صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل معاوية التوم محمد طه فى رحمه الله
الاستاذ معاوية التوم في ذمة الله
رابطة الاعلاميين بالسعودية تحتسب الاعلامي معاوية التوم محمد طه
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-12-2018, 02:19 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة د.نجاة محمود احمد الامين(د.نجاة محمود&bayan)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
16-05-2006, 04:41 PM

bayan
<abayan
تاريخ التسجيل: 13-06-2003
مجموع المشاركات: 15417

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء (Re: bayan)

    المبحث الثاني: تطبيقات على مفاهيم الغابة والصحراء


    أوردنا في المبحث الأول أن شعراء الغابة والصحراء على الرغم من اختلاف منطلقاتهم الفكرية إلا أنهم طرحواالكثير من المضامين والمفاهيم المشتركة فيما بينهم، مما جعل النقاد* يدرجونهم تحت لافتة الغابة والصحراء، على الرغم من تنصل البعض من هذه المدرسة وأفكارها، وفي هذا المبحث سنقوم بمناقشة هذه المضامين والاستدلال بمقاطع من شعراء هذه المدرسة وهم محمد عبد الحي وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر ومصطفى سند.
    والجدير بالذكر أن المتطلع للأعمال الشعرية لهؤلاء الشعراء، الذين أدرجوا تحت راية الغابة والصحراء ـ قسراً أو اختياراً ـ يلاحظ أنه لم تكن هناك قصيدة كاملة، تحمل أفكار الغابة والصحراء، ما عدا قصيدة (العودة إلى سنار) لمحمد عبد الحي التي سنحللَّها لاحقاً ـ في الفصل الثالث ـ بل نجد هذه المفاهيم منتشرة في أعمال شعراء هذه المدرسة في شكل مقاطع في قصائدهم، ولذلك اقتطعت هذه المقاطع من قصائد، ثم قمت بتحليلها لنرى إلى أي مدى توافقت فيها مفاهيم ومضامين الغابة والضحراء، التي هي في حد ذاتها ذات المتشابهات التي ربطت بين هؤلاء الشعراء، وهذه المفاهيم المشتركة قد سبق ذكرها في المبحث الأول.**
    والذي يجدر ذكره أن هناك مضامين كثيرة أخرى وموضوعات عامة أوردها هؤلاء في شعرهم مثل النضال السياسي في إفريقيا، وثورة أكتوبر ... الخ وهذا على سبيل المثال وليس الحصر.
    1 ـ هموم الهوية السودانية والثقافة العربية الإفريقية:
    كانت هموم الهوية السودانية هي من الأساسيات التي قامت عليها الغابة والصحراء، كما أن السودان كبلد إفريقي عربي اكتظت ثقافته بثنائيات الثقافة الزنجية، والثقافة العربية فشكلت رافدين أساسين في الثقافة السودانية.
    وها هو صلاح أحمد إبراهيم* يبرز هذه الثنائية في قصيدته (فكر معي ملوال)**:
    ملوال ها أنا الحس سِنّة القلم
    ألعق ذرة من التراب
    أضرب فخذي بيدي .. أقسم بالقبور .. بالكتاب
    شلت يدي جنازة لو أنني كذبت يا ملوال
    ولينشف اللسان من جذوره، ولتنفطر هذي اللَّهاة من ألم
    كأنها حنظلة الجبال
    لو أنني كذبت يا ملوال
    وقبل أن تنكرني اسمع قصة الجنوب والشمال
    حكاية العداء والإخاء من قدم
    حيث بعد ذلك ينتقل إلى التحدث عن الطريقة التي كون بها الشمالي، إلى أن يقول:
    تفتحت حقيقة سمراء في أحشاء كل أم ولدٍ منهن، من بنات جدك الأكبر،
    مما بذرته نطف الأعراب
    فكان منها الفور والفنج، وكل سحنة فاحمة، وسمة غليظة، وشعر مفلفل
    ذُرّ على إهاب
    حقيقة كبيرة عارية كالفيل كالتمساح، كالمنيف فوق كسلا، سليطة الجواب:
    كذاب الذي يقول في السودان إنني الصريح، إنني النقي العرق، إنني المحض ..
    أجل كذاب
    يدعو صلاح هنا ملوال* قائلاً:
    نحن يا ملوال لا نختلف كثيراً، فأنا عندما أقسم يا ملوال الحس ذرة التراب، وكذلك أضرب على فخذي لأغلظ القسم، ولتأكيد صدقي، كما أنني أيضاً أقسم بالكتاب، فلتشل يدي يا ملوال وتصبح ميتة جنازة لو أنني كذبت يا ملوال، ولييبس لساني من حده، ولتشق لهاتي مثل الحنظلة الجبلية الجافة لو أنني كذبت فيما أقول.
    وقبل أن تنكرني وتكذبني اسمع قصة الشمال والجنوب وقصة هذا العداء وكذلك الإخاء من أقدم الزمان، وبعد أن أكد على المتشابهات ذهب في المقطع الآخر يؤكد على شيء مختلف فهو يريد أن يخبرنا كيف تم تكوين ما يسمى بالسودان فقال:
    تفتحت حقيقة سمراء، يعني تكون طفل يحمل الخاصة السوداء والبيضاء، لأن اللون الأسمر هو اللون الذي يتكون من الأبيض والأسود معاً، هذه الحقيقة كانت في رحم جدتك، التي تخصبت بنطف العرب، وهنا يرمز إلى الحقيقة التاريخية، إلى أن الهجرات العربية إلى السودان، كانت هجرات رجالية لوعورة وبعد الطرق فأتى العرب، وتزوجوا من النساء الزنجيات ليكونوا ما يسمى السوداني الآن.
    فكان من ذلك الإخصاب الفور والفونج وكل من هو أسود وأكرد الشعر
    وذو ملامح غليظة، وأسمر الجلد.
    وهي حقيقة عارية وصارخة مثل الفيل والتمساح وجبل التاكا في كسلا سريعة الإجابة.
    فاسمع يا ملوال، كذاب من يدعي أنه العربي الخالص في هذه البلاد.
    في هذه القصيدة يخاطب صلاح أحمد إبراهيم ملوال، مقسماً له بكل الأقسام التي يعرفها ملوال ليؤكد أنهما بعض من كل، وهو السوداني ومن المعروف، أن الجنوبيين ينظرون إلى الشماليين على أنهم عرب، ولكن الشاعر الشمالي يريد أن يخبر ملوال، ويدعوه إلى أن يضع يده في يد الشاعر، وليبحثوا عن نقطة التلاقي لا نقاط الاختلاف، وأنهما ينتميان إلى ثقافة واحدة. ويخبره كيف تم تكويننا إذ أن الشمالي ما هو إلا أخوه من أبناء جدته الكبرى ويخبره أنه كذاب كل من يدعي العروبة الخالصة في السودان، ومن هنا نجد أن الشاعر يؤكد على وجود الدماء الإفريقية في السوداني الشمالي، كما يؤكد على توحد الثقافة.
    على الرغم من جمال هذه القصيدة، إلا أنّ بها كثيراً من المفاهيم العاطفية الساذجة، لا أدري هل أراد الشاعر هذه البساطة حتى يفهم بملوال الذي يبدو أنه غير متعلم وبدائي وهذا في حد ذاته تنميط للإفريقي، فملوال هنا يرمز إلى الجنوبي.
    ولعل حضور ملوال في ذاكرة الشاعر يمثل الأنا (الإفريقي) في نفس الشاعر ورغم أن هذا حوارٌ ثنائي إلا أنه تتحد فيه الأضداد لتمثل شخصية السوداني المنقسمة على نفسها المتحدة في جذورها. فيرى أنه يقسم بالقبور يستدعي التراث الإفريقي وعبادة الأجداد، وبالكتاب الذي هو رمز الثقافة العربية الإسلامية التي في تمثلها في الواقع السوداني لم تسقط الرمزية الدينية للقبور دفعة واحدة ولعل ملوال بهذه الطريقة التي أكد له فيها الشاعر وحدة جذره العرقي معه، يكون أقرب لفهم سطحية العداء المتوهم بين الجنوب والشمال أو بالأحرى بين الإفريقي والعربي، وهناك خيط رفيع بين العداء والإخاء من القدم، والشاعر يستدعي هنا قصة هابيل وقابيل التي تتمثل فيها قمة الإخاء والمودة وقمة الدموية والعداء، وقد أسهب
    الشاعر في ذلك.*
    ثم ينتقل الشاعر للحديث عن قضية "اثنيه" هي سمرة السودانيين (تفتحت حقيقة سمراء) يستدعي فيها تراث الفقه المالكي في مسائل أمهات الأولاد. وهي من صميم الثقافة العربية في تمازجها مع الميراث الإفريقي. فأمهات الأولاد هم بدايات هذا التمازج العربي الذي أنتج الفور والفونج وكل سحنة فاحمة ... الخ.
    وهذه حقيقة كبيرة وعارية كما يرى الشاعر تقف ضد كل ادعاءات النقاء العرقي تذكر ملوال بالتواصل الحميم بينه وبين الشاعر. وبنظرة فاحصة للأمر، لعل ملوال وذلك الأنا الإفريقي الذي حاول الشاعر إخفاءه ولكنه لم يستطع فتصالح معه. ونسب إلى الكذب من يدعي غير ذلك فملوال حقيقة ماثلة تعلو على كل الحقائق وهي كالفيل والتمساح وجبل التاكا، وهو يشكل أبجديات الوجود السوداني وليس أكذوبة ولكنه حقيقة عارية بل الكذب الصراح هو إنكار تلك الحقيقة العارية.
    وتأكيداً لمفهوم الثقافة الإفريقية في الثقافة السودانية، نأخذ هذا الجزء من قصيدة (ميلاد) للنور عثمان أبكر** الذي يقول فيه:
    مولود النبعة والصحراء
    يتقطر وعدا، حبا،
    يجرح شح الأرحام ويجتاز الأسوار
    هبت صارخة الجبهة والثديين
    ما عار العرى، وما زهو المؤتزرين؟
    خلدى مائدة العمر هنا
    وقد الجمر الأزليِّ، نداء المجرى
    زهرا
    شهدا
    حقلا لقحه الموتى
    في موسم إيراق الذات وأخصاب الأحياء.
    يقول الشاعر في هذه القصيدة:
    مولود النبعة والصحراء، وهو يستخدم هنا ثنائية التضاد فالنبعة أو بركة الماء، تعاكس لمفهوم الصحراء الجرداء .. وهنا يرمز الشاعر للزنجي بالنبعة التي هي قد تكون مركزاً للغابات الاستوائية المليئة بالينابيع. وهنا أراد الكل فأطلق الجزء، وكذلك الصحراء ترمز للإنسان العربي الذي يعيش في الصحراء، فرمز له بها، وهذا المولود هو مولود هجين بين الزنج الذين رمز لهم بالنبعة والعرب الذين رمز لهم بالصحراء.
    فهذا المولود ينتظر منه الكثير فهو مملوء بالأمل والحب، وهو يخصب الأرحام الشحيحة التي لا تعطي، ويجتاز الأسوار ويفك القيود. فهبت وهي عارية مرفوعة الجبهة دلالة على العظمة ومزهوة بثدييها، ولذلك لم تسترهما، وهي لا ترى جدوى من ذلك، فما الذي يعيب العري!؟ وما الذي يجعل اللابسين مزهوين بذلك؟ وهنا للدلالة على العري الذي لا يرى فيه الإفريقي عيباً ولكن في المقابل نرى أن العرب ينظرون إلى هذا العري باحتقار. ونرى هنا مقابلة بين ثنائية متضادة وهي العري الذي يرمز إلى الزنوج واللبس الذي يرمز إلى العرب.
    فاستعدي بالولائم، واجعلي مائدة العمر، ويريد بها الشاعر صفحة الحياة، اجعليها خالدة وباقية إلى الأبد واشعلي ذلك الجمر ولا تتركيه يخبو، ونداء المجرى قد يقصد به نهر النيل فلبي نداءه زهراً وعسلاً، وهذا الحقل من قبل كان قد لقحه من ماتوا من الأجداد في موسم ووقت الإخصاب وصنع الذات.
    وهنا يرى الشاعر أن هناك أشياء هي صميم الثقافة العربية، ثم يضع هذه الأشياء في مقابلة مع الثقافة الزنجية، ولا يرى في هذه المقابلة أي تناقض، أو تنافر بل هي تعطي أملاً وشهداً وحياة. لاحظ قوة الأفعال التي استخدمها الشاعر مثل: يجرح، هبت، ليدلل على قوة حجته.
    ورغم علو النفَس الشعري عند النور عثمان أبكر إلا أنه يسعى جاهداً لتوطين الثقافة الإفريقية وإعطائها بعداً فكرياً أولياً إزاء الجانب العربي لهذه الثقافة. وللغابة معاني الأصل والجذر والنبعة والبدايات التي ما كان قبلها بدايات. فهي وقد الجمر الأزلي وهي نداءٌ ما قبله نداء وهي بدايات الرحم والتكوين، يحتفل النور عثمان أبكر لكل هذه المعاني الإفريقية، ويرى أنها هي التي تضفي على الأشياء معاني أخلاقية وثقافية (ما عار العري وما زهو المؤتزرين) فهذا العري الإفريقي هو منبع للقيم وبأذائه كساء هو دخيل على أصل النبعة. فأصل القيم هو ذلك الإفريقي المنفلت من كل شيء الذي تبدأ عنده الأشياء.*
    كما أشرت سابقاً فمفردات هذه القصيدة بها من القوة والعنف ما يمثل حيوية الإفريقي، وصخبه وأنه أساس ميلاد هذه الثقافة السودانية والنور عثمان أبكر هنا ليس مثل صلاح أحمد إبراهيم، فهو جزء من القصيدة نرى صوت الشاعر فيه شاهداً على تلك البدايات ليس معتذراً لإفريقيته، وليس مؤكداً لحقيقة اندثرت ولكنه بحضوره في القصيدة وعلو صوته، يجعل لإفريقيته أولوية وسبقاً هي التي منحت معاني الصحراء شيئاً جديداً تمثل في الثقافة السودانية. فالميلاد والأصل هو للنبعة رغم أن هذا المولود هو هجين بين النبعة والصحراء. فالوعد والحب الذي فيه يشهد البدايات الإفريقية الأزلية، والتجاوزات التي جعلت هذا اللقاح ممكناً هي تجاوزات موسم الإيراق، والإخصاب ليست هي تجاوزات العداء والإخاء مثل ما هو الأمر عند صلاح أحمد إبراهيم وإنما هي تجاوزات بناء ذات جديدة، فيها كل معاني الفورة وتجاوز الموت الذي يهب الحياة لميلاد جديد.
    ونموذج آخر لهذا المفهوم يتمثل في مقتطع من قصيدة مصطفى سند* (الغابة)، حيث يقول الشاعر:
    كأنما في هذه العروق من طبولها المدمدمات
    بالأسى شرارة
    ورثتها كما أحسّ، من دنانها.
    .. وعشبها .. وبرقها المخيف ..
    .. من سهول الجنس .. والدماء .. والإثارة
    .. إذا وطئتها أموت من تلهفي
    أذوب في العناصر الطلاسم
    أشم نكهة الغموض في تعاقب المواسم
    أشم نكهة البكارة
    أحس أنني إلى هنا انتميت، منذ هاجرت
    بويضة الحياة عبر جدّتي
    وأنكرتْ حواضن الإله لمعة الحضارة
    تلوح في جبيني الهجين، في نحاس الشمس
    سال في دماي، في غرابة الملامح
    وعندما سجنتُ في رواق الليل
    كانت الطبول والخمور والذبائح
    يقول الشاعر: كأن في عروقي شيء من أصوات الطبول ودمدماتها. مليئة بالأسى، لقد أتت لي عبر ميراثي الزنجي، بكل شيء أتتني من كؤوسها، وعشبها، وبروقها المخيفة، من الجنس، من الدماء، والإثارة. إذا أتيت إليها، أكاد أموت من اللَّهفة التي تذيبني في عناصرها المختلفة، ورموزها الغريبة، فأنا أشتم رائحة الغموض في تعاقب الفصول واختلافاتها، فأنا أشتم رائحة البداءة والبكارة، وكذلك أحس بأن انتمائي إلى هذه البقعة هو انتماء حقيقي على الرغم من الهجرة ـ والجدير بالذكر أن الشاعر الشمالي كان قد عمل في جنوبي السودان وربما يعني الهجرة إلى الشمال ـ وهو يؤكد انتماءه عبر جدته الزنجية.
    أنكرت الآلهة ما أتت به الحضارة الجديدة، وهنا قد يعني آلهة الجدة الوثنية وحضارة الجد الإسلامية العربية، مهما كانت الأفكار لهذا الانتماء إلا أنها تبدو في شكلي ولوني الهجين في اللون النحاسي المصهور بالشمس، لقد سالت كل هذه الأشياء في دمي في ملامحي غير المألوفة، وعندما يجن الليل أحن إلى الطبول التي ترمز إلى الثقافة الزنجية وكذلك ما يصحبها من ولائم وخمور واحتفالات. فنفس الشاعر وجلده يؤكدان الانتماء إلى الثقافة الزنجية التي هي مكون أساس في ثقافته السودانية.
    مرة أخرى يستعيد مصطفى سند المعاني التي أثارها صلاح أحمد إبراهيم في قضية أمهات الأولاد. (أحسب أنني إلى هنا انتميت منذ هاجرت بويضة الحياة عبر جدتي) وصار يرى هذا الهجين يلوح في جبهته، هذه الرموز الإفريقية بطلاسمها وطبولها وخمورها تعصف في داخله لتذكره ببدايات ذلك اللقاء العربي الإفريقي. الذي كان لقاءً حضارياً تمثلت فيه هذه العناصر وأنتجت ذلك الهجين. في ذاكرة الهجين تبدو هذه الأشياء واضحة، بينة أعظم ما يمكن التعبير عنها هو لسان الشاعر، الذي يرى في أعماقه ما لا يراه الآخرون، يحس بهذه الطبول المدمدمات، وبالعشب والطلاسم في شاعرية هي المعبر الحقيقي عن هذا التمازج الثقافي، وليس صدفة أن خير من يعبر عن ذلك اللقاح الحضاري هو الشعر. حيث تذوب العناصر الأولية فيه في بعضها البعض مكونة شيئاً جديداً، يعلو على الفهم الوارد ولكي تقتنصه عبارات الشاعر، ولعل هذه الأبيات هي وسطٌ بين محاولة النور عثمان ومحاولة صلاح أحمد إبراهيم في التعبير عن هذا التمازج بين الثقافة الإفريقية والثقافة العربية. فالآخر الإفريقي ليس ملوال ولكنه جزءٌ صميمٌ في شخصية الشاعر، فالشاعر هنا يتحدث عن نفسه بضمير الأنا (أذوب، أشتم، أحسب، سال في دمائي ... الخ)، أمهات الأولاد هنا هي جدته هو الفرق بينه وبين صلاح أحمد إبراهيم أن الأنا الإفريقي في داخله هو آخر علاوة على نفسه. كما اتضح لنا أن صوت الشاعر في أبيات قصيدة الميلاد التي اتخذناها أنموذجاً من شعر النور عثمان أبكر، صوت الشاعر ينفجر في داخل الرموز التي ذكرها بين النبعة والصحراء وهو شاهد ذلك الميلاد، ولكنه ليس جزءاً منه شاهد يرى الأشياء في بدايتها ولكنه لم يشارك في صنعها أما سند فهذه الأشياء تمثل جزءاً من تاريخه الشخصي.
    ومن ثم نجد أن هؤلاء الشعراء عندما يضعون الثقافة العربية، في مقابل الثقافة الزنجية لا يجدون أي تعارض بينهما، بل يشكلان إضافة موجبة فالهجنة دائماً قوة، فهو يحمل الصفات الوراثية لعنصرين، فلذلك يأتي قوياً من الناحية الجسدية والعقلية، وكذلك يكون هناك ثراء في الثقافة إذ أنها نتاج ثقافتين.

    2 ـ البعث الحضاري للحضارات السودانية القديمة:
    نجد أن أهم وأخطر المضامين التي أوردها هؤلاء الشعراء هي بعث الحضارات القديمة وتمجيدها، وأرى أنهم فعلوا ذلك ليدحضوا الآراء التي تقول إن العرب عندما دخلوا السودان، كان الزنوج في أرض السودان يعيشون في بدائية وهمجية، ولا حضارة لهم، وكأنهم بإدراجهم لمروي يرمزون إلى عظمة تلك الحضارة، التي عرفت الحديد، وصناعته وبنت المعابد وكانت لغتهم لغة مكتوبة، وكذلك إدراجهم لسنار تلك السلطنة الإسلامية التي يرى البعض أنها تشكل النواة الأولى للسودان الحالي.
    يقول النور عثمان أبكر في مقطع من قصيدته (صحو الكلمات المنسية):
    من كاهن هذا المعبد أوصده
    في وجه العابر والساعي؟
    غرت على "سنار" رفعت ندائي غضبى
    أشهر من مصباح اللؤلؤ "سنغانيب":
    خزيت أرحام الموتى شبعاً، عافية، راحة بال ووساد
    حتى يرفع إنسان رأسه
    يرعب، يجرف اطمئنان الموت على "مروي"
    يتساءل الشاعر: من ذلك الكاهن الذي أغلق باب المعبد في وجه العابرين والطالبين؟ وعرجت على "سنار"* وناديت وأنا غاضب رافع مصباح اللؤلؤ "سنغانبيب"** عاشت أرحام الموتى وهي شبعى وممتلئة بالعافية، والصحة، وراحة البال، ووساده. يعني وضع هادئ ومريح إلى أن يرفع إنسان رأسه فيثير الخوف ثم مرة أخرى يجرجر الاطمئنان والهدوء على "مروي".***
    لعل قصيدة (صحو الكلمات المنسية) التي منها هذا الجزء الموحي الذي يحمل بين سنار ومروي في نسق فريد. فالشاعر يقولها صراحة من قبل بلوغ العالم هذا العصر السامق كان النبض الأول في الغابات وبدايات الحياة الإنسانية كانت هنا في الغابة ثم من بعد هذا المقطع يتساءل من كاهن هذا المعبد؟ فهذا المعبد في (مروي) بدايات التحضر في الثقافة السودانية، ولكنه أوصد لتبدأ بداية جديدة، لم ترق للشاعر فهو قد غار على سنار ورفع عقيرته بالنداء غاضباً ومندداً بما قد حدث فسنار في مواجهة مروي، مروي هي اطمئنان الموتى والنسيان ولكنه نسيان مرعب لأنها هنا في داخل سنار رغم أن قصرها قد أوصد وكاهنها قد شرد، لكنه لم يراوح مكانه، بقاء ثقافة الموتى فينا تمنحنا حياة ضاربة الجذور والأعماق تمثل مولود النبعة فينا. هنا الشاعر يبدي انحيازه واضحاً لثقافة ما قبل سنار. لأول مرة كحركة هذه الرسوم الصامتة المتمثلة في ذلك المعبد المروي الذي أوصد عنوة.
    ويبدو أن ذكرى النسيان قد شملت كاهن ذلك المعبد، ولكن الشاعر يراه حاضراً ويريد أن يستدعيه من أشباح الموتى.
    كما يقول الشاعر محمد عبد الحي من مقطع من قصيدته (مروي 1962):
    في القفر وحدي تحت شمس (مروي) أقرأ في حطام
    أحجارها السوداء والرخام
    أنصت للعصفور
    بين بساتين النخيل والرمال والصخور
    مغنياً عبر العصور
    في الصحراء، وقفت تحت شمس مروي وحدي، أقرأ وأتطلع إلى الحطام، والآثار، وحجارها السوداء والرخام، وفي ذات الوقت أنصت لتغريد طائر، بين الحدائق والنخيل، والرمال، والصخور، وهذا الطائر يغني على ما يبدو على مر العصور، منذ زمن طويل، وكأنه يخبرنا عما كان هناك في ذلك الزمن البعيد.
    وفي مقطع آخر من قصيدة "سنار 65" يقول:
    حين أبحرنا إلى (سنار) عبر الليل كانت
    سدرة التاريخ تهتز بريح قادمٍ من جزر الموتى
    حين أبحرنا إلى سنار في الليل كانت شجرة التاريخ تهتز وتميل استجابة لهبوب ريح قادم من الجزر التي يسكنها الموتى.
    الأبيات للنور عثمان أبكر، ولمحمد عبد الحي كلها تتحدث عن سنار ومروي وتستخدمهما رمزاً للحضارات القديمة التي ما زالت آثارها باقية.
    فـ"مروي" كانت حضارة سادت في وادي النيل ردحاً من الزمن، أقامها النوبة الذين هم من عناصر زنجية، قامت هذه الحضارة وازدهرت وصارت لها شأن
    في التاريخ الإنساني، لما قدمته من إرث حضاري، أسهم في تطور تاريخ الحضارات القديمة، لتدلك على أنه عندما دخل العرب السودان لم تكن هذه المنطقة خاملة الذكر، أو بدائية كما يدعي البعض.
    وسنار هي مملكة إسلامية، قامت في القرن الخامس عشر، وقد أقامها جنس هجين بين العرب والزنج، وكانت أول مملكة إسلامية في السودان، ويرى كثير من المؤرخين أن سنار هي نواة للإنسان السوداني الحالي، كون أن السوداني الشمالي هو خلاصي بين العرب والزنج ويدين بالإسلام.
    ونلاحظ أن محمد عبد الحي قد كتب قصيدة أسماها مروي 1965 وقصيدة أخرى أسماها سنار 1962 ولعل الشاعر أراد أن يربط بين مروي وسنار في الطريقة التي سمى بها القصيدتين رغم أنه لم يذكر ذلك في سياق واحد أو قصيدة واحدة رمز سنار ومروي. فبالنظر في قصيدة مروي 1965، نرى أن الشاعر يقف تحت وهج الشمس مستنطقاً الأحجار والحطام، عله يرجع إلى بدايات مروي التي هي جزءاً من ذاكرته المفقودة ليست حاضرة فيه، ولكنها تمثل بعداً من ذاكرة التأريخ يحتاج منه إلى التأمل والاستقراء للحطام، فهي تأريخ مفقود تليد لكنه حطام فهو حينما ينصت للعصفور بين بساتين الحاضر والرمال يريد أن يفهم شيئاً عن نفسه ربما أباح بسره ذلك العصفور، ولكنه سيسمع لغناء لا معنى له وجزء من ذلك الحطام لذلك القفر، (وحدي) يقول الشاعر تحت شمس مروي اقرأ الحطام، من يقرأ، تحت وهج الشمس في ذلك الحطام يمسك بتأريخ هو ليس له إنما هو تأريخ غابر قد اندثر. تلك هي مروي في مخيلة الشاعر تقف بإزاء سنار التي تمثل حضوراً أبدياً راسياً في نفسه، يبحر إليها عبر الليل فهي له ملاذٌ لجأ إليه، ولكنها تبقى في ذاكرة التأريخ رمزاً يستكين إليه، وليس صدفة أن نرى أنه حينما أبحر إلى سنار لم يبحر وحده ولكنه أبحر ومعه زخم من الأضداد والتأريخ والحضور، فسدرة التاريخ تهتز له لتمنحه حياةً وجوداً راسخ القدم، ليس في سنار حطام وإنما
    تأريخٌ ناصعٌ لا يستعصي على القراءة، وليس هناك طلاسم وإنما تبدو سدرة التاريخ لتمنحه أصولاً، وجذوراً واضحة المعالم. فمروي حطام يستعصي على القراءة وسنار تأريخ بيِّن المعالم.
    وإن كان النور عثمان أبكر يقف ذلك الموقف الغاضب من سنار، الداعي لحضور مروي في ذاكرتنا، فإن محمد عبد الحي يثبت عمق استدعاء مروي في ذاكرتنا ويبين الحضور الطاغي لسنار في وعينا، وهي التي تهبنا التأريخ وتمثل موقفاً بإزائه نُدرك وجودنا في التأريخ، فمروي وسنار رمزان عند النور عثمان أبكر يمثلان التقاطع بين العرب والزنج، ومروي وسنار عند محمد عبد الحي تمثلان استحالة التواصل، وبين استحالة التواصل والتقاطع يبدو موقف النور عثمان أبكر واضحاً إزاء الثقافة السودانية وكيفية البعث الحضاري لها ويبدو كذلك واضحاً عند محمد عبد الحي عدم جدوى مروي بإزاء سنار وبدايات سنار هي البدايات، وما كان في مروي قد كان لكن ذاكرة التاريخ قد ضيعته وصار حطاماً.
    وباستخدام الرموز مثل سنار، ومروي لبعث الحضارات القديمة يشحن السوداني الحالي بالفخر من ماضيه والاعتزاز به، سواءً أكان العنصر الزنجي أو العربي، كلاهما أتيا بحضارات عظيمة جديرة بالاحترام والإعزاز، ولذلك يرى هؤلاء الشعراء أنه من المهم أن نعتز بهويتنا الخلاصية هذه، وهذا واحد من أهداف مدرسة الغابة والصحراء عندما بدأوا في بعث الحضارات القديمة، وذكرها في أعمالهم الشعرية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan16-05-06, 04:36 PM
  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan16-05-06, 04:38 PM
    Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan16-05-06, 04:41 PM
      Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan16-05-06, 04:42 PM
        Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan16-05-06, 04:45 PM
          Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan16-05-06, 05:30 PM
            Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء abdalla elshaikh16-05-06, 07:46 PM
              Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan16-05-06, 10:07 PM
                Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan17-05-06, 08:09 AM
                Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء abdalla elshaikh17-05-06, 05:37 PM
                  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan17-05-06, 07:03 PM
            Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء Bannaga ELias21-05-06, 03:42 PM
  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء Deng17-05-06, 08:36 PM
  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء Mannan18-05-06, 00:26 AM
    Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء Saifeldin Gibreel18-05-06, 02:29 AM
      Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan18-05-06, 06:55 AM
  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء قرشـــو18-05-06, 02:09 AM
    Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء abdalla elshaikh18-05-06, 05:48 PM
      Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء abdalla elshaikh18-05-06, 06:25 PM
    Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan18-05-06, 06:32 PM
      Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan18-05-06, 07:03 PM
        Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan18-05-06, 07:08 PM
  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء Mannan18-05-06, 06:59 PM
    Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan21-05-06, 07:53 PM
      Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء bayan24-05-06, 09:40 AM
      Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء Kamel mohamad24-05-06, 09:43 AM
  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء طارق جبريل24-05-06, 11:34 AM
    Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء منى أحمد24-05-06, 07:09 PM
      Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء تولوس24-05-06, 08:34 PM
  Re: صلاح احمد ابراهيم.... الغابة والصحراء قرشـــو30-05-06, 07:38 AM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de