالي- ومع هذا فهي لم تكن مدينة رومانسية - بل كانت تعج بتناقضاتها وصراعتها - اليهود وماسمي بالمنافقيين - المهاجريين والأنصار - فاليهود خرجوا عنها - إي إن طابعها الروحي لم ينفي طابعها البشري - ففي لحظة ما إنفض المؤمنيين من المسجد وتركوه شبه خالي والرسول علي لمنبر لقدوم قافلة من الشام !

    * أما نموذج ماسمي بالخلافة الراشدة فقد إسهبت في الحديث عنه في أعلاه ونزعت عنه الغلالة الرومانسية والطابع التقديسي والوهج الزائف الذي طبعته كتب التاريخ المدرسي وكتب الفقه المتكلس والكتابات التاريخية الإنتقائية .والخلاصة هنا هي - تجارب صدر الإسلام تجارب بشرية يجب أن تفهم في سياقها التاريخي والمعرفي وألا يحكم عليها بمعايير عصرنا كما لايجب رهن عصرنا بتلك الفترة ونسعي لإستنساخهابإعتبارها النموذج والنبراس

    .. رابعا أن هنا يا أخ حسين أطرح رؤيتي - الشخصية وهي ليست بالضرورة كنقيض لرؤيتك أو مطابق لها -

    حاشية نموذج دويلات المدن:

    نموذج المدينة الدولة الإغريقي قدم نماذج رائعة في الفلسفة والنحت وضروب الأدب والفنون الأخري وفيه مورست الديموقراطية - الأولية - الديموقراطية المباشرة إجتماع كل أهل المدينة في زمان ومكان واحد - هذه الديموقراطية لم يكن للأرقاء دور فيه ولا حتي ولدرجة كبيرة المراة!

    - خضع هذا النموذج للتطور - الإضافة والإختزال - ولعملية الصيرورة التاريخية والإجتماعية ولم يقدس أو يتم إعتباره سدرة المنتهي ونهاية التاريخ..


    * نعم في الإطار السياسي مازال الحزب الشيوعي متمسكاً بالدولة المدنية/ وهذا مفهوم. أمَّا الذي أعنيه أنَّ الدولة المدنية من الناحية الفكرية قد تمَّ إهمالها تماماً، بدليل أن تطوير الدولة المدنية أتى من خارج الحزب الشيوعي السوداني، بل من خارج السودان حتى. والدليل الآخر هو اللُّبس والتناقض عند الشيوعي "السياسي" الذي يتعامل مع خريدة الحزب الشيوعي السوداني الفكرية القائلة: "يجب ألاَّ يخضع المعتقد لرأى الأغلبية أو الأقلية" بشكل ينم عن معالجة سياسية لا فكرية حينما قال الناطق الرسمي للحزب المرحوم يوسف حسين في أحد لقاءاته بالركوبة: "إذا جاءتنا الشريعة بالديمقراطية سنقبل بها"؛ والسؤال أين دين الأقليات هنا؟

    هذا الأمر بطبيعة الحال لن يتم علاجه بالسياسة ولكن بالفكر فقط؛ وهو ما لم أجده في قراءتي لأدبيات الحزب، وأتمنى أن يكون موجوداً.

    * من الواضح يا أخ كمال عباس أنَّك لم تقرأ ما هو مطروح من وجهة نظري عن الدولة المدنية حتى الآن؛ وربما أنَّك ترى أنَّ المسألة لا تستحق؛ فأنت وشأنك. غير أنَّي هنا معني بحل إشكال يواجه الدولة المدنية وغير معني بالسجال ولا بالتمترس الصمدي حول آرائي أو آراء الآخرين، وهذا الحل مطروح للنقاش منذ العام 2015 وأود أن أسمع رأي الناس فيه. كنت أود أن أسمع رأيك حول الموضوع ولكنَّك حتى الآن ممتنع؛ وماذا أعمل غير أفوِّض أمري لله.

    * لا أرى أيَّ إختلاف بين طرحك لدولة المدينة أعلاه وطرحي لدولة المدينة؛ أين المشكلة؟ وليس لى مشكلة مع منظورك لدولة الخلافة (وإن لم تكن إشارتي هنا كإشارة من يحرث في البحر لقلتُ لك حاول أن تقرأ مقالي: "دولة الخلافة بالدَّالين؛ الدِّين والديالكتيك غير قابلة للحياة". كذلك ليست لى مشكلة مع حاشية دويلات المدن.

    * أخيراً، لا أدري لماذا أرفدت رؤيتك الشخصية في هذا البوست إن لَّم تكن بالضرورة كنقيض لرؤيتي أو مطابق لها؟ لم أتلمَّس الجدوى مما ورد في "رابعاً أعلاه".

    * إعلم أنَّ مداخلاتك مهمة بالنسب لى، ولا أجد أىَّ عبث في أيِّ حرف يُكتب.

    المعزة التي تعلم.


                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

15-08-2019, 11:48 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: كمال عباس)

    Quote: الغريبة إن المفكر الأستاذ محمود محمد طه - كان مشدودا للنموذج المكي - الإنساني - العالمي- نصوص التسامح والتعائش وحرية الإعتقاد - مقابل - التشريعات والنظم الخاصة بسياق وظرف ومجتمع - بشري محدد - في القرن السابع الميلادي .. مقابل ترتيبات العهد المدني = إي عهد يثرب..


    للتنبيه يا عزيزي كمال عباس أن أكتب تحت سقف السودانوية؛ وبالتالي أجدني قريباً من كل الفكر السودانوي لأنَّه غني. ولعلَّنا محتاجون أن نحفر عميقاً في هذه الشخصية السودانية ففيها ترقد حقائق عظيمة.

    ونعم يا عزيزي النموذج المكي نموذج تأسيسي، والنموذج المدني نموذج عملياتي - نموذج في محك صراع من نوع جديد (إلى جانب الصراع الأزلي على البقاء الآني والاستراتيجي)، ولكنه لم يفقد طابعه المدرسي التربوي بحال من الأحوال، وكلا النموذجين يكمِّل بعضه البعض الآخر.

    ممنون.

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

17-08-2019, 06:12 AM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    النور الجيلاني يغني مدنياااااااااو

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

17-08-2019, 06:47 AM

جمال المنصوري
<aجمال المنصوري
تاريخ التسجيل: 02-04-2009
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: شاهقة وغير مرتبطة بتشكل اقتصادي اجتماعي بعينه

    الأستاذ / حسين
    و
    ضيوفه الكرام
    تحية طيبة
    الحقيقة عندي تعقيب بسيط على العبار المقتبسة اعلاه..
    الفكرة الجمهورية مرتبطة إرتباط زثيق ببالشكل الإقتصادي الأشتراكي و الشيوعي، في اشارات كثيرة وردت في كتابات الأستاذ/ محمود ، من أن الإسلام ( (( الإسلام ديمقراطي اشتراكي )) .
    واحب أن اقتبس هذه الجزئية من كتاب:الرسالة الثانية من الإسلام
    و عرشها هنا للنقد والتقييم:
    Quote: فالاشتراكية العلمية ، عندنا ، تقوم على دعامتين اثنتين ، وفي آن واحد : أولاهما زيادة الانتاج ، من مصادر الانتاج ، وهي المعدن ، والزراعة ، والصناعة ، والحيوان . وذلك باستخدام الآلة ، والعلم ، وبتجويد الخبرة الادارية ، والفنية . وثانيتهما عدالة التوزيع ، وهي تعني ، في مرحلة الاشتراكية ، أن يكون هناك حد أعلى لدخول الأفراد ، وحد أدنى . على أن يكون الحد الأدنى مكفولا لجميع المواطنين ، بما في ذلك الأطفال ، والعجائز ، والعاجزين عن الانتاج ، وعلى أن يكون كافيا ليعيش المواطن في مستواه معيشة تحفظ عليه كرامته البشرية .. وأما الحد الأعلى للدخول فيشترط فيه ألا يكون أكبر من الحد الأدنى بأضعاف كثيرة حتى لا يخلق طبقة عليا تستنكف أن تتزاوج مع الطبقة ذات الدخول الدنيا .. ومن أجل زيادة الانتاج وجب تحريم ملكية مصادر الانتاج ، ووسائل الانتاج ، على الفرد الواحد ، أو الأفراد القلائل في صورة شركة ، سواء كانت شركة إنتاج ، أو شركة توزيع .. ولا يحل للمواطن أن يملك ، ملكا فرديا ، إلا المنزل ، والحديقة حوله ، والأثاثات داخله ، والسيارة ، وما إلى ذلك مما لا يتعدى إلى استخدام مواطن استخداما يستغل فيه عرقه لزيادة دخل مواطن آخر . والملكية الفردية ، حتى في هذه الحدود الضيقة ، يجب ألا تكون ملكية عين للأشياء المملوكة ، وإنما هي ملكية ارتفاق بها ، وتظل عينها مملوكة لله ثم للجماعة بأسرها .
    ثم إنه كلما زاد الانتاج من مصادر الانتاج اتجهت عدالة التوزيع إلى الاتقان ، وتقريب الفوارق ، وذلك برفع الحد الأدنى ، وبرفع الحد الأعلى ، على السواء . ولكن رفع الحد الأدنى يكون نسبيا أكبر من رفع الحد الأعلى ، وذلك بغية تحقيق المساواة المطلقة . وعند تحقيق المساواة المطلقة بفضل الله ، ثم بفضل وفرة الانتاج ، تتحقق الشيوعية ، وهي تعني شيوع خيرات الأرض بين الناس .. فالشيوعية إنما تختلف عن الاشتراكية اختلاف مقدار .. فكأن الاشتراكية إنما هي طور مرحلي نحو الشيوعية .
    ولقـد عاش المعصوم الشيوعية في قمتها حيـن كانت شريعتـه في مستـوى آية الزكاة الكبرى (( يسألونك ماذا ينفقون قل العفو )) ولقد فسر العفو بما يزيد عن الحاجة الحاضرة . وحديثه عن الأشعريين في مستوى الشيوعية ، وذلك حين قال (( كان الأشعريون إذا أملقوا ، أو كانوا على سفر ، فرشوا ثوبا ، فوضعوا عليه ما عندهم من زاد ، فاقتسموه بالسوية ، أولئك قوم أنا منهم وهم مني )) وهذا هو فهم الأمة المسلمة التي لما تجئ بعد .. ولقد أدرك هذا الفهم أصحابنا الصوفية وذلك حين تصوروا جميع الأرض ، وما عليها من خيرات ، كمائدة أنزلها الله على عباده ، وأمرهم أن يرتفقوا منها بزاد المسافر ، ويواصلوا سيرهم إليه .. فهذه الأرض ، مثلها عندهم مثل المائدة ، وضعت للآكلين ، وعليها اللحم ، والخبز ، والخضار ، والحلوى ، وجلس إليها عشرة رجال ، فإن كل ما عليها هو على الشيوع بينهم ، ولا تقع لك الملكية الفردية لقطعة لحم منها ، إلا حين تحتويها أصابعك ، وتبدأ رحلتها إلى فمك .
    وحين يحدثنا القرآن عن الجنة (( وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض ، نتبوأ من الجنة حيث نشاء ، فنعم أجر العاملين )) إنما عنى أيضا النموذج المصغر للجنة الكبرى ، الذي يتحقق في هذه الأرض التي نعيش عليها اليوم وذلك حين (( تملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا )) على حد التعبير النبوي الكريم . وهو ما داعب خيال ماركس وضل الطريق إليه كل الضلال ، ولن يبلغه إلا المسلمون الذين لما يأتوا بعد .. وحين يأتون سيتحقق في الأرض طرف من قوله تعالى (( إن المتقين في جنات وعيون * ادخلوها بسلام آمنين * ونزعنا ما في صدورهم من غل ، إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )) وهذا الطرف هو الشيوعية التي يحققها الإسلام بمجئ أمة المسلمين ، ويومئذ تشرق الأرض بنور ربها ، وتتم نعمة الله على سكانها ، ويحل في ربوعها السلام ، وتنتصر المحبة .

    وبالنسبة للمساواة الإجتماعية، فإنني اكتفي بهذ الجزء من نفس الكتاب، وعرضه كذلك للنقد والتشريح:

    Quote: المساواة الاجتماعية: محو الطبقات والفوارق

    هذه أصعب المساويات تحقيقا ، وتعتبر المساواة الاقتصادية ، والمساواة السياسية مقدمة لها ، وهي تتويج لهما ، وخلاصة ، وقمة .
    وهي لم تتحقق للإنسانية إلى يوم الناس هذا ، ولن تتحقـق في المستقبل إلا بالجهد الشاق ، والتربية ، والتعليم ، لتصحيح ، وتغيير ما هو كالطبيعي في المسلك الإنساني . وهي بذلك أرقى إنتاج المدنية في جميع العصور . إذ المدنية إن هي إلا محاولة تبعد الانسان عن نزعاته الحيوانية الدنيئة ، وتقوده إلى مستوى أعلى من الخلق ، حيث يستبدل قانون الغابة - قانون العنف ، والسيطرة بالقوة - بقانون العدل ، والحق ، والمرحمة - فيدخل بذلك التحسين في نوع العلاقات البشرية ، فيحل الرضا محل القوة ، والعدالة محل الاستغلال ، والحرية محل الكبت ، والعاطفة المتسامية بالعقل القوي ، محل العاطفة الناضبة .
    وشأننا مع هذه المساواة في هذا الكتاب شأننا مع سابقتيها وهو إرجاء الاستقصاء إلى موعده من كتاب (( الإسلام ديمقراطي اشتراكي )) حيث نبحثها بحثا مستفيضا ولكن لا بد من الإشارة إليها هنا بما يحتمله المقام من تطويل .
    موضوع المساواة الاجتماعية هو الفرد البشري ، كما كان الأمر في شأن المساواة الاقتصادية ، والمساواة السياسية .. فإن الفرد البشري ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرات ، هو الغاية وراء كل سعي جماعي .. هو غاية وسيلتها الإسلام والقرآن ، وهما أعظم الوسائل المنهجية على الإطلاق . ووسيلته أيضا المجتمع ، وهو أعلى ما أنتجته الإنسانية إلى اليوم . والفرد الذي هو غاية هو الفرد البشري ، من حيث هو بشري .. حتى وإن كان أحمق .. فإنه يجب أن لا يجعل وسيلة إلى شئ سواه .. ومن أجل ذلك وجب ألا تقوم بين الأفراد فوارق من جراء المولد ، أو العنصر ، أو اللون ، أو العقيدة ، أو الجنس من الذكورة والأنوثة . قال تعالى في ذلك : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير )) قوله (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) يعني إنما تكون الكرامة بالعلم والخلق .. فإن التقوى علم وعمل بمقتضى العلم ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (( إن الله عليم خبير )).. (( عليم )) إشارة إلى العلم.. (( خبير )) إشارة إلى التصرف بالعلم . وقال المعصوم (( الناس لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) .
    وعدم التمييز الاجتماعي ضد الضعيف ، ومحو الفوارق التي قامت على قانون الغابة بين الأفراد والطبقات هو عمل التمدين الأكيد ، فإذا وجدت مجتمعا للضعفاء فيه حق محفوظ ، وكرامة مرعية ، وإذا وجدت مجتمعا للنساء فيه حرية ، وحرمة ، وتشريف ، وللأطفال فيه حقوق ، وله بهم عناية ، وعليهم رحمة ، ولهم فيه محبة ، فاعلم أنه مجتمع متمدن ، ومتحضر .
    والأسرة هي المجتمع الأول ، وفيها تعلم ، ولا يزال يتعلم ، الفرد النظام ، والسلوك الاجتماعي النظيف ، واحترام القانون ، وتوقير السلطة ، والتعاطف ، والتسامح ، والمحبة .. ولا تزال للأسرة مقدرتها الفائقة على تربية الأفراد التربية التي تكون بعيدة الأثر ، على حياتهم الفردية ، وحياتهم في مجتمعهم الصغير ، وفي مجتمعهم الكبير ، حين يبرزون إليهما ، وعماد الأسرة الأم ، وهي ملكة المملكة الصغيرة ، ولكن مع شديد الأسف فإن الاعتراف بها لم يتفق للاسرة البشرية إلى اليوم . فإنها كانت ، ولا تزال ، مضطهدة . وكان ، ولا يزال ، دورها في بيتها دور الخادمة .. ولهذا الوضع سود العواقب على تنشئة الأطفال ، مما يترك عميق الأثر في حياة المجتمع برمته وفي جميع مستوياته .
    ولقد أسلفنا القول في هذا الكتاب عن أمر المساواة المطلقة بين الرجال والنساء مما لا نحتاج إلى إعادته في هذا الموضع ، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن أمر المساواة الاجتماعية لا يجئ عفوا ، وكأمر طبيعي للتطور . بل لا بد فيه من التخطيط ، والتطوير الذكي للمجتمع ، ذلك بأنه يحتاج إلى تعليم ، ويحتاج إلى تربية .. والتعليم غير التربية ، فإن غرض التعليم إكساب الفرد الخبرة المهنية التي تجعله مفيدا للمجتمع في الميدان الذي خلق وهو مستعد له بما ركز في فطرته من موهبة .. وهو ضروري ليسلح الأفراد بالقدرات العلمية ، والفنية ، والادارية ، والتكنولوجية ، لتنمية حضارة مجتمعهم ، وللتسامي بها في مراقي الكفاءة والكفاية . وفي التعليم يقع التخصص ، ويقع التمييز ، ويسود الاتجاه إلى التخطيط لإنجاب حاجة المجتمع - فيه يقع التمييز بين الرجال ، والنساء ، ويقع التمييز بين الرجال ، والرجال أيضا ، ذلك بأنه إنما يرمي إلى تنمية ، وتغذية الموهبة عند كل موهوب ، حتى يخدم مجتمعه في الميدان الذي خلق وهو مستعد له استعداداً فطرياً ، بيد أن هذا التمييز الذي يقع في ميادين الاعداد لخدمة المجتمع المدنية لا يحمل معه أي امتياز اجتماعي ترتفع به ، تلقائيا ، مكانة فرد فوق فرد آخر .. وفي هـذه النظرة ، التي تتجه إلى إعداد المواطنين إعدادا مهنيا بواسطة برامج التعليم الموجه ، قيمة المرأة غير قيمة الرجل ، ولكنها قيمة مساوية لقيمته .. بمعنى أن المرأة ، حين تعد لتكون أماً ، بأن تعلم كل ما يؤهلها لهذه الوظيفة الحيوية المتشعبة ، لا تقل خدمتها للمجتمع ، في نظر المجتمع ، عن خدمة أخيها الذي يعد ليكون مهندسا ، أو طبيبا ، أو مشرعا .. وليس لإعداد الأمومة الصالحة حد تقف عنده ، فإن الفتاة كلما علمت كلما زادت كفاءتها في ميدان الأمومة نفسها .. ومن أجل مصلحة المجتمع يجب أن يعلم كل فرد عملا يتقنه باليد وبالعقل ، وهو كذلك من مصلحة الفرد نفسه ، لأن الانسان لا تنضج قيمه الفكرية ، ولا قيمه الخلقية ، إلا إذا كان يحب العمل اليدوي ، ويتقن طرفا منه إتقانا حسنا ، ذلك بأن الترقي جميعه إنما هو علم ، وعمل بمقتضى العلم .. قال تعالى في ذلك (( إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه . )) كل هذه المسائل تدخل في غرض التعليم ..

    وتقبل مني جزيل حبي
    ووافر احترامي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

17-08-2019, 03:46 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: جمال المنصوري)

    Quote: الحقيقة عندي تعقيب بسيط على العبار المقتبسة اعلاه..

    الفكرة الجمهورية مرتبطة إرتباط زثيق ببالشكل الإقتصادي الأشتراكي و الشيوعي، في اشارات كثيرة وردت في كتابات الأستاذ/ محمود ، من أن الإسلام ( (( الإسلام ديمقراطي اشتراكي )) .
    واحب أن اقتبس هذه الجزئية من كتاب:الرسالة الثانية من الإسلام

    و عرشها هنا للنقد والتقييم:

    Quote: فالاشتراكية العلمية ، عندنا ، تقوم على دعامتين اثنتين ، وفي آن واحد : أولاهما زيادة الانتاج ، من مصادر الانتاج ، وهي المعدن ، والزراعة ، والصناعة ، والحيوان . وذلك باستخدام الآلة ، والعلم ، وبتجويد الخبرة الادارية ، والفنية . وثانيتهما عدالة التوزيع ، وهي تعني ، في مرحلة الاشتراكية ، أن يكون هناك حد أعلى لدخول الأفراد ، وحد أدنى . على أن يكون الحد الأدنى مكفولا لجميع المواطنين ، بما في ذلك الأطفال ، والعجائز ، والعاجزين عن الانتاج ، وعلى أن يكون كافيا ليعيش المواطن في مستواه معيشة تحفظ عليه كرامته البشرية .. وأما الحد الأعلى للدخول فيشترط فيه ألا يكون أكبر من الحد الأدنى بأضعاف كثيرة حتى لا يخلق طبقة عليا تستنكف أن تتزاوج مع الطبقة ذات الدخول الدنيا .. ومن أجل زيادة الانتاج وجب تحريم ملكية مصادر الانتاج ، ووسائل الانتاج ، على الفرد الواحد ، أو الأفراد القلائل في صورة شركة ، سواء كانت شركة إنتاج ، أو شركة توزيع .. ولا يحل للمواطن أن يملك ، ملكا فرديا ، إلا المنزل ، والحديقة حوله ، والأثاثات داخله ، والسيارة ، وما إلى ذلك مما لا يتعدى إلى استخدام مواطن استخداما يستغل فيه عرقه لزيادة دخل مواطن آخر . والملكية الفردية ، حتى في هذه الحدود الضيقة ، يجب ألا تكون ملكية عين للأشياء المملوكة ، وإنما هي ملكية ارتفاق بها ، وتظل عينها مملوكة لله ثم للجماعة بأسرها .
    ثم إنه كلما زاد الانتاج من مصادر الانتاج اتجهت عدالة التوزيع إلى الاتقان ، وتقريب الفوارق ، وذلك برفع الحد الأدنى ، وبرفع الحد الأعلى ، على السواء . ولكن رفع الحد الأدنى يكون نسبيا أكبر من رفع الحد الأعلى ، وذلك بغية تحقيق المساواة المطلقة . وعند تحقيق المساواة المطلقة بفضل الله ، ثم بفضل وفرة الانتاج ، تتحقق الشيوعية ، وهي تعني شيوع خيرات الأرض بين الناس .. فالشيوعية إنما تختلف عن الاشتراكية اختلاف مقدار .. فكأن الاشتراكية إنما هي طور مرحلي نحو الشيوعية .
    ولقـد عاش المعصوم الشيوعية في قمتها حيـن كانت شريعتـه في مستـوى آية الزكاة الكبرى (( يسألونك ماذا ينفقون قل العفو )) ولقد فسر العفو بما يزيد عن الحاجة الحاضرة . وحديثه عن الأشعريين في مستوى الشيوعية ، وذلك حين قال (( كان الأشعريون إذا أملقوا ، أو كانوا على سفر ، فرشوا ثوبا ، فوضعوا عليه ما عندهم من زاد ، فاقتسموه بالسوية ، أولئك قوم أنا منهم وهم مني )) وهذا هو فهم الأمة المسلمة التي لما تجئ بعد .. ولقد أدرك هذا الفهم أصحابنا الصوفية وذلك حين تصوروا جميع الأرض ، وما عليها من خيرات ، كمائدة أنزلها الله على عباده ، وأمرهم أن يرتفقوا منها بزاد المسافر ، ويواصلوا سيرهم إليه .. فهذه الأرض ، مثلها عندهم مثل المائدة ، وضعت للآكلين ، وعليها اللحم ، والخبز ، والخضار ، والحلوى ، وجلس إليها عشرة رجال ، فإن كل ما عليها هو على الشيوع بينهم ، ولا تقع لك الملكية الفردية لقطعة لحم منها ، إلا حين تحتويها أصابعك ، وتبدأ رحلتها إلى فمك .
    وحين يحدثنا القرآن عن الجنة (( وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض ، نتبوأ من الجنة حيث نشاء ، فنعم أجر العاملين )) إنما عنى أيضا النموذج المصغر للجنة الكبرى ، الذي يتحقق في هذه الأرض التي نعيش عليها اليوم وذلك حين (( تملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا )) على حد التعبير النبوي الكريم . وهو ما داعب خيال ماركس وضل الطريق إليه كل الضلال ، ولن يبلغه إلا المسلمون الذين لما يأتوا بعد .. وحين يأتون سيتحقق في الأرض طرف من قوله تعالى (( إن المتقين في جنات وعيون * ادخلوها بسلام آمنين * ونزعنا ما في صدورهم من غل ، إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )) وهذا الطرف هو الشيوعية التي يحققها الإسلام بمجئ أمة المسلمين ، ويومئذ تشرق الأرض بنور ربها ، وتتم نعمة الله على سكانها ، ويحل في ربوعها السلام ، وتنتصر المحبة .

    وبالنسبة للمساواة الإجتماعية، فإنني اكتفي بهذ الجزء من نفس الكتاب، وعرضه كذلك للنقد والتشريح:

    Quote: المساواة الاجتماعية: محو الطبقات والفوارق
    هذه أصعب المساويات تحقيقا ، وتعتبر المساواة الاقتصادية ، والمساواة السياسية مقدمة لها ، وهي تتويج لهما ، وخلاصة ، وقمة .
    وهي لم تتحقق للإنسانية إلى يوم الناس هذا ، ولن تتحقـق في المستقبل إلا بالجهد الشاق ، والتربية ، والتعليم ، لتصحيح ، وتغيير ما هو كالطبيعي في المسلك الإنساني . وهي بذلك أرقى إنتاج المدنية في جميع العصور . إذ المدنية إن هي إلا محاولة تبعد الانسان عن نزعاته الحيوانية الدنيئة ، وتقوده إلى مستوى أعلى من الخلق ، حيث يستبدل قانون الغابة - قانون العنف ، والسيطرة بالقوة - بقانون العدل ، والحق ، والمرحمة - فيدخل بذلك التحسين في نوع العلاقات البشرية ، فيحل الرضا محل القوة ، والعدالة محل الاستغلال ، والحرية محل الكبت ، والعاطفة المتسامية بالعقل القوي ، محل العاطفة الناضبة .
    وشأننا مع هذه المساواة في هذا الكتاب شأننا مع سابقتيها وهو إرجاء الاستقصاء إلى موعده من كتاب (( الإسلام ديمقراطي اشتراكي )) حيث نبحثها بحثا مستفيضا ولكن لا بد من الإشارة إليها هنا بما يحتمله المقام من تطويل .
    موضوع المساواة الاجتماعية هو الفرد البشري ، كما كان الأمر في شأن المساواة الاقتصادية ، والمساواة السياسية .. فإن الفرد البشري ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرات ، هو الغاية وراء كل سعي جماعي .. هو غاية وسيلتها الإسلام والقرآن ، وهما أعظم الوسائل المنهجية على الإطلاق . ووسيلته أيضا المجتمع ، وهو أعلى ما أنتجته الإنسانية إلى اليوم . والفرد الذي هو غاية هو الفرد البشري ، من حيث هو بشري .. حتى وإن كان أحمق .. فإنه يجب أن لا يجعل وسيلة إلى شئ سواه .. ومن أجل ذلك وجب ألا تقوم بين الأفراد فوارق من جراء المولد ، أو العنصر ، أو اللون ، أو العقيدة ، أو الجنس من الذكورة والأنوثة . قال تعالى في ذلك : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير )) قوله (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) يعني إنما تكون الكرامة بالعلم والخلق .. فإن التقوى علم وعمل بمقتضى العلم ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (( إن الله عليم خبير )).. (( عليم )) إشارة إلى العلم.. (( خبير )) إشارة إلى التصرف بالعلم . وقال المعصوم (( الناس لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) .
    وعدم التمييز الاجتماعي ضد الضعيف ، ومحو الفوارق التي قامت على قانون الغابة بين الأفراد والطبقات هو عمل التمدين الأكيد ، فإذا وجدت مجتمعا للضعفاء فيه حق محفوظ ، وكرامة مرعية ، وإذا وجدت مجتمعا للنساء فيه حرية ، وحرمة ، وتشريف ، وللأطفال فيه حقوق ، وله بهم عناية ، وعليهم رحمة ، ولهم فيه محبة ، فاعلم أنه مجتمع متمدن ، ومتحضر .
    والأسرة هي المجتمع الأول ، وفيها تعلم ، ولا يزال يتعلم ، الفرد النظام ، والسلوك الاجتماعي النظيف ، واحترام القانون ، وتوقير السلطة ، والتعاطف ، والتسامح ، والمحبة .. ولا تزال للأسرة مقدرتها الفائقة على تربية الأفراد التربية التي تكون بعيدة الأثر ، على حياتهم الفردية ، وحياتهم في مجتمعهم الصغير ، وفي مجتمعهم الكبير ، حين يبرزون إليهما ، وعماد الأسرة الأم ، وهي ملكة المملكة الصغيرة ، ولكن مع شديد الأسف فإن الاعتراف بها لم يتفق للاسرة البشرية إلى اليوم . فإنها كانت ، ولا تزال ، مضطهدة . وكان ، ولا يزال ، دورها في بيتها دور الخادمة .. ولهذا الوضع سود العواقب على تنشئة الأطفال ، مما يترك عميق الأثر في حياة المجتمع برمته وفي جميع مستوياته .
    ولقد أسلفنا القول في هذا الكتاب عن أمر المساواة المطلقة بين الرجال والنساء مما لا نحتاج إلى إعادته في هذا الموضع ، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن أمر المساواة الاجتماعية لا يجئ عفوا ، وكأمر طبيعي للتطور . بل لا بد فيه من التخطيط ، والتطوير الذكي للمجتمع ، ذلك بأنه يحتاج إلى تعليم ، ويحتاج إلى تربية .. والتعليم غير التربية ، فإن غرض التعليم إكساب الفرد الخبرة المهنية التي تجعله مفيدا للمجتمع في الميدان الذي خلق وهو مستعد له بما ركز في فطرته من موهبة .. وهو ضروري ليسلح الأفراد بالقدرات العلمية ، والفنية ، والادارية ، والتكنولوجية ، لتنمية حضارة مجتمعهم ، وللتسامي بها في مراقي الكفاءة والكفاية . وفي التعليم يقع التخصص ، ويقع التمييز ، ويسود الاتجاه إلى التخطيط لإنجاب حاجة المجتمع - فيه يقع التمييز بين الرجال ، والنساء ، ويقع التمييز بين الرجال ، والرجال أيضا ، ذلك بأنه إنما يرمي إلى تنمية ، وتغذية الموهبة عند كل موهوب ، حتى يخدم مجتمعه في الميدان الذي خلق وهو مستعد له استعداداً فطرياً ، بيد أن هذا التمييز الذي يقع في ميادين الاعداد لخدمة المجتمع المدنية لا يحمل معه أي امتياز اجتماعي ترتفع به ، تلقائيا ، مكانة فرد فوق فرد آخر .. وفي هـذه النظرة ، التي تتجه إلى إعداد المواطنين إعدادا مهنيا بواسطة برامج التعليم الموجه ، قيمة المرأة غير قيمة الرجل ، ولكنها قيمة مساوية لقيمته .. بمعنى أن المرأة ، حين تعد لتكون أماً ، بأن تعلم كل ما يؤهلها لهذه الوظيفة الحيوية المتشعبة ، لا تقل خدمتها للمجتمع ، في نظر المجتمع ، عن خدمة أخيها الذي يعد ليكون مهندسا ، أو طبيبا ، أو مشرعا .. وليس لإعداد الأمومة الصالحة حد تقف عنده ، فإن الفتاة كلما علمت كلما زادت كفاءتها في ميدان الأمومة نفسها .. ومن أجل مصلحة المجتمع يجب أن يعلم كل فرد عملا يتقنه باليد وبالعقل ، وهو كذلك من مصلحة الفرد نفسه ، لأن الانسان لا تنضج قيمه الفكرية ، ولا قيمه الخلقية ، إلا إذا كان يحب العمل اليدوي ، ويتقن طرفا منه إتقانا حسنا ، ذلك بأن الترقي جميعه إنما هو علم ، وعمل بمقتضى العلم .. قال تعالى في ذلك (( إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه . )) كل هذه المسائل تدخل في غرض التعليم ..

    وتقبل مني جزيل حبي
    ووافر احترامي
    ProfileEditرد على الموضوع


    أستاذنا الجميل جمال المنصوري
    رِدفُ التحايا لك، ولدينا مزيد.

    * منذ زمن طويل وأنا أنتظر مثل هذه الأسئلة وها قد جُدتَ علينا بها؛ فزادك اللهُ بسطة في السماحة والدعة والخلق الحَسَن.

    * لا أشك، ولو لِلَحظة، يا عزيزي في أنَّ الإسلام أول من أشار إلى الديمقراطية بل والديمقراطية البرلمانية (ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تشهدون - راجع ماذا قال إبن عباس في شرح هذه الأية في تفسير إبن كسير) أو (راجع مقالي هنا وفي أماكن أخرى عن: عشرُ مسائل في التثقيف الديمقراطي"، ولا أشك، ولو لِلَحظة في أن محط (The Fitting-in) تنزُّل الإسلام هو نمط الإنتاج الإشتراكي فالشيوعي. ولكن الإسلام عندما ظهر كان نمط الإنتاج السائد هو نمط الانتاج العبودي/ الخارجي (والخراجي بدأ في السيطرة). ولكن المستنير الأعظم (صلوات ربي وسلامه عليه) لم ينادِ بنمط الإنتاج الإشتراكي وقتها وهو العارف بما سيحدث كما أخبرنا سيدنا حذيفة أعلاه، بل تكيَّف مع نمط الإنتاج السائد/المهيمن لكي لا تصطدم الصيرورة بالسيرورة/الناموس. وبالتالي أنا حينما قلت أنَّ الفكرة الجمهورية شاهقة وغير مرتبطة بنمط إنتاج معين أقصد بطبيعة الحال في الراهن؛ ونفس الشئ ينطبق على الإشتراكية والشيوعية.

    وإذا قلنا (افتراضاً) أنَّ أنماط الإنتاج خمسة: المشاعية الأولى، نمط الإنتاج الخراجي (والتسمية الذكية هذه لسمير أمين)، نمط الإنتاج الإقطاعي، نمط الإنتاج الرأسمالي، نمط الإنتاج الإشتراكي/الشيوعي؛ سنجد أنَّ البشرية قد عبرت على الإنماط الثلاثة الأولي، والآن هى في مرحلة النظام الرأسمالي السائد/المهيمن (بمراحل إعادة إنتاجه البسيطة والكثيفة/التراكبية). وفي هذا المنبر لعلي قد قلت (راجع بوستى عن التشكل الإقتصادي الإجتماعي في السودان وآفاق التغيير السياسي): إذا كانت الشيوعية في السماء الثالثة، والاشتراكية في السماء الثانية والثورة الوطنية الديمقراطية في السماء الأول (وهى في محيط النظام الرأسمالي ورحمه)، وفوق الأرض صراع الطبقة كما يقول الشاعر أيمن أبو الشعر، فلماذا نعلق آمال الجماهير بالشيوعية ونرهقهم بطولِ الأمل ونحن لم ننجز الإشتراكية ولا الثورة الوطنية الديمقراطية بعد (بل الثورة الوطنية الديمقراطية تسبقها مرحلتان صغيرتان: مرحلة العمالة الكاملة، ومرحلة تجانس/عدالة الإقتصاد القومي، وديمقراطيته، وتوازنه واستدامته). وهذا ما دعاني أن أقول: "أن التاريخ المادي للشعوب بنائي ولا يعرف حرق المراحل، ولكنَّه يتناقضها ويولد منها واقعاً متنافياً مرتبطاً بمصالح الناس".

    * تعجبني في الرسالة الثانية مسألة الحد الإدني (كما في دولة الرفاهية ببريطانيا). أما الحد الأعلى فهو مهم مع بعض التحفظات التي يمليها "إطار ديمقراطية الإسلام" وإطار أيقونة الأستاذ "الحرية لنا ولسوانا". وعلى الفكرة الجمهورية أن تبحث لها عن مخرج من التعسُّف المصاحب لعملية الحد الأعلي هذه لكي لا تقدح في ديمقراطية الإسلام الذي تعتنق وفي مفهومها للحرية. ولنتذكر موقف سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضىَ الله عنه حينما بلغه أنَّ سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم قد قال: "عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة زاحفاً بسبب كثرة أمواله - معنى الحديث". فقال سيدنا عبد الرحمن بن عوف: "وما ذنبي إذا كنتُ أنفق الـ 100 ألف درهم فتأتيني مئتان".

    ولما كانت الأخلاق هِيَ عِماد الفكرة الجمهورية، فبدلاً من الحد الأعلى فعليها أن تلجأ إلى آليات توزيع الدخل التي من الممكن أن تحد من الطغيان الرأسمالي (تفعيل دالة الإنفاق اللانهائي، الزكاة، ضريبة الحد من الإنهاك البيئي، ضريبة عدم المساس بأنصبة الأجيال القادمة؛ على سبيل النذر لا الحصر).

    * عن المساواة الاجتماعية ومحو الطبقات والفوارق أقول: أن الأستاذ محمود محمد طه قد أصاب حين قال: "المساواة الاقتصادية والسياسية مقدمة للمساواة الاجتماعية وهى تتويج لها وخلاصة وقمة، وهى لم تتحقق للإنسانية إلى يوم النَّاس هذا، ولن تتحقق لللإنسانية إلاَّ بالجهد الشاق". وأرجو أن تجد جزءاً من هذا الجهد الشاق في مقالي بالراكوبة "مليونية لزف د. عبد الله حمدوك لرئاسة مجلس الوزراء عقب عيد الأضحي المبارك".

    * ويستوقفنى هنا حديث الأستاذ محمود محمد طه عن المدنية، كما لم يستوقفني من قبل حين قرأت الرسالة الثانية وأنا في يُفوع؛ فهو حديث عن المدنية والدولة المدنية في آنٍ واحد. وأعجب للأخوة الجمهوريين (كما عجبت للزملاء الشيوعيين الذين تركوا الدولة المدنية غُفلاً) والرسالة الثانية تحدثت عن المساواة الإجتماعية وهى من صميم برناج ومحددات الدولية المدنية، ولم ينادوا بها قبل الشيوعيين.

    وفي الحقيقة هناك كثيرٌ من الإلتقاءات العضوية الفكرية بين الفكرة الجمهورية ومدرسة الحزب الشيوعي السوداني في حديثها عن الاشتراكية والشيوعية. ولعلِّي لم أُخطئ حين قلت بعاليه أنَّ الأستاذ المرحوم نقد لابدَّ أن يكون قد مرَّ على أيقونة الأستاذ المرحوم محمود محمد طه "الحرية لنا ولسوانا". بل لعلِّي الآن أجد فكَّ الشفرة لدولة نقد المدنية. وقبل ذلك من الحتمي إعادة قراءة الرسالة الثانية مرة ثانية.

    فيوض محبة وإمتنان وتقدير.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

17-08-2019, 04:56 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    (For easy reference)

    مليونية لزف د. عبد الله حمدوك لرئاسة مجلس الوزراء عقب عيد الأضحي المبارك

    مدخل

    لثوارنا الأبرار الأحرار: الرجاء الإسراع بتكوين حزب/كيان يخصكم، وذلك للحِفاظ على مكتسبات هذه الثورة الخديج، وللاقتصاص مِمَّن قتل الشهداء وممن يريد أن "يتسلق الشهداء" كما يقول الشاعر عاطف خيري، وللانتصار للوطن والمواطن المغلوب على أمره.

    وهناك عدد من الخيارات الجديدة التي تتخلق الآن بعيداً عن هوى الأحزاب المُدبر قادتُها عن الحياة التي أنتم مُقبلون عليها: حزب العمال والقوى الحديثة والمهنية، حزب الحرية والتغيير، وحزب سودان المستقبل الذي يُرمز له بـ (Sudan NextGen)؛ أو أيُّ كيان آخر يُعبر عن مجتمع الاعتصام – تلك القوى الحرجة التي جُلُّها لا ينتمي لحزب بعينه.

    فأنتم لستم "بمغفلين نافعين" كما تنعتكم الأحزاب ذات الحس الإنساني الضعيف والوصولية الطاغية والاستغلال البشع، بل أنتم الأكثر شجاعةً وإقداماً، وقد جاء جلُّ الشهداء من بينكم. وذلك لأنَّ أعينكم كانت على الوطن، كل الوطن. أما هم فقد كانت أعينهم على المعادلات السياسية والمكتسبات والمحاصصات، ومنهم من انسحب واقتلع خيامه يوم علم بمجزرة الاعتصام قبل وقوعها.

    وعن نفسي سوف أتحدث عن أهمية الحزب الذي اقترحته منذ العام 2012 - وهو حزب العمال والقوى الحديثة (والمهنية) – لضرورة خلق واقع اقتصادي/اجتماعي وسياسي متجانس ومتوازن وديمقراطي ومستدام.

    لماذا حمدوك، ولماذا حزب العمال والقوى الحديثة (والمهنية) ورُصفاؤه؟

    لقد ثبت بالتجربة أنَّ أحزاب الشرائح الرأسمالية السودانية ذات العقلية الريعية والمنحى الخراجي في الاستثمار، لا ترغب في الديمقراطية، وهى بذلك المسئول المباشر عن كل الانقلابات العسكرية في السودان خاصةً من قِبَل الشريحة ذات الهيمنة؛ إذ أنَّ العسكر بمفردهم لا يستطيعون أن ينجزوا انقلاباً عسكرياً من غير حاضنة رأسمالية داخلية أو خارجية. وبالتالي فهي المسئولة أيضاً عن قطع الطريق على ثورة ديسمبر المجيدة حينما همست للعسكر بالاستمرار وعدم تسليم السلطة لتجمع المهنيين السودانيين باعتبارهم جماعة غير ناضجة سياسياً.

    ويحدث ذلك ببساطة لأنَّ ما نالته هذه الشرائح الرأسمالية بالديكتاتورية لم (ولن) تنله بالديمقراطية؛ التي من شأنها أن تمنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وتمنع على وجه التحديد استغلال الشرائح الرأسمالية للشرائح العمالية والقوى الحديثة والمهنية. وعليه فإنَّ عدالة/تجانس واتزان وديمقراطية واستدامة معادلة الإنتاج (معادلة الإقتصاد القومي الكلية) هى الأساس المادي لأى نظام سياسي ديمقراطي، وبالتالي أىُّ اختلال فيها يؤدي إلى الإختلال في ذلك النظام السياسي، وينزع عنه صفة الديمقراطية والشرعية ولو بعد حين (حسين 2018).

    ولما كانت إدارة معادلة الإنتاج بما يخدم كافة شركاء العملية الإنتاجية/الإقتصادية هي إدارة للاقتصاد القومي بأكمله وبالتالي دفعه نحو تحقيق العمالة الكاملة فالثورة الوطنية الديمقراطية بمعناها الليبرالي، فعليه فإنَّ د. حمدوك الإقتصادي المعروف الذي عمل بعدد من المنظمات الأممية المعنية بالتنمية الاقتصادية والديمقراطية هو أكثر النَّاس دِرايةً ودِربة من غيره في هذا المجال، والأحرص على إدارة الاقتصاد بشكل متجانس لأنه من الهامش وينحدر من أسرة فقيرة (كما أخبرنا الأستاذ أحمد أبكر محمد). والعمال والقوى الحديثة والمهنية وعموم المستضعفين كما وجدنا في بحثنا/كتابنا عن التشكل الاقتصادي الاجتماعي في السودان وآفاق التغيير السياسي (المرجع أعلاه) هم الأحرص على استمرار الديمقراطية واستدامتها من شرائح رأس المال، لأنَّها ببساطة تمنع عنهم الاستغلال والابتزاز، بل هم حارس الديمقراطية المغيَّب عمداً في المشهد السياسي السوداني منذ الاستقلال كما سنرى أدناه.

    ولنتبيَّن مصدر الإختلال في المعادلة السياسية القائم على الإختلال في المعادلة الإقتصادية القومية منذ الاستقلال حتى يومِ النَّاس هذا، سنقوم بعرض معادلة الإنتاج/الإقتصاد في صورتها المجردة، ثم نضاهيها بما يدور في واقع التشكل الاقتصادي الاجتماعي والسياسي السوداني لنصل إلى السبب الجوهري وراء عدم استقرار الديمقراطية وبالتالي قِصَرها (11 سنة ديمقراطية مقابل 52 سنة ديكتاتورية) في الأرينة السياسية السودانية.

    وبالتالي إذا نظرنا إلى معادلة الإنتاج المجردة والمبسَّطة نجدها تتكون من الآتي: الإنتاج/الاقتصاد القومي = العمل + رأس المال + التنظيم + الأرض + (عوامل أخرى - كالتقدم التكنولوجي والمعلوماتية - سنضعها في الصورة الصفرية (...) للتبسيط).

    وإذا أخرجنا هذه المعادلة من التجريد إلى الواقع - أى إلى إطار التشكل الاقتصادي الاجتماعي في السودان، فإنَّنا نجد أنَّ معادلة الإنتاج = (العمال والقوي الحديثة والمهنية) + (رجال الإعمال ورواد الأعمال المهنيون) + (البورجوازية الصغيرة/المهنيون المعنية بالتنظيم) + (بورجوازية الدولة – أجسام الخدمة المدنية والعسكرية المستقلة كالقضاء، البوليس، الأمن، الجيش، وغيرها) + (...).

    وإذا أمعنا النظر بمايكرسكوب التحليل الطبقي للمعادلة أعلاه وبحثنا عن حرَّاس عناصر الانتاج فيها على مستوى الأرينة السياسية في الواقع السوداني، سنجد أنَّ حراس عنصر العمل مغيبون عمداً في المشهد السياسي السوداني وبمؤامرة كُبرى من قِبَل شرائح رأس المال وشريحة البورجوازية الصغيرة والنظام الرأسمالي العالمي منذ الاستقلال حتى يوم الناس هذا؛ بل هى أعظم سرقة سياسية في تاريخ السودان؛ وندلِّل على ذلك بالآتي:

    (أ) (لا يوجد حزب للعمال والقوى الحديثة والمهنية في السودان قائم بالأصالة عن نفسه منذ الاستقلال حتى اللحظة) + (توجد أحزاب للشرائح الرأسمالية) + (توجد أحزاب للبورجوازية الصغيرة يميل جُلُّها للشراكة مع الشرائح الرأسمالية خاصة في غياب حزب للعمال والقوى الحديثة (والمهنية)) + (بورجوازية الدولة التي عليها الحفاظ على ما هو قائم في المجتمع أمام عينيها باعتبارها كل عناصر المجتمع) + (...) = معادلة إنتاج/معادلة اقتصاد متحيزة لصالح رأس المال.

    (ب) (توجد أحزاب تتحدث باسم العمال والقوى الحديثة (والمهنية) وتدعمها، ولكنها على نحوٍ ما متحالفة مرحلياً لمدة أكثر من 63 سنة مع شرائح رأس المال بزعم انجاز قضايا العمال) + (توجد أحزاب رأسمالية قائمة بذاتها) + (أحزاب البورجوازية الصغيرة التي تعتاش على شرائح رأس المال بشكل واضح) + (بورجوازية الدولة) + (...) = عملية إنتاجية متحيزة لصالح رأس المال. وتُقرأ هذه المعادلة بحسب عدد الأحزاب المسجلة رسمياً كما جاء في سودان تربيون 2014 البالغ 75 حزباً كالآتي: (صفر للأحزاب العمالية) + (3 أحزاب رأسمالية) + (72 حزب وسط/بورجوازية صغيرة/مهنيون) + (بورجوازية الدولة) + (...) = عملية انتاجية متحيزة لصالح رأس المال.

    (ج) لاستعدال هذه المعادلة المتحيزة رأسمالياً (على الأحزاب ذات الأيديولوجيات الشاهقة المتحدثة باسم العمال والقوى الحديثة أن توسع مواعينها لتشمل فعلياً كافة العمال والقوى الحديثة والمهنية حتى تلك المنضوية تحت شرائح رأس المال وغيرها، أو تتحول إلى حزب للعمال والقوى الحديثة والمهنية، أو تسكت عن التحدث باسمهم لينجلي الموقف السياسي عن ضرورة قيام حزب يخصهم ليدافع عنهم بالأصالة لا بالوكالة) + (3 أحزاب رأسمالية) + (72 حزب وسط/بورجوازية صغيرة) + (بورجوازية الدولة) + (...) = معادلة انتاج/معادلة اقتصاد قومي عادلة/متجانسة ومتوازنة وديمقراطية ومستدامة، تنحو باتجاه العمالة الكاملة فالثورة الوطنية الديمقراطية الليبرالية في نهاية التحليل؛ وبالتالي غير متحيزة رأسمالياً.

    ولذلك، فإنَّ حمدوكنا أطال الله في عمره - المنحدر من الهامش ومن الأسر الفقيرة العمالية المعدمة – قادرٌ علي إدراك هذا الواقع، وواعٍ لكيفية معالجته؛ التي تتلخَّص في أن يكون للعمال والقوى الحديثة (والمهنية) في السودان حزب يخصهم، ويدافع عن حقوقهم بالأصالة لا بالوكالة؛ وذلك فقط (وأكرر فقط) لجعل الاقتصاد القومي عادل ومتجانس ومتوازن وديمقراطي ومستدام وغير متحيِّز رأسمالياً. خاصة أنّنا وجدنا أنَّه حينما تتقاطع مصالح العمال والقوى الحديثة مع مصالح أحزاب البورجوازية الصغيرة المتحدثة باسمهم، فكثيراً ما تنتصر أحزاب البورجوازية الصغيرة هذه لمصالحها على حساب مصالح العمال والقوى الحديثة.

    فمثلاً، حينما ضيَّقت الانقاذ الخِناق على الشعب السوداني، هاجر معظم أفراد البورجوازية الصغيرة (بمن فيهم كاتب هذا المقال) وتركوا العمال يواجهون مصيراً قاسياً من القهر والاستغلال والمسغبة والمرض الذي أوصلهم إلى مرحلة عدم القدرة على الحياة حتى (Life Dysfunctioning).

    والأن، في إطار المناقشات التي تدور مع لجنة البرهان الأمنية فإنَّ البورجوازية الصغيرة بدأت تميل للقبول مرحلياً بالتحالف "الرأسمال – عسكري" القابض على السلطة منذ الحادي عشر من أبريل 2019، وبدأت في التحالف معه والقبول بانحرافه عن أهداف الثورة وصارت تتكيف معه وتقدم له التنازل تلو التنازل بالرغم من أنَّ شرائح رأس المال لا ترغب في الديمقراطية وهى المسئولة بالأساس عن انقلاب لجنة البرهان الأمنية واستمراره.

    هذه الأوضاع تتطلب أن تكون للفئات العمالية والقوى الحديثة "والمهنية" (الكتلة الحرجة) حزبها القائم على أمرها (أكرِّر) بالأصالة لا بالوكالة. ومن الممكن أن يكون هذا الحزب هو حزب الحرية والتغيير كما اقترحه بروفسير بشرى الفاضل، ومن الممكن أن نسميه أيضاً حزب سودان المستقبل. غير أنَّ المهم في كل ذلك أن تضم هذه المسميات العمال والقوى الحديثة والمهنيين بالقدر الذي يرفع إسهامهم في السياسة السودانية من عتبة النقابات الفئوية إلى عتبة الأحزاب السياسية (كفاية استغلال).

    المليونية اعتصام متحرك في وجه التآمرات الراسمال - عسكرية

    من أصعب الأمور التي واجهت المفاوضين في قوى الحرية والتغيير بعد الفض الأول والثاني للاعتصام بتلك الطرق المجرمة المؤلمة بواسطة لجنة البرهان الأمنية - خاصةً أولئك الذين قلبهم على الوطن والمواطن وليس على المعادلات السياسية التي تنتهي إلى مكاسب اقتصادية – هو أنَّك تتفاوض مع قاتلك. ولا أعرف المصل الذي تعاطاه المفاوضون ليَعْبُروا ويجوزوا على هذا الأمر غير المحتمل، ليأتوا ويقعدوا مع قاتلهم مفاوضين مصافحين مقهقهين آكلين معهم الوجبات بسوائلها (العصائر والشاي والقهوة). ولابدَّ لى هنا أنْ أُحيي سيد المناضلين، بلا منازع، المناضل "العضوي" العفيف الشريف المرحوم الأستاذ على محمود حسنين؛ فقد كان، رحمه اللهُ بالرحمة الواسعة، أُمَّةً مُعارضة؛ لم يساوم ولم يُهادن ولم يُفاوض عدوَّه.

    أما وقد انحرفت الثورة عن مسارها بعد السابع من أبريل 2019 بفعل التآمر الراسمال – عسكري - رغم مناداتنا لتصحيحها في مقالات عديدة – وخاصةً بعد فض الاعتصام الأول (الثامن من رمضان الفائت) والثاني (الثالث من يونيه 2019)، فستبقى المليونيات هى الرَّادع لكلِّ من تحدثه نفسه للمزيد من الانحرافات. وعلى قوى الحرية والتغيير أن تعي أنَّها مخولة بالتفاوض عنا لا باتخاذ القرار نيابة عنَّا؛ وبالتالي عليها أن ترجع للشعب عقب كلِّ تفاوضٍ ليتخذ القرارَ هو بنفسه.

    والآن قرارنا هو أن تعرضوا علينا قائمة المرشحين لمنصب رئيس الوزراء لا أن تعرضوها على أنفسكم كمفاوضين؛ فنحن (للمرة المليونية) أصحاب القرار. ونحيطكم علماً بأنَّ قرارنا هو أن يكون د. عبد الله حمدوك هو رئيس وزراء الفترة الانتقالية من بين كل المرشحين الذين في قوائمكم. وإذا لم تفعلوا ما نقول (دعكم من ترهات الإمام) فنحن على أُهبة الإستعداد لتجاوزكم وتسيير مليونية لتنصيبه رئيس وزراء السودان في الفترة الإنتقالية.

    خاتمة

    رُفعت الأقلام وجفَّتْ الصُّحُف.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

17-08-2019, 07:23 PM

حسين أحمد حسين
<aحسين أحمد حسين
تاريخ التسجيل: 04-09-2014
مجموع المشاركات: 1050

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)

    Quote: وإذا قلنا (افتراضاً) أنَّ أنماط الإنتاج خمسة: المشاعية الأولى، نمط الإنتاج الخراجي (والتسمية الذكية هذه لسمير أمين)، نمط الإنتاج الإقطاعي، نمط الإنتاج الرأسمالي، نمط الإنتاج الإشتراكي/الشيوعي؛ سنجد أنَّ البشرية قد عبرت على الإنماط الثلاثة الأولي، والآن هى في مرحلة النظام الرأسمالي السائد/المهيمن (بمراحل إعادة إنتاجه البسيطة والكثيفة/التراكبية). وفي هذا المنبر لعلي قد قلت (راجع بوستى عن التشكل الإقتصادي الإجتماعي في السودان وآفاق التغيير السياسي): إذا كانت الشيوعية في السماء الثالثة، والاشتراكية في السماء الثانية والثورة الوطنية الديمقراطية في السماء الأول (وهى في محيط النظام الرأسمالي ورحمه)، وفوق الأرض صراع الطبقة كما يقول الشاعر أيمن أبو الشعر، فلماذا نعلق آمال الجماهير بالشيوعية ونرهقهم بطولِ الأمل ونحن لم ننجز الإشتراكية ولا الثورة الوطنية الديمقراطية بعد (بل الثورة الوطنية الديمقراطية تسبقها مرحلتان صغيرتان: مرحلة العمالة الكاملة، ومرحلة تجانس/عدالة الإقتصاد القومي، وديمقراطيته، وتوازنه واستدامته). وهذا ما دعاني أن أقول: "أن التاريخ المادي للشعوب بنائي ولا يعرف حرق المراحل، ولكنَّه يتناقضها ويولد منها واقعاً متنافياً مرتبطاً بمصالح الناس".


    إهابة

    إذا نظرنا للفقرة أعلاه يا سادتي بمنظور لا تطاله الأيديولوجيا من بين يديه ولا من خلفه (Ideology - free Perspective)، فمن هو صاحب الوَكِتْ (الوقت) في ظل هيمنة النظام الرأسمالي وسيادته؟

    هل هو الشيوعي الشيوعي، هل هو الشيوعي الإشتراكي، هل هو الشيوعي الديمقراطي/المدني؟

    هل هو الجمهوري الشيوعي، هل هو الجمهوري الإشتراكي، هل هو الجمهوري الديمقراطي/المدني؟

    هل هو الرأسمالي الشيوعي، هل هو الرأسمالي الإشتراكي، هل هو الرأسمالي الديمقراطي/المدني؟

    فمن وجهة نظري المتواضعة أنَّ الديمقراطي/المدني هو صاحب الوَكِت، صرف النظر عن خلفيته العقائدية.

    مدنيااااااااو.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

18-08-2019, 06:45 AM

جمال المنصوري
<aجمال المنصوري
تاريخ التسجيل: 02-04-2009
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: حسين أحمد حسين)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

18-08-2019, 07:10 AM

جمال المنصوري
<aجمال المنصوري
تاريخ التسجيل: 02-04-2009
مجموع المشاركات: 75

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: حول مفهوم الدولة المدنية: مدخل سوسيوسياسي (Re: جمال المنصوري)

    Quote: فمن وجهة نظري المتواضعة أنَّ الديمقراطي/المدني هو صاحب الوَكِت، صرف النظر عن خلفيته العقائدية.مدنيااااااااو.

    تعرف يا استاذ/ حسين
    استمتعت كتير بمداخلاتك بصورة كبيرة جدا، خصوصا انها محفزة للتفكير قبل الحوار، التفكير البياخدك لمناطق بعيدة، جميلة وصعبة الإرتياد..
    طبعا يا حسين لا بد من التدرج الحكيم ومراعاة (حكم الوكت) والعبارة دي مبذولة بصورة كبيرة في ادبيات الفكرة الجمهورية، من اجل هذه العبارة تحديدا (من وجهة نظري الشخصية) كتب الأستاذ/ محمود ، كتابه (رسالة الصلاة) الكتاب الأكثر تعقيدا وادق تفاصيلا عن ما يمكن أن نسميه (التحليل النفسي للتاريخ).الفكرة الجمهورية درست التغييرات النفسية التاريخية في المادة غير العضوية منذ بداياتها ألولى، والمادة العضوية بعد بروزها، واثر هذه التغييرات في واقعنا المعاصر، وخلصت بحسب ظني الى أن اكبر هذه التاثيرات على نفوسنا هي (2):-
    -الخوف.
    - حب التملك: (الشهوة+ الشح)
    لذلك نجد أن الفكرة على عكس الفكر الشيوعي الماركسي الذي تبنى (التغيير الخارجي بواسطة القوة والعنف) لفرض الشيوعية، نجد أنها نادت(بالتغيير السلمي الداخلي للفرد ) بالإرتفاق بالنفس ومراعات تربيتها علي التدرج في التخلص من عادتي (الخوف والشح) وفق تمارين نفسية على ضوء سنة المعصوم عليه افضل الصلاة واتم التسليم (4/145- عن أَبِي هريرة  النَّبيّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ رواه البخاري.
    فلو نظرنا لقصة عبد الرحمن بن عوف الواردة في مقالك الأعلى، وقرأناها على ضوء الحديث اعلاه، نجد انها خير مثال على مراعاة تسليك النفس، فعبد الرحمن بن عوف يمثل الحد الأدني الواجب مراعاته في التدرج، وسنة النبي الكريم هي السقف الأعلى او الهدف الأسمى المطلوب تحقبقه، ومابين الأثنين (يتنافس المتنافسون) كل حسب سعته ومقدرته على التحقيق، لذلك جاءت خاتمة الحديثعبارة (يدخلها حبوا) والحبو هو بداية تعلم الإنسان المشي، وهو ادنى من الخطوة، واعلى من الجلوس. هنا في هذا المقام يمكننا تخيل الدرجات المطلوبة والمرعية للوصول لمقام الشيوعي الأول سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فالدرجة الأعلى التي تأتي بعد مقام إبن عوف هي محاولة الوقوف، مما يحتاج فيه المرء لمعين يتدرب به (ويمكننا أن نرمز له بعبارة تربية، والمعين بعبارة تدريب) النفس على مراعاة زيادة الإنفاق قليلا، وهكذا ... الخ.
    الفكرة الجمهورية في سبيل أن تنجز هذه التربية والتدريب أنشأت ما عرف ب (بيوت الإخوان) حيث يتم فيها تدريب المجتمع الجمهوري على ممارسة شيوعية الرضى، بمعنى الا تفرض الشيوعية فرضا على النفس، انما سياستها، لأن طبيعة النفس البشرية هي الرفض لكل قيد..اكتفي بهذا القدر في هذه المداخلة مع مراعاة التوسع في شرح مسألة التحليل النفسي للتاريخ واهميتها في قيادة المرحلة الى مدنية الإنسان(مع مراعاة التفسير الجمهوري للمدنية نفسها)
    وتقبل تشكراتي
    والمودة التي تعلم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de