إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق)

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 16-11-2018, 03:50 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة عبد الحميد البرنس(عبد الحميد البرنس)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
11-09-2005, 11:39 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق)

    كلمات عارضة لا تنتمي لهذا البوست:

    سأعمل هنا لتأثير مباشر من جانب الصديق "بناديها" على إعادة كتابة ماسبق لي وأن طرحته في بوستات سابقة بنفس المعنى. سأفعل ذلك بهدوء وتمهل وصولا إلى ما يمكن تصنيفه كرواية. وهذا سيشمل إعادة على مستويات البناء النفسي والفكري للشخصيات والأسلوب وحذف ماهو يومي وعارض وتفتيت لمفهوم الزمن وتركيبه من جديد ورسم للأمكنة على نحو أكثر تجسيما.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-09-2005, 11:45 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    جميع الشخصيات والأحداث والأماكن الواردة في هذه الرؤية القصصية من نسج الخيال. ولا تمت للواقع بصلة. وإن حدث وأن تم تشابه أوتطابق هنا وهناك فهذا من باب الصدفة البحتة لا غير.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-09-2005, 11:48 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2005, 00:05 AM

عاطف عبدالله
<aعاطف عبدالله
تاريخ التسجيل: 19-08-2002
مجموع المشاركات: 2101

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    في الانتظار
    فتمهل .. وأكتب .. وأمتعنا متعك الله بالصحة والعافية
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2005, 00:18 AM

banadieha
<abanadieha
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 2235

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عاطف عبدالله)



    راجينك..ربنا يوفقك.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2005, 08:50 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: banadieha)

    الصديقين عاطف و"بناديها":


    هكذا لا يتبقى في هذا العالم سوى المحبة بين الناس!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2005, 03:04 PM

ابنوس
<aابنوس
تاريخ التسجيل: 19-04-2003
مجموع المشاركات: 1790

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    برنس !!

    هل يمكن فصل الامكنة في الحكي عن الخطى .. هل توجد ذاكرة سردية خارج الازمنة التي عشناها ؟
    هل يمكن للروائ أن ينحت شخصيات دون أن تتطابق بشكل أو آخر مع شخصيات من الواقع ؟
    وهل يستطيع الكاتب أن يخرج كلياً عن ذاته ليكتب أشياء محض خيال ؟؟

    أكتب يا صديق ولكنك ستكتب سيرة رواية تتقاطع بشكل أو آخر مع تفاصيلك وتفاصيلنا كلنا كما في تلك التداعيات التي في بلاد بعيدة .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2005, 05:55 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: ابنوس)

    عزيزي عزت:

    سأعود إلى تساؤلاتك العميقة لاحقا.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2005, 05:56 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    تصدير:

    الأمنجي السابق وضحاياه يجمعهما الآن منفى واحد. ويحدث أحيانا أن يضع خبرته في يد أمنجي آخر له عقل طائر وحجم فيل مدلل أرسلته حكومة المشير الحالي لتذكير السياسيين المغضوب عليهم أن المنفى في حاجة ماسة إلى صانع مشكلات صغيرة فيما بينهم. هذا العمل كمستشار ربما أضاف إلى الأمنجي السابق موردا آخر إلى جانب موارد أخرى لكسب العيش مثل تسول علب البيرة الفارغة من غرباء ظلوا طوال لياليهم الطويلة الباردة يكافحون الحنين إلى الوطن بالمزيد من الشراب والشجار حول مسائل ضئيلة وتافهة تماما!.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 12-09-2005, 05:59 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2005, 06:14 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    عينان من خارج القاموس الغنائي للشعراء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-09-2005, 04:48 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    نحن ضحاياه لا نعلم له إسما محددا. كل ما نعلمه أنه حمل خلال حكم المشير فحل بلد أم تور جاموس الثالث عشر إسم "الأمنجي". وذلك قبل أن يحمل بعد سقوط ولي نعمته عند منتصف الثمانينيات تقريبا بثورة شعبية تمت سرقتها في المهد إسم "الأمنجي السابق". وإن حمل خلال طفولته كما يرى العارفون أسماء عديدة من بينها إسم "الناظر الرهيب". والمراقبون لاحظوا أيام جبروته أن صورته كانت تظهر في الصحف حاملة أسماء ورتبا مختلفة. كانت تلك الصور تظهر في العادة ضمن القائمة السنوية التي كان يصدرها مكتب المشير آنذاك لأمنجية أنجزوا خدمات للنظام تطلق عليها الصحيفة الوحيدة في البلاد دائما صفة "جليلة". لكن بعض الناس الذين نالوا حظا من علم النفس ينفون أن يكون الأمنجي السابق قد ظهر حتى ولو عابرا عبر جهاز إعلامي ما. كأن يقف كجزء ضئيل من خلفية مبهمة مكونة من آلاف الأوجه المجهولة أثناء تصوير المشير وهو يتفقد الجماهير في منطقة تشابه مدينة واقعية. ذلك أن للنظام مدن سرية تشبه المدن التي يراها التلاميذ في الخريطة أثناء حصة الجغرافيا. كان يدفع إليها بالكثير من الأمنجية وأسرهم ليلا ليستقبلوا المشير في الصباح كسكان أصليين على وجوههم آثار النعمة والولاء اللامحدود. وكان المشير لعدله يتجول بينهم بلا حراس إلى الدرجة التي كان يجلس معها على الأرض بين عمال الميناء بهيئاتهم النظيفة وأحذيتهم العسكرية السوداء اللامعة. ولأنه شهير بحب السيجار الكوبي الفخم كان هؤلاء العمال المزيفون يقدمون له سيجارا ثم يوقدونه بقداحاتهم الماسية وقد رسخ في وعيهم أنهم يقدمون بذلك صورة جذابة للعالم في الخارج تعكس درجة الرفاهية التي وصلت إليها البلاد في ظل حكومة المشير الرشيد. وكان أولئك الذين نالوا حظا من علم النفس يدافعون عن موقفهم بحجة أن ضحايا الأمنجي السابق ماينبغي أن يعتد بشهادتهم حين يتعلق الأمر بالسؤال عن أوصافه الدقيقة. ذلك أن ماأصابهم على يديه جعل بعضهم يهاب الخروج من بيته تحسبا أن يكون الأمنجي السابق قد تنكر وقتها في هيئة عمود للنور عند ناصية الشارع. وأكثر من ذلك أخذ أحدهم يتجنب زوجته في الفراش ظنا منه أن مايراه لم يكن سوى الأمنجي السابق متقمصا كافة تفاصيلها بعد أن تم إغتصابها ودفنها في مكان ما. حتى أن شفرات الغزل السرية بين زوجين لم تكن لتعيده إلى رشده بعد سنوات التعذيب الطويلة في السجن على يد الأمنجي السابق شخصيا. ومع أنه تجنب معاشرة زوجته في تلك الأحوال إلا أنه خلال ساعات اليوم الواحد لم يكن ليكف لحظة واحدة وبلا سبب من كيل المديح للمشير مؤكدا بصدق شديد تنكره لماض ثوري لم يدفعه إليه سوى الجهل وأولاد الحرام. لكن المرتابين ظلوا يسخرون في السر من كل تلك التأويلات "التي لا أساس لها في الواقع" على حد تعبيرهم. كانوا يستندون في ذلك على تاريخ الأفعال الصغيرة التافهة التي أشتهر بها الأمنجي السابق وسط مجموعات كبيرة من محدودي الدخل. لكن أكثر مايلفت الإنتباه من كل ذلك اللغط هو الإختلافات الحادة بين إفادات الضحايا خلال الأيام الأولى لتلك الثورة الشعبية حول لون عيني الأمنجي ومكانهما من رأسه المستديرة ككرة من المطاط. لقد دفعت القاضي أثناء محاكمة رموز نظام المشير إلى التشكيك بجدية لا تخلو من عطف في مدى مايتمتعون به من قوى عقلية. لقد كان من السهل للقاضي وقتها التصديق أن السماء أمطرت يوم ولادة الأمنجي السابق دما أحمر من وجود عينين في رأسه تبيتان كل ليلة في موضع مختلف ولون جديد. كان الأمنجي السابق مختفيا خلال تلك المحاكمات العلنية في مكان ما. وكان من نتائج ذلك أن قامت صحافة العهد الجديد حسب رواية الشهود بنشر صور لشخص مطلوب القبض عليه بألف هيئة من بينها صورة لمواطن بعينين أسفل ذقن حليقة. ويبدو أن المكآفات الكبيرة التي رصدت لهذا الشأن قد دفعت المواطنين إلى وضع النساء أنفسهن في دائرة الفحص والتدقيق. لقد كان بسطاء القوم في تطلعاتهم المشروعة للثراء يدافعون عن أنفسهم حين يبطحون سيدة ما على قارعة الطريق قائلين ليس غريبا فعل ذلك على شخص له عينان في الجمجمة. لكن أكثر ما غاظ خالي حسين الذي ورث من جدتي المجرية زرقة عينيها المستديرتين تلك اليد الغليظة لرجل يقف في الصف إلى يساره أثناء صلاة الجمعة التي أحكمت قبضتها قبيل أن يفرغ الأمام من الصلاة على عنقه تماما قبل أن يتكشف لصاحبها الذي باغته لون العينين خلال الخطبة أن الأمنجي السابق ما كان له أن يتواجد داخل مسجد لأسباب خاصة وإن بدا على وجهه أنه غير مقتنع تماما بوجود عينين زرقاوين لبشر سوي في هذه الحياة. الأمنجي السابق أفصح بنوع من الفخر في لحظة سكر جمعته بمنفيين يقضون سحابة نهارهم داخل سوق تجارية ضخمة في تذكر نضالاتهم القديمة بشيء من الأسى أنه كان يتنكر وقتها في هيئة جامع قمامة في مصلحة البلدية مستغلا معرفته بالإختلاسات الضخمة لمديرها خلال العهد البائد. ويبدو أن المنفيين كانوا في حاجة ماسة إلى ذكرى حية من ذلك العهد لتصفية حسابات تاريخية عجزوا عنها وقتها فكانوا يصفعونه بلاسبب على وجهه أحيانا. وكان هو يتقبل ذلك بتسامح كبير خوفا من قذفه إلى التفسخ في عزلة مطبقة مليئة بالكوابيس الليلية لضحايا دفنهم من قبل أحياء فعادوا الآن في هيئة أشباح يزعجون ماتبقى له من سنوات ولاهم لهم سوى ملاحقته إلى نهاية العالم. لكن ماحدث أثناء ولادة الأمنجي السابق على يد الداية أم صدير أمر يفوق الخيال.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-09-2005, 04:31 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان المنفيون في تلك المدينة الكندية الصغيرة كثيرا ما يتبادلون بأسى متزايد خبز ذكرياتهم حول منافي وسيطة في مكان ما من العالم كانوا قد مروا بها أوأقاموا فيها لفترة في طريقهم إلى الحرية قبل أن ينتهي المطاف بهم إلى أبعد نقطة من الوطن في وظيفة هامشية كغسيل الأطباق في مطعم فخم عدا الأمنجي السابق الذي ظل لسبب ما محتفظا بصمته حول هذه المسائل وقد لف وجوده خلال سنوات ما بعد سقوط المشير بغموض ملغز وغير مبرر تماما في بلد عادة ما يتبادل عشاقها القبل والأحضان الساخنة في ميادين عامة ولا يبالون.

    واللافت أن أغلب الذين جاءوا من منفى وسيط مشترك كانت علاقاتهم فاترة يشوبها شعور ما بالمرارة وقد بدا وعلى الدوام أن ثمة حواجز غير مرئية كالخيانة كانت تنهض فيما بينهم في أكثر لحظات إندماجهم في منفاهم الجديد تسامحا. أجل.. الآثار تبقى على جدار الروح. ولابد أن أشياء حزينة قد حدثت في تلك المنطقة من الذكريات لايتم الكلام حولها سوى عبر ذلك الهمس المثقل داخل غرف مغلقة بمشاعر لو سارت نحو جبل لأحالته إلى هشيم وندف صغيرة كابية. لقد كان البأس على أشده على وجه الخصوص بين أولئك المنفيين الذين سبق وأن جمعتهم مدن كبيرة مثل القاهرة وكانوا سوى النضال الذي تحول بمرور الوقت إلى حروبات داخلية صغيرة طاحنة بلا موارد مالية تكفي حتى للبقاء على قيد الحياة أحيانا. ربما لهذا كان الهمس يدور غالبا حول بيع صداقات بوجبة طعام رخيص بدم بارد وضمير خال تماما من الرأفة أوالتأنيب.

    ويبدو لي الآن وأنا أتأمل تفاصيل هذه اللوحة من بعد أن الدعاة إذا ما فقدوا رسالتهم إلى العالم في يوم ما سيتحولون رويدا رويدا إلى كائنات جحيمية صغيرة مهمتها أن تصنع الأذى مدفوعة برغبة لا نهائية في التدمير أوالإنتقام. لعل ذلك ما يقودني أحيانا إلى التفكير في تلك الخطورة التي يولدها الشعور بفقدان المعنى في حياة الناس. أجل.. لابد أن أشياء بائسة كتلك ستحدث. على أية حال بدا المشهد يتكشف برمته مثل أرضية ملائمة أعادت إلى الحياة وبقسوة تلك المواهب الميتة للأمنجي السابق وصاحبه الخليفة.




    كالأسى، لايزال الجليد يتساقط وراء النافذة الزجاجية. الشقة دافئة. وهناك، في مكان ما داخل نفسي، أشعر ببرد غريب، جلبت له منذ قليل صور ماركيز وهيغل وأمي، وضعتهم أمامي على المكتب، وربما أجلب لوحة فان جوخ (نجوم الليل) من الصالة. ومع ذلك، البرد ما ينفك يزداد. ولا أدري الآن من أي مكان من الذاكرة ولأي سبب يتناهى في هذا المساء المقبض الحزين صوت نيتشه عابرا بقوة لحظة الميلاد حطام كل تلك السنوات والذكرى: "الحية التي لا تستطيع أن تغير جلدها.. تهلك. كذلك البشر الذين لا يقدرون أن يغيروا آراءهم.. لا يعودون بشرا. بقدر ما نصعد عاليا.. نبدو صغارا لهؤلاء الذين لا يعرفون أن يطيروا".




    يا لحصاد السنوات!!!.




    كنت قد هبطت إلى تلك المدينة ذات مساء ممطر بعيد ضمن فوج صغير من اللاجئين بعد رحلة طويلة وشاقة تماما. ولم يكن يخطر في ذهني أبدا أن يكون الأمنجي السابق قد سبقني إليها بأعوام كنت خلالها أحاول عبثا الشفاء من آثار حروق طبعها تعذيبه على روحي في زمان برز أمامي دفعة واحدة حالما وجدته في استقبالي ضمن مقيمين آخرين وكنت قد ظننت أن ماهربت منه قد تركته ورائي مرة واحدة وإلى الأبد. أجل.. هذا زمان المهازل وغربة الأرواح النبيلة ولاعزاء.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 14-09-2005, 04:48 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2005, 01:20 AM

banadieha
<abanadieha
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 2235

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    (عدل بواسطة banadieha on 18-09-2005, 10:39 PM)
    (عدل بواسطة banadieha on 19-09-2005, 08:25 AM)
    (عدل بواسطة banadieha on 19-09-2005, 08:25 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-09-2005, 06:10 AM

nada ali
<anada ali
تاريخ التسجيل: 01-10-2003
مجموع المشاركات: 5258

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الاخ العزيز عبد الحميد البرنس

    جميلة عباراتك

    واصل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-09-2005, 04:56 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: nada ali)

    الإنسانة الجميلة ندى:

    أشكر لك مرورك الجميل.










    الوقت ليس نهار أوليلا، هدوء قاتل يعم المكان، عندما أقبل رجل غريب، ملامحه لاتشبه ملامح أهل المدينة، ولا تبدو عليه آثار السفر الطويل، يرتدي جلبابا أبيض، حول عنقه تلتف مسبحة طويلة خضراء تتدلى إلى أسفل صدره كثعبان ميت، همهم بصوت أجش مبحوح ثلاثا قبل أن يطرق باب بيت الداية أم صدير. كانت الحيرة ترتسم على وجهها الجميل ذي القسمات الدقيقة وهي تقف في فراغ الباب تحاول جاهدة أن تتعرف عليه بلا جدوى. لسبب ما، كانت عيناه حزينتان. وثمة دموع سائلة تبلل لحيته البيضاء المستديرة في صمت. هنا تحركت عواطف أم صدير، وكادت أن تسأله إن كان جائعا أم في حاجة إلى مساعدة، لولا أنه قاطعها بصوته الأجش قائلا: "لا هذا ولا ذاك يا أم صدير.. لست جائعا.. ولا أريد حاجة من بشر".



    بدأ الخوف يتسلل إلى أم صدير من بريق وامض كان يصدر من عينيه الحزينتين، ومن قدرته الخارقة على معرفة الخواطر الصامتة وما تخفي الصدور، حين رفع يده البيضاء، وربت على كتفها قائلا: "لا تراعي يا أم صدير". كان يتفوه بإسمها بحنو أعاد شيئا من طمأنينة إلى صدرها الذي بدأ يعلو ويهبط كما لو أنها تعاني ضيقا في التنفس. قالت أخيرا مغالبة الدموع التي طفرت من عينيها البنيتين على حين غرة بينما تستند إلى جانب الباب المشرع كمن سيتداعى في أية لحظة: "هل أنت سيدي ولي الله الشيخ الطيب راجل أم مرح"؟!.

    قال الرجل: "لا يا أم صدير.. فذلك سيدي.. أمدنا الله بمدده.. وسقانا من كؤوس معارفه ورشده.. وقد ظهر عند ولادته ما دل على ولايته من الروائح العطرية.. والانشراحات الصدرية.. وما أنا سوى عبد فقير إلى الله سبحانه وتعالى.. وقد أتيت إليك اليوم لأخبرك فقط أنها إرادة الله. أجل.. إنها إرادة الله يا أم صدير.. إنها إرادة الله". وفجأة كما أقبل تلاشى مخلفا في أنفها أثرا قويا طيبا كرائحة المسك. هكذا، لم يعد أمام أم صدير سوى نظرتها الساهمة إلى الشارع الذي كان قد تحول إلى نهير بمياه حمراء راكدة.

    قبل ثلاثة شهور أويزيد قليلا من ولادة الأمنجي السابق، كان نفس الحلم يتكرر كل ليلة بأدق تفاصيله في منام الداية أم صدير، لكن أكثر ما كان يثير روعها حين تستيقظ شاعرة في أعماقها بخوف غامض لاقبل لها به من قبل هو تحول الشارع إلى بركة حمراء تظهر على سطحها دائما أيادي بشرية غارقة تمتد نحوها كمن تستجير بها من شيء يضغط على أرواحها بثقل وقسوة جاذبا إياها نحو أعماق سحيقة لا يدري مداها سوى الله. أجل.. ثلاثة أشهر بالتمام والكمال لم يغادر ذلك الحلم منام أم صدير ليلة واحدة إلى أن جاءها في ساعة نحس من يخبرها أن والدة الأمنجي السابق على وشك أن تخرجه إلى عالم يبدو من أحواله آنذاك أن خروج الأمنجي السابق إليه كان الشيء الوحيد الغائب من مصائبه التي لاتحصى.

    ذلك الحلم لم يغادر ذاكرة أم صدير حتى وهي تزحف الآن نحو عقدها التاسع بوعي حاضر وحاد. بيد أنها لم تفهم أبدا ما الذي كانت تحاول أن تخرجه من جحر عميق وهي جاثية على ركبتيها لحظة أن طرق ذلك الرجل باب بيتها بدموع سائلة. بعض الناس أخبروها أنها ستحصل على كنز في القريب. آخرون نظروا إليها بجزع مؤكدين لها أن عليها من الآن فصاعدا أن تصلي وتصوم كثيرا لأن يديها هاتين سيجلبان إلى العالم ولاشك من لايخاف الله في نفسه والناس. وقد كان.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-09-2005, 05:17 AM

msd


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    العزيز البرنس
    حقيقي رائع، انتقالاتك الزمانية قمة في الابداع، كمتلقي لا أمل السرد او الفكرة كانمها نسج من خيط واحد.
    ادام الله لك تلك الموهبة
    محمد صالح دفع الله
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-09-2005, 08:27 AM

rani
<arani
تاريخ التسجيل: 06-06-2002
مجموع المشاركات: 4633

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: msd)

    واصل..
    مع فائق ودي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-09-2005, 10:10 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: rani)

    إلى حين عودة (قريبة):

    تحية خاصة للصديقين الجميلين محمد صالح دفع الله وراني.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-09-2005, 11:53 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    "الأمنجي السابق". نعم.. هو لاغيره. ذلك ما إكتشفته بعد نحو مرور شهر من وصولي إلى تلك المدينة الكندية الصغيرة. نحن إذن لاجيئان لكل منهما أسبابه المختلفة لكنهما يتنفسان الآن نسيم الحرية داخل فضاء إنساني واحد. ياإلهي.. الضحية والجلاد معا، كيف حدث ذلك، وصار الغريمان بنفس الحقوق والواجبات، نعم.. هو نفسه الأمنجي السابق، ولاأحد غيره، وإن قصمت سطوته الأيام، وطمست ملامحه السنوات، وزان قميصه تمثال الحرية أوميزان العدالة العمياء، وبدأ يشكو من مرض عضال هنا وهناك، أجل.. هو نفسه الأمنجي السابق، حدسي لايكذب، وذلك بالضبط ما يدعونه "الطامة الكبرى"، ولاعزاء؟!.

    كان قد دهمني إحساس مقبض حاد حين رأيته منذ البداية. المكان فقط وقف حائلا بيني وبين إدراك المأساة وقتها. كنت أتخيل وجوده طوال تلك السنوات في أي مكان وراء المحيط أوبين جدران قبر مجهول في مكان قصي من جهنم عدا هذا المكان. وعشرون عاما أويزيد ليس بالشيء القليل في حياة المنفيين الغرباء والطغاة حين يمسون بلا حول ولا سلطة. لكنها المفاجأة تلك التي تبقى بكل قسوتها ولا منطقها وجنونها. أجل.. أدرك تلك الحكمة في هذا المقام جيدا. ذلك أن الخيال ثمرة يصيبها العطن في طرق البحث الشاقة عن الطعام والمأوى أوالسكر بخمر رخيصة على خلفية متجددة من الذكريات الحزينة والأسى.

    كان رفيقي في السكن المؤقت لإستقبال اللاجيئين شاب يدعى الطاهر لايكاد يفك حرفا عربيا واحدا في نحو الخامسة والعشرين من عمره جاء معي في نفس السفرية على سبيل الصدفة أوالحظ وربما القدر. كل ما فعله وقتها أنه سمع في القاهرة أن الناس تذهب إلى مكتب المفوضية السامية لشئون اللاجيئين في حي المهندسين الراقي. يحكون هناك قصصا حزينة حدثت لهم في أوطانهم بسبب الحرب أوالسياسة. ليجدوا أنفسهم بعد قليل على متن طائرة متجهة إلى أوربا أوأمريكا أوأستراليا. هناك، حيث النساء والخمر والمال وأشياء أخرى كفردوس غذت سعير الشوق إليه الروايات والأفلام وجحيم واقع لا يطاق. والحق حين شرع يحكي لي قصته خلال اليوم الثالث من وصولنا، لم أتمالك نفسي، وبلغ بي التأثر مداه، فأطرقت أبكي في صمت، وكدت آن أنهض من مجلسي عابرا تلك الخطى القليلة التي تفصلني عنه داخل الصالة معانقا فيه كل تلك الجروح الغائرة للإنسانية السائرة عبر القرون بلاتوقف أوعزاء، لولا أنه أطلق فجأة ضحكة ساخرة مجلجلة إهتز لوقعها الفج كياني كله. وقبل أن أنتبه تماما لما يحدث، كان قد صرعني بعبارة واحدة مقتضبة، قائلا: "كل ذلك كان كذبة". ولكن كيف يبلغ الناس هذه الدرجة من صدق الكذب إذا لم تكن ثمة أسباب قوية قد دفعتهم دفعا إليه. ومع ذلك لست غاضبا منه. الطاهر على الأقل لم يتسبب في عذاب شخص آخر. لقد كان إنسانا بسيطا تملكه هم تغيير حياته نحو الأفضل من غير وسائل واقعية شأن الكثيرين في مجالات الحياة المختلفة هذه الأيام. لقد رأيت ماهو أسوأ منه بكثير ولست قاضيا. أجل.. رأيت كتابا بلا لغة، مطربين بلا صوت، وعشاقا لم يغير الحب شيئا من نفوسهم الخربة.

    كالأسى، لايزال الجليد يتساقط وراء النافذة الزجاجية. نفس النظرة الحزينة الساهمة تطل من عيني ماركيز وهيغل وأمي. لعل الألم جوهر هذا الكون ومبتغاه. وجرس الهاتف منذ أن هبط الظلام منذ ساعات في الخارج لم يكف عن الرنين لحظة واحدة. وأنا الآن صنم. يرنو إلى الصور ويقلب في الذكريات القريبة والبعيدة بقلب ميت وليس له من رغبة في الحديث إلى كائن. وهذا الرنين الغبي للهاتف مايكاد يتوقف حتى يبدأ من جديد. لعلها أماندا وقد ألغت خطط السفر إلى والدها في الريف. ومع ذلك لا أريد لأحد أن يدلف إلى حياتي في هذه اللحظة التي أحتاج فيها إلى السيطرة على عالم يبدو لي أنه سيقودني إلى الجنون قريبا لامحالة. بيد أني سأقاوم محاولات فنائي بكل الطرق، وإن كان لابد من ميتة، فإنني أسعى إلى النظر في وجه الموت بكامل قواي العقلية، لا أريد أن أخرج من هذا العالم كما دخلته أول مرة بلا وعي أوإرادة. يا إلهي.. كيف سارت الأمور إلى هذا المنعطف منذ اللحظة التي شاهدت خلالها الأمنجي السابق يردي صالح الطيب قتيلا أمام عيني من غير أن يطرف لي جفن من مقاومة أورفض؟!.

    لقد ظننت أن كل شيء كان قد مضى بلا رجعة. هكذا مرة واحدة وإلى الأبد. لكن ذلك كان محض خرافة. وهاهي مأساة صالح الطيب لا تزال تتغذى في قلبي. ما أن وعيت أني أمام الأمنجي السابق نفسه وجها لوجه حتى برزت لحظات الرعب تلك بأدق تفاصيلها. ياإلهي.. ماالذي يجري في داخلي طوال تلك الفترة. قبل يومين، عدت من مشوار ما في الجوار. وجدت أماندا قد أحدثت تغييرات جذرية داخل الشقة. وبدا أنها فتشت ونقبت وبحثت في كل شيء. اليوم، أثناء وجبة الغذاء، أبرزت أمامي صورتي على بطاقة العام الجامعي الأول. كانت تضحك وقالت إنها تعجبها. نظرت إليها مسافة. قلت أخيرا: "لعل الذي تبقى بيني وبينه هذه النظرة المشرئبة نحو شيء ما". أماندا هزت رأسها. آنئذ أدركت والحاجة إلى البكاء قاب قوسين أوأدنى أن الأشياء الجميلة لا تبقى في حياتنا طويلا"!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-09-2005, 11:10 AM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)



    نحن ضحاياه لا نعلم له إسما محددا. كل ما نعلمه أنه حمل خلال حكم المشير فحل بلد أم تور جاموس الثالث عشر إسم "الأمنجي". وذلك قبل أن يحمل بعد سقوط ولي نعمته عند منتصف الثمانينيات تقريبا بثورة شعبية تمت سرقتها في المهد إسم "الأمنجي السابق". وإن حمل خلال طفولته كما يرى العارفون أسماء عديدة من بينها إسم "الناظر الرهيب". والمراقبون لاحظوا أيام جبروته أن صورته كانت تظهر في الصحف حاملة أسماء ورتبا مختلفة. كانت تلك الصور تظهر في العادة ضمن القائمة السنوية التي كان يصدرها مكتب المشير آنذاك لأمنجية أنجزوا خدمات للنظام تطلق عليها الصحيفة الوحيدة في البلاد دائما صفة "جليلة". لكن بعض الناس الذين نالوا حظا من علم النفس ينفون أن يكون الأمنجي السابق قد ظهر حتى ولو عابرا عبر جهاز إعلامي ما. كأن يقف كجزء ضئيل من خلفية مبهمة مكونة من آلاف الأوجه المجهولة أثناء تصوير المشير وهو يتفقد الجماهير في منطقة تشابه مدينة واقعية. ذلك أن للنظام مدن سرية تشبه المدن التي يراها التلاميذ في الخريطة أثناء حصة الجغرافيا. كان يدفع إليها بالكثير من الأمنجية وأسرهم ليلا ليستقبلوا المشير في الصباح كسكان أصليين على وجوههم آثار النعمة والولاء اللامحدود. وكان المشير لعدله يتجول بينهم بلا حراس إلى الدرجة التي كان يجلس معها على الأرض بين عمال الميناء بهيئاتهم النظيفة وأحذيتهم العسكرية السوداء اللامعة. ولأنه شهير بحب السيجار الكوبي الفخم كان هؤلاء العمال المزيفون يقدمون له سيجارا ثم يوقدونه بقداحاتهم الماسية وقد رسخ في وعيهم أنهم يقدمون بذلك صورة جذابة للعالم في الخارج تعكس درجة الرفاهية التي وصلت إليها البلاد في ظل حكومة المشير الرشيد. وكان أولئك الذين نالوا حظا من علم النفس يدافعون عن موقفهم بحجة أن ضحايا الأمنجي السابق ماينبغي أن يعتد بشهادتهم حين يتعلق الأمر بالسؤال عن أوصافه الدقيقة. ذلك أن ماأصابهم على يديه جعل بعضهم يهاب الخروج من بيته تحسبا أن يكون الأمنجي السابق قد تنكر وقتها في هيئة عمود للنور عند ناصية الشارع. وأكثر من ذلك أخذ أحدهم يتجنب زوجته في الفراش ظنا منه أن مايراه لم يكن سوى الأمنجي السابق متقمصا كافة تفاصيلها بعد أن تم إغتصابها ودفنها في مكان ما. حتى أن شفرات الغزل السرية بين زوجين لم تكن لتعيده إلى رشده بعد سنوات التعذيب الطويلة في السجن على يد الأمنجي السابق شخصيا. ومع أنه تجنب معاشرة زوجته في تلك الأحوال إلا أنه خلال ساعات اليوم الواحد لم يكن ليكف لحظة واحدة وبلا سبب من كيل المديح للمشير مؤكدا بصدق شديد تنكره لماض ثوري لم يدفعه إليه سوى الجهل وأولاد الحرام. لكن المرتابين ظلوا يسخرون في السر من كل تلك التأويلات "التي لا أساس لها في الواقع" على حد تعبيرهم. كانوا يستندون في ذلك على تاريخ الأفعال الصغيرة التافهة التي أشتهر بها الأمنجي السابق وسط مجموعات كبيرة من محدودي الدخل. لكن أكثر مايلفت الإنتباه من كل ذلك اللغط هو الإختلافات الحادة بين إفادات الضحايا خلال الأيام الأولى لتلك الثورة الشعبية حول لون عيني الأمنجي ومكانهما من رأسه المستديرة ككرة من المطاط. لقد دفعت القاضي أثناء محاكمة رموز نظام المشير إلى التشكيك بجدية لا تخلو من عطف في مدى مايتمتعون به من قوى عقلية. لقد كان من السهل للقاضي وقتها التصديق أن السماء أمطرت يوم ولادة الأمنجي السابق دما أحمر من وجود عينين في رأسه تبيتان كل ليلة في موضع مختلف ولون جديد. كان الأمنجي السابق مختفيا خلال تلك المحاكمات العلنية في مكان ما. وكان من نتائج ذلك أن قامت صحافة العهد الجديد حسب رواية الشهود بنشر صور لشخص مطلوب القبض عليه بألف هيئة من بينها صورة لمواطن بعينين أسفل ذقن حليقة. ويبدو أن المكآفات الكبيرة التي رصدت لهذا الشأن قد دفعت المواطنين إلى وضع النساء أنفسهن في دائرة الفحص والتدقيق. لقد كان بسطاء القوم في تطلعاتهم المشروعة للثراء يدافعون عن أنفسهم حين يبطحون سيدة ما على قارعة الطريق قائلين ليس غريبا فعل ذلك على شخص له عينان في الجمجمة. لكن أكثر ما غاظ خالي حسين الذي ورث من جدتي المجرية زرقة عينيها المستديرتين تلك اليد الغليظة لرجل يقف في الصف إلى يساره أثناء صلاة الجمعة التي أحكمت قبضتها قبيل أن يفرغ الأمام من الصلاة على عنقه تماما قبل أن يتكشف لصاحبها الذي باغته لون العينين خلال الخطبة أن الأمنجي السابق ما كان له أن يتواجد داخل مسجد لأسباب خاصة وإن بدا على وجهه أنه غير مقتنع تماما بوجود عينين زرقاوين لبشر سوي في هذه الحياة. الأمنجي السابق أفصح بنوع من الفخر في لحظة سكر جمعته بمنفيين يقضون سحابة نهارهم داخل سوق تجارية ضخمة في تذكر نضالاتهم القديمة بشيء من الأسى أنه كان يتنكر وقتها في هيئة جامع قمامة في مصلحة البلدية مستغلا معرفته بالإختلاسات الضخمة لمديرها خلال العهد البائد. ويبدو أن المنفيين كانوا في حاجة ماسة إلى ذكرى حية من ذلك العهد لتصفية حسابات تاريخية عجزوا عنها وقتها فكانوا يصفعونه بلاسبب على وجهه أحيانا. وكان هو يتقبل ذلك بتسامح كبير خوفا من قذفه إلى التفسخ في عزلة مطبقة مليئة بالكوابيس الليلية لضحايا دفنهم من قبل أحياء فعادوا الآن في هيئة أشباح يزعجون ماتبقى له من سنوات ولاهم لهم سوى ملاحقته إلى نهاية العالم. لكن ماحدث أثناء ولادة الأمنجي السابق على يد الداية أم صدير أمر يفوق الخيال.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-09-2005, 11:12 AM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)



    كان المنفيون في تلك المدينة الكندية الصغيرة كثيرا ما يتبادلون بأسى متزايد خبز ذكرياتهم حول منافي وسيطة في مكان ما من العالم كانوا قد مروا بها أوأقاموا فيها لفترة في طريقهم إلى الحرية قبل أن ينتهي المطاف بهم إلى أبعد نقطة من الوطن في وظيفة هامشية كغسيل الأطباق في مطعم فخم عدا الأمنجي السابق الذي ظل لسبب ما محتفظا بصمته حول هذه المسائل وقد لف وجوده خلال سنوات ما بعد سقوط المشير بغموض ملغز وغير مبرر تماما في بلد عادة ما يتبادل عشاقها القبل والأحضان الساخنة في ميادين عامة ولا يبالون.

    واللافت أن أغلب الذين جاءوا من منفى وسيط مشترك كانت علاقاتهم فاترة يشوبها شعور ما بالمرارة وقد بدا وعلى الدوام أن ثمة حواجز غير مرئية كالخيانة كانت تنهض فيما بينهم في أكثر لحظات إندماجهم في منفاهم الجديد تسامحا. أجل.. الآثار تبقى على جدار الروح. ولابد أن أشياء حزينة قد حدثت في تلك المنطقة من الذكريات لايتم الكلام حولها سوى عبر ذلك الهمس المثقل داخل غرف مغلقة بمشاعر لو سارت نحو جبل لأحالته إلى هشيم وندف صغيرة كابية. لقد كان البأس على أشده على وجه الخصوص بين أولئك المنفيين الذين سبق وأن جمعتهم مدن كبيرة مثل القاهرة وكانوا سوى النضال الذي تحول بمرور الوقت إلى حروبات داخلية صغيرة طاحنة بلا موارد مالية تكفي حتى للبقاء على قيد الحياة أحيانا. ربما لهذا كان الهمس يدور غالبا حول بيع صداقات بوجبة طعام رخيص بدم بارد وضمير خال تماما من الرأفة أوالتأنيب.

    ويبدو لي الآن وأنا أتأمل تفاصيل هذه اللوحة من بعد أن الدعاة إذا ما فقدوا رسالتهم إلى العالم في يوم ما سيتحولون رويدا رويدا إلى كائنات جحيمية صغيرة مهمتها أن تصنع الأذى مدفوعة برغبة لا نهائية في التدمير أوالإنتقام. لعل ذلك ما يقودني أحيانا إلى التفكير في تلك الخطورة التي يولدها الشعور بفقدان المعنى في حياة الناس. أجل.. لابد أن أشياء بائسة كتلك ستحدث. على أية حال بدا المشهد يتكشف برمته مثل أرضية ملائمة أعادت إلى الحياة وبقسوة تلك المواهب الميتة للأمنجي السابق وصاحبه الخليفة.




    كالأسى، لايزال الجليد يتساقط وراء النافذة الزجاجية. الشقة دافئة. وهناك، في مكان ما داخل نفسي، أشعر ببرد غريب، جلبت له منذ قليل صور ماركيز وهيغل وأمي، وضعتهم أمامي على المكتب، وربما أجلب لوحة فان جوخ (نجوم الليل) من الصالة. ومع ذلك، البرد ما ينفك يزداد. ولا أدري الآن من أي مكان من الذاكرة ولأي سبب يتناهى في هذا المساء المقبض الحزين صوت نيتشه عابرا بقوة لحظة الميلاد حطام كل تلك السنوات والذكرى: "الحية التي لا تستطيع أن تغير جلدها.. تهلك. كذلك البشر الذين لا يقدرون أن يغيروا آراءهم.. لا يعودون بشرا. بقدر ما نصعد عاليا.. نبدو صغارا لهؤلاء الذين لا يعرفون أن يطيروا".




    يا لحصاد السنوات!!!.




    كنت قد هبطت إلى تلك المدينة ذات مساء ممطر بعيد ضمن فوج صغير من اللاجئين بعد رحلة طويلة وشاقة تماما. ولم يكن يخطر في ذهني أبدا أن يكون الأمنجي السابق قد سبقني إليها بأعوام كنت خلالها أحاول عبثا الشفاء من آثار حروق طبعها تعذيبه على روحي في زمان برز أمامي دفعة واحدة حالما وجدته في استقبالي ضمن مقيمين آخرين وكنت قد ظننت أن ماهربت منه قد تركته ورائي مرة واحدة وإلى الأبد. أجل.. هذا زمان المهازل وغربة الأرواح النبيلة ولاعزاء.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-09-2005, 11:14 AM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)



    الوقت ليس نهار أوليلا، هدوء قاتل يعم المكان، عندما أقبل رجل غريب، ملامحه لاتشبه ملامح أهل المدينة، ولا تبدو عليه آثار السفر الطويل، يرتدي جلبابا أبيض، حول عنقه تلتف مسبحة طويلة خضراء تتدلى إلى أسفل صدره كثعبان ميت، همهم بصوت أجش مبحوح ثلاثا قبل أن يطرق باب بيت الداية أم صدير. كانت الحيرة ترتسم على وجهها الجميل ذي القسمات الدقيقة وهي تقف في فراغ الباب تحاول جاهدة أن تتعرف عليه بلا جدوى. لسبب ما، كانت عيناه حزينتان. وثمة دموع سائلة تبلل لحيته البيضاء المستديرة في صمت. هنا تحركت عواطف أم صدير، وكادت أن تسأله إن كان جائعا أم في حاجة إلى مساعدة، لولا أنه قاطعها بصوته الأجش قائلا: "لا هذا ولا ذاك يا أم صدير.. لست جائعا.. ولا أريد حاجة من بشر".



    بدأ الخوف يتسلل إلى أم صدير من بريق وامض كان يصدر من عينيه الحزينتين، ومن قدرته الخارقة على معرفة الخواطر الصامتة وما تخفي الصدور، حين رفع يده البيضاء، وربت على كتفها قائلا: "لا تراعي يا أم صدير". كان يتفوه بإسمها بحنو أعاد شيئا من طمأنينة إلى صدرها الذي بدأ يعلو ويهبط كما لو أنها تعاني ضيقا في التنفس. قالت أخيرا مغالبة الدموع التي طفرت من عينيها البنيتين على حين غرة بينما تستند إلى جانب الباب المشرع كمن سيتداعى في أية لحظة: "هل أنت سيدي ولي الله الشيخ الطيب راجل أم مرح"؟!.

    قال الرجل: "لا يا أم صدير.. فذلك سيدي.. أمدنا الله بمدده.. وسقانا من كؤوس معارفه ورشده.. وقد ظهر عند ولادته ما دل على ولايته من الروائح العطرية.. والانشراحات الصدرية.. وما أنا سوى عبد فقير إلى الله سبحانه وتعالى.. وقد أتيت إليك اليوم لأخبرك فقط أنها إرادة الله. أجل.. إنها إرادة الله يا أم صدير.. إنها إرادة الله". وفجأة كما أقبل تلاشى مخلفا في أنفها أثرا قويا طيبا كرائحة المسك. هكذا، لم يعد أمام أم صدير سوى نظرتها الساهمة إلى الشارع الذي كان قد تحول إلى نهير بمياه حمراء راكدة.

    قبل ثلاثة شهور أويزيد قليلا من ولادة الأمنجي السابق، كان نفس الحلم يتكرر كل ليلة بأدق تفاصيله في منام الداية أم صدير، لكن أكثر ما كان يثير روعها حين تستيقظ شاعرة في أعماقها بخوف غامض لاقبل لها به من قبل هو تحول الشارع إلى بركة حمراء تظهر على سطحها دائما أيادي بشرية غارقة تمتد نحوها كمن تستجير بها من شيء يضغط على أرواحها بثقل وقسوة جاذبا إياها نحو أعماق سحيقة لا يدري مداها سوى الله. أجل.. ثلاثة أشهر بالتمام والكمال لم يغادر ذلك الحلم منام أم صدير ليلة واحدة إلى أن جاءها في ساعة نحس من يخبرها أن والدة الأمنجي السابق على وشك أن تخرجه إلى عالم يبدو من أحواله آنذاك أن خروج الأمنجي السابق إليه كان الشيء الوحيد الغائب من مصائبه التي لاتحصى.

    ذلك الحلم لم يغادر ذاكرة أم صدير حتى وهي تزحف الآن نحو عقدها التاسع بوعي حاضر وحاد. بيد أنها لم تفهم أبدا ما الذي كانت تحاول أن تخرجه من جحر عميق وهي جاثية على ركبتيها لحظة أن طرق ذلك الرجل باب بيتها بدموع سائلة. بعض الناس أخبروها أنها ستحصل على كنز في القريب. آخرون نظروا إليها بجزع مؤكدين لها أن عليها من الآن فصاعدا أن تصلي وتصوم كثيرا لأن يديها هاتين سيجلبان إلى العالم ولاشك من لايخاف الله في نفسه والناس. وقد كان.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-09-2005, 11:16 AM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)



    "الأمنجي السابق". نعم.. هو لاغيره. ذلك ما إكتشفته بعد نحو مرور شهر من وصولي إلى تلك المدينة الكندية الصغيرة. نحن إذن لاجيئان لكل منهما أسبابه المختلفة لكنهما يتنفسان الآن نسيم الحرية داخل فضاء إنساني واحد. ياإلهي.. الضحية والجلاد معا، كيف حدث ذلك، وصار الغريمان بنفس الحقوق والواجبات، نعم.. هو نفسه الأمنجي السابق، ولاأحد غيره، وإن قصمت سطوته الأيام، وطمست ملامحه السنوات، وزان قميصه تمثال الحرية أوميزان العدالة العمياء، وبدأ يشكو من مرض عضال هنا وهناك، أجل.. هو نفسه الأمنجي السابق، حدسي لايكذب، وذلك بالضبط ما يدعونه "الطامة الكبرى"، ولاعزاء؟!.

    كان قد دهمني إحساس مقبض حاد حين رأيته منذ البداية. المكان فقط وقف حائلا بيني وبين إدراك المأساة وقتها. كنت أتخيل وجوده طوال تلك السنوات في أي مكان وراء المحيط أوبين جدران قبر مجهول في مكان قصي من جهنم عدا هذا المكان. وعشرون عاما أويزيد ليس بالشيء القليل في حياة المنفيين الغرباء والطغاة حين يمسون بلا حول ولا سلطة. لكنها المفاجأة تلك التي تبقى بكل قسوتها ولا منطقها وجنونها. أجل.. أدرك تلك الحكمة في هذا المقام جيدا. ذلك أن الخيال ثمرة يصيبها العطن في طرق البحث الشاقة عن الطعام والمأوى أوالسكر بخمر رخيصة على خلفية متجددة من الذكريات الحزينة والأسى.

    كان رفيقي في السكن المؤقت لإستقبال اللاجيئين شاب يدعى الطاهر لايكاد يفك حرفا عربيا واحدا في نحو الخامسة والعشرين من عمره جاء معي في نفس السفرية على سبيل الصدفة أوالحظ وربما القدر. كل ما فعله وقتها أنه سمع في القاهرة أن الناس تذهب إلى مكتب المفوضية السامية لشئون اللاجيئين في حي المهندسين الراقي. يحكون هناك قصصا حزينة حدثت لهم في أوطانهم بسبب الحرب أوالسياسة. ليجدوا أنفسهم بعد قليل على متن طائرة متجهة إلى أوربا أوأمريكا أوأستراليا. هناك، حيث النساء والخمر والمال وأشياء أخرى كفردوس غذت سعير الشوق إليه الروايات والأفلام وجحيم واقع لا يطاق. والحق حين شرع يحكي لي قصته خلال اليوم الثالث من وصولنا، لم أتمالك نفسي، وبلغ بي التأثر مداه، فأطرقت أبكي في صمت، وكدت آن أنهض من مجلسي عابرا تلك الخطى القليلة التي تفصلني عنه داخل الصالة معانقا فيه كل تلك الجروح الغائرة للإنسانية السائرة عبر القرون بلاتوقف أوعزاء، لولا أنه أطلق فجأة ضحكة ساخرة مجلجلة إهتز لوقعها الفج كياني كله. وقبل أن أنتبه تماما لما يحدث، كان قد صرعني بعبارة واحدة مقتضبة، قائلا: "كل ذلك كان كذبة". ولكن كيف يبلغ الناس هذه الدرجة من صدق الكذب إذا لم تكن ثمة أسباب قوية قد دفعتهم دفعا إليه. ومع ذلك لست غاضبا منه. الطاهر على الأقل لم يتسبب في عذاب شخص آخر. لقد كان إنسانا بسيطا تملكه هم تغيير حياته نحو الأفضل من غير وسائل واقعية شأن الكثيرين في مجالات الحياة المختلفة هذه الأيام. لقد رأيت ماهو أسوأ منه بكثير ولست قاضيا. أجل.. رأيت كتابا بلا لغة، مطربين بلا صوت، وعشاقا لم يغير الحب شيئا من نفوسهم الخربة.

    كالأسى، لايزال الجليد يتساقط وراء النافذة الزجاجية. نفس النظرة الحزينة الساهمة تطل من عيني ماركيز وهيغل وأمي. لعل الألم جوهر هذا الكون ومبتغاه. وجرس الهاتف منذ أن هبط الظلام منذ ساعات في الخارج لم يكف عن الرنين لحظة واحدة. وأنا الآن صنم. يرنو إلى الصور ويقلب في الذكريات القريبة والبعيدة بقلب ميت وليس له من رغبة في الحديث إلى كائن. وهذا الرنين الغبي للهاتف مايكاد يتوقف حتى يبدأ من جديد. لعلها أماندا وقد ألغت خطط السفر إلى والدها في الريف. ومع ذلك لا أريد لأحد أن يدلف إلى حياتي في هذه اللحظة التي أحتاج فيها إلى السيطرة على عالم يبدو لي أنه سيقودني إلى الجنون قريبا لامحالة. بيد أني سأقاوم محاولات فنائي بكل الطرق، وإن كان لابد من ميتة، فإنني أسعى إلى النظر في وجه الموت بكامل قواي العقلية، لا أريد أن أخرج من هذا العالم كما دخلته أول مرة بلا وعي أوإرادة. يا إلهي.. كيف سارت الأمور إلى هذا المنعطف منذ اللحظة التي شاهدت خلالها الأمنجي السابق يردي صالح الطيب قتيلا أمام عيني من غير أن يطرف لي جفن من مقاومة أورفض؟!.

    لقد ظننت أن كل شيء كان قد مضى بلا رجعة. هكذا مرة واحدة وإلى الأبد. لكن ذلك كان محض خرافة. وهاهي مأساة صالح الطيب لا تزال تتغذى في قلبي. ما أن وعيت أني أمام الأمنجي السابق نفسه وجها لوجه حتى برزت لحظات الرعب تلك بأدق تفاصيلها. ياإلهي.. ماالذي يجري في داخلي طوال تلك الفترة. قبل يومين، عدت من مشوار ما في الجوار. وجدت أماندا قد أحدثت تغييرات جذرية داخل الشقة. وبدا أنها فتشت ونقبت وبحثت في كل شيء. اليوم، أثناء وجبة الغذاء، أبرزت أمامي صورتي على بطاقة العام الجامعي الأول. كانت تضحك وقالت إنها تعجبها. نظرت إليها مسافة. قلت أخيرا: "لعل الذي تبقى بيني وبينه هذه النظرة المشرئبة نحو شيء ما". أماندا هزت رأسها. آنئذ أدركت والحاجة إلى البكاء قاب قوسين أوأدنى أن الأشياء الجميلة لا تبقى في حياتنا طويلا"!.

    (عدل بواسطة elsharief on 16-09-2005, 11:17 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-09-2005, 08:51 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)

    الشريف:

    لك دائما مثل ما في قلب أمي لي من دعاء.










    "الأم"، أوذلك الكائن الإنساني الجميل، الذي تغنى به شعراء أماجد غير محليين إمتلكوا قدرا كبيرا من الحرية الداخلية مثل رامبو، والذي بدا حتى في ترانيم الجنود الغليظة موضوعا دائما للحنين إلى عالم أليف قد يحول الموت في أية لحظة بينهم وبين العودة إليه مجددا، كان أول من قام الأمنجي السابق بتعذيبه في هذه الحياة.

    لقد كابدت أم الأمنجي السابق وقتها تلك التمزقات الصاروخية الحادة التي يدعونها آلام الطلق لأكثر من ثلاثة أسابيع متصلة شارفت خلالها على الموت نحو عشر مرات أويزيد. كان صراخها يسمع على بعد ثلاثة شوارع قبل أن يتحول في الأخير إلى تأوهات خافتة تشبه أنين محتضر تلفه وحشة في صحراء لانهائية. لعل ذلك ما دفع بها مستقبلا إلى عدم تكرار التجربة حتى الممات. ولو أرادت ذلك لما تسنى لها الدفع بطفل آخر. ذلك أن الأمنجي السابق الذي كان يرفس بقدميه وينطح برأسه ويستخدم يديه بعصبية قد حول الرحم إلى مكان غير صالح تماما لحياة القادمين من بعده. طوال تلك الأيام العصيبة، وكما فعل مع المعتقلين بعد ذلك، لم يكن ليسمح لأمه بالنوم، إلا بالقدر الذي يساعدها على تحمل موجات أخرى من التعذيب أوالألم.

    منذ اللحظات الأولى للطلق، تم إستدعاء الداية العاصمية أم صدير من بين خمسين أخريات على جناح السرعة، وبدت سانحة طيبة بعد فترة ممتدة من البطالة أن تنشغل قليلا عن أمر ذلك الحلم الذي أقض نومها كل ليلة. كان قد بلغ التعب بأم صدير بعد إسبوع الطلق الأول مداه، وبدا واضحا أنها ليست أمام ولادة طبيعية بالمرة، عندما أخبرت جارة أم الأمنجي السابق "شامة الجعلية" التي جاءت للوقوف إلى جانب جارتها في محنة أنها قامت من قبل بتوليد نساء مختونات وغيرهن لكن ما تراه الآن لم تشهد مثله من قبل، وقالت ضاحكة مخففة من لوعة شامة ذات القلب الرقيق "لابد أن جارتك تحمل شيطانا في بطنها"، وقالت أم صدير بعد دقائق " لقد طلبت من زوجها أن يذهب بها إلى المستشفى لكنه عارض وقال إنه ليس من المروة أن يعرض زوجته على رجل غريب يحمل رتبة أخصائي نسوان وتوليد". بعد ذلك واصلت المرأتان تطلعهما كعادة كل يوم إلى المرأة الحبلى على باب الولادة كمن ينتظر وقوع معجزة تنهي الكابوس في أية لحظة. وقد أيقنتا تماما أن عملهن قد لايتجاوز كثيرا الدعاء أوالقيام بعمل مكمدات باردة تخفف قليلا من السعير الملتهب على جبهتها.

    في غضون ذلك، بدأت أم صدير في بداية أسبوع الطلق الأخير تواجه مشكلة حقيقية بمجرد أن ترفع فستانها وترخي لباسها الداخلي على أعتاب عملية إنسانية عريقة تتم داخل المرحاض غالبا. أنا أتجنب هنا إستخدام لفظة "الخراء" تجنبا لجرح شعور بعض يساري العالم الرابع الذين يذهبون متنكرين لممارسة طبيعية أن مجرد ذكر ذلك على الملأ يضر بمكانتهم وسط مجتمعاتهم المتخلفة. تبا لهم في أبراجهم العاجية. لقد كانت الأمهات ولا تزال يقلن لأطفالهن "يا ولد قوم أخرا وبطل فسي من الصباح". وكان ذلك قمة العطف أوالبساطة في أرقى معانيها. لربما كانوا في حاجة ماسة إلى بحث نظري تطبيقي آخر يضاف إلى قائمة معارفهم العلمية لبيان أهمية كون "الظرطة" كفعل إنساني جميل لا يمتاز به النمل. مع أن خالي حسين الذي ورث من جدتي المجرية زرقة عينيها المستديرتين يؤكد أنه حين ذهب إلى الجنوب ظل ينصت لضراط النمل لأكثر من سبعين ليلة. كنت على أعتاب الثامنة عشرة من عمري، وكان الأمنجي السابق قد أفرج عني للتو بعد أن تكسرت في داخلي أشياء عديدة، حين سألته قائلا: "طيب.. يا خالي حسين.. كيف هي ظرطة النمل". أذكر أنه أخذ يحك مؤخرة رأسه بإبهام يده اليمنى مسافة، بعدها قطب مابين عينيه كمن يفكر في مسألة مستعصية، قبل أن يجيبني آناء ذلك العصر البعيد قائلا: "يعني زي ريحة الأناناس كدا". وإذا كان ما يقوله حقيقة فتلك تكون أطيب ضرطة في تاريخ العالم حتى الآن.

    أم صدير ردت المسألة برمتها خلال اليوم الأول إلى قلة النوم وتقطعه. لكن ما حدث بعدها جعلها تفهم على نحو غامض لماذا كانت تنقب في جحر في أثناء ذلك الحلم. ربما لذلك شرعت تفكر في أيام الصوم والصلاة القادمة لامحالة. وإن كانت في قرارة نفسها لاتزال تحلم بالشق الثاني من تفسير الحلم نفسه المتمثل في عثورها على كنز ما. لاسيما وأنها قد أعدت نفسها جيدا وتخيلت ذلك في شكل حقيبة من الحديد مليئة بالذهب كان قد طمرها وزير مال الخليفة عبد الله بعد هزيمته في موقعة كرري مباشرة. لقد كان الأمل متمكنا منها إلى الدرجة التي فكرت معها في الذهاب إلى بيت الله الحرام لأكثر من سبع مرات متتالية. حتى أنها فكرت أيضا في إنشاء مدرسة للدايات تكون هي مديرتها على وجه الخصوص.

    آنذاك، كانت تصطف أمامها داخل المرحاض مجموعة من السحالي في خط أفقي كتلاميذ في طابور الصباح، وتبدأ في النظر إليها بعيون حزينة دامعة، لم تنفع محاولات رشقها بالماء في جعلها ترمش للحظة ناهيك عن الدفع بها للهرب، هنا لم تجد أم صدير أمامها من شيء سوى القفز إلى خارج المرحاض شبه عارية، لاتلوي على شيء، وقالت ترد على شامة الجعلية وقتها وقد نسيتا أمر المرأة الحامل تماما "ومن يبالي!.. في مثل تلك الأحوال لاشيء يعوقني من الجري بعيدا.. حتى لوكان هناك جيش من الرجال في الخارج". ويبدو أن شامة الجعلية كانت تأخذ المسألة على سبيل المزاح، إلى أن بدأ الخوف يدب في أوصالها، عندما طلبت منها أم صدير التي إمتلأت مثانتها على آخرها وأخذت تدق بقدميها الأرض مثل طفلة مرافقتها إلى المرحاض. لكن شامة الجعلية لم تكن دائما تلك المرأة التي يمكن أن يعتمد عليها في وجود الخطر خاصة وأنه لم يخطر ببالها أبدا طوال حياتها أن سمعت أوتخيلت وجود سحالي في هذا العالم بعيون حزينة دامعة تظل تنظر إلى "النسوان المسكينات" في المرحاض هكذا.. بلا حياء.

    ومع ذلك، وجدت أم صدير أمام وضعها الحرج المتفاقم وقتا لإجراء مفاوضات بدت شاقة ويائسة تقنع شامة خلالها بالوقوف على أقل تقدير أمام باب المرحاض المفتوح لمنع أي رجل يمر من هناك، وقد كان أن نفذت شامة بنود الإتفاق في وضع الإستعداد للهرب عند سماع أول صرخة قادمة من داخل المرحاض، وقد رسخ في ذهنها تماما ما قالته أم صدير من أن النطق بإسم الجلالة في مثل ذلك المكان القذر قد يحولها إلى جنية ويبعدها عن عالم الإنس إلى الأبد، ويبدو الآن أن محنة المرأتين تتم في وقت بدت معه آلام الحامل التي لاتحتمل من الأمور العادية لتفاصيل يوم آخر. لقد عبرت شامة وقتها عن الموقف برمته وهي تنظر إلى جارتها على بعد دقيقة واحدة من تلك الولادة العسيرة والشاقة تماما بعبارة واحدة قائلة: "لقد كان ينقصنا فقط سحالي بعيون حزينة دامعة في لحظة مثل تلك".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2005, 09:18 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كندا.. كندا كندا!.

    كذلك وجدتني أهتف في سري. وقتها، كانت طائرة الخطوط الجوية الهولندية تحلق فوق المجال الجوي الكندي منسابة نحو الأمل وسط جبال السحب البيضاء المتفرقة كقلاع موغلة في القدم لم تجد سوى الفراغ اللانهائي حصنا آخر إلى حين عودة ساكنيها فيما بدا من معارك لم تكن في يوم من الأيام سوى مجرد وهم كتبه مؤرخون مجهولون على مر العصور فأسقطوا من حساباتهم دائما تسجيل تلك اللحظات الحية لغرام بين حبيبين ومض في وادي عبقر قبل ألف عام ولم يعد له لذلك من أثر سوى في خيالات شعراء أفذاذ أدمنوا البحث في سر الكون بلا طائل. هكذا يبدو العالم في عرف وليم سارويان مثل معركة لم ينتصر فيها أحد.

    وللأسف التاريخ منذ بدء الخليقة غالبا ما تكتبه الكراهية لا الحب. الحياة إذن ليست بستانا أخضر للطيبين الذين تساموا فوق أحزانهم الصغيرة. وهذا عالم جديد أهم بدخوله آملا أن أغسل فيه سابحا في نهير التسامح تلك الجروح الغائرة مرة واحدة وإلى الأبد. ربما يخضر قلبي بعدها. يفتح طواعية نوافذه الموصدة للشمس. ويثمر الحب في أشجاره الكابية من جديد. أجل.. الحب.. ذلك الكائن العذب الرحيم الجميل يأتي دائما في شكل أنثى تلوح في عيني المنفي الغريب مثل ظل يبسط يدا ناعمة في صحراء خالية من المشاعر. أجل.. الحب.. كان ولايزال بي في قرارة نفسي حنين جارف ودائم إليه برغم الإحن والملمات. ألا رحم الله إدريس جماع ذلك القائل:

    بسمة منك تشع النور في ظلمات دهري
    وتعيد الماء والأنهار إلى صحراء عمري

    هكذا، لسبب ما، وفي أوقات متفرقة، يطيب لي تأمل العالم من وراء نافذة زجاجية، لاسيما حين يتساقط مطر خفيف على أوجه المارة المهرولين فرحا أوحتى أولئك العابرين في صمت نحو غايات مختلفة غير عابئين بالقطرات المتساقطة مثل دموع متباعدة يراها العالم ولا يحفل، لعل ذلك كان بمثابة النشيد للحزن الجماعي على أعتاب كارثة ظللت أحس بها في أعماقي منذ أمد بعيد كحدث غامض ولا أراها عيانا، لكننا نحلق الآن هناك فوق مستوى السحب مابين خوف ورجاء، والطاهر إلى جواري ما ينفك يجذبني من تأملاتي بسؤال آخر غبي، وقد وطن نفسه على الإمساك بي في ذلك العالم الغريب عليه تماما كأعمى أبصر على حين غرة فغزت عينيه دفعة واحدة آلاف الأشياء والصور. وكان لابد له أن يتعلم في وقت وجيز ما وسعه الجهد لتحقيق أحلامه الصغيرة. وبدا كل ذلك بالنسبة لي عند بداياته بمثابة جحيم آخر لامفر منه، أولربما كان تذكارا من عالم قديم خلت أني ودعته بلا عودة، لا أدري أنا المحلق ما بين السماء والأرض أي مشاعر تتقاذفني الآن، ولكن لا شيء يجذبني إلى أرض الآلام مرة أخرى، لولا الحنين.

    كان الطاهر يريد معرفة كل شيء في لحظة واحدة، والله خلق السموات والأرض في سبعة أيام فأحسن، كانت مشاغله صغيرة إلى درجة حيرة كاتب سجن نفسه في عوالم الصفوة الباردة وتفسخاتها اللا نهائية بما يمكن أن يفعله بمادة إنسانية كتلك، كيف يختار ما تقدمه المضيفة من وجبات وشرب، كان ذلك همه الوحيد في هذا العالم حتى من قبل أن تبدأ الطائرة في الحركة والتحليق على علو شاهق، ويبدو أنه وجد حلا لهذه المعضلة، كان يراني أختار صنفا فيحذو حذوي بإشارة صامتة إلى الصنف نفسه، كانت رحلة طويلة وشاقة تماما، وكان لابد من وجود شيء يكسر حاجز الملل ويروح عن النفس ويمسح على رؤوس الأحزان المطلة من بحيرة الدمع الراكدة من حين لحين، وبدا شابا متدينا ورعا يصر على الصلاة من على مقعده، وقد شرع مرارا في التيمم طوال الرحلة من القاهرة إلى تلك المدينة الكندية الصغيرة باسطا واضعا كفيه على ظهر المقعد أمامه كصعيد طهور أسندت عليه ظهرها حسناء شقراء على مشارف الثلاثين.

    ربما لهذا كنت أختار ذلك النوع من الطعام بنزعة طفولية لا تخلو من شقاء لم أعشها في الماضي جيدا، فماأن تمر ربع الساعة حتى أبتدره في قمة متعته بالطعام الذي ظل ينظر إليه بشوق واضح حتى وهو بين يديه قائلا: "أتدري.. ياالطاهر.. أن ما تمضغه الآن هو لحم خنزير". ويبدو من ردود أفعاله أنه لم يعش حياته أبدا سوى على فقه الضرورة. كان يواصل الأكل وقتها بذات الإحساس بوجود مهدد خارجي يمكن أن ينتزع منه الطبق في أية لحظة. ثم لا يلبث أن ينقل الكرة إلى ملعبي قائلا: "الذنب ذنبك أنت العالم وأنا الجاهل". وأقول له بغيظ حقيقي وربما بصدق أيضا هذه المرة: "لكنك علمت الآن فإلزم". وكان دائما لايعدم مشجبا يعلق عليه مواقفه بذكاء عقلية بدوية حاضرة: "يا أخوي الله غفور رحيم". لقد كان يعبر الحواجز بسلاسة تامة. وتلك نفس لعمري لم يلوثها الزمن كثيرا. ثم تكون هناك التحلية حاضرة دائما. وتلك كانت هي المرة الأولى التي يقابل فيها بوله غامر ذلك المدعو "الكرز" وجها لوجه. أجل.. لم يكن ثمة سابق معرفة بينهما. لكنهما بدآ مثل شخصين سعيدين. ما أن يضع حبة منه داخل فمه حتى يبدأ في الضحك بلا مبرر ظاهر ثم لا يبالي من بعد ذلك بالمحيطين من حوله ولا يبالون.

    آنذاك، خاصة حين نزلنا معا في السكن المؤقت المعد للاجئين، كان الطاهر يعبر عن حزنه كمسلم حقيقي كلما عاد من الحمام، أوهم بالذهاب إليه، قائلا بذات الحسرة والكلمات: "تصور.. ياأخي.. أن الخواجة دا لم تغلبه حاجة واحدة في الدنيا دي.. الحاجة الوحيدة التي غلبته هي كيف يغسل طيزه بعد ما يقضي حاجته". بدا من الصعوبة بمكان توضيح أن المناخ يلعب دورا كبيرا في معالجة مثل تلك المسائل على هذا النحو أوذاك. لكن وكما يقال دوما لابد من وجود أشياء مزعجة في هذه الحياة تجعل من الفردوس مكانا خاليا من الملل أوصالحا للعيش.

    هكذا بدت هواية الجلوس أوتأمل العالم من وراء نافذة زجاجية من رابع المستحيلات في ظل الحضور اللصيق للطاهر الذي بدا معتمدا على مساعداتي أثناء فترة السكن المؤقت للاجيئن حتى في إقناع الفتيات لقضاء كل ليلة. لقد حولني إلى قواد ببساطة شديدة. على أية حال ذلك عمل لم أتلق في مقابله أجرا. كما أنه لم يخطر ببالي من قبل مطلقا إمكانية أن أمارس مثل هكذا مهنة طواعية. كان يقول لي بتحسر لو أنه كان يعرف فقط "لغة شوية كدا" لكان له شأن عظيم في هذه المدينة. كان يبرهن على مواهبه وقدراته الإستثنائية في كل مرة بعبارة بسيطة: "انظر.. أنا لا أعرف حرفا انجليزيا واحدا.. حتى التعليم الإبتدائي لم أكمله.. ولكني أمشي الآن في كندا مثلك تماما". والحق كان الطاهر يؤدي لي خدمة جليلة وقتها. لقد حال لفترة بيني وبين الجلوس إلى تشوهات الماضي الكئيب وجها لوجه. يا له من معروف وسند في تلك الأيام!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2005, 09:55 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    عزيزي "بناديها":

    حسب المعطيات الآن، يبدو لي أن هذا النص في طريقه إلى النشر باللغة الإنجليزية قبل أن يرى النور في لغته الأصلية، لست أدري ولكن أمامنا على ما يبدو طريق شاقة للوصول هنا أوهناك، ما يعني أن النص قد يشهد مستقبلا تعديلات ما قد لاتبدو واضحة الآن. بالأمس كنت أتحدث إلى كاتب كندي حول هذا النص ككتابة يومية وتمارين أخذت تأخذ شكلا أكثر جدية. والشاهد أن Security Agent لها تداعيات إيجابية لمواطن غربي يرى فيها كوظيفة حاجة ضرورية لأمن المواطن لا عليه. مما جعلني أشرح له دلالاتها لدينا وفق خلفية تاريخية اجتماعية سياسية. أما عما طالعته من ترجمة حتى الآن فقد أحسست بصدقه كقاريء. ولكني حتما منك في موقع أقل بكثير للتقييم. محبتي.. يا بن أمي وأبي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2005, 08:39 PM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)





    "الأم"، أوذلك الكائن الإنساني الجميل، الذي تغنى به شعراء أماجد غير محليين إمتلكوا قدرا كبيرا من الحرية الداخلية مثل رامبو، والذي بدا حتى في ترانيم الجنود الغليظة موضوعا دائما للحنين إلى عالم أليف قد يحول الموت في أية لحظة بينهم وبين العودة إليه مجددا، كان أول من قام الأمنجي السابق بتعذيبه في هذه الحياة.

    لقد كابدت أم الأمنجي السابق وقتها تلك التمزقات الصاروخية الحادة التي يدعونها آلام الطلق لأكثر من ثلاثة أسابيع متصلة شارفت خلالها على الموت نحو عشر مرات أويزيد. كان صراخها يسمع على بعد ثلاثة شوارع قبل أن يتحول في الأخير إلى تأوهات خافتة تشبه أنين محتضر تلفه وحشة في صحراء لانهائية. لعل ذلك ما دفع بها مستقبلا إلى عدم تكرار التجربة حتى الممات. ولو أرادت ذلك لما تسنى لها الدفع بطفل آخر. ذلك أن الأمنجي السابق الذي كان يرفس بقدميه وينطح برأسه ويستخدم يديه بعصبية قد حول الرحم إلى مكان غير صالح تماما لحياة القادمين من بعده. طوال تلك الأيام العصيبة، وكما فعل مع المعتقلين بعد ذلك، لم يكن ليسمح لأمه بالنوم، إلا بالقدر الذي يساعدها على تحمل موجات أخرى من التعذيب أوالألم.

    منذ اللحظات الأولى للطلق، تم إستدعاء الداية العاصمية أم صدير من بين خمسين أخريات على جناح السرعة، وبدت سانحة طيبة بعد فترة ممتدة من البطالة أن تنشغل قليلا عن أمر ذلك الحلم الذي أقض نومها كل ليلة. كان قد بلغ التعب بأم صدير بعد إسبوع الطلق الأول مداه، وبدا واضحا أنها ليست أمام ولادة طبيعية بالمرة، عندما أخبرت جارة أم الأمنجي السابق "شامة الجعلية" التي جاءت للوقوف إلى جانب جارتها في محنة أنها قامت من قبل بتوليد نساء مختونات وغيرهن لكن ما تراه الآن لم تشهد مثله من قبل، وقالت ضاحكة مخففة من لوعة شامة ذات القلب الرقيق "لابد أن جارتك تحمل شيطانا في بطنها"، وقالت أم صدير بعد دقائق " لقد طلبت من زوجها أن يذهب بها إلى المستشفى لكنه عارض وقال إنه ليس من المروة أن يعرض زوجته على رجل غريب يحمل رتبة أخصائي نسوان وتوليد". بعد ذلك واصلت المرأتان تطلعهما كعادة كل يوم إلى المرأة الحبلى على باب الولادة كمن ينتظر وقوع معجزة تنهي الكابوس في أية لحظة. وقد أيقنتا تماما أن عملهن قد لايتجاوز كثيرا الدعاء أوالقيام بعمل مكمدات باردة تخفف قليلا من السعير الملتهب على جبهتها.

    في غضون ذلك، بدأت أم صدير في بداية أسبوع الطلق الأخير تواجه مشكلة حقيقية بمجرد أن ترفع فستانها وترخي لباسها الداخلي على أعتاب عملية إنسانية عريقة تتم داخل المرحاض غالبا. أنا أتجنب هنا إستخدام لفظة "الخراء" تجنبا لجرح شعور بعض يساري العالم الرابع الذين يذهبون متنكرين لممارسة طبيعية أن مجرد ذكر ذلك على الملأ يضر بمكانتهم وسط مجتمعاتهم المتخلفة. تبا لهم في أبراجهم العاجية. لقد كانت الأمهات ولا تزال يقلن لأطفالهن "يا ولد قوم أخرا وبطل فسي من الصباح". وكان ذلك قمة العطف أوالبساطة في أرقى معانيها. لربما كانوا في حاجة ماسة إلى بحث نظري تطبيقي آخر يضاف إلى قائمة معارفهم العلمية لبيان أهمية كون "الظرطة" كفعل إنساني جميل لا يمتاز به النمل. مع أن خالي حسين الذي ورث من جدتي المجرية زرقة عينيها المستديرتين يؤكد أنه حين ذهب إلى الجنوب ظل ينصت لضراط النمل لأكثر من سبعين ليلة. كنت على أعتاب الثامنة عشرة من عمري، وكان الأمنجي السابق قد أفرج عني للتو بعد أن تكسرت في داخلي أشياء عديدة، حين سألته قائلا: "طيب.. يا خالي حسين.. كيف هي ظرطة النمل". أذكر أنه أخذ يحك مؤخرة رأسه بإبهام يده اليمنى مسافة، بعدها قطب مابين عينيه كمن يفكر في مسألة مستعصية، قبل أن يجيبني آناء ذلك العصر البعيد قائلا: "يعني زي ريحة الأناناس كدا". وإذا كان ما يقوله حقيقة فتلك تكون أطيب ضرطة في تاريخ العالم حتى الآن.

    أم صدير ردت المسألة برمتها خلال اليوم الأول إلى قلة النوم وتقطعه. لكن ما حدث بعدها جعلها تفهم على نحو غامض لماذا كانت تنقب في جحر في أثناء ذلك الحلم. ربما لذلك شرعت تفكر في أيام الصوم والصلاة القادمة لامحالة. وإن كانت في قرارة نفسها لاتزال تحلم بالشق الثاني من تفسير الحلم نفسه المتمثل في عثورها على كنز ما. لاسيما وأنها قد أعدت نفسها جيدا وتخيلت ذلك في شكل حقيبة من الحديد مليئة بالذهب كان قد طمرها وزير مال الخليفة عبد الله بعد هزيمته في موقعة كرري مباشرة. لقد كان الأمل متمكنا منها إلى الدرجة التي فكرت معها في الذهاب إلى بيت الله الحرام لأكثر من سبع مرات متتالية. حتى أنها فكرت أيضا في إنشاء مدرسة للدايات تكون هي مديرتها على وجه الخصوص.

    آنذاك، كانت تصطف أمامها داخل المرحاض مجموعة من السحالي في خط أفقي كتلاميذ في طابور الصباح، وتبدأ في النظر إليها بعيون حزينة دامعة، لم تنفع محاولات رشقها بالماء في جعلها ترمش للحظة ناهيك عن الدفع بها للهرب، هنا لم تجد أم صدير أمامها من شيء سوى القفز إلى خارج المرحاض شبه عارية، لاتلوي على شيء، وقالت ترد على شامة الجعلية وقتها وقد نسيتا أمر المرأة الحامل تماما "ومن يبالي!.. في مثل تلك الأحوال لاشيء يعوقني من الجري بعيدا.. حتى لوكان هناك جيش من الرجال في الخارج". ويبدو أن شامة الجعلية كانت تأخذ المسألة على سبيل المزاح، إلى أن بدأ الخوف يدب في أوصالها، عندما طلبت منها أم صدير التي إمتلأت مثانتها على آخرها وأخذت تدق بقدميها الأرض مثل طفلة مرافقتها إلى المرحاض. لكن شامة الجعلية لم تكن دائما تلك المرأة التي يمكن أن يعتمد عليها في وجود الخطر خاصة وأنه لم يخطر ببالها أبدا طوال حياتها أن سمعت أوتخيلت وجود سحالي في هذا العالم بعيون حزينة دامعة تظل تنظر إلى "النسوان المسكينات" في المرحاض هكذا.. بلا حياء.

    ومع ذلك، وجدت أم صدير أمام وضعها الحرج المتفاقم وقتا لإجراء مفاوضات بدت شاقة ويائسة تقنع شامة خلالها بالوقوف على أقل تقدير أمام باب المرحاض المفتوح لمنع أي رجل يمر من هناك، وقد كان أن نفذت شامة بنود الإتفاق في وضع الإستعداد للهرب عند سماع أول صرخة قادمة من داخل المرحاض، وقد رسخ في ذهنها تماما ما قالته أم صدير من أن النطق بإسم الجلالة في مثل ذلك المكان القذر قد يحولها إلى جنية ويبعدها عن عالم الإنس إلى الأبد، ويبدو الآن أن محنة المرأتين تتم في وقت بدت معه آلام الحامل التي لاتحتمل من الأمور العادية لتفاصيل يوم آخر. لقد عبرت شامة وقتها عن الموقف برمته وهي تنظر إلى جارتها على بعد دقيقة واحدة من تلك الولادة العسيرة والشاقة تماما بعبارة واحدة قائلة: "لقد كان ينقصنا فقط سحالي بعيون حزينة دامعة في لحظة مثل تلك"
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2005, 08:41 PM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)




    كندا.. كندا كندا!.

    كذلك وجدتني أهتف في سري. وقتها، كانت طائرة الخطوط الجوية الهولندية تحلق فوق المجال الجوي الكندي منسابة نحو الأمل وسط جبال السحب البيضاء المتفرقة كقلاع موغلة في القدم لم تجد سوى الفراغ اللانهائي حصنا آخر إلى حين عودة ساكنيها فيما بدا من معارك لم تكن في يوم من الأيام سوى مجرد وهم كتبه مؤرخون مجهولون على مر العصور فأسقطوا من حساباتهم دائما تسجيل تلك اللحظات الحية لغرام بين حبيبين ومض في وادي عبقر قبل ألف عام ولم يعد له لذلك من أثر سوى في خيالات شعراء أفذاذ أدمنوا البحث في سر الكون بلا طائل. هكذا يبدو العالم في عرف وليم سارويان مثل معركة لم ينتصر فيها أحد.

    وللأسف التاريخ منذ بدء الخليقة غالبا ما تكتبه الكراهية لا الحب. الحياة إذن ليست بستانا أخضر للطيبين الذين تساموا فوق أحزانهم الصغيرة. وهذا عالم جديد أهم بدخوله آملا أن أغسل فيه سابحا في نهير التسامح تلك الجروح الغائرة مرة واحدة وإلى الأبد. ربما يخضر قلبي بعدها. يفتح طواعية نوافذه الموصدة للشمس. ويثمر الحب في أشجاره الكابية من جديد. أجل.. الحب.. ذلك الكائن العذب الرحيم الجميل يأتي دائما في شكل أنثى تلوح في عيني المنفي الغريب مثل ظل يبسط يدا ناعمة في صحراء خالية من المشاعر. أجل.. الحب.. كان ولايزال بي في قرارة نفسي حنين جارف ودائم إليه برغم الإحن والملمات. ألا رحم الله إدريس جماع ذلك القائل:

    بسمة منك تشع النور في ظلمات دهري
    وتعيد الماء والأنهار إلى صحراء عمري

    هكذا، لسبب ما، وفي أوقات متفرقة، يطيب لي تأمل العالم من وراء نافذة زجاجية، لاسيما حين يتساقط مطر خفيف على أوجه المارة المهرولين فرحا أوحتى أولئك العابرين في صمت نحو غايات مختلفة غير عابئين بالقطرات المتساقطة مثل دموع متباعدة يراها العالم ولا يحفل، لعل ذلك كان بمثابة النشيد للحزن الجماعي على أعتاب كارثة ظللت أحس بها في أعماقي منذ أمد بعيد كحدث غامض ولا أراها عيانا، لكننا نحلق الآن هناك فوق مستوى السحب مابين خوف ورجاء، والطاهر إلى جواري ما ينفك يجذبني من تأملاتي بسؤال آخر غبي، وقد وطن نفسه على الإمساك بي في ذلك العالم الغريب عليه تماما كأعمى أبصر على حين غرة فغزت عينيه دفعة واحدة آلاف الأشياء والصور. وكان لابد له أن يتعلم في وقت وجيز ما وسعه الجهد لتحقيق أحلامه الصغيرة. وبدا كل ذلك بالنسبة لي عند بداياته بمثابة جحيم آخر لامفر منه، أولربما كان تذكارا من عالم قديم خلت أني ودعته بلا عودة، لا أدري أنا المحلق ما بين السماء والأرض أي مشاعر تتقاذفني الآن، ولكن لا شيء يجذبني إلى أرض الآلام مرة أخرى، لولا الحنين.

    كان الطاهر يريد معرفة كل شيء في لحظة واحدة، والله خلق السموات والأرض في سبعة أيام فأحسن، كانت مشاغله صغيرة إلى درجة حيرة كاتب سجن نفسه في عوالم الصفوة الباردة وتفسخاتها اللا نهائية بما يمكن أن يفعله بمادة إنسانية كتلك، كيف يختار ما تقدمه المضيفة من وجبات وشرب، كان ذلك همه الوحيد في هذا العالم حتى من قبل أن تبدأ الطائرة في الحركة والتحليق على علو شاهق، ويبدو أنه وجد حلا لهذه المعضلة، كان يراني أختار صنفا فيحذو حذوي بإشارة صامتة إلى الصنف نفسه، كانت رحلة طويلة وشاقة تماما، وكان لابد من وجود شيء يكسر حاجز الملل ويروح عن النفس ويمسح على رؤوس الأحزان المطلة من بحيرة الدمع الراكدة من حين لحين، وبدا شابا متدينا ورعا يصر على الصلاة من على مقعده، وقد شرع مرارا في التيمم طوال الرحلة من القاهرة إلى تلك المدينة الكندية الصغيرة باسطا واضعا كفيه على ظهر المقعد أمامه كصعيد طهور أسندت عليه ظهرها حسناء شقراء على مشارف الثلاثين.

    ربما لهذا كنت أختار ذلك النوع من الطعام بنزعة طفولية لا تخلو من شقاء لم أعشها في الماضي جيدا، فماأن تمر ربع الساعة حتى أبتدره في قمة متعته بالطعام الذي ظل ينظر إليه بشوق واضح حتى وهو بين يديه قائلا: "أتدري.. ياالطاهر.. أن ما تمضغه الآن هو لحم خنزير". ويبدو من ردود أفعاله أنه لم يعش حياته أبدا سوى على فقه الضرورة. كان يواصل الأكل وقتها بذات الإحساس بوجود مهدد خارجي يمكن أن ينتزع منه الطبق في أية لحظة. ثم لا يلبث أن ينقل الكرة إلى ملعبي قائلا: "الذنب ذنبك أنت العالم وأنا الجاهل". وأقول له بغيظ حقيقي وربما بصدق أيضا هذه المرة: "لكنك علمت الآن فإلزم". وكان دائما لايعدم مشجبا يعلق عليه مواقفه بذكاء عقلية بدوية حاضرة: "يا أخوي الله غفور رحيم". لقد كان يعبر الحواجز بسلاسة تامة. وتلك نفس لعمري لم يلوثها الزمن كثيرا. ثم تكون هناك التحلية حاضرة دائما. وتلك كانت هي المرة الأولى التي يقابل فيها بوله غامر ذلك المدعو "الكرز" وجها لوجه. أجل.. لم يكن ثمة سابق معرفة بينهما. لكنهما بدآ مثل شخصين سعيدين. ما أن يضع حبة منه داخل فمه حتى يبدأ في الضحك بلا مبرر ظاهر ثم لا يبالي من بعد ذلك بالمحيطين من حوله ولا يبالون.

    آنذاك، خاصة حين نزلنا معا في السكن المؤقت المعد للاجئين، كان الطاهر يعبر عن حزنه كمسلم حقيقي كلما عاد من الحمام، أوهم بالذهاب إليه، قائلا بذات الحسرة والكلمات: "تصور.. ياأخي.. أن الخواجة دا لم تغلبه حاجة واحدة في الدنيا دي.. الحاجة الوحيدة التي غلبته هي كيف يغسل طيزه بعد ما يقضي حاجته". بدا من الصعوبة بمكان توضيح أن المناخ يلعب دورا كبيرا في معالجة مثل تلك المسائل على هذا النحو أوذاك. لكن وكما يقال دوما لابد من وجود أشياء مزعجة في هذه الحياة تجعل من الفردوس مكانا خاليا من الملل أوصالحا للعيش.

    هكذا بدت هواية الجلوس أوتأمل العالم من وراء نافذة زجاجية من رابع المستحيلات في ظل الحضور اللصيق للطاهر الذي بدا معتمدا على مساعداتي أثناء فترة السكن المؤقت للاجيئن حتى في إقناع الفتيات لقضاء كل ليلة. لقد حولني إلى قواد ببساطة شديدة. على أية حال ذلك عمل لم أتلق في مقابله أجرا. كما أنه لم يخطر ببالي من قبل مطلقا إمكانية أن أمارس مثل هكذا مهنة طواعية. كان يقول لي بتحسر لو أنه كان يعرف فقط "لغة شوية كدا" لكان له شأن عظيم في هذه المدينة. كان يبرهن على مواهبه وقدراته الإستثنائية في كل مرة بعبارة بسيطة: "انظر.. أنا لا أعرف حرفا انجليزيا واحدا.. حتى التعليم الإبتدائي لم أكمله.. ولكني أمشي الآن في كندا مثلك تماما". والحق كان الطاهر يؤدي لي خدمة جليلة وقتها. لقد حال لفترة بيني وبين الجلوس إلى تشوهات الماضي الكئيب وجها لوجه. يا له من معروف وسند في تلك الأيام!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2005, 09:26 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)

    بدا الأمر في عيني أم صدير كما أتخيله نيابة عنها الآن أشبه بموقف علماء من "ناسا". جلسوا طوال سنوات يعدون بصبر ودقة وأمل وحب برنامجا فضائيا ضخما. ثم جلسوا لحظة الإنطلاق قبالة شاشات التلفزة الداخلية يشاهدونه بوجوم تام وحزن وألم وصمت. وقد تمزق في إنفجاره الرهيب المدوي إلى شظايا صغيرة ملتهبة متبعثرة على مدى عشرات الأميال والخيبة. هكذا تكون النتائج في بعض الأحيان قاسية.. مريعة.. وخارج السيطرة الإنسانية تماما. لكن الناس يقولون دائما على سبيل العزاء ولا عزاء آن المرء يكفيه في مثل هذه الأحوال شرف المحاولة لا الندم. وهذا ما ظلت تنكره شامة الجعلية على طريقتها الخاصة في التعامل مع الكوارث إلى ما شاء الله. وقد توقعت دائما أن تجد شيئا طيبا مقابل محبتها للناس. ربما لذلك لم تنس لجارتها مطلقا أنها جلبت في يوم من أيام الله مثل ذلك الطفل الذي هبط إلى العالم منذ البداية كلعنة.

    حدث ذلك حين خرج الأمنجي السابق من بطن أمه بلا صوت. وظن جميع من بالحجرة الصغيرة مشرعة النوافذ منتصف ذلك النهار الخريفي البعيد أن حصيلة وثمرة معاناتهم الجبارة لم تكن في نهاية المطاف سوى طفل ميت. آنذاك بدأت دموع صامتة تسيل على وجه شامة الجعلية كما لو أنها تشاهد بلا حيلة عالما كاملا ينهار لحظة الميلاد أمامها. لكن ما حدث بعيد ذلك أمر لم يسمع به جن من قبل ولا خطر على قلب بشر درجوا على تناقل سير أسلافهم منذ بدء الخليقة على يد من له شئون وحكمة عليا في مخلوقاته.

    وقتها، وببساطة شديدة، شرعت أم صدير في التبول داخل لباسها وقوفا مكونة بركة صغيرة أسفل قدميها المرتعشتين، قبل أن تسند فعلتها لاحقا على شامة الجعلية التي أشتهرت برقة القلب وطيبته إلى جانب خوفها الفطري من ظلها نفسه خلال الليالي القمرية عند منتصف كل شهر عربي. يحدث ذلك لأم صدير نفسها. تلك المرأة التي أدمنت سماع وحكي معجزات عن أولياء الله الصالحين بإيمان وخشوع مطلقين. حتى أنها كانت تحكي لشامة الجعلية قبل ساعات من خروج الأمنجي السابق إلى العالم على ذلك النحو المريع ما كان من أمر ولادة قطب الأقطاب الشيخ الطيب "راجل أم مرح".

    قبل ولادته بسنوات قليلة، كان والده البشير بن مالك "رحمه الله"، يسافر "في تلك الأيام" كثيرا إلى مدينة سنار لشئون تتعلق به وبملكها في الوقت نفسه، وكان في أسفاره إلى هناك يقيم عند ابن عمه الشيخ حمد المكاشفي "رحمه الله". وذات ليلة، رأى في المنام "أنه خرج منه مني كثير حتى سال على وجه الأرض، وأن جميع أهل الجهات يهرعون إليه، وفي يد كل واحد منهم مرود، وهو يضعه في ذلك المني ويكحل به عينيه، فأصبح متعجبا من تلك الرؤيا، ثم قصها على ابن عمه، فقال له: سيخرج منك ولد تكتحل به بصائر أهل جميع الجهات". وقد كان أن "اكتحل والده بطلعته السعيدة ومحاسنه الحميدة". ثم بعد ذلك سافر إلى سنار كعادته من قبل "فتلقاه الشيخ حمد المكاشفي على أميال كثيرة، وعانقه وهنأه ببزوغ الشمس المنيرة، والطلعة الباهرة الخطيرة، وقال له: هذا هو القطب المشار إليه، والفرد الجامع الذي تجتمع الخلائق عليه، فحمد الله والده عند ذلك حمدا كثيرا، وشكره شكرا كبيرا، على أن جعله الله مظهرا لهذا القطب العظيم، والغوث الفخيم".

    هكذا، أسفل الظل المخيم لمكابدات الحامل ومعاناتها التي لا تطاق، كانت المرأتان تقاومان الوجود الغامض لسحالي بعيون حزينة دامعة بقصص أولياء الله الصالحين وكراماتهم التي حفظوا من خلالها الكون من شرور كثيرة محدقة به، ولم يكن بوسع أكثرهن مقدرة على التوقع الشعور أن كل ما حدث لم يكن سوى مقدمة بسيطة لسنوات الترويع المقبلة، تلك التي دفعت شامة الجعلية نفسها بطيبة قلبها ونقاء سريرتها اللا محدود إلى الندم أنها لم تخنق ذلك "المولود الوقح" في مهده، وقد صارت حياتها بمرور الوقت في حضوره المرعب سلسلة من الكوابيس والمخاوف القاتلة تماما.

    آنذاك، أي فور خروجه من بطن أمه، لم يسمع صوت بالمرة، وتيقن الجميع أنه ولد ميتا، لو لا أنه أخذ يقلب عينيه الواسعتين في الناس والأشياء من حوله، وما أوشك أن يدفعهن في تلك الغرفة إلى الهرب عدوا بمن فيهن الأم المنهكة حد الموت أنه كان يغير لون عينيه بحسب درجة ضوء النهار المتغيرة بفعل سماء ملبدة بالغيوم، والشيء الوحيد الذي منعهن من الفرار كما يفر سرب غزلان أمام حيوان كاسر كان الرعب، إذ بدا وكأن المولود ولد بمعجزة أخرى، عندما كانت عيناه تتحولان فجأة إلى وضع الحول أوالحوص، لقد كان من الصعوبة بمكان معرفة إلى أين ينظر، كما كن يجهلن تماما عاقبة الهرب من أمام هذا الأمر العجيب، ربما لهذا فوضن أمرهن للعلي القدير وجلسن منتظرات لما ستسفر عنه حكمة الرب، حتى إذا ما نجون أخذن بمرور الأيام يتبادلن التهم حول من بالت منهن علانية أوسرا خلال ذلك الموقف العصيب، والذي دفع بعدها أم صدير إلى إعتزال مهنتها كداية عاصمية تحلم بفتح مدرسة خاصة للدايات مرة واحدة وإلى الأبد، وقد صارت تلعن أغلب أهل العاصمة لتجنيب نسائهم الذهاب إلى أطباء عوضا عن الدايات.

    قد تنسى أم صدير في لحظة ما إسمها الحقيقي، قد تنسى مشيتها سابحة في عرض الطريق بقامتها الطويلة التي أسالت أحلاما خفية في نفوس رجال قضاة وموظفين صغار وأطباء وأئمة دين وسفلة صعاليك وسماسرة مهنتهم التوسط لبيع لبن الطير بعد مناورات واسعة، قد تنسى حتى طعم ملاح الشرموط الأحمر وجبتها المفضلة في هذا العالم والتي كانت تشعر حين تجدها أمامها بلذة غامرة وكأنها لا تزال بين أحضان زوجها الذي غادر العالم متوسدا صدرها الوافر ذات عصر لم يعد قريبا من ولادة الأمنجي السابق، قد تنسى كل ذلك، لكنها لن تنسى أبدا يوم ولد "الأمنجي السابق" ما مد الله في عمرها وظلت على قيد الحياة بذكرى مزعجة ما أن تخطر على ذهنها حتى تسيل منها تلك القطرات خلسة.

    وذلك ما تذكره جيدا. فما إن عادت إلى رشدها بعد صدمة الحوص المباغتة، وكانت تجلس قبالة سرير النفساء في وضع الإستعداد للهروب من الغرفة في أية لحظة، حتى ترك "الأمنجي السابق" ثدي أمه على حين غرة، وأخذ يتطلع بعينين سليمتين هذه المرة إلى صدرها العالي بنهم لا يليق بطفل حديث الولادة، عندها أسعفت أم صدير نفسها وسترت صدرها فجأة بأقرب قطعة قماش إلى يدها، مع أنها لاحظت أن له عضوا صغيرا في حجم حبة القمح أوأصغر قليلا!.

    وعلى الرغم من ميراث الطيبة الضخم الذي تحمله في داخلها، إلا أن العجوز أم صدير لا تزال بحكمتها الطاعنة تنظر إلى عدم زواجه حتى في هذه السن المتأخرة كنوع من العزاء، إذ أن العالم كما رسخ في ذهنها ليس بحاجة مرة أخرى إلى ذرية تحمل عيونا تبث الرعب في أوصاله.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2005, 11:35 PM

banadieha
<abanadieha
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 2235

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)



    لا تهتم يابرنس..الأمر بالنسبة لي طريقة قراءة عندما يشدني نص أو أميل لكاتب وليس هو بترجمة بقدر ما هو "تشريح" وايضا تزجية فراغ عزيز بين انشغال وانشغال..وقطعا المفردات لها معناها المعروف كما لها معناها الذي يمكن أن نقرره للقاريء (الما مننا) من خلال هوامش للشرح يسندها البناء الروائي ككل..عموما أخوي عبدالحميد واصل ما علينا إلا الرشف والإستمتاع فقط.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-09-2005, 09:38 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: banadieha)

    شقيقي الجميل "بناديها":

    جميل أن تدفعك الكتابة هنا إلى ترجمة شيء ما في كل الأحوال. ومع ذلك فاتني مسألة الهوامش لقراء في سياقات أخرى. ورأيك أعلاه يدل على مدى تمكنك مما تفعل. الآن أنهينا فصل. وعلينا بدء الفصل الثاني تحت عنوان (المساومة على الضعف). محبتي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-09-2005, 10:55 AM

هاجر سيد احمد
<aهاجر سيد احمد
تاريخ التسجيل: 09-09-2005
مجموع المشاركات: 178

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    عبد الحميد
    أيها الرائع فى عالم تتخذ فيه الروعة عدة اشكال ويتغمص فيه البشر شخصيات غير التى اهدتهم اليها قدراتهم الشخصية او ظروفهم الموضوعية ..ولكن مهما كانو بارعون..فلن ينجحو فى خداعنا مرتين ..لان هنالك عبد الحميد واخرون..كذلك الشيخ المهيب.. لهم قدرة على قراءةالافكار..بقدرات ماهى تمنيات.. ولكن اوهبتهم اياها سنين من التجارب المرة ..سنين من التحليل..سنين من الجراح ..فما كان الامنجى بارعا يوما حتى فى وسائل تعذيبه ..كلها تتشابه!! فماذا تغير الان لكى يكتسب قدرة ابداعية فجائية؟!!
    تدفق..فاراضينا عطشى!!!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-09-2005, 11:44 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: هاجر سيد احمد)

    العزيزة هاجر:

    كنت قبل أن أتشرف بوجودك هنا للمرة الأولى أفكر في مدخل آخر للمأساة. ربما أمكنني وقتها والجرح طازج تقديم "شكرا حزينا" آخر. البركة فيكم. وما أصدق وأبسط وأعمق ما تكتبين في آن. أتابعك بمحبة هنا وهناك في صمت. وهكذا يتبقى لنا مهمة تحويل القبح إلى جمال ما أمكن. تحياتي وتقديري لك ولعاصم والأولاد.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-09-2005, 06:37 PM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)



    بدا الأمر في عيني أم صدير كما أتخيله نيابة عنها الآن أشبه بموقف علماء من "ناسا". جلسوا طوال سنوات يعدون بصبر ودقة وأمل وحب برنامجا فضائيا ضخما. ثم جلسوا لحظة الإنطلاق قبالة شاشات التلفزة الداخلية يشاهدونه بوجوم تام وحزن وألم وصمت. وقد تمزق في إنفجاره الرهيب المدوي إلى شظايا صغيرة ملتهبة متبعثرة على مدى عشرات الأميال والخيبة. هكذا تكون النتائج في بعض الأحيان قاسية.. مريعة.. وخارج السيطرة الإنسانية تماما. لكن الناس يقولون دائما على سبيل العزاء ولا عزاء آن المرء يكفيه في مثل هذه الأحوال شرف المحاولة لا الندم. وهذا ما ظلت تنكره شامة الجعلية على طريقتها الخاصة في التعامل مع الكوارث إلى ما شاء الله. وقد توقعت دائما أن تجد شيئا طيبا مقابل محبتها للناس. ربما لذلك لم تنس لجارتها مطلقا أنها جلبت في يوم من أيام الله مثل ذلك الطفل الذي هبط إلى العالم منذ البداية كلعنة.

    حدث ذلك حين خرج الأمنجي السابق من بطن أمه بلا صوت. وظن جميع من بالحجرة الصغيرة مشرعة النوافذ منتصف ذلك النهار الخريفي البعيد أن حصيلة وثمرة معاناتهم الجبارة لم تكن في نهاية المطاف سوى طفل ميت. آنذاك بدأت دموع صامتة تسيل على وجه شامة الجعلية كما لو أنها تشاهد بلا حيلة عالما كاملا ينهار لحظة الميلاد أمامها. لكن ما حدث بعيد ذلك أمر لم يسمع به جن من قبل ولا خطر على قلب بشر درجوا على تناقل سير أسلافهم منذ بدء الخليقة على يد من له شئون وحكمة عليا في مخلوقاته.

    وقتها، وببساطة شديدة، شرعت أم صدير في التبول داخل لباسها وقوفا مكونة بركة صغيرة أسفل قدميها المرتعشتين، قبل أن تسند فعلتها لاحقا على شامة الجعلية التي أشتهرت برقة القلب وطيبته إلى جانب خوفها الفطري من ظلها نفسه خلال الليالي القمرية عند منتصف كل شهر عربي. يحدث ذلك لأم صدير نفسها. تلك المرأة التي أدمنت سماع وحكي معجزات عن أولياء الله الصالحين بإيمان وخشوع مطلقين. حتى أنها كانت تحكي لشامة الجعلية قبل ساعات من خروج الأمنجي السابق إلى العالم على ذلك النحو المريع ما كان من أمر ولادة قطب الأقطاب الشيخ الطيب "راجل أم مرح".

    قبل ولادته بسنوات قليلة، كان والده البشير بن مالك "رحمه الله"، يسافر "في تلك الأيام" كثيرا إلى مدينة سنار لشئون تتعلق به وبملكها في الوقت نفسه، وكان في أسفاره إلى هناك يقيم عند ابن عمه الشيخ حمد المكاشفي "رحمه الله". وذات ليلة، رأى في المنام "أنه خرج منه مني كثير حتى سال على وجه الأرض، وأن جميع أهل الجهات يهرعون إليه، وفي يد كل واحد منهم مرود، وهو يضعه في ذلك المني ويكحل به عينيه، فأصبح متعجبا من تلك الرؤيا، ثم قصها على ابن عمه، فقال له: سيخرج منك ولد تكتحل به بصائر أهل جميع الجهات". وقد كان أن "اكتحل والده بطلعته السعيدة ومحاسنه الحميدة". ثم بعد ذلك سافر إلى سنار كعادته من قبل "فتلقاه الشيخ حمد المكاشفي على أميال كثيرة، وعانقه وهنأه ببزوغ الشمس المنيرة، والطلعة الباهرة الخطيرة، وقال له: هذا هو القطب المشار إليه، والفرد الجامع الذي تجتمع الخلائق عليه، فحمد الله والده عند ذلك حمدا كثيرا، وشكره شكرا كبيرا، على أن جعله الله مظهرا لهذا القطب العظيم، والغوث الفخيم".

    هكذا، أسفل الظل المخيم لمكابدات الحامل ومعاناتها التي لا تطاق، كانت المرأتان تقاومان الوجود الغامض لسحالي بعيون حزينة دامعة بقصص أولياء الله الصالحين وكراماتهم التي حفظوا من خلالها الكون من شرور كثيرة محدقة به، ولم يكن بوسع أكثرهن مقدرة على التوقع الشعور أن كل ما حدث لم يكن سوى مقدمة بسيطة لسنوات الترويع المقبلة، تلك التي دفعت شامة الجعلية نفسها بطيبة قلبها ونقاء سريرتها اللا محدود إلى الندم أنها لم تخنق ذلك "المولود الوقح" في مهده، وقد صارت حياتها بمرور الوقت في حضوره المرعب سلسلة من الكوابيس والمخاوف القاتلة تماما.

    آنذاك، أي فور خروجه من بطن أمه، لم يسمع صوت بالمرة، وتيقن الجميع أنه ولد ميتا، لو لا أنه أخذ يقلب عينيه الواسعتين في الناس والأشياء من حوله، وما أوشك أن يدفعهن في تلك الغرفة إلى الهرب عدوا بمن فيهن الأم المنهكة حد الموت أنه كان يغير لون عينيه بحسب درجة ضوء النهار المتغيرة بفعل سماء ملبدة بالغيوم، والشيء الوحيد الذي منعهن من الفرار كما يفر سرب غزلان أمام حيوان كاسر كان الرعب، إذ بدا وكأن المولود ولد بمعجزة أخرى، عندما كانت عيناه تتحولان فجأة إلى وضع الحول أوالحوص، لقد كان من الصعوبة بمكان معرفة إلى أين ينظر، كما كن يجهلن تماما عاقبة الهرب من أمام هذا الأمر العجيب، ربما لهذا فوضن أمرهن للعلي القدير وجلسن منتظرات لما ستسفر عنه حكمة الرب، حتى إذا ما نجون أخذن بمرور الأيام يتبادلن التهم حول من بالت منهن علانية أوسرا خلال ذلك الموقف العصيب، والذي دفع بعدها أم صدير إلى إعتزال مهنتها كداية عاصمية تحلم بفتح مدرسة خاصة للدايات مرة واحدة وإلى الأبد، وقد صارت تلعن أغلب أهل العاصمة لتجنيب نسائهم الذهاب إلى أطباء عوضا عن الدايات.

    قد تنسى أم صدير في لحظة ما إسمها الحقيقي، قد تنسى مشيتها سابحة في عرض الطريق بقامتها الطويلة التي أسالت أحلاما خفية في نفوس رجال قضاة وموظفين صغار وأطباء وأئمة دين وسفلة صعاليك وسماسرة مهنتهم التوسط لبيع لبن الطير بعد مناورات واسعة، قد تنسى حتى طعم ملاح الشرموط الأحمر وجبتها المفضلة في هذا العالم والتي كانت تشعر حين تجدها أمامها بلذة غامرة وكأنها لا تزال بين أحضان زوجها الذي غادر العالم متوسدا صدرها الوافر ذات عصر لم يعد قريبا من ولادة الأمنجي السابق، قد تنسى كل ذلك، لكنها لن تنسى أبدا يوم ولد "الأمنجي السابق" ما مد الله في عمرها وظلت على قيد الحياة بذكرى مزعجة ما أن تخطر على ذهنها حتى تسيل منها تلك القطرات خلسة.

    وذلك ما تذكره جيدا. فما إن عادت إلى رشدها بعد صدمة الحوص المباغتة، وكانت تجلس قبالة سرير النفساء في وضع الإستعداد للهروب من الغرفة في أية لحظة، حتى ترك "الأمنجي السابق" ثدي أمه على حين غرة، وأخذ يتطلع بعينين سليمتين هذه المرة إلى صدرها العالي بنهم لا يليق بطفل حديث الولادة، عندها أسعفت أم صدير نفسها وسترت صدرها فجأة بأقرب قطعة قماش إلى يدها، مع أنها لاحظت أن له عضوا صغيرا في حجم حبة القمح أوأصغر قليلا!.

    وعلى الرغم من ميراث الطيبة الضخم الذي تحمله في داخلها، إلا أن العجوز أم صدير لا تزال بحكمتها الطاعنة تنظر إلى عدم زواجه حتى في هذه السن المتأخرة كنوع من العزاء، إذ أن العالم كما رسخ في ذهنها ليس بحاجة مرة أخرى إلى ذرية تحمل عيونا تبث الرعب في أوصاله.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-09-2005, 08:16 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)

    المساومة على الضعف:
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-09-2005, 04:54 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كنت قد تعرفت قبل سنوات شهدت حيوية خارجية للمعارضة على مدني سليمان في القاهرة. كان وقتها شابا نشطا في حزب الحرية المعارض ومتفائلا إلى الدرجة التي قام خلالها سرا بدعم من أقطاب حزبيين كبار يقدرون مواهبه الخطابية بتفصيل بدل سوداء عند ترزي عجوز وماهر في شارع عبدالخالق ثروت لأغراض سماها "ظروف مابعد سقوط النظام الوشيكة".

    لم يكن بوسع مدني سليمان ساعتها كصانع لأفكار الخلايا الشبابية في الداخل تخيل أن الجنرال سيهرم على مقاعد السلطة إلى الدرجة التي بدأ يتذكر معها أمام حشود جماهيرية تفاصيل مغامرات جنسية قام بها في سن السابعة عشرة مع بائعة خضروات منسية تدعى "مدينة". آنذاك غلب الحنين الجنرال فشرع في البكاء لأول مرة في حياته مما دفعه أن يصدر مرسوما عسكريا أمام الملأ كلف بموجبه أكثر من ثلاثة آلاف أمنجي للبحث عنها في مدينة قال إنه "للأسف الشديد" نسي إسمها. وحسب التقارير النهائية ومواصفات سيادته تم العثور في القطر كله على عشر نساء فقط وصلن إلى سن الثمانين مات منهن سبع بالسكتة القلبية حين علمن أن الجنرال أرسل في طلبهن على وجه السرعة بينما ماتت إثنتان أثناء الطريق لأسباب مجهولة وظلت الأخيرة "تظرط" بصوت عال مما أزعج سكان القصر الجمهوري ودفع الجنرال في النهاية إلى إرسالها غير مأسوف عليها إلى بحيرة التماسيح لتتوقف عن الضراط هناك مرة واحدة وإلى "أبد الآبدين".

    هكذا أسر لي مدني سليمان ساعة صفاء نادرة أويأس بأمر تلك البدل السوداء في احدى جلسات السكر بعد أن تيقن تماما أنني لن أفشي لأحد سره الذي غدا يراوده الآن فقط في قمة تفانيه في عمله كعامل نظافة في شركة "بي كلين". آنذاك كان يضغط على ماسحة البلاط كمن يقاتل كائنات غير مرئية مما أخذ يثير في أحيان كثيرة فضول بعض المارة عبر المجمع التجاري الذين كانوا ينظرون إليه بذهول قبل أن يسرعوا الخطى لسبب ما مبتعدين عنه بريبة من يقترب من شخص فيتبين له بغتة أنه مجنون أويعاني من مرض نفساني على وشك الانفجار في أية لحظة. ويخيل لي الآن أنه لو صرخ في وجوههم آنذاك بهيئته المهملة تلك على نحو فجائي لأطلقوا لسيقانهم العنان مسابقين إعصارا لأول مرة يحمل مكنسة في يده .

    كان عمله يتركز أساسا في تنظيف المراحيض داخل المجمع التجاري الضخم الذي يحمل إسم "تكسيدو" إلى جانب البهو الخارجي الواسع لبنك "إسكوتشيا" ذي الأرضية الرخامية البيضاء اللامعة. كان لتصاريف القدر أن تم تعييني بعد فترة وجيزة من وصولي إلى كندا من قبل شركة أمن الملكيات الخاصة كحارس في نفس المجمع وخلال وردية مدني الليلية نفسها. كانت مهامي تنحصر في مراقبة شاشات المراقبة داخل مكتب صغير في قسم يحتوي على غرفتي التهوية وأدوات النظافة ومرحاضين تم تخصيصهما للعاملات والعاملين في المحلات التجارية داخل المجمع أثناء النهار عوضا عن منح عاملي النظافة بعض المفاتيح وإستلامها منهم عند نهاية وردياتهم.

    فور دخوله إلى المجمع عبر البوابة الحادية عشرة بعد وصولي إلى المكتب بنحو الساعة، أبدأ في مراقبته وهو يتنقل من شاشة لشاشة إلى أن يطرق في الأخير باب مكتبي ووجهه يكون متجها مباشرة إلى الكاميرا إلى أعلى جانب الباب وقد علته ذات الإبتسامة الصفراء التي بدت في هذا المنفى كعلامة مميزة له. قبل ذلك، وفي أثناء سيره داخل المبنى بخطى مثقلة وبطيئة، أكون قد شرعت على الفور في عقد تلك المقارنة الدقيقة بينه كسياسي سابق وبينه كعامل نظافة حالي تشغله بشكل أساسي هموم كيفية تحويل دولارات إلى هله في الوطن لإقامة أشياء تحتاج إلى أكثر من المصاريف الشهرية الروتينية، أشياء تكون في الغالب قد حدثت فجأة كسقوط سور المنزل الخارجي الذي لم يحتمل الإهتزاز الذي كانت تصدره أحذية الأمنجية الثقيلة أثناء تمارينها الصباحية عبر شوارع المدينة.

    في أيام العطل الإسبوعية، حيث تبدو الساعات بمثابة سلسلة خانقة ولا نهائية من الذكريات الحزينة والأسى، لا تخلو عادة شقة مدني سليمان في ذلك المبنى التابع لمشاريع الإيواء الحكومي لمحدودي الدخل من زجاجتي "بلاك ليبل" وثالثة "بكاردي" ومجموعة من علب البيرة ماركة "بلووايزر"، أما فيما يتعلق بأنثى يمكن أن تضفي معنى لهذا الوجود البائس فكانت مسألة لاتنفصل عنده من عملية إعداد الميزانية الشهرية بدقة شديدة. كان يوم السبت يصحو من نومه في حوالي الثالثة بعد الظهر. يحلق ذقنه كعادته مرة واحدة كل أسبوع صابغا شعره أمام المرآة نفسها عند منتصف كل شهر. يأخذ حماما دافئا وهو يتأمل ترهل بطنه وتلك التجاعيد المتتالية أعلى ساعديه بين ثانية وثاتية. ثم يعمل على إعداد أكله بينما يتناول كأساته ويستمع في الوقت نفسه إلى تسجيلات لأغاني شعبية قديمة بأصوات لمطربين يقول أنه لم يسمع بهم أيام كان في الوطن. كان يتناول طعامه بعد ذلك ساهما قبل أن يهبط في هدوء آلي كعربة تبدأ في التدحرج بلا سائق إلى الشارع مساوما بنات الليل، وربما لدربته السياسية السابقة كان دائما ما يحمل تحوطا عوازل طبية في جيبه، وقبل ذلك يكون قد أخفى مقتنياته الثمينة في مكان حصين داخل الشقة لاتطاله بنت ليل أويخطر ببالها. كان يدس ساعته مثلا داخل كومة الملابس الداخلية المتسخة أسفل الدولاب الذي يتركه مشرعا على سبيل التمويه.

    حين يفشل مدني في الحصول على أنثى من سوق الداعرات السري في زقاق أوفي عتمة حديقة عامة، كان يعود إلى شقته مقلبا بنفاد صبر في نوتة تيلفونات قديمة باحثا عن أرقام لمنفيين آخرين على إمتداد أمريكا الشمالية وأوربا وأستراليا يتوقع أن يكونوا كذلك في حاجة ماسة إلى تبادل ذكرى الأيام الثورية في القاهرة وربما في سراديب سرية داخل الوطن قبل أن تشتد سطوة الجنرال الذي أخذت تراوده منذ فترة فكرة إرسال كروت للمنفيين تعلن العفو عنهم بمناسبة بلوغ حكمه سن النضج السياسي. وما أثار وقتها حفيظة السياسيين السابقين في المنفى هو كيفية حصول الجنرال على عناوينهم البريدية. حتى أن خطابا وصل لمنفي يدعى عبد اللطيف الجعيصاوي بإسمه الجديد.. ديريك ماكدونالد.. الذي سبق له وأن أعلنه وسط دائرة ضيقة من الأصدقاء قبل أن يصل في اليوم التالي مباشرة إلى هولندا عبر كل من بنما والنرويج ليتصل به هاتفيا أحد جيرانه بعد يومين من كوريا الجنوبية مهنئا وسائلا عما إذا كان قد ذبح عجلا بمناسبة إسمه الجديد الذي يتسم بالكثير من "الموسيقى الشاعرية الآسرة" على حد تعبيره. أجل.. ذلك ديريك ماكدونالد.. أوعبد اللطيف الجعيصاوي سابقا.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-09-2005, 05:37 AM

أحمد الشايقي
<aأحمد الشايقي
تاريخ التسجيل: 08-08-2004
مجموع المشاركات: 14385

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الاخ الكريم البرنـس

    روايــة موفقـة وكتابــة اصيلــة عميقــة الأفكـار


    كنت في زيارة لاحـدى المدن بدولـة خليجيـة, وقد التقيـت مع بعـض الاخـوة هنـاك أحـد الأمنجيـة المشهورين الذين أثاروا الذعـر في أنفـس السكان في مكان مـا ببلادنا في فترة أوائل التسعينات.

    كان يعرفني وكان دائم الجلوس أمام التلفاز لابسـا النظارة الشمسية بداخل الغرف منخفضـة الاضاءة لأسباب بالتأكيد من بينها الحياء من نظرات الذين اختلفت نظرتهم إليه بعد أن تغرب وذاق شظف العيش دونمـا أن يوفق في الحصـول على عمـل في بلاد ليس فيها وظيفـة للذين يتعهدون بعد الأنفاس على الأبرياء وحساب الخطوات على تلاميـذ المدارس.

    فليخسـأ الذيـن اثخنـوا جـراح بني أوطانهـم دون مراعاة لدين او وطـن.

    واصـل وافضـح لنا ما لا يحسـن سـتره.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-09-2005, 01:52 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: أحمد الشايقي)

    الأستاذ المستشار أحمد الشايقي:

    أشكر لك مرورك الدال من هنا. ذلك آنك ردمت لي هوة حقيقية في بناء شخصية الأمنجي السابق لاحقا من خلال وصفك الدقيق الموحي لذلك الأمنجي. لذا أرجو ألا تستغرب إذ (لربما) رأيت أخينا هنا مرتديا تلك النظارة السوداء حيث لا شمس. هذا بعد إذنك طبعا. ولك عميق تقديري.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-09-2005, 04:56 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كنت وقتها من شاشة لشاشة أتابع مدني سليمان وهو يدلف كعادته إلى المجمع التجاري الضخم عبر ذات البوابة الحادية عشرة وهو يخطو على الأرضية الرخامية البيضاء اللامعة لبنك "إسكوتشيا" التي سيبدأ في تنظيفها بعد قليل إلى أن طرق أخيرا الباب. كان مطرقا على غير العادة. لم يتطلع هذه المرة إلى الكاميرا المثبتة إلى أعلى جانب الباب الأيسر. أويهزر كما فعل حتى ليل الأمس القريب بحركات أقرب ما يمكن أن يفعلها قرد عجوز في سيرك.

    "ما بك"، سألت مدني لحظة أن فتحت له الباب وتبين لي كم هو حزين ومحبط تماما. لم يقل شيئا. فقط أخذ يتقدم في صمت. جلس على مقعد خال إلى جواري. بدأت أتطلع إلى شاشات المراقبة أمامي ريثما يقرر اللحظة المناسبة للكلام بنفسه. كان هناك شاب وشابة يتبادلان قبلة طويلة قبالة الكاميرا التي تغطي الجزء الشرقي من محلات ماكدونالد المغلقة.

    بدا لي حزن المنفيين دائما في تلك المدينة الكندية الصغيرة مثل المطر الإستوائي، تارة يهمي خفيفا متباعدا، وتارة أخرى يندلق ثقيلا متواصلا، وفي كلتا الحالين لا تدري متى يبدأ أويتوقف. فجأة انقبض قلبي وأظلم الكون أمام عيني للحظة. ذلك حين يبدأ ثوري مثل مدني في ترديد آيات الصبر والعزاء من القرآن لابد أنه يعاني من ضعف غير عادي. أو أن هناك كارثة فوق التصور قد هبطت على نظام الكون في ذهنه بثقلها كله. وقد كان. ومع ذلك ندت عني إبتسامة بينما مدني يكشف عن فداحة المأساة شيئا بعد شيء.

    لقد ذبحوه كما قال من الوريد إلى الوريد. كان ثملا وقتها. أجل.. لا أثر على جثته لأدنى مقاومة. لقد كانت تعلو ملامح وجهه ذات الطيبة برغم نهر الدم أسفل عنقه. لكأنما طلب من قاتليه أن يفعلوا ذلك بنفسه. لعل في أعماقه نزوع قديم للإنتحار. وإن بدا في أغلب الأحيان ساعيا الى تعويض أشياء لا تحصى كان يريد اللحاق بها في سرعة برق قبلي في عز الخريف. الجناة كانواأسرع إلى روحه. لم يأخذوا معهم شيئا واحدا لأنه وببساطة شديدة كان يفتقر دائما وحتى الممات إلى شيء عزيز ذي قيمة.

    كالأسى، لايزال الجليد يتساقط أبيض ناصعا مضيئا وراء النافذة الزجاجية. الوقت يقترب من منتصف ليله. الظلمة تتكاثف في داخلي وعيناي تحدقان منذ ساعات في الصور على المكتب أمامي بينما قدماي من شدة الخدر غدتا شيئا غريبا لا ينتمي لي من قريب أوبعيد. أحاول بعد أن غادرت أماندا عصرا إلى والدها في الريف قريبا من المدينة ترتيب تفاصيل الرحلة منذ لحظة أن تواجدنا معا لأول مرة في مطار القاهرة الجديد فأفشل في كل مرة في معرفة كيف قادت كل تلك الأحداث إلى إغتيال الطاهر في شقته على يد جناة مجهولين لم يعثر عليهم حتى الآن. لم أبك أوأجزع أوأنوح. فقط ندت عني تلك الإبتسامة. لعلها أشبه بالإبتسامة الصفراء الدائمة المرتسمة على وجه مدني سليمان ليل نهار.

    لقد بدا من الصعوبة بمكان خلال اليومين الماضيين التوضيح لعزيزتي الجميلة "أماندا" أن حزنا ثقيلا هبط على قلبي لموت صديق حدث قبل عام لم تره قط أوتسمع شيئا من ذكرياتي حوله طيلة فترة علاقتنا معا التي شارفت الآن على الدخول في شهرها الرابع أوتكاد. لقد فعلوا كل شيء بسرعة ودقة. لم يتركوا ببساطة أثرا يدل عليهم. لا بصمة. لا صوت مقاومة تناهى إلى جيرانه في ساعة الوفاة التي حددها المعمل الجنائي في حوالي الثالثة بعد منتصف الليل من ذلك الأحد الحزين. ربما كان في أعماقه على طيبته وبساطته نزوع دفين وراسخ للإنتحار. المرء نفسه لا يدري أحيانا حقيقة ما يحدث في داخله من مشاعر وصراعات إلى أن ينفجر كل شيء في لحظة واحدة. ذلك ما آدركته للتو بوضوح شديد. ظلت أماندا إلى قبل ساعات قليلة تحاول أن تعيدني إلى الحياة بكل وسيلة يمكن لأنثى أن تستخدمها في ملاينة رأس رجل تدرك جيدا لكم تنهار سدوده عند أول لمسة. كيف ولا ولي تاريخ شخصي عريق من الكبت والحرمان ظل يتغلغل في عظامي منذ ألف عام وعام. كنت جامدا كحائط. ولا أدري هل لذلك على ما بدا صلة مباشرة بالطاهر آم أن بحيرة الأسى الراكد المليئة بالجثث الغرقى والطافحة ماجت وفاضت داخل صدري على حين غرة؟!.

    أفكر الآن لعله أراد بموته على ذلك النحو أن يقدم لي في لحظة كرم مميت معروفا آخر لا أستحقه. آنذاك وفي قمة نزيف المشاعر الحزينة للمنفيين وضح لي بما لا يدع مجالا للشك أن المدعو عزيز تركي لم يكن في واقع الأمر سوى الأمنجي السابق نفسه. هاهي الأيام إذن مرة أخرى تمد لسانها للمنفي الغريب.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-09-2005, 04:35 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    لم يكن "التسول" قد تطور في تلك الأيام بعد وصار له نظريات علمية ومدارس وحيل تدهش الشيطان نفسه كما يحدث هذه الأيام. كان "الشحاذون" وقتها واضحين في عرف المجتمع كالشمس في رابعة النهار. يجلسون عادة بعد صلاة الجمعة مباشرة عند بوابات المساجد يحنون رؤوسهم لكرامتهم أويمدون أياديهم في صمت ومسكنة. وكان هذا ذكاء في مخاطبة أناس خرجوا للتو مشبعين بكلام الله والأجر العظيم للصدقات وإعانة الضعفاء وأبناء السبيل وربما المؤلفة قلوبهم إذا ما وجدوا آنذاك. أما في سائر الأيام الأخرى فقد كانوا يتفرقون بين الأحياء. وكان هذا ذكاء آخر بعد أن أدركوا أن الشياطين ترافق المحسنين في الأسواق والذين قست قلوبهم كذلك يسدون منافذها عند كل ركن وحجر بينما النساء والأطفال والمتقاعدون الذين ينتظرون الموت بوجوه طيبة يهيمون بعواطفهم بين البيوت كرحمة منزلة من الله على عباده الضعفاء. هكذا كان الشحاذون في أيام الله الأخرى يطرقون أبواب البيوت أويجلسون قرب سبيل أوأسفل ظل نيمة ويرفعون عقيرتهم بتلاوة آيات الترغيب والترهيب قبل أن يتوقفوا فجأة للدعاء لمحسن أومحسنة أوزهرة من بستان الطفولة. وقد بدت سحناتهم ضاوية وبشرتهم متسخة وأسمالهم بالية. ولعل كل هذا لم يدفع الناس في يوم من الأيام إلى الوقوف عندهم قليلا أوكثيرا ليعيدوا النظر في حقيقة وجودهم كمتسولين ما عدا "الأمنجي السابق" الذي كان وقتها طفلا في سن السادسة بعينين مستطيلتين بدتا على الدوام خاليتين من البراءة بعكس ماتقتضيه طبيعة الأشياء تماما.

    كانت الساعة تشير وقتها إلى العاشرة صباحا، عندما تسلل "الأمنجي السابق" من منزل والديه، بحثا عن اللعب مع بعض الأتراب الذين كان أغلبهم يفر من أمام وجهه كما لو أن عاصفة تدفع بأقدامهم الخفيفة كريشة، وما تبقى منهم لم يكن يمنعهم من الهرب والبحلقة في عينيه الشيطانيتين سوى الرعب تاركين أمرهم لرحمة ظهور الكبار ومن ثم الشروع في الشكوى والبكاء في أية لحظة وربما التبول في سراويلهم الصغيرة قبالة عينين ماتنفك تشرعان في التلون في الدقيقة الواحدة لأكثر من أربعة عشر لونا مختلفا، وما زاد من مأساة العصافير الصغيرة أنهم كانوا يتلقون لجبنهم ضربا مبرحا من أهلهم الذين ما كان بوسعهم تصديق تلك الروايات المسرفة في الخيال، والحق كان الأمنجي السابق على صغر سنه على درجة عالية من البراعة أتاحت له دائما إمكانية العودة إلى وضع عيون الناس الطبيعي في الثانية المناسبة.

    كان الشارع يخلو في تلك الساعة من أثر لقدم متحركة على مدى اتجاهيه المتربين. لا أثر كذلك لأطفال في الجوار. ولم يدر في خلد "الشحاد" الحسين ذي الخمسين عاما الذي ظل يجلس أسفل شجرة نيم على الجانب الآخر من الشارع مرتلا سورة (ق) بصوته العذب الجميل أنها ستكون الساعة نفسها التي سيرى خلالها الجحيم نفسه في هيئة طفل في السادسة. كذلك وبهدوء شديد وضع "الأمنجي السابق" يديه داخل جيبيه الفارغين، وأخذ يتلفت يمنة ويسرة، وبالفعل لم يكن هناك حتى مجرد كلب ضال يمكن قذفه بحجر تزجية على ما يبدو للملل، هكذا لم يكن هناك سوى شخص واحد وحيد يجب الاتجاه إليه رأسا وبلا هوادة. أجل.. إنه الحسين.. ذلك الشحاذ الأعمى الذي ولاريب أخطأه الحظ تماما في ذلك اليوم المشئوم.

    أثناء الخطوات القليلة التي كانت تفصله عنه، ومضت آنذاك في ذهن "الأمنجي السابق" فكرة لابد أن الشيطان نفسه قد توقف أمامها بكثير من الإجلال، تماما كما يفعل الناس عادة حين يقفون فاغري الوجه أمام ساحر يتكلم بواسطة أذنيه، ولو أن الحسين كان يعلم بعاقبة تنفيذ تلك الفكرة على النحو الفوري الذي جرت به الأحداث لاتخذ مجلسه قبل ولادة "الأمنجي السابق" على بعد ثلاث مدن رئيسية، وهي في رأيي الشخصي مسافة كافية يمكنه خلالها الإعداد للسفر إلى بلاد بعيدة مثل كندا قبل أن يكبر "الأمنجي السابق" في غفلة من الزمن ويحدث في خلق الله مالم يحدثه النجار في العود، لكن هذا الحل نفسه يبدو الآن في محل شك بعد أن أخذ المنفى يجمع في آخر الزمن "الجلاد" و"الضحية" معا وبنفس الحقوق والواجبات لولا حيلة "الجلاد" الواسعة.

    انحنى "الأمنجي السابق"، والتقط حجرا "مدببا"، ثم توقف على بعد خطوات قليلة قبالة الحسين الأعمى مباشرة، لبث ساكنا لبعض وقت كان خلاله الحسين الأعمى قد وصل إلى الآيات "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد*ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد*وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد*لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد". هكذا ما أن وصل إلى ختام الآية الثانية والعشرين من سورة (ق) حتى أحدث "الأمنجي السابق" أمرا شيطانيا أخرس لسان الحسين دفعة واحدة. آنذاك أخذ "الأمنجي السابق" يصوب إلى رأس الأعمى ذات الحجر المدبب الحاد، ثم مايلبث أن يتراجع في اللحظة الأخيرة، كان يسقط يده اليمنى إلى وراء ظهره كاملة، ثم ينقلها إلى الأمام بقوة وسرعة مصوبا بدقة إلى ما بين عيني الحسين الأعمى، فعل ذلك نحو سبع مرات، وفي كل مرة كان الأعمى يرفع كلتا يديه لحماية رأسه دافعا بظهره كله إلى الوراء متمايلا بجسده ذات اليمين وذات الشمال كبندول ساعة حائطية قديمة متفاديا ماوسعه الجهد أن يصيبه الحجر الحاد المسنون الحواف في مقتل، وفي كل مرة كان "الأمنجي السابق" يخاطبه قائلا بتهكم وجدية كبيرين: "ألم تقل إنك أعمى؟!... طيب.. طييييب.. يا ود الحرام!.. هاك الحجر دا كمان"!.

    وما حدث بعد ذلك كان أمرا عجبا سيرسخ في ذاكرة الحسين ما تعاقبت عليه الأيام والسنوات، إذ مالبث أن جلس إلى جواره "الأمنجي السابق" كقائد منتصر في معركة وضعت أوزارها في الحين واللحظة، وأخذ يملي عليه شروطه بصوت مفاوض محنك يعلم جيدا أن خصمه لا حول له ولا قوة، وهذا بالضبط ما دفع الحسين إلى قول "البسملة" في سره عشرات المرات، وقد أيقن أن الشيطان يتحدث إليه شخصيا متخذا هيئة طفل صغير وصوت رجل راشد عركته السنوات، ومع ذلك كان المفاوض القوي يواصل حديثه وكأن شيئا لم يكن من بسملة الحسين الأعمى قائلا بصوت بدا وكأن مصدره ذات العينين الجنيتين: "أسمع يا أخينا.. إما تديني "أبو قرشين" كل اليوم.. إما أكلم أمي والناس وأخليك تتمنى العمى".

    خلال هذه اللحظات، لم يتوقف الأمنجى السابق من مسح المكان بعينيه البنيتين هذه المرة من جهاته الست، وكان الحسين يلاحظ أن نفس العينين حين تقعان عليه تتحولان إلى حمرة قانية كالدم، وهذا بالضبط ما أكد له أن الشيطان نفسه بشحمه ولحمه وقرونه يكلمه لحكمة لا يعلمها سوى الله، وحكاية القرون هذه كان يصر عليها الحسين على وجه الخصوص، ذلك أنه لم تؤاتيه الجرأة بعد ذلك أبدا على الحديث مرة أخرى عن العيون التي لسبب ما قد تحولت إلى الأزرق في لحظة أن وضع "الأمنجي السابق" دخل جيبه الشمال "أبوقرشين" وهو ما يعادل في أيام كثرة المحسنين والمحسنات حصيلة أربع ساعات متواصلة يكون الحسين قد أنهى خلالها قراءة البقرة وآل عمران وغافر والحجرات حسب برنامجه اليومي للشحدة.

    لكن الحسين (الأعمى) ظل مع قناعته أن مجرد لفظ كلمة "عيون" يمكن أن تكون بمثابة كلمة السر لحضور الشيطان الصغير في أي كسر من الثانية يتحايل على مجمل الموقف بقوله: "العجيبة.. يا الحسين (أخذ يكلم نفسه مع النزيف اليومي ل"أب قرشين" بتلك الطريقة المرعبة). العجيبة يا أخوي في الجواهر بتاعتو البيشوف بيها. دي والله ما شوفة نصاح. علي بالإيمان تفتشك من جووووووه". ولأن الحسين كان مقتنعا أن ما يحدث له هو أمر خاص مع الشيطان نفسه، لم يفكر مطلقا في المغادرة، لا سيما وهو في واقع الأمر كما سنرى ليس سوى أمنجي تم بعثه لمراقبة تلك الظاهرة عن قرب بعد أن تناهى إلى علم الجهات الأمنجية العليا نبأ وجود طفل في المدينة تم تصنيفه بحسب المعلومات الواردة تحت قائمة "أمنجي طبيعي بالولادة". لعل ذلك يفسر لنا وببساطة لماذا لم تصل بسملته الخاصة إلى مراميها النهائية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-09-2005, 05:10 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان عزيز تركي في نحو الخامسة والخمسين من عمره، لكنك حين تراه للوهلة الأولى تحس وكأنه أصغر من ذلك بنحو العشر سنوات أوأكثر قليلا، مع أن وجهه بدا لي دائما حاملا لآثار أرق مزمن قديم، وأكثر ما يميزه أنه كان يرتدي نظارة شمسية سوداء في أغلب ساعات اليوم ماأن يخلعها حتى يرتديها مجددا، يقوم بتنظيفها ثم يعيدها بسرعة وآلية تامة إلى المكان نفسه، لكأنه يعاني من حساسية ما تجاه الضوء، ذلك ماتبادر إلى ذهني خلال شهور عديدة من وصولي إلى تلك المدينة الكندية الصغيرة، ولم يخطر لي وقتها أبدا أنه يفعل ذلك متخفيا من شبح تاريخ قديم للغرابة أني كنت أحد شهوده البائسين. أجل.. ذلك تاريخ شخصي سيظل يطارده مثلما تطارد الجيفة رائحتها ملقيا كل ذلك الخوف في أعماقه ما قامت للضحايا ذكرى على وجه هذه الأرض أوأثر.

    لم نلبث معا أنا والطاهر الذي كان يصغرني وقتها بنحو الخمسة عشر عاما إلا نحو الشهر داخل ذلك السكن المؤقت المعد لإقامة اللاجيئين فور وصولهم إلى أرض الحرية. بعدها تم توزيعنا على مساكن حكومية متفرقة هنا وهناك. كانت حيرة الطاهر عظيمة حين وجد نفسه مستقلا في بلد غريب ومختلف تماما عليه من الآن فصاعدا أن يواجهه بأصابعه العشر لأول مرة وحيدا ومن دون أية مساعدة أوفضل معونة من أحد. من هنا، من هنا تحديدا، ومع أنني واجهت ذات الأمر من قبل وشرعت في التعامل معه تعاملك مع مشكلة مؤقتة، بدأ يزعجني تردد ذلك الإسم في حياتي على نحو متزايد يوما بعد يوم، أجل.. هو نفسه، ذلك الرجل الغريب الغامض ذوالقامة القصيرة الممتلئة قليلا والبشرة السمراء اللامعة الذي يدعى "عزيز تركي" قبل أن يتحول بعد فترة قصيرة على لسان الطاهر نفسه إلى إسم "عزيز ش".

    كانت الروح قد بلغت الحلقوم أوتكاد من شكاوى الطاهر المتكررة إلى درجة الضجر والغثيان، ماأن أرفع سماعة الهاتف حتى يبدأ في الشكوى والتذمر قائلا تقريبا وبنفس العبارة والكلمات "صاحبك الليلة دي طلب مني دولارات.. قال لم يأكل اليوم بطوله"، وكان يحدث وأن أذهب إلى تجمع المنفيين داخل ذلك المجمع التجاري حيث ينظرون عادة إلى بعضهم بتثاؤب خلال النهارات، أوأمر في طريقي إلى أمر ما بحديقة درب الملكات "كوينزواي بارك" حيث يتجمعون خلال الأمسيات متأملين العالم من حولهم منتظرين بفضول فاتر أن يطبق الظلام على الأشياء ليبدأ مشوارهم الليلي إلى الشراب على خلفية من الذكريات الحزينة والأسى، فإذا الطاهر يأخذني في كل مرة جانبا: "صاحبك عزيز تركي الليلة طلب مني.. دولار... وقال.. ".

    قد تبدو مثل تلك الشكاوى أمرا طبيعيا بالنسبة للناس العاديين. لكنها كانت بالفعل لرجل مثلي بمثابة أن يقذف بك في جهنم في كل مرة بجلد جديد، لقد كنت راغبا ولا أزال في هدوء عميق متصل أعيد خلاله بناء تلك الدواخل النفسية القصية التي تبدو لي في هذه اللحظة وعلى وجه الدقة مثل حطام مدينة منسية كان قد مر عليه منذ قرون آلاف الزلازل والأعاصير. لكن أكثر ما كان يغيظني أن الطاهر ظل يخاطبني دائما بتلك الصيغة التي تجعل قلبي ينقبض بغتة: "صاحبك". أصحابي لايمكن أن يكونوا من أمثاله قط. لقد كان في وجهه شيء ما يغري بالصفع. وهذا ما وقفت عليه بنفسي حين رأيت بعض المنفيين يقومون بصفعه أكثر من مرة خلال تلك اللحظات الخارقة من الشجاعة التي كانت تجتاحهم بعد تناول الكأس السابعة والعشرين من خمر معتقة إلى الدرجة التي يمكن أن تقوم معها مقام الوقود للسيارة.

    كان الطاهر وقتها قد بدأ يحقق إستقلالية سمحت له بالتحرك اعتمادا فقط على (نفسه) التي قال إنه بدأ يشتاق إليها لأول مرة في حياته، عندما زارني خلال ذلك النهار لمواصلة تذمره ذاك قائلا بكلمات جديدة هذه المرة ومختلفة فيما بدا لي من سخريتها تماما:

    - "هذا الزفت المدعو عزيز ش ".
    - "لعلك تقصد عزيز تركي"؟!.
    - "لا.. لم يعد كذلك بعد الآن (وضحك فجأة كطفل)".
    - "ماذا تعني بعزيز ش هنا"؟!.
    - "أنت لاتفهم ياحمد النيل"؟.

    صمت بعدها مسافة محاولا السيطرة على شيء يمتليء به أشبه بموجة أخرى من الضحك. قال حين رأى الحيرة تملأ ملامح وجهي كله: "عزيز ش.. يا حمد النيل.. يعني إختصار لإسم عزيز شحده"!!!.

    لابد أن ذلك التعبير سيدخل إلى قاموس مؤرخي الثورات كأغرب فعل يمكن أن يقوم به إنسان ضد إنسان آخر درج على إستغلاله في الماضي ببشاعة ولؤم. لم أتمالك نفسي بدوري من الضحك بينما أردد بصوت عال وعلى نحو مختلف في كل مرة ذلك الإسم الجديد أي "عزيز ش". ويبدو أن الطاهر لطيبته حين رآني أضحك على ذلك النحو ناسيا ميراث أحزاني الثقيل الذي كان يبدو له في شكل تفكير غامض ظل يدفعني إلى صمت فجائي من حين لحين قد أخذ يبالغ في الضحك ضاربا بقدميه الأرض مرات عديدة مما دفعني بمرور الوقت إلى التوقف وتنبيهه بذعر أن سكان الشقة في الطابق الذي يليني ربما يشكون للبوليس من إزعاجنا في أية لحظة.

    قصة تسول "عزيز ش" بدأنا نلاحظها على نحو مقلق منذ أن مرت فترة وجيزة من تواجدنا القصير داخل ذلك السكن المؤقت. كان قد جاءنا مهنئا ضمن منفيين آخرين لم يكن من بينهم مدني سليمان قبل أن يأتي في المرة الثانية من نفس اليوم منفردا عارضا علينا خدماته مشيرا على نحو غامض أنه لا يعمل هذه الأيام. بمرور الوقت بدا الأمر وكأنه أحد سكان شقة منحتهم الحكومة الكندية مبلغا معقولا من المال للتكيف ما أمكن مع البيئة الجديدة من دون أدنى مشقة. وكان هو بحكم وجوده لسنوات في المدينة يعرف جيدا كيف يتسلل إلى ذلك المبلغ مثل لص يحمل قدرا كبيرا من المروءة والكرامة والطيبة الخادعة تماما. أجل.. طيبة تبدو لي الآن مثل نعومة جلد ثعبان قاتل.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-09-2005, 06:20 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    لم تمر على وجودنا داخل تلك الشقة المؤقتة سوى أيام معدودات حتى غمسنا نفسينا داخل أدبيات المنفيين الرفيعة. كان الشراب متوافرا متعددا ومتنوعا بقدر تعدد وتنوع تلك المجموعات العرقية التي تتقاتل داخل الوطن الآن، كانت مشروبات روحية قوية وأخرى لطيفة وثالثة معتدلة، كانت تنحدر من بقاع الأرض المختلفة ولم يكن هناك وجود لخمر الوطن التي تدعى "المريسة" و"العرقي" و"البقنية" أو"العسلية" أوحتى خمر تلك البلدان المنسية التي لا تقع عليها عينا التلاميذ في المدارس عادة إلا من باب حب الإستطلاع أوالشفقة حين يتناهى إليهم أن ثمة مكان بائس من العالم أخذت تجتاحه كارثة أخرى.

    أجل، وفي عرض جذاب مثير وفاتن، كان هناك الويسكي والبراندي والفودكا والجن والشيري والواين والبيرة ومشروبات أخرى غير مكسبات المذاق والرائحة، وكان لكل قبيلة من تلك الخمور أسماء بطون وأفخاذ وبيوت وألوان وسحنات متعددة وقامات وأحجام متفاوتة، كان هناك الريد والبلاك ليبل والشيفاز والهينكن والفودكا بنكهاتها الكثيرة ومستر مورغان وما لا يعلمه إلا الشيطان، ولو أن أصولي قادته قدماه إلى تلك الأسواق مصادفة لوجد تعليلا ملائما لقيام بعض الكوارث الطبيعية هنا مثل الأعاصير وحرائق الغابات التي ظلت تنشب من حين لحين واضعة الإنسان أمام تحديات قدرية ينهض بعدها في كل مرة مبتسما واثقا مقبلا على الحياة بروح أكثر تصميما على المضي قدما نحو أهداف التطور الخالدة برغم الدموع وقلة الحاصدين.

    كان الطاهر قد أخذ يطلق بمرور الوقت أسماء خاصة لكل نوع جديد يجربه من الخمر تناسب مواقف من تاريخه الشخصي الخاص أوسلوك أشتهرت به قبيلة معينة في الوطن، هكذا بدأت ذاكرة المنفيين مواجهة آنذاك بحرب الأسماء التي أوقد شرارتها الأولى الطاهر فإندلعت تأكل في طريقها أخضر ويابس تلك الكلمات من قاموسهم الموغل في الضجر.

    ويبدو أن المنفيين كانوا بالفعل في حاجة ماسة وحقيقية إلى مثل تلك الحرب فاندفعوا يبثونها وقتهم وعواطفهم القلبية ويوسعون من رقعتها ليس داخل تلك المدينة الكندية الصغيرة فحسب بل شرعوا في رفع سماعات هواتفهم يخبرون منفيين آخرين وراء البحار في محاولة جادة وصادقة تتسم بحنين وشوق وذكرى حرارة أيام رفاقية قديمة لإنقاذهم من بؤر السأم التي أخذ بعضهم ينحدر إليها بفعل موت النشاط السياسي، حتى أن منفيين في أستراليا قد أخذتهم حماسة غريبة فتوجهوا ليلا إلى بارات مختلفة من سيدني يطلبون من النادل بمرح غامر ولغة انجليزية متقعرة وواضحة شيئا من "الكافر" و"الجعلي" و"مريم الأخرى" و"شوية من النوباوي". ولدهشتهم أن النادل قد أتى لهم بما طلبوا بدقة شديدة. لقد قضوا بعدها الليلة كلها محتارين فيما يحدث مقلبين تأويلاتهم يمنة ويسرة متتبعين النادل بعيونهم الضيقة أينما ذهب بين موائد السكارى هنا وهناك قبل أن ينبري أكثرهم فصاحة وجرأة قائلا: "المسألة كانت مجرد صدفة".

    كانوا مقتنعين في قرارة أنفسهم أن الصدفة وحدها لا يمكن أن تشمل ثلاثة أصناف في المرة الواحدة فنادوا على النادل بحذر هذه المرة وطلبوا مشروبات أخرى من "الضفاري" و"أم بدة" و"السفر إلى الوطن في أقل من الثانية" وبعضا من "الدنقلاوي". ولم يمض وقت طويل حتى أحضر لهم بالضبط ما أرادوا. عندها أيقن المنفيون في تلك البقاع النائية بدورها من الوطن أن شيئا غريبا يحدث من حولهم. ربما لهذا أخذوا ينادون على الجرسون بأصواتهم في لحظة واحدة راغبين في دفع ثمن ماشربوه ومغادرة مكان تفوح منه حسب تعبيرهم "ريحة مؤامرة". لكن ما جعلهم حقا يطلقون سيقانهم للريح في التو والحال ولا يلوون على شيء وراءهم البتة أن الجرسون أخذ يخاطبهم بلغة وطنية مهذبة قائلا هذه المرة بلهجة قبيلة الممتازين في الأرض والسماء: "ليس عليكم أن تخسروا قرشا واحدا أيها السادة.. فحكومة الجنرال قامت في الحقيقة بدفع حسابكم قبل حضوركم إلى هذه الإنداية مباشرة"!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

24-09-2005, 09:02 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    في مصر، في أحيان متباعدة، كان يعن لي أن أذهب من القاهرة إلى الإسكندرية هاربا من عالم السياسيين المنفيين الذي أخذ يتحول بمرور الوقت إلى كون ضيق من الحروبات الداخلية الصغيرة يسوده النمامون في مقاهي وسط البلد وبين جدران الشقق الأسمنتية الضيقة، وبدا أن القوم قد تناسوا مهام النضال العظيم بغير رجعة. هناك، على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، كان يحلو لي الجلوس وحيدا متأملا بعين خيالي ملايين الأنفس التي نهض أمام عينيها نفس المشهد الخالد للبحر، حتى أني رأيت نابليون وهو يهم بالقفز من احدى سفنه إلى اليابسة، لعله حقق نصرا إلى حين، لعله لم يكن سوى وهم اختلقه المؤرخون، لكن آثاره باقية وبادية على ملامح المكان مثل حلم لم يتحقق إلى النهاية.

    هناك، على ذات الشاطيء الذي شهد خطى كليوباترا إن لم تخن الذاكرة وتخلط بين الأسماء مرة أخرى، على ذات شاطيء البحر الذي شهد تأملات الفلاسفة اليونان وأحزان تلاميذ سقراط قبل آلاف السنوات، أجلس وحيدا أتأمل أشكال الحياة المرحة على الجانب الآخر من العالم حيث تصاغ السياسة والقانون والإقتصاد والثقافة ويترجم كل ذلك فتبدو الحياة لدينا كالصدى.. كالظل.. كشيء خال تماما من الأصالة. الآن نحلق فوق السهول الهولندية على علو مرتفع يسمح بالرؤية، الساعة تشير إلى السابعة صباحا أونحو الثامنة، الطاهر لا يزال نائما إلى جواري، رأسه يتأرجح ذات اليمين والشمال مثل ديك نائم على حبل، هذه أوروبا إن، الآن أدرك لماذا يطلقون عليها إسم "القارة العجوز"، أستطيع أن أرى كل شيء من ذلك العلو على نحو يجعلني أدرك أن يد الإنسان طالت كل شيء، لم تترك شبرا واحدا وإلا وضعت عليه بصمتها آلاف المرات، ويبدو لي الآن أن الحياة قد لا تكون بذلك المرح الذي كنت أتخيله من الشاطيء الذي غدا الآن آخر، وأنظر إلى الطاهر إلى جواري، بعد قليل سأوقظه إستعدادا للهبوط في مطار أمستردام، ألآن وضح كل شيء، الطاهر كذب في مكتب الأمم المتحدة، فعل كل شيء سعيا إلى حتفه البشع، قتل آبويه في حرب أهلية ضروس، جعل من شقيقته مغتصبة وبكى، بكى بحرقة وصدق فأحضروا له كوبا من عصير الليمون المثلج، كل ذلك تم ليقدم في النهاية عنقه لقتلة مجهولين ربما ان دافعهم الملل، "لو كنت أعرف خاتمتي ما كنت بدأت"، هكذا أتذكر في هذه الساعة أغنية نزار قباني وعبد الحليم حافظ الآسرة الحزينة بينما الجليد لا يزال يتساقط في الخارج كالأسى وجرس الهاتف لايكاد يتوقف من الرنين لعلها أماندا.

    أحب تلك الأغنية إذ تتردد كثيرا في ذلك المقهى قرب شارع عبدالخالق ثروت في القاهرة. آنذاك كانت تبدو لي بمثابة طوق نجاة يحملني إلى تأمل ذلك العالم القديم وسط هدير أمواج النمامين المتزايد يوما بيوم. لا مراء.. لا عجب.. ولا غرابة أن الرعب قد صار شامة وعلامة في تلك الأيام على وجه حياة شامة الجعلية الصبوح. حدث ذلك كما يعلم الكثيرون الآن منذ بدء وقائع أحداث ولادة طفل جارتها "الأمنجي السابق" ب"عيون" ينسبها البعض في كثير من الأحيان إلى حرباء جاءت على جناح شيطان من جبال الأناضول في تركيا بينما كان يرى سرا الراسخون في العلم مثل خالي حسين رحمه الله أنها تعود في واقع الأمر إلى لعنة غامضة كانت قد أصابت أجدادهم القدامى عندما أعمتهم ثاراتهم الداخلية القديمة وقالوا ساعة جهاد عدو خارجي لخليفة الحاكم الصالح بعد موته وكان لا ينتمي إلى عرقهم السامي "إذهب أنت وربك فقاتلا إنا نحن هنا لقاعدون".

    آنذاك غزت حياتها الآمنة المستقرة ولأول مرة أشياء "عجيبة" تجعل شعر الرأس يشيب لمجرد ذكرها فقط. ومصيبة شامة تتمثل في أن أحدا لم يقل لها شيئا بل
    رأت بعينيها "اللتين سيأكلهما دود القبر" سحالي بعيون دامعة تنظر إلى النساء في المراحيض هكذا بلاحياء بمجرد أن يرفعن فساتينهن إلى أعلى ويرخين لباساتهن ويشرعن مباشرة في فعل مايفعله الناس عادة منذ أن سار على وجه الأرض كائن بقدمين إثنتين لاغير. لكن رعبها زاد وتحول إلى كوابيس ليلية عندما كبر "الأمنجي السابق" قليلا. وصار يمشي بقدمين ك"بشر". مما دفع أمه إلى أن ترسله في بعض الأحيان إلى جارتها لجلب بعض الأشياء على سبيل الإستعارة أو"الشحدة". وكان ذلك يعني لشامة دائما أن الأسوأ قد بدأ للفور.

    هكذا، وقد زادت مراسيل جارتها إليها، مع أن ذلك كان يحدث في الأسبوع مرة واحدة فقط، بدأت شامة تهب من عز النوم وتصرخ لدقائق في قلب الظلمة قائلة: "بسم الله.. يا ساتر.. عيون.. عيووون.. عيون عيون". بيد أن البعض ربما لذلك السبب كان يسمعها تحدث زوجها في بعض النهارات قائلة بصوت أقرب للغناء: "أنا ماشة نيالا.. لا لا لا". ومن هنا كما يرى مؤرخ مغمور من هذه الحقبة التاريخية جاءت فكرة نشيد "الدفاع الشعبي المقدس للمجاهدين" ذلك القائل: "أنا ماشي نيالا". وعلى أية حال تلك "قصة أخرى".

    أحب أن أشير هنا إلى طريقة نقله لما يدور بينهما إلى أمه وهو ابن تلك السنوات القليلة. لقد كشف في وقت مبكر جدا عن موهبة أصيلة في كتابة التقارير "الأمنجية" والرصد الدقيق للأحداث الذي كان يميزها. مما دفع بأمه إلى التفكير جديا عما إذا كان ولدها الغريب يحمل كاميرا في عينيه أم أن رأسه المطاطية الضخمة تحتوي بالفعل كما شرعت في التخيل تدريجيا على جهاز تسجيل ياباني من ماركة "سانيو"!.

    ما أن يضع وقتها ما تم طلبه من الجارة أمام أمه، حتى يبدأ في رفع تقريره قائلا: "في الساعة واليوم المحددين (أعلاه)". لقد كانت أمه تفهم دائما ما يقوله بكثير من الحيرة. إلا أنها وفي كل مرة لم تتوصل أبدا إلى معنى كلمة (أعلاه) دي. وكذلك وقف حمارها في تسع وتسعين عقبة وهو يحاول جاهدا أن يجد الرابط المناسب خلال حديثه ما بين إسم جارتها وكلمة (المدعوة). إذ كان يقول على نحو ثابت ما نصه: "وتبين لنا من خوف المدعوة شامة غير المبرر أنها تخفي شيئا مريبا". كما أنها أدركت أنها لن تجيب حتى الممات عن السؤال الذي أقض مضجعها: "لماذا يخاطبني ولدي (سرا) بكلمة (جنابكم)"!.

    والحال تلك شرعت شامة في تعيين إبنتها الصغرى "سماح" ككتيبة إستطلاع متقدمة تقف أمام باب الحوش وتطلق صرخة معينة في حال أن خرج "الأمنجي السابق" من بيت والديه متجها نحوهم لسبب أوآخر. ولقد كان عمل "سماح" يتضمن أيضا إستثمار رؤيتها الدقيقة من بعد لتحديد الحالة الراهنة لعيني "الأمنجي السابق". هكذا: "يا أمي الليلة جانا عيونو صفر"!.

    "يا حبيب (جنابكم)"، كانت أم "الأمنجي السابق" تناديه حين يروق لها الإسم الذي أطلقه عليها ابنها سرا. "قوم أمشي لخالتك شامة جيب لينا منها خميرة عجين". ويبدو لنزعة ما في داخله أن المشوار ل"شامة الجعلية" أخذ يشكل له متعة خاصة أخذت تزيد بمرور الوقت في مقابل تعاسة متفاقمة على الجانب الآخر. وكان ذلك يساعد "سماح" ككتيبة إستطلاع متقدمة بنظرات حادة بعيدة المدى تترقب أمام باب الحوش كثيرا. إذ كانت دموع غبطة خفية تكاد تنزل من عينيه لحظة مغادرته لباب بيت والديه. وهذا ما لم يكن يحدث له حين يكون في الطريق إلى غير بيت شامة. اللهم إلا في حالة أن يكون مقصده إلى مجلس الحسين الأعمى أسفل شجرة النيم على الجانب الآخر من الشارع. وهذا يكون في الغالب عندما تكون سماح قد تخلت لسبب ما عن دورها المناط بها ككتيبة إستطلاع متقدمة تطلق صرخات معينة كشفرة بينها وبين أمها شامة في الداخل. وكانت سماح تذهب إلى أبعد من ذلك مستفيدة من وضعها كطفلة تحرسها الملائكة كما تقول أمها مشجعة لها. آنذاك كانت تستبقيه لفترة في محادثة مفبركة ريثما تتم أمها قراءة آيات من "الحصن الحصين" بنبرات مرتعشة وعجلى في الداخل. ومع ذلك كان "الأمنجي السابق" يدرك بغريزته في الوقت المناسب كيف يتخلص من سماح التي لا ينفع معها على مايبدو تغيير لون العيون فحسب عندما يشرع في إسقاط عينه اليمنى إلى مدخل أنفه الأيسر وقد مد الأخرى نحو أذنه اليمنى في وضع لا يعلم به سوى الله . لكنه ما أن يتقدم إلى الداخل حتى تبادره شامة من دون أن تعرف مقصده قائلة: "طيب يا ولدي طلبك موجود". وما أن تراه ينصرف ضاحكا حتى تبدأ في ترديد همهمتها الأقرب إلى الغناء: "أنا ماشة نيالا.. لا لا لا لا". هكذا كانت تبدو نيالا في ذهن شامة الجعلية كأقصى مدينة في العالم يمكن الهروب إليها من شر شيطان رجيم له هيئة طفل لم يتجاوز السابعة بعد. وكان لها في الأخير ما أرادت. أيام التعذيب تلك، قبل عشرين عاما أويزيد، وقد اتسع نفوذ الأمنجي السابق وزاد، كنت أتخيلها هناك في نيالا، وقد شرعت تشكو لزوجها خلال النهارات بذات النغمة الأقرب إلى الغناء قائلة وكأنها تؤسس نشيدا قادما لمجاهدين آخرين: "أنا ماشة مراكش.. لا لا لا لا"، وربما إذا امتد بها العمر أكثر لفكرت ولاريب في مدينة أخرى وراء الأطلسي، ولكن هذه أيضا صارت منذ مدة في موضع شك عظيم. يبدو لي الآن أن البقاء في المكان كان هو الهروب الأمثل من تلك الحالة الجماعية القاتلة من الرعب تماما.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-09-2005, 09:41 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    طرقت باب الحوش الخشبي الضخم آخر ليل بعيد. وبدا لي أن قرونا عديدة مضت محملة بالدموع والعويل والصراخ والألم منذ آخر مرة فعلت خلالها ذلك. أجل.. لقد تقدمت في السن كثيرا ولما أتجاوز وقتها السابعة عشرة من عمري بعد. أجل.. كان ليلا نجميا ثقيلا حالكا حزينا ولاأثر حتى لمصباح خافت واحد وحيد يهتدى بنوره. وتلك كانت واحدة من سياسات الجنرال لتذكير الشعب بأفضاله العظيمة الخالدة "لو مت في يوم من الأيام ستكون حياتكم ظلاما في ظلام في ظلام". كان يجعل الوطن كله سابحا في ظلام دامس بحركة واحدة من يده بمجرد أن يتسلل النعاس إلى عينيه في أي وقت. كان ذلك يحدث أحيانا في أثناء تلك النهارات المضيئة حد الإبهار لحيرتنا. لا أحد كان يتجرأ مع ذلك للذهاب إلى بوابة السؤال علنا. بل كان يأتينا الخبر اليقين عبر الإذاعة دائما. كذلك ندرك أن الجنرال ذهب إلى دولة بعيدة ذات توقيت مختلف وأنه يتهيأ وقتها للنوم. كان المذياع في تلك السنوات يتابع الخبر بكلمات حفظها عن ظهر قلب حتى الأغبياء قائلا: "هذا وقد أرسلنا برقية للتو واللحظة نخبر خلالها جلالته أن الشمس نفسها غابت الآن في الوطن تذكيرا للشعب بأوامر جلالته العظيمة بقطع الكهرباء في مثل هذه الأوقات". ونتابع معه في بعض الأوقات دفعا للملل قائلين معه في ذات اللحظة جملة جملة.. كلمة كلمة.. وحرفا حرفا: "وتأكيدا للمصداقية أمام جلالته حين عودته على كل مواطن ومواطنة في وطننا السعيد يرى الشمس الآن في أية بقعة من الوطن المبارك أن يتقدم لمعلوميتنا إلى أقرب نقطة بوليس". لا.. لم يكن الناس وقتها لإثبات حسن ولائهم ومحبتهم لذات الجنرال العلية بكتفون بالصمت علامة الموافقةالضمنية. بل كانوا يشبعون بعض رغباتهم المكبوتة في تلك الليالي التي كان جلالته ينام خلالها لعارض ألم به مبكرا. فكانوا حين يخرجون إلى الشوارع يحملون بطاريات يدوية مضيئة في وضح النهار ويوقدون مصابيح سياراتهم عبر الطرقات الملتهبة بأشعة شموس الظهيرة الكاوية التي يئن لوقعها الحجر متحدثين بصوت عال وجدية حول رغبتهم للوصول إلى منازلهم مباشرة لحظة نهاية ساعات العمل عند الثانية ظهرا بأسرع قدم لديهم للتمدد فوق أسرتهم في العراء أسفل البريق الخافت لضوء النجوم. وكان أهل قلة أذكياء من التلاميذ يحذرون آنذاك أولادهم بصوت أقرب إلى وقع أقدام نملة تمشي على صخرة ملساء طالبين منهم تحت أغطية كثيفة من البطاطين ألا يسألوا في حصص الفلسفة كيف سافر الجنرال حاكم اليونان وقتها بمراكب صيد عادية عابرا المحيط الأطلسي إلى دولة بعيدة ذات توقيت مختلف حين يسمعون في يوم من الأيام عن قصة فيلسوف يدعى ديوجين كان يحمل مصباحه بين الناس في وضح النهار. لكن بعض تلك النهارات لم يكن يمضي أبدا بغير ضحك من الأعماق. فحين نهم بغلق المذياع وقتها كنا نسمع ذات المذياع يأمرنا قائلا: "من باب الأدب ألا تغلق المذياع الآن". كان ذلك يعني في عرفنا أن بعض الأنباء الهامة في طريقها إلينا بعد قليل. وأمام ذلك، أخذ عدد من المواطنين من باب المبالغة في الأدب يتركون مذياعهم دائرا على مدار اليوم بلا توقف . لكن حدث وأن خاطبهم ذات المذياع قائلا: "من تظنون أنفسكم لتدعوا مذياع الجنرال يتحدث إليكم من غير لحظة راحة واحدة". وننصت كعادتنا بدقة شديدة:"أيها المواطنون الأحرار..جلالة الجنرال يوجه إليكم الآن على الهواء مباشرة خطابا هاما". ونكتم الأنفاس تماما قبل أن يتناهى صوته المهيب فيما يشبه المرح هذه المرة:"يا شعبي الطيب.. هاهاهاهااااا.. في الواقع لم أقم بزيارة أية دولة في العالم توقيتها مختلف أوغير مختلف.. إنها فقط كانت مجرد نكتة". هنا يحدث أمر غريب. كانت تمر ثانية واحدة من الصمت المطبق الكثيف. وبعدها الوطن كله يشرع في الضحك دفعة واحدة.. المزارع في حقله.. الطبيب في عيادته.. الحرامي أثناء تسلقه الحائط.. المهندس في ورشته.. المؤذن فوق المئذنة.. التاجر وهو يستلم دراهم الزبون.. المومس في مخدعها.. الأستاذ أمام التلاميذ.. المهربون خلال هروبهم من خفر السواحل.. حارس المرمى عند لحظة إحتساب الحكم لضربة جزاء في مباراة هامة في وقت حرج وقاتل.. والناس الذين صادفتهم النكتة لحظة أن شرعوا في إخراج فضلاتهم في داخل المراحيض ولم يكن يستثنى من ذلك حتى أولئك الذين واجهوا دفع الخراء الصلب بشيء من العسر. وكان خالي حسين رحمه الله إذا صادفته نكتة في مكان عام يبدأ في التقلب على الأرض ممسكا ببطنه بكلتا يديه من شدة الضحك أوالقهقهة بلا توقف.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-09-2005, 07:39 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    من محادثات حية وهاتفية مع أصدقاء من هنا وهناك، ولأخبار ظلت تصلني متباعدة، بدا الكثير من الناس يربط مابين الكاتب وشخصيات الرواية حتى الآن على ضوء تاريخي الشخصي، وهذا ما يتنافى مع الكثير من مفاهيم السردية لدي تلك التي أرى بواسطتها أن الكتابة أكثر من مجرد نقل فوتوغرافي أوحرفي للمعيش اليومي كواقع ملموس، إنني هنا أعطي للخيال دورا كبيرا في إثراء الواقع وتوسيع مختلف أبعاده، مما يطرح في الأخير على مستوى النوايا على الأقل إمكانية لوجود حيوات بديلة أتصورها أكثر إنسانية مما هو قائم بالفعل. محبتي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-09-2005, 10:19 PM

banadieha
<abanadieha
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 2235

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)


    ومن حقنا التأويل ياعبدالحميد..وموت المؤلف، طال عمرك ياجميل! واصل.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-09-2005, 10:46 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: banadieha)

    شقيقي "بناديها" البركة في الشوفة!.








    أجل.. طرقت باب الحوش الخشبي الضخم الأليف آخر ذلك الليل الموغل في البعد وربما النسيان. لعلني فعلت ذلك بأصابع مرتعشة. لست أدري فثمة شروخ كثيرة كثعابين سامة صعدت متلوية على حوائط الروح منذ أن أودعني الأمنجي السابق إلى بيت من "بيوت الأشباح" قبل ثلاثة أشهر أويزيد. لست أدري تماما وربما لا أتذكر كل تلك الإنفعالات والآلام التي كانت تنهش في دواخلي بينما أقف قبالة ذلك الباب الخشبي الموصد. أذكر الآن بوضوح تام وأسى عميق أن كياني كله كان يرتجف وأسناني تصتك ببعضها ولا برد في ليلة كتلك صيفية خانقة من شهر أبريل أومايو. لعله الجوع ولم أكن راغبا في لقمة واحدة من طعام. وربما كان هو الخوف من أن يغيروا رأيهم ويعيدونني إلى هناك مرة أخرى. لا ضوء يلوح في تلك الساعة سوى ضوء السماء النجمية البعيدة النائية. أطرق الباب للمرة الثانية. لا أحد يطل ولا صوت خطى أليف يتناهى من داخل الحوش الذي أعرف أدق تفاصيله. أنطوي على نفسي أكثر فأكثر. قدماي تشرعان في التداعي. أتماسك ما أمكن. أفكر في الجلوس ريثما يفتح الباب. لكأني أدرك ما سيحدث خلال اللقاء بعد لحظات. "أنا.. حمد النيل.. ياخالي حسين". أقول بصوت واهن شديد الضعف. ومع ذلك لا أثر لوجود شخص بالداخل. أنتظر دقيقة أخرى كدهر. أبدأ الطرق للمرة الثالثة أوالخامسة. خالي حسين طلق زوجته قبل عام تقريبا. كان ذلك زواجا بلا ذرية دام لأكثر من عشر سنوات. يعيش الآن وحيدا. ولا يعقل أن يكون قد تزوج مرة أخرى في غيابي. أبي مات حين كنت في العاشرة. ولا يحق لي الذهاب إلى أمي في مثل هذه الحالة المزرية. فكرت ربما قد تصاب بشيء إذا رأتني الآن. الليل مطبق حزين. لعله يبكي أوجاعي. وهذا الصمت يعطي للأشياء حضورا لا يحتمل. أمسكت بيد أماندا الغضة الطرية بمرح وقدتها أمامي من الصالة إلى غرفة النوم ذات الإضاءة الخافتة. حلقي جاف كحوض رمل. آلاف الأشواق الدفينة تنتفض في دواخلي وتشرع في التخلص ببطء من قيود آلاف السنوات على مشارف أول عناق مكتمل يسنده الحب لا دولارات تشرع العاهرات في عدها بينما سوقهن مشرعة صوب السماء كسوق لموتى برزت أسفل غطاء بعد كارثة جماعية. كانت في الخامسة والعشرين. وكنت في وعيها أكبر من ذلك بنحو الخمس سنوات فقط. وتلك واحدة من أدبيات المنفيين وحيلهم الأكثر جدوى مع النساء. كذلك هبط الطاهر بعمره حازفا منه حسبما يقتضيه الظرف أوالحال. حين تبلغ الفتيات هنا سن الرابعة عشرة بأجساد جذابة مكتملة النضوج يكن قد مررن بكل خبرات هذا العالم. ومن هن في مثل عمري ذقن حياة العبث قبل أكثر من عشرين عاما وقد أودعن الآن مدرجات الجامعات أطفالهن وشرعن في معالجة أزمات منتصف العمر منذ وقت. هذا العالم تسير حياته في الشمس كما يهوى لا كما يريد الآخرون له أن يحيا. أجل.. تلك كانت أولى نصائح مدني سليمان السديدة. أزلت شعر رأسي بشيبه الأبيض المتناثر كله وصبغت شاربي وقذفت بصنارتي إلى عرض الماء. مرة تأتي بسميكات زاهيات وأخرى بأصداف صدئة وثالثة نادرة بحورية تخرج للتو من كتاب الملل بلا رواء وقد راقتها هواية المشي عبر الشوارع الجانبية آخر الليل بلا هدف محدد. ومن آخر غير المنفيين الغرباء يمكن أن يخرج في تلك الساعات من الليل مثل كلاب ضالة تبحث عن قطعة لحم ملقاة هنا أوهناك قد يجود بها الزمان وقد يبخل؟!.

    ربما لكل ذلك لم أفطن لفداحة المأساة. لقد أعمتني محاولاتي اللاهثة للحاق بركب الحياة ما أمكن. ذلك أني لم أفطن وقتها أني كنت في مرات عديدة أمد يدي وأتناول طعامي مع الأمنجي السابق من طبق واحد. الدماء على أيدي الجلادين خفية. والنسيان على ما يبدو كان العلامة الراسخة الوحيدة التي قام بنقشها الأجداد على صخور ذاكرة ملساء.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-09-2005, 05:03 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان لرحيل الطاهر على ذلك النحو البشع قد أعاد إلى ذهن المنفيين إمكانية التفكير جديا في أشياء ظلت موجودة في هذا العالم منذ الأزل إلا في أذهانهم التي أرهقها الحنين بينما يواصلون في لياليهم تجرع "العودة إلى الوطن في أقل من الثانية" على خلفية من الأسى والذكريات الحزينة. لقد فعلوا ذلك في الغالب لا كأحياء بل كموتى أحياء شرعوا في البحث عن طريقة مثلى يتجنبون بواسطتها مسألة البعث يوم القيامة من بلاد غريبة ما أمكن. حتى أن بعضهم أخذ يفكر بصوت عال بينما تغلف عينيه غلالة رقيقة من الدموع في دفن وثيقة معه محصنة ضد تفاعلات الأرض لمدى محتمل قد يفوق المليون سنة قادمة تفيد أنه لا يجيد التحدث باللغة الانجليزية لكنه يتقن العربية كتابة وقراءة وقليلا من الإنصات لتلك الأصوات التي قد لا تناسب هواه كأن يقول له أحدهم "لا قدر الله" إذهب إلى جهنم خالدا فيها إلى الأبد.

    هكذا مات الطاهر معيدا تسمية بعض الأشياء في عالم المنفيين الذي دبت فيه آنذاك الحيوية على حين غرة فأخذ يبث في العالم تلك الأسماء الجديدة كنوع من مكافحة السأم الذي أخذ يتغلغل بدوره في عظام منفيين آخرين في أعالي البحار. وعلى الرغم من أن نتائج ذلك كانت كارثية بالنسبة لأولئك المنفيين في أستراليا إلا أن الجلوس في بار أمريكي محاط برقابة حديدية صارمة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وطلب شراب غريب بإسم "الكافر" قد قاد وقتها بعض المنفيين إلى مباني وكالة الإستخبارات الفدرالية رأسا. لقد أدركوا بعدها تماما ضرورة توخي الحذر والتفكير مليون مرة قبل الشروع في أمر قد لا يحتمل المزاح على الإطلاق بينما أخذوا يرسلون على نحو غير مباشر إلى الطاهر في قبره أسفل الجليد آلاف اللعنات قائلين في كل مرة: " لعن الله ذلك الوغد الذي أطلق على الخمر مثل تلك الأسماء الفظيعة".

    وسط كل ذلك اللغط تبينت تماما أن المدعو عزيز تركي ماهو في واقع الأمر سوى الأمنجي السابق نفسه لا محالة. لقد أخذ رحيل الطاهر على ذلك النحو البشع حيزا زمنيا طويلا من وقت المنفيين الميت. ومع ذلك وإن بدا تفاعلهم مع المأساة في شكل رثاء خفي ومعلن للذات أكثر منه حزنا خفيا على الفقيد إلا أنهم مع كل ذلك كانوا قريبين بدرجة أوأخرى من التعبير عن ذواتهم حيال أكثر الحقائق ملامسة لوجودهم الإنساني: الموت.

    أجل.. لقد عبروا عن ذلك لفترة قبل أن يعودوا بمرور الوقت غافلين لنفس سيرهم القديمة ناظرين إلى بعضهم خلال النهارات داخل ذلك المجمع التجاري بتثاؤب بينما يجلسون متقاربين في المساء في حديقة درب الملكات منتظرين الليل ليطبق بقبضته على الأشياء مرة أخرى قبل أن يتفرقوا فرادى وجماعات نحو معاقرة المزيد من "مريم الأخرى" وغيرها وذلك على نفس الخلفية من الذكريات الحزينة والأسى. لقد عبروا عن رثاء ذواتهم بصدق وقد بدا المرحوم خلال كل ذلك بمثابة قربان لصرف أنظار الموت عنهم إلى حين أن يبتكروا تصورات جديدة تعود بهم إلى الوطن البعيد كجسور لعبور ما أكثر منه بعدا في زحام كل تلك المهن الهامشية التي دفعت مدني سليمان شيئا فشيئا إلى إرتداء تلك البدل السوداء خلال الإحتفالات النارية التي كانت تقام على الشاطيء من حين لحين من دون أن يطرأ على ذهنه في الآونة الأخيرة أنها كانت معدة أصلا كملابس رسمية لمرحلة ما بعد "سقوط الجنرال الوشيك". أجل.. ذات الجنرال الذي تخطى الآن مرحلة الحنين في سن الثمانين إلى امرأة في مدينة منسية تسمى "مدينة" كان قد أقام معها أول مغامرة جنسية بعد بلوغه سن البلوغ بسنوات. لقد مات الجنرال منذ فترة ولا يزال الخلاف وسط توازنات قوة داخلية ناشبا حول من أحق بخلافته مما دفع بالسادة الأمنجية إلى تنصيب قرد شبيه بالجنرال الذي أشتهر بإلقاء النكات على الشعب الطيب إلى حين ظهور البديل الذي غدا ظهوره بدوره عسيرا على الجانب الآخر. آنذاك وقد ظهر القرد مرتديا ذات البزة العسكرية وسط أكوام من الموز الكولومبي الفاخر بدا من المتعذر للناس فهم خطابه التلفزيوني المهم على رأس كل ساعة مما دفع الجهات الرسمية على إضافة مهام جديدة على الأمنجية تتلخص في إلزام الناس بتعلم لغة القرود في أقصر فترة زمنية ممكنة وغير ممكنة لتسهيل لغة التواصل اليومي مع الجنرال الجديد الذي تم التعريف به من قبل عبر إستفتاء رسمي أقر الشعب خلاله بكامل إرادته أن ما يتشرف بالتعرف إليه هو نفسه الجنرال المهيب الذي لو مات حقا لتحولت حياتهم "إلى ظلام في ظلام في ظلام". لقد بدأ الناس في الشوارع بالفعل في الحديث بلغة القرود مما دفع بالبلدية في أرجاء الوطن إلى زرع أكثر من مليار شجرة لتسهيل عمليات القفز على امتداد الشوارع ومن مدينة إلى مدينة. لكن ذلك وإن عمل على إزالة أزمة الوقود نهائيا إلا أنه أوجد أزمة أخرى لا تقل بأسا تمثلت دائما في إستيراد الحكومة كميات لا تحصى من الموز لتغطية الحاجة الشعبية المتزايدة لهذه السلعة الضرورية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-09-2005, 10:40 PM

banadieha
<abanadieha
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 2235

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)


    جابتني المحبة ياعبدالحميد...وبعض القيم النبيلة المشتركة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-09-2005, 11:05 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: banadieha)

    هكذا (يا بناديها).. أعرف أصدقائي وأشقائي الذين لم تلدهم أمي من على بعد آلاف الأميال. سأدفع بعد ساعات بجزء تال إن شاء الله. أكتبه الآن في يوم بلا عمل. مع أني أحمل الكومبيوتر معي غالبا إلى العمل. محبتي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-09-2005, 02:42 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    إلى الآن، لم أفهم شيئا من كل ذلك. أعدت وقتها قراءة ماتم في صحيفة الأهرام عشرات المرات. أخيرا قصصت تلك الأخبار المذهلة ووضعتهاإلى جانب أشياء غريبة أخذت أحتفظ بها على مدى تنقلات المنفى غير المتوقعة تماما. كان مبررا أن أحتفظ في المحفظة بصورتي صديقي عادل الذي إغتاله الأمنجي السابق أمام عيني "في زمان موغل في البعد والقتامة" وأمي. المحافظ تبلى وهما باقيان في إطلالتهما الأبدية برغم مرور الأيام والشهور والسنوات. لكن غير المبرر تماما احتفاظي حتى الآن بقصاصات صغيرة كان يتركها لي عدد من أصدقائي ومعارفي على أبواب الشقق البائسة التي كنت أستأجرها في مناطق طرفية من القاهرة أشبه بالسكن العشوائي. كانت قصاصات ترجع إلى تواريخ قديمة ومتفرقة وبعضها غير مؤرخ وآخر بلا أسماء بدا وكأنني كنت أعرف أصحابها على نحو وثيق.

    "الأستاذ/حمد النيل.. بعد التحية.. حضرت ولم أجدك.. الأربعاء 6/12/95.. سأنتظرك الخميس أوالجمعة.. والسلام.. عدلي". "الأخ حمد النيل.. اتصل بنا هاتفيا المواطن المصري الحسين عبدالمجيد من الدقهليه.. وقال بانه يحمل امانه من حسن في الرياض.. وسوف يتصل بنا غدا الساعة 8 صباحا عند وصوله القاهرة.. (تلفونه هو 496809).. الأمين". "الأخ حمد النيل.. يريد حسن عثمان من السعوديه الاتصال بك هاتفيا في الساعة 9 من مساء الجمعة (غدا).. الأمين". "أراك في ندوة تقرير المصير غدا...م/س". "انتصار قالت بكرة تعالوا للغدا عامله تركين وما تنسى تكلم محمد عثمان وتجيب شريط وردي الأخير معاك.. مع العلم عاملين برضو شربوت خطير.. سلام".

    هكذا تبدو ذاكرة المنفيين الغرباء مليئة بثقوب ماتنفك تتسع مع مرور الوقت في طريقها إلى حنين متفاقم إلى أشياء متحركة في طريق الغياب شيئا بعد شيء. أشياء لم تعد موجودة. تركوها وراء ظهورهم لسبب قسري أوآخر. لكنها إن لم تزل تماما لا تكون بذات الملامح التي تركوها عليه. تلك الحقائق القاسية يحتملها المنفيون فقط لأنها تأتيهم في شكل إشارات متفرقة. الشقيقة ذات الثلاث سنوات التي تركوها تسعى في داخل الحوش عارية بدأت تحقق درجات جيدة في المرحلة الإبتدائية.. "أختك س دخلت الآن طور البلوغ وأنت لم تحضر بعد".. "أختك س حققت حلم العائلة وقريبا ستكون طبيبة".. "سنرسل لك مع جارنا تاجر الشنطة صورا لأبناء شقيقتك الصغار".. "والدك يفكر الآن في كيفية أن تكون جنازته في غير حضورك". مثل هذه الأشياء كانت حاضرة دائما في نظرات المنفيين الساهمة بينما ينتظرون هبوط الليل في حديقة درب الملكات.

    ربما لذلك كان المنفيون يقضون الوقت في الإهتمام بأتفه الأشياء كنوع من تناسي أشيأء ما تنفك تذكرهم بوجودها كصفعة غادرة على وجه كريم. كانوا يعيدون القصة الواحدة إلى درجة الملل فيشرعون وسط تواطؤ أصحابها في تحميلها بالكثير من الإضافات الزائفة. ذات مرة أسرف نفر منهم في الشراب وكان مدني سليمان وقتها يقرأ على رءوسهم المحنية بالسكر قصيدة لأمل دنقل يقول مطلعها:

    "أبانا الذي في المباحث،
    كيف تموت..
    وأغنية الثورة الأبدية ليست تموت"؟؟؟.


    فجأة، نهض عزيز تركي من مقعده وكأنه لم يتناول كأسا واحدة. كل ما فعله أنه اتجه نحو البوتجاز في هدوء شديد وخطف حلة الطعام وأخذ يجري إلى خارج البناية. مدني سليمان والمنفيون الآخرون نظروا إلى بعضهم للحظات في ذهول قبل أن يدركوا فداحة ماحدث. عندها فقط ارتدوا أحذيتهم على عجل. وخرجوا من البناية مترنحين. لتبدأ مطاردة حلة الطعام على أرضية شارع يتراكم عليه جليد زلق. هذا كل ماحدث. لكن المنفيين بمرور الوقت أخذوا يضيفون في كل مرة شيئا جديدا إلى أن توصلوا إلى أن بعض السكان المطلين على الشارع أذهلته غرابة ما يرى فإتصل بشرطة النجدة على الفور قائلا إن شيئا غريبا بالكامل يحدث الآن في مدينة كندية.

    تتلخص فكرة الفيمتو كيمياء والتصوير فائق السرعة في استخدام أشعة الليزر ذات الترددات العالية لتصوير سلوك الجزيئات الذرية، وتتبع التحولات التي تحدث بعد أي نشاط كيميائي. ولتقريب الفكرة إلى الأذهان يمكن اعتبار نبضة الليزر التي تستغرق جزءا من مليون المليون جزءا من الثانية تحاكي غطاء عدسة الكاميرا، حيث إن كل نبضة تصطدم بالذرة وترتد حاملة معها صورة مختلفة، وبذلك فإن سرعة النبضات الليزرية التي تفوق حركة الجزئيات بآلاف المرات تعطي شكلا كاملا لخطوات التفاعل.

    هكذا تتداعى الآن إلى ذهني تلك القصاصة من صحيفة الأهرام التي صرت أحفظها كذلك ولسب ما عن ظهر قلب كتلميذ صغير لم تلوث الأيام ذاكرته بعد. وذلك كان حديث عن إكتشاف قام به العالم المصري أستاذ الفيزياء في جامعة كالتكس الأمريكية أحمد زويل قبل سنوات. إلى الآن لم أفهم تفاصيل ماأسمته الصحيفة عبر أكثر من عدد "الإكتشاف المذهل الذي نال بموجبه زويل جائزة نوبل في الفيزياء". لا بد من طريقة الإحتفال به آنذاك هنا وهناك أن شيئا عظيما سيغير وجه العالم في المستقبل على نحو لم يحدث خلال تاريخه قط قد تم على يده أخيرا. لكأن نيوتن وأنشتاين وعلماء أفذاذ آخرين مثل مدام كوري لم يكونوا سوى مقدمات ضرورية لا بد منها لمقدمه أخيرا حاملا ذلك الإكتشاف معيدا إلى الأذهان مرة أخرى تلك اللحظات القدرية الجبارة التي رفع يده خلالها توماس إديسون مكتشف المصباح الكهربائي منيرا لأول مرة ليل مدينة نيويورك الدامس منذ فجر الخليقة مرة واحدة وإلى الأبد.

    دفعة واحدة ومض كل ذلك في ذهني بينما تيقنت خلال تلك اللحظات التي تختلط فيها الأمكنة بالأمكنة والمشاعر بالمشاعر والوهم بالحقيقة والواقع يبدو كخيال ساخر يمد لسانه في وجه شعراء بلا مواهب مصقولة أني الضحية العريق بلا دموع تبكيني أجلس قبالة جلادي داخل ذلك المجمع التجاري وجها لوجه بينما رفاق المنفى يحبسون أنفاسهم وآذانهم تتجه إليه كبوصلة أوقبلة للصلاة. كان إكتشاف زويل يتمثل في الوصول إلى أصغر وحدة لقياس الزمن تلك التي تسمى "الفيمتو ثانية" التي تمثل "جزءا من مليون المليون جزءا من الثانية". خلال هذه الوحدة القياسية المتناهية الصغر رأيت عينيه وهما تكتسبان تلونات برقية أعادت لي ذاكرتي تفاصيل تلك المأساة بوضوح ودقة. آنذاك خلع نظارته وأعادها إلى مكانها وكأن لا أحد رأى من أولئك المنفيين ما رأيت. لقد كان وقتها يصف ويحلل بعقلية أمنجية لاتنقصها الخبرة أوالخيال ما حدث للطاهر في ساعة نحس وظل مجهولا إلى يومنا هذا. ما لفت إنتباهي منذ رحيل الطاهر على ذلك النحو الشنيع أنه كان شديد الإختلاف عن بقية المنفيين الآخرين في تلقي الصدمة والتعايش معها. لم يكن إنسانيا في أية لحظة مثل تلك. كان يتحدث دائما في تلك الأوقات على نحو تشعر معه وكأنه يرفع تقريرا أمنجيا إلى رئيسه الأعلى. لم يذرف دمعة.. لم يطلق صيحة ذعر أوتنهيدة صادرة من جوف لموت شاب في مثل تلك الملابسات والوقت والمكان.. ولم يبتسم مثلي لحظة تلقي الصدمة محتجا على نظام الكون كله. ظل يصف ويحلل كخبير معمل جنائي. كان يقول وكأنه يقرأ في ملفات كتبها أمنجي من قبل مئات المرات ولم تكن منظورة. "ونما إلى علمنا". "وحسب تحركات المجني عليه ورصد معارفه في الآونة الأخيرة". "ومن المراقبة الدقيقة". "ثم تحركت الأجهزة المعنية إلى مكان الحادث في الزمان المحدد أعلاه". لا.. ذلك ليس ما تدعونه عزيز تركي.. أيها المنفيون!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-09-2005, 10:50 AM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-09-2005, 11:36 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)

    الصديق الشريف (الشريف):

    كيف تبدو الحياة الجميلة وهي وشك الإنتصار على جانب منسي من العالم كوطن؟؟؟.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-09-2005, 12:16 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    "بسهولة لا تعطي أذنك للآخرين (من تعاليم الثعبان)"/وقائع الفصل الثالث من الرواية:
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-09-2005, 02:52 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-09-2005, 08:53 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    أوقف رجل أربعيني داكن البشرة خشن شعر الرأس سيارته النبيتية ذات الدفع الرباعي (من ماركة فورد) أمام بيت لأسرة صغيرة رقيقة الحال تقطن في أقصى أحياء المدينة الغربية، لم تكن تبدو على صفحة وجهه الحليق الأملس الناضح بآثار النعمة ملامح مميزة، وعلى نحو عام كان من الصعوبة بمكان تبين حالته الشعورية التي بدا من خلالها آنذاك، بعض الذين ينظرون دائما بزاوية أخرى سيقولون لك بهمس شديد لولا سيارته تلك لما أعاره أحد من الناس مجرد نظرة عابرة، "حتما كان سيمر كأمثاله بغير أثر".

    السماء في تلك الساعة من أواخر شهر مارس لاتزال محتفظة بزرقة هادئة خالية تماما من السحب. الصقور السوداء التي ظلت تحلق بعيدا في منتصف نهار قائظ آخر هروبا من حر قاتل جعل من الأرض كانونا هائلا لطبخ وجبة طعام خفيفة مثل بيض مسلوق بدأت الآن تهبط نحو أسقف البيوت وأعالي شجر النيم ورؤوس أعمدة الكهرباء المتعاقبة وهي ترمق بنظرات حادة أولئك الناس الذين ربما بدوا لها في تلك اللحظات ولسبب ما مثل جيف تسير مترنحة في شوارع متربة كابية هنا وهناك. لكن المارة من جانبي ذلك الشارع أخذوا يسرعون الخطى مبتعدين من وقفته تلك ما أمكن. والذين أسعفهم الحظ وأبصروا السيارة من على بعد كاف كانوا قد وجدوا متسعا للعودة من حيث أتوا "من غير خسائر". يبدو ألا شيء أحق بالإعتبار في هذا العالم من روح الإنسان. لكن جوهر تلك الحكمة قد أدركه الناس دائما بغريزتهم ولم يكن وليدة تأمل في تجربة الرعب الضخمة التي تتخلل عظامهم منذ وقت بعيد حتى النخاع. بل كانوا يتجاهلون وجود شيء يدعى الرعب إلى أن يطرق أبوابهم فجأة جالبا لهم وبلا رحمة كل تلك الآلام الجسدية والتشوهات الداخلية التي تظل تنهش في عقولهم وقلوبهم ليموتوا في الأخير كأحياء يأكلون ويشربون ويتغوطون ويتضاجعون فقط.

    لم يلبث الرجل طويلا في وقفته تلك التي بدت أكثر الوقفات غرابة في العالم بالنسبة لسكان يقتلهم الفضول ظلوا منذ حضوره يتنازعون فيما بينهم النظر إليه بأنفاس مكتومة وراء أخرام الشبابيك الخشبية الضيقة، حتى تناهت إلى مسامعهم المرهفة وراء الشبابيك جلبة باب ذلك البيت الذي يدركون جيدا أن بداخله ولد طفل قبل ستة عشر عاما بعيون شيطانية، وهو ذات الطفل الذي دفع بعد ولادته بسبعة أعوام تقريبا ب"شامة الجعلية الطيبة" إلى أبعد مدينة في العالم تسمى نيالا، وأنهم لولا خوفهم من المجهول ووجود ثعالب طائرة تهاجم تعساء الحظ من ركاب القطارات في منتصف المسافة لكانوا قد استقبلوا شامة الجعلية هناك بأنفسهم التي على مايبدو لم يقسم الله لها ذلك القدر المتوقع من الحظ الذي يجعلهم على نحو أوآخر في مأمن من مشاق السفر "العنيفة". بل ذهب بعض حكماء جيران الأمنجي السابق إلى القول آنذاك إن المشاهدة اليومية لمثل تلك العيون الشيطانية خير من رؤية ثعلب واحد طائر كل عشر سنوات.

    أخيرا أوصد الأمنجي السابق (الشاب الصغير وقتها) باب البيت. عبر الخطوات القليلة التي تفصله عن السيارة المتوقفة، نجح في القاء نظرة متفحصة شملت كل المنازل القريبة، ويبدو أنه يمتلك خاصية النظر عبر الحوائط والحواجز السميكة، فما تكاد عينه تستقر عند شباك محدد حتى يخر المتلصصين وراءه أرضا، بل ذهب بعضهم إلى خطف أقرب غطاء إليه والتظاهر بنوم مباغت لا يخلو من شخير فضلا عن تلك الأصوات الأخرى التي تصدر عن الناس أثناء النوم العميق، لقد كانت حجة الذين تظاهروا بالنوم أنهم خشيوا لحظتها أن يتم إستدعاؤهم ومساءلتهم عن مكان تواجدهم لتأكد من عدم وقوعهم في خطيئة النظر أوالتلصص على أناس يمثلون ظل الجنرال على الأرض.

    على غير عادة أولئك المارة، أقبل بخطى واثقة يشع من وقعها المتمهل إحساس غامض بالفخر وشوق دفين أظهرته إبتسامة عريضة لم تجد ما يقابلها داخل السيارة، وبدا ذلك محبطا على نحو ما، لكن "الصبي" سيتعلم بمرور الوقت كتلميذ مفطور كيف يسيطر على مشاعره في مهنة أهم ما فيها آن تكون محاطة بالمجهول والمهابة كرحلة في صحراء غير مطروقة. أخرج الرجل نظارة سوداء من الجيب الأيمن الأعلى لبدلته السفاري. وأدار محرك السيارة في صمت. كان ذلك هو اللقاء الأول مابين "الأمنجي السابق" وأستاذه "الثعبان". قبلها لم يكن ثمة ترتيب مسبق للقاء. ولم تكن هناك معرفة سابقة. لكن "الأمنجي السابق" حين جلسا داخل العربة قال له بصوت رجل ناضج إلى حد بعيد: "كنت أنتظرك". بدا الثعبان وكأن شيئا لم يطرق أذنه اليمنى. فقط قاد العربة إلى الوراء مثيرا قدرا هائلا من الضوضاء والغبار فوق أرضية الشارع المترب وسط مجموعة من المارة الذين جمدهم الذعر على الجانبين. فعل ذلك بقوة ومهارة من دون حتى أن ينظر ولو لثانية إلى المرآة الجانبية. وبدا بكل تلك السلاسة التي انسابت بها السيارة وكأن الثعبان كان على علم دقيق بمواقع كل تلك الحفر الصغيرة التي تناثرت على امتداد شارع غير مرصوف. وقال الثعبان وهو يدير أخيرا مقدمة السيارة نحو المخرج الأيمن للشارع الضيق: "أنا الآن أعلمك كيف تضع عينيك عند طرفي مؤخرة الرأس". خلال كل تلك اللحظات القصيرة الوامضة المتتابعة بدا وكأن الأمنجي السابق على وشك الإنفجار من أثر تلك التقلبات الداخلية العنيفة المباغتة للمشاعر. لكن ما كاد أن يخلع قلب الأمنجي السابق بالفعل ويرمي به إلى عرض الشارع فريسة ورحمة تحت أقدام المارة أن الثعبان حين خلع نظارته وأدار إليه وجهه كان بلا عينين تماما. وقبل أن يكمل "الأمنجي السابق" دهشته العظيمة التي أعقبت حالة الرعب تلك، أضاف "الثعبان" وهو يعيد عينيه إلى وضعهما الطبيعي فيما يشبه طرقعة الأصابع قائلا: "في مثل مهنة كمهنتنا قائمة على الكر والفر لابد أن تتعلم مثل هذه المهارة.. الأمر هنا يحتاج إلى أكثر من تلك الألعاب الصبيانية التي كنت تمارسها مع شامة الجعلية.. نعم نحن نعلم كل شيء.. وهي تعالج في نيالا الآن في مستشفى الأمراض العصبية والنفسية بعد أن أرسلنا إليها أمنجي هناك بعيون مضيئة في الليل.. وقد تبين لنا وقتها أنها ثرثارة أكثر من اللازم". وهما يقتربان من بوابة حديدية ضخمة موصدة من قلعة الأمنجية الحجرية يقف خارجها حارسان مدججان بالسلاح: "كذلك لابد أن تتعلم العض.. خاصة عض اليد الممدودة لك.. فالعواطف في مهنتنا لاوجود لها.. ولا وجود لصديق دائم.. ولكن يوجد هناك دائما أعداء.. نعم عض اليد الممدودة". فجأة تأرجحت السيارة ذات اليمين وذات الشمال. وبالكاد أحكم "الثعبان" سيطرته عليها قبل الدخول إلى الممر المرتفع المسفلت المؤدي إلى تلك البوابة من القلعة مباشرة. كان "الأمنجي" السابق وقتها قد باغت أستاذه الجديد وانتزع من يده اليمنى قطعة لحم طفر الدم من مكانها كنافورة صغيرة. عندها فقط ضحك الثعبان منتشيا كمعلم راقه سرعة أن يستجيب تلميذ نجيب لتعاليمه إلى تلك الدرجة من الذكاء والجرأة والسرعة. وكان ذلك في عرف المحيطين به حدثا نادرا يحدث كل ثلاث سنوات مرة: الضحك.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-09-2005, 11:15 PM

banadieha
<abanadieha
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 2235

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)



    واصل..نتابع ولا مجاملة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-09-2005, 02:18 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: banadieha)

    لك (يا بناديها) مثل ما في قلب أمي لي من دعاء:









    كان السكن المؤقت يحمل معناه في التفاصيل الصغيرة لتلك الشقة ذات الغرفة الواحدة والحمام والصالة التي يحجبها عن المطبخ ستارة زرقاء من الساتان المشغول الأطراف بمنمنات فارسية دقيقة ذات لون مذهب باهت. كان مكوث عزيز تركي معنا بما يحمله ذلك من تبعات أكل وشرب وأشياء أخرى وعلى نحو يكاد يستغرق اليوم كله لا يغيظ الطاهر إلا في أمر واحد. ذلك أن عزيز تركي كان يستهلك كميات كبيرة في الحمام من أوراق التواليت التي كان الطاهر يرى أنها غير مهمة "بعد الخراء" إلا في تلك الأوقات التي تدخل خلالها مومس ما لتنظيف نفسها قبل أن تذكرك داخل الغرفة وهي تنظر إلى ساعتها "طوال عملية الجماع" بممارسة قال الطاهر عنها إنها لا تحدث في الدنيا "بالسرعة دي" إلا بين معشر "الرجال الديوك والنسوان الدجاجات". كان قد شرع يشتم في عزيز تركي في وجهه بعد مرور الإسبوع الثاني من وصولنا محتجا في كل مرة على تجنبه إستعمال الماء "زي ما كان زمان جدا يا خواجة تركي قاعد تتغسل في بلد أمك وأبوك". وبعد قليل: "وبعدين إنت عارف يا خواجة تركي المناديل دي جايبنها بس للبنات الخواجيات". كان عزيز تركي يلوذ دائما من غضب الطاهر المباغت بالصمت أويبتسم على نحو أوآخر. كان بدوري يغيظني في البداية أن فارق السن الشاسع بينهما يصل إلى هذا المستوى من التعامل. أجل.. المنفى يسقط هيبة الكبار كثيرا ويمنح الصغار معنى. لم يقتنع الطاهر وقتها على ما يبدو بتعليل عزيز تركي المصاب بحساسية من الضوء لإرتخاء كما قال لنا في "أعصاب شبكية العين اليسرى" فأخذ أكثر من مرة ربما إمعانا في إهانته يحاول خلع نظارته السوداء قسريا تلك التي ظل يرتديها في كل وقت حتى داخل الشقة وليلا. كالأسى لا يزال الجليد يتساقط وراء النافذة الزجاجية. "خواجة تركي". أتساءل الآن كيف نسي الطاهر تلك التسمية الأولى التي أطلقها على عزيز تركي الذي أخذ يعرف بعد فترة في أدبيات بعض المنفيين الأكثر خصوصية بإسم "عزيز شين". حين جاء إلى شقتي خلال ذلك النهار كعادته بلا موعد مسبق حاملا معه لأول مرة إسم "عزيز شين" قلت له لا يمكن أن يصل بك الحال إلى درجة معاملة رجل بهذا التهكم بعد أن ظل يترجم لك ولايزال في كل مكان. ضحك الطاهر وقتها كما لم يسبق له الضحك في حياته من قبل. "يا حمد النيل.. عزيز تركي دا حظه من اللغة الانجليزية متل حظ علوية بت السيد رحمها الله من الجمال، ولا تسأل كيف كانت علوية السيد تبدو، لكن صاحبه الخليفة حظه أفضل حالا، وهو حظ متل جمال بثينة بت بشير موسى، وبثينة هذه كان زوجها لايقربها في بلدنا إلا حين يضع على وجهها ملاءة". فجأة قفز إلى ذهني وقتها تفاصيل ما لاحظته من علاقات مريبة مابين عزيز تركي ورجل يصغره بنحو العشر سنوات تقريبا يدعى الخليفة بدري. لقد كانا كما يقال في المثل "مثل طيزين في لباس واحد". لا تعرف أبدا أيهما الأصل وأيهما الظل. وإن كان الخليفة بدري يبدو ضخم الجثة بكرش فيل مدلل وأسنان خربة ووجه خال من أي تعبير حتى في أكثر اللحظات فرحا وأشدها حزنا على حد سواء، لكأن أبوه بالفعل الحجر وأمه الصخرة الصماء. حقا لقد أدهشني حكم الطاهر بعقليته البدوية الحاضرة على مستوى درجة تعاطيهما مع الانجليزية بكل تلك الدقة برغم من أنه لا يكاد يفك حرفا عربيا واحدا. كان الخليفة يبدو وكأنه يتعارك مع الكلمات في حلبة مصارعة. وكنت تحس بعزيز تركي وكأنه يوشك أن يجبر كل الكنديين على تحدث اللغة العربية بلهجة محلية. كان يتوجه إلى البائعة في المجمع التجاري يتوجه إليها بكلمات كما يقول مدني سليمان "تسب الدين لبعضها البعض". وحين تظهر له رغبة في تفهم ما يريده أكثر يبدأ على الفور في شتيمتها بلغة عربية فصيحة بينما يكور قبضة يده اليمنى كمن يوشك أن يضربها ويضغط على أسنانه قائلا: "يا بت الكلب أنا قلت عايز كذا وكذا ودا كلام مفهوم. لكن البائعات الحسناوات يحتفظن دائما بهدوئهن مبتسمات على قاعدة "الزبون على حق" إلى أن يتوصلن بعد جهد جبار إلى ما يريده عزيز تركي. كنت أرقبهن من بعيد في مثل تلك الحالات. وهن يرقبن ظهره وهو يبتعد. وقد خالجتهن مشاعر حقيقية متنافرة هذه المرة. كان بعضهن يتنهد كمن يتنفس في أعقاب زوال كارثة للتو. أخريات كن يتلفتن حولهن بذهول في محاولة غامضة للعثور على شخص يؤكد لهن حقيقة ما حدث بالفعل. وبعضهن الثالث كان يتبعه بنظرات هي مزيج من الإشمئزاز والعطف والرغبة في اللحاق به وصفعه بعيدا من مكان العمل. وبدأ الطاهر شيئا بعد الشيء يتبنى مثل تلك اللغة في التعامل اليومي مع الناس إلى الدرجة التي أخذ خلالها يتجنب عزيز تركي كمترجم لم يعد في حاجة إليه البتة. ولعل ذلك ما قاده في الأخير إلى تلك الخاتمة البشعة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-09-2005, 05:23 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    "أنا.. حمد النيل.. ياخالي". أقول بصوت واهن شديد الضعف. ومع ذلك لا أثر لوجود شخص ولا حركة لوقع خطى أليف يتناهى من داخل الحوش الغارق في الصمت كقبر آخر ذلك الليل الموغل في البعد وربما النسيان. كان ظهري كله مثخنا بالجراح وقطرات العرق المنساب تكوي وتعشي عيني بكل تلك الدموع. لا أكاد في كل مرة أن أتبين طريق أصابعي إلى ذلك الباب الخشبي الضخم الذي أخذ ينخر السوس في جوانبه منذ فترة لقلة الطارقين ربما. كنت خارجا من بوابة المدرسة الرئيسية لتوي حين رأيته يقف قبالتها على الجانب الآخر من الطريق المتربة عاقدا ذراعيه فوق صدره مستندا على احدى تلك السيارات المتشابهة ذات الدفع الرباعي ناظرا نحوي مباشرة ولم تكن على عينيه تلك النظارة الشمسية التي أخفته عني هنا لفترة تماما كما أخفاه عني مرور السنوات وفقر خيال مدقع كنت أرى بواسطته كل الأشياء المتوقعة قبل وصولي إلى كندا ما عدا الأمنجي السابق الذي تلاشى بمجرد قيام تلك الثورة التي تم سرقتها في المهد منذ وقت طويل. بحثت عنه طويلا. خالي حسين بدا آنذاك متحمسا لرحلة بحثي الشاقة بين المدن عن الأمنجي السابق. وكأنه كان يختزن لمثل ذلك اليوم كل أمواله وشجاعته وإحساسه بالغبن أيام كانت نكات الجنرل تجبره في الأمكنة العامة على الضحك مستلقيا على قفاه ضاربا بقدميه الهواء من شدة المتعة قبل أن يعود إلى بيته منفردا بأحزانه الخفية ليعد نفسه من جديد لسماع نكات أخرى في الطريق إليه لا محالة. كنت خارجا للتو من بوابة المدرسة الرئيسية. وكان في صحبتي صديقي وزميلي وجاري عادل عندما رأيناه هناك عاقدا يديه فوق صدره كقدر ينتظر. لقد تفرقت روحي في أمكنة كثيرة، لقد رأيت أنواعا مختلفة من البشر، لقد زادت خبرتي بالحياة فوق ماأحتمل، لكنني أبدا لم أصادف صديقا مثل عادل حتى الآن. لا زالت صورته ومواقفه في ذاكرتي نقية بهية لم يمسسها سوء. ذلك صديق في أيام الشدة والرخاء. والأشياء الجميلة لا تدوم في حياتنا طويلا. لقد قتله الأمنجي السابق أمام عيني كما يقتل أحمق ذبابة تطن حول رأسه بدأب. ونحن في نظره لم نكن سوى حشرات. وقتها لم يفكر لحظة واحدة أن لعادل أم تتغنى بمستقبله وأخت تفتخر به وحبيبة تتلهف بشوق لرؤيته ولا تمل. كذلك تكون مشاعر القتلة على مدى العصور برغم إختلاف الوسائل وأنواع القتل بدماء أوغير دماء. أحيانا أفكر لو أننا وقتها خرجنا من الباب الخلفي لما سممت حياتنا كل تلك الأحزان. لا ضوء يلوح في تلك الساعة سوى ضوء السماء النجمية البعيدة النائية. أطرق الباب للمرة الثانية. لا أحد يطل ولا صوت خطى أليف يتناهى من داخل الحوش الذي أعرف أدق تفاصيله. أنطوي على نفسي أكثر فأكثر. قدماي تشرعان في التداعي. أتماسك ما أمكن. أفكر في الجلوس ريثما يفتح خالي الباب. لكأني أدرك ما سيحدث خلال اللقاء بعد لحظات. "أنا.. حمد النيل.. ياخالي حسين". أقول بصوت واهن شديد الضعف. ومع ذلك لا أثر لوجود شخص بالداخل. وآلام الدنيا كلهما تمزق ظهري الآن. ومع أنه لم تكن توجد ضمانات كافية حيثما وجد الأمر إلا أن خالي حسين كان يهمس أمامي في بعض الأيام داعيا الله أن تدركه نكات الجنرال في البيت لا في مكان عام. كان يفعل ذلك عادة حين التأكد أن المذياع مغلق في البيت تماما. وقد رسخ في وعيه على نحو ما أن المذياع من حيث لا ندري قد يقوم بتوصيل دعاء العباد لربهم إلى بيت الجنرال مباشرة في شكل وشاية لا تحمد عقباها. كان يرفع يديه نحو السماء في خشوع تام. ويهمس بذات الطيبة الشديدة قائلا بكل ذلك الصدق: "اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه". لكن حظ خالي الأكثر سوءا في هذا العالم كان يقوده دائما إلى سماع نكات الجنرال المباغتة في مكان عام إلى الدرجة التي كان يقول معها قبيل قيام الثورة أشياء من قبيل إنه إستمع إلى النكتة في السوق وإنه كان وقتها المواطن الوحيد الذي إستمع إليها وسط مجموعة كبيرة من الأمنجية المتنكرين في هيئة تجار مواشي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-09-2005, 05:47 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    تلك كانت أيام الثورة وأولئك الثوار الذين شغلوا بغنائمهم فيما بينهم حينا إلى أن جاء جنرال آخر بليل رقى نفسه إلى رتبة لايدركها بشر قبل أن يعيدهم مرة أخرى إلى جحورهم القديمة في صحراء بعيدة ككوكب وموحشة كقبر رجل ملحد في ذهن مؤمن. وقد تسلل بعضهم خفية إلى خارج الحدود كفرائس محتملة للشجن والحنين والذكريات الحزينة وأشياء أخرى فادحة كلوعة نفس أمام الموت في بلاد بعيدة.. ولاعزاء. كنت ضحية. وكنت كذلك طالب ثأر قديم وحق.. ولاأزال. أطالع وقتها بدقة صور الأمنجي السابق ولم يكن ينقصني الصبر. وقد توزعت ذات الصور القميئة في الصحف وأقوال الشهود وضحايا بعدد ذرات الرمل إلى ألف صورة وصورة. كنت أضحك بيني وبين نفسي بمرارة ولا أحدث لغيظي حتى خالي حسين. ذلك أن الصور المنشورة كانت كلها تنتمي إليه. لكن أكثر ما أعاد لي ذكريات الرعب تلك الصورة التي نشرتها صحيفة "الشمس الأخرى" لما أسمته آنذاك "مواطن بعينين أسفل ذقن حليقة". أجل.. تلك مجتمعة كانت صوره التي أطل عبرها على ضحاياه في حالات نفسية متباينة شاء حظي أن أراها كلها خلال تلك اللحظات التي أردى خلالها عادل أمام عيني ومن غير أن تطرف له عين للحظة. لقد جرب معه وقتها كل تلك الحيل والعذابات التي كانت تحدثها عيناها عادة في الناس.. تبدلتا وقتها إلى عشرات الألوان والأحجام.. قلب رأسه المطاطية ليرعبه رأسا على عقب... صدم خصيتيه بأسلاك الكهرباء.. علقه على مشانق وهمية.. أوقفه إلى حائط بعد أن عصب عينيه وأخذ يطلق الرصاص قرب أذنيه بعصبية.. ملأ برميلا بالثلج وغرسه داخله حتى الصباح.. إنتزع بكماشة أصابع قدميه ويديه.. لقد فعل معه كل ذلك وغيره وليس عدلا أن يأخذ مكانة لاجيء حقيقي يتفسخ الآن من الجوع والتشرد والمرض في منافي وسيطة مثل نيروبي والقاهرة ونيودلهي. أجل.. ذلك ليس عدلا: أن يدعني وقتها سالما لأطول فترة بغير عذاب جسدي أشاهد صديقي يتألم أمام عيني داخل نفس الزنزانة.. يالعذابي. كان يجبرني على الجلوس خلال نهارات قائظة لأرى بعينين مشرعتين مايحدث لحظة بلحظة. الآن لاأدري متى على وجه الدقة حدث ذلك. لقد بدأت التواريخ والأمكنة والأسماء تتداخل في ذاكرتي منذ أمد بعيد. ربما حدث ذلك خلال شهر يناير أوأكتوبر أومايو أوأبريل أو.. لست أدري. إن العذاب لا أن تجلس في داخل الجحيم نفسه. إن العذاب أن تقف خارج بوابة الجحيم المشرعة ترى قطعة حميمة من قوام وجودك الإنساني تشوى بداخله بلا رحمة أورأفة من غير أن تملك حقا في أن تغمض عينيك لثانية واحدة. أجل.. كانت تلك أيام الثورة. وكنت كذلك طالب ثأر قديم وحق.. ولاأزال.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-09-2005, 07:16 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    من الطريف أنني أتلقى في الآونة الأخيرة رسائل إلكترونية ومكالمات هاتفية من أصدقاء أنقياء عن حق يقترحون خلالها إضافة شخصيات بعينها إلى الرواية من واقع سبق لي وأن عشته في ظل وجودهم الكريم. ومن الطريف أكثر أنهم غدوا كلما ظهرت شخصية جديدة يقومون بمقارنتها بشخصية أوأخرى من واقعهم. محبتي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-09-2005, 07:12 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    جاءنا خالي بعد صلاة الجمعة تلك وهو يكاد يتميز من الغيظ. كان نهارا قائظا وباب الحوش موارب حين دفعه وجلس بيننا داخل البرندة من دون أن يلقي علينا مجرد التحية. كانت أمي منذ إعتقالي الذي كما قالت هز كيانها أكثر من موت أبي نفسه قد بدأت تخاف من كل شيء. كنت حين أتأخر في مرات نادرة من العودة إلى المنزل قبل مغيب الشمس أجدها مرتعدة الفرائص وقلبها يخفق بشدة وأي خوف كان يطل وقتها من عينيها الكليلتين من طول بكاء. لقد أحزنها في طفولتها كثيرا أنها لم تهب عينان زرقاون مثل خالي حسين. الناس عادة لا ينظرون إلى ما يملكونه كشيء ذي بال إلا حين يفقدونه. وثمة حالات أخرى. وسألته أمي وهي مطرقة منطوية على نفسها كغريب يجلس بخوف غامض عند طرف السرير الوحيد داخل البرندة:

    - "مالك يا حسين"؟!.

    أمي ظلت تقاوم رغبة خالي في الزواج مرة أخرى. كانت جميلة. كانت تقول له دائما: "أنا تزوجت ولدي حمد النيل". وصلني نبأ موتها بينما كنت لسبب ما أجلس وسط أولئك المنفيين النمامين في ذلك المقهى قرب شارع عبد الخالق ثروت في القاهرة. أطل وقتها صديقي الأمين الذي كان يترك لي تلك المذكرات المقتضبة على باب الشقة حين يجدني غائبا في مكان ما. كنت أستخدم رقم تليفونه حين أريد غالبا من شخص أن يبلغني بأمر مهم وعاجل من داخل القاهرة. وكذلك سمح لي بعنوانه البريدي حيث كانت تأتيني الخطابات من داخل الوطن بإسم مستعار. لم يكن لصديقي الأمين أدنى علاقة بالسياسة. لقد ألقت به أقدار بدت لي في البداية غامضة إلى القاهرة. الأمين جلس إلى جانبي في صمت. وبدا أن المنفيين النمامين كانوا على وشك الإنتهاء من سلخ جثة شرف امرأة مطلقة قيل عنها وقتها إن رصدها الدقيق يفيد بركوبها على أكثر من سيارة في أنحاء متفرقة من القاهرة وإنه "إذا لم تكن كذلك" فلا بد أن لها ك"سياسية مزيفة" علاقات "سرية" مع سفارة الجنرال. ربما لتصاعد وتيرة النميمة ووصولها إلى منحنى بوليسي تمت صياغته بدقة ردوا وقتها على تحية الأمين كرجل شديد الحساسية ونقي كدمعة نبيل لحظة ضيق بإهمال وضيق شديد الوضوح. كان المنفيون النمامون قد وصلوا إلى تلك اللحظة التي يترقبونها كشيء قديم أدركه أغلبهم من قبل لكنه لا يمل من سماعه في كل مرة بعبارات جديدة: "الحركة الرجراجة لعجيزة السياسية المزيفة". عندها فقط أحسست بالأمين وهو يضع الخطاب على يدي خلسة. فضضت الظرف بعناية وحذر بينما وضعت يدي الإثنتين أسفل المنضدة ورفعت ركبتي إلى أعلى مستندا على أمشاط القدمين راجعا بظهري إلى الوراء وقد بدت قائمتا الكرسي الأماميتين مرتفعتين عن أرضية المقهى الكالحة قليلا. هكذا قرأت نبأ رحيل أمي.

    خالي حسين لم يرد على سؤال أمي مباشرة. ظل بدوره مطرقا يلفه الغضب وشعور غامض أشبه بخيبة أمل عظيمة. كنت أجلس إلى جانبه على أحد الكرسيين المقابلين لصورة أبي الضاحكة المثبتة على الحائط الشرقي من البرندة والمحاطة بآثار المطر المتسرب عبر حواف العرش البلدي على مدار السنوات. كنت أسترق النظر إليه بين لحظة وأخرى لعله يريح أمي التي كانت تخاف من ظلها نفسه خلال بعض النهارات التي كانت تكثر فيها التفكير في مستقبلي بعد رحيلها من هذا العالم. كانت أمي في جلستها تلك منتظرة إجابة من خالي حسين تنظر إلي بدورها وكأنها تخشى أن يكون لغضبه صلة بي. وكنت قد لاحظت أن الجزء الذي يلي عنقه مباشرة من جلبابه الأبيض النظيف يبدو في حالة غريبة كما لو أن قطيع من الغنم كان يلوكه لفترة من الوقت. أخيرا قال خالي حسين أن بعض "الأوباش" اللاهثين وراء جائزة العثور على الأمنجي السابق قد هاجموه في الجامع لمجرد أن عينيه "بهذا اللون". عندها فقط تنفست أمي الصعداء وضحكت برغم حنق خالي الذي بدا وقتها بلا نهاية. وكانت تقول فيما بدا تأثرا بأحزان طفولتها القديمة حين إكتشافها أن الله لم يهب لها مثل لون عينيه الزرقاوين شيئا أقرب للحكمة القائلة: "تبدو قطعة الخبز دائما أكبر حجما حين نراها في يد غيرنا.

    آنذاك كان المنفيون النمامون قد وصلوا إلى ذروة تهشيم عظام شرف تلك "السياسية الزائفة" المزروعة ك"خلايا سرطانية" في قلب "أمنيات الحرية". وتلك كانت أوصاف شاعر منهم كان يردد في أوقات السكر الشديد إلى درجة أن يصيب السكارى الآخرين بحالة من الإكتئاب الجماعي عبارة شاعرية أخرى ظل يعطيها في كل مرة جرسا موسيقيا مختلفا مثل ملحن متوسط الموهبة يختبر أوتار عوده أمام قصيدة مكتوبة. "لولا مهام النضال.. ما توقفت عن صناعة الجمال". أجل.. أمي ماتت. وقد وصلني النبأ في المقهى الذي يغشاه المنفيون النمامون على ذلك النحو. لكن رد فعلي كان غريبا. طويت الرسالة المشئومة في صمت. رفعت رأسي. وجدت عينا الأمين تتساءلان إن كان كل شيء على ما يرام. أومأت برأسي أن نعم. أخبرت الأمين فيما بعد. وقطع علي وعدا ألا يحدث أحدا. فعل ذلك بتفهم كبير. أمي عندي أكثر قداسة من ذرف دمعة واحدة على رحيلها أمام موتى أحياء ظلوا يقتلون بعضهم البعض أكثر فأكثر كيما يظلوا أحياء. وذلك حزن سأظل أحتمله في داخلي كسجن حتى النهاية.. ولاعزاء.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-09-2005, 07:56 PM

ابنوس
<aابنوس
تاريخ التسجيل: 19-04-2003
مجموع المشاركات: 1790

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    *
    *
    *
    * * * *
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-09-2005, 09:58 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: ابنوس)

    يبدو أنه فاتني تحية صديقي الجميل عزت ولك تحايا كتلك أكثر إنسانية أومحبة.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 29-09-2005, 10:00 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-09-2005, 08:11 PM

صديق الموج
<aصديق الموج
تاريخ التسجيل: 17-03-2004
مجموع المشاركات: 19433

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الله!!!! حكى بطعم البهار تداعى يا شفيف،،،،
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-09-2005, 09:53 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: صديق الموج)

    أسعدني مرورك من هنا بعد غياب طويل كثيرا (يا أخي صديق).










    أبدا.. طبعا لا.. مطلقا لم أكن أسعى وراء جائزة. ولكني كنت ضحية.. طالب ثأر قديم وحق.. ولاأزال. وكنت أعلم كذلك أن الأمنجي السابق كان أكثر جبنا من الهروب إلى نواحي نيالا حيث كانت تهاجم المسافرين بالقطار في بعض الأحيان أسراب من الثعالب الطائرة. وكنت كأغلب الناس قد تمكنت مني عادة السفر بين المدن المتباعدة على طريقة القرود عن طريق القفز من شجرة إلى شجرة. وكانت وقتها قد حدثت كوارث لأولئك الناس الذين لم يفلحوا في كبت مشاعرهم أكثر تجاه تحقيق تلك الأشواق بالسفر عن طريق السيارات مرة أخرى. لقد فهموا حرفيا أن الثورة هي أن تفعل كل شيء يخطر ببالك كأن تقف عاريا في ميدان عام وتعبر عن رأيك حول ضرورة أن يستضيف رئيس الوزراء المنتخب كل يوم عددا من أفراد الشعب الذين يواجهون مشكلة في الكساء على مائدة الغذاء الخاصة به وذلك من دون إيلاء العناية الكافية لتلك الملاحظات التي تفيد بوجود لصوص في صفوفهم يقومون خلسة بسرقة "الفوط" التي درج الوجهاء على فرشها فوق حجورهم أثناء الوجبات تجنبا ل"فتافيت" الأكل المتساقطة خلال الرحلة من المائدة إلى الفم. ورأى محللون وقتها أن تلك الحجج "لا تستند في مجمل التحليل على حقائق واقعية أوأساس من الصحة" على حد تعبيرهم. ذلك أنه يمكن الإستغناء عن "الفوط" خلال تلك "الأكلات" تماما لعدة أسباب "أهمها" أن أولئك البؤساء لا يدعون "أصلا" لأدنى "فتفوتة" تسقط من أفواههم لأنهم دائما "ينظرون إلى ما أمامهم كآخر وجبة طعام لهم في العالم" ناهيك عن كون تلك الوجبات تدخل "في إطار مصطلح الوجبات الرئاسية" كما أن رئيس الوزراء نفسه ومعاونيه يظلون وقتها ينظرون بلا أكل ل"الكابوس اليومي الذي يحدث في قعر دارهم من دون أن يمتلكوا حياله شيئا". أجل.. هناك كوارث عديدة حدثت أيام الثورة نتيجة العجلة كالسفر بين المدن بالسيارات مرة أخرى من غير المرور حتى بفترة إنتقالية كافية للتخلص من العادات القردية في السفر التي بلا شك تنتمي إلى "العهد البائد". ومن المآسي الحقيقية التي تعرض لها الناس آنذاك أن بعض السائقين نسي أنه يقود سيارة ركاب ضخمة في فترة ديمقراطية فخطر له أثناء عبوره فوق جسر على نهر أيام الفيضان أن يقفز بالسيارة في حركة قردية قديمة نحو جزيرة تشتهر بزراعة الموز. وقد كان.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-09-2005, 11:34 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    جاءنا مدني سليمان في تلك الشقة المؤقتة بعد مرور ثلاثة أسابيع من وصولي إلى كندا. وكنت قد بدأت أكتسب هيئة المنفيين مثله بعد سلسلة من عمليات التغذية الجيدة المتواصلة. وقد بدا أن شقاء المنفى الوسيط في القاهرة قد زال عني مرة واحدة وإلى الأبد. وأكثر من ذلك بدوت أصغر سنا بأكثر من عشر سنواتت بعد أن أزلت شعر رأسي تماما جريا على عادة المنفيين الذين وجدوا في ذلك وسيلة مثلى لتعويض سنوات جفاف عاطفي حاد يعود تاريخه فيما يبدو إلى ألف عام وعام. كانت تلك هي المرة الأولى التي أراه يرتدي خلالها بدلة سوداء بقميص مبهرج ذي ألوان فاقعة. قال لي وأنا أرى صلعته تعكس ضوء الصالة أعلى رأسه فيبدو الأمر على نحو ما كحذاء جديد تم تلميعه للتو بعناية فائقة إنه في طريقه إلى حضور الحفلات النارية التي تقام على شاطيء النهر من حين لحين. نظر إليه الطاهر آنذاك بدهشة لها فم مشرع يمكن أن تدلف إليه ذبابة في مكان آخر بعيد في أي لحظة. كان غياب الذباب منذ الأيام الأولى قد أثار بدوره حيرة الطاهر إلى حد بعيد وظل ينظر إليه لفترة كرجل ظل يرتشف كميات كبيرة من الشاي قبل أن تلقي به الأقدار إلى دولة مجاورة قرأت أن جنرالها أصدر أمرا عسكريا يقرر فيه تحريم تناول الشاي والقهوة خارج حدود "القصر الجمهوري". كان يقول لي: "والله.. يا حمد النيل.. أنا بصراحة شديدة محتار كيف أعيش من غير ذباب". وكان أثناء الغذاء يلجأ إلى حيلة أكثر غرابة كادت تمنع عزيز تركي من الحضور إلينا نهائيا. كان يتخير أكثر لحظات عزيز تركي التي ينسجم خلالها مع الطعام كما لوكان يقبل حسناء ذات شفايف ساخنة فيهوي على كتفه بيد مفتوحة الكف قائلا: "ذبابة ذبابة". وبدا آنذاك وهو ينظر إلى بدلة مدني سليمان بتلك الطريقة قد بدأ يرسخ في وعيه كما أخبرني لاحقا أن "مهرجان الألعاب النارية دا" لابد أن يكون اجتماع هام للمثقفين في كندا. هكذا خلال الشهور التالية وبعد أن عرف الطريق بمفرده كان يحدث وأن أقابله في الطريق صدفة أويسألني عبر الهاتف عما إذا كانت لي رغبة في الذهاب إلى "إجتماع المثقفين الهام". هناك، على الشاطيء، وقبيل بدء الألعاب النارية، أدهشته جدا مسألة إجادة مدني سليمان للغة الانجليزية كمخاطبة. وكان مدني سليمان بالغ الحرص دائما على أن يثبت للطاهر في كل مرة قدرته على التحدث مع النساء الكنديات في أية لحظة. كان مدني سليمان يستغل في الواقع ذلك الجانب الحضاري الذي تطوره الإنسان هنا المتمثل في سهولة التواصل بين البشر من دون عوائق والوصول إلى الغايات مباشرة. ذلك ما أدركته لاحقا. لكن مدني سليمان أخذ يستغل إدمان الطاهر المتزايد على الدهشة فغمز لي بعينه خلسة وإستوقف ثلاث فتيات مرحات عند كشك يديره جمايكي لبيع البيره المثلجة كانت إسطوانات بوب مارلي تصدر من داخله على الدوام محثة ثوارا ما في مكان ما من العالم على النهوض من أجل نيل حقوقهم. الفتيات المرحات ضحكن مع مدني بعد أن تحدث إليهن قليلا متمنيا لهن على عادة الناس هنا وقتا طيبا مع الألعاب النارية القادمة. فجأة كادت أن تحدث كارثة لا يدري سوى الله كيف كانت ستنتهي. آنذاك أخذ مدني سليمان يتوجه إلى الطاهر بجدية تامة وهو يترجم له ما حدث بينه وبين الفتيات الثلاث مستعينا بحركة يديه ولغة الجسد كلها كما لو كان يتحدث إلى إجتماع سياسي عام. ولا يدري سوى الله كيف منعت نفسي من الضحك وقتها وتركت المؤامرة على الطاهر تمضي إلى نهايتها. قال له مدني سليمان إنه رفض دعوة الفتيات لشراب شيء من الويسكي وقضاء الليلة معهن "إلى طلوع الفجر". وأوضح له مدني سليمان الأمر بذات الجدية والصرامة وبشيء من البراءة المصطنعة قائلا: "لقد قلت لهن أن حضورنا هنا في المقام الأول لمشاهدة الإحتفالات النارية". هنا جلس الطاهر على الأرض على أمشاط قدميه لا يكلم الطاهر من غضب لم يفلح في السيطرة عليه واضعا يدية على رأسه كصاحب نكبة حقيقية لا يد له فيها. لكن مدني سليمان نجح أخيرا بوعود جادة أخرى في إعادته إلى حالته النفسية مرة أخرى. ليلا تناهي لي صوته عبر الظلمة من السرير المجاور قائلا وسط الأحلام التي غمره بها مدني سليمان:

    - "يا حمد النيل"؟.
    - "نعم".
    - "أكيد مدني سليمان دا صاحب وظيفة كبيرة في البلد دي"؟؟؟!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-09-2005, 01:54 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    ظللت في النوم ومنذ سنوات أكابد حلما واحدا بأشكال مختلفة. كنت أراني ومدني سليمان وخالي حسين وأولئك المنفيين النمامين وغيرهم وحتى الأمنجي السابق وعادل. وبدأ الطاهر أخيرا يدخل إلى الحلم أوالكابوس كضحية تنال الميتة نفسها. وكان الجنرال كذلك يجثم ببزته العسكرية ذات الأوسمة التسعة والتسعين وقردا عجوزا يقف وراءه على بعد خطوة يرنو إلى موز بين يديه على الدوام. كان المكان يتبدل في كل مرة مابين الحاضر والماضي السحيق والآتي البعيد من السنوات والقرون. وكان الأمين للغرابة يحمل لي رسالة مطوية ممتطيا حصانا طائرا يعود إلى أيام الثورة المهدية. الأمين زيه وهيئته لم تختلف أبدا. كان يهبط بذات الحصان في الأندلس وفي القاهرة القديمة والحديثة ومطار أمستردام الدولي ومملكة سوبا وقرب شلالات نياجارا في كندا. كان يسلمني رسائله بوجه حزين قبل أن يتلاشى في الهواء ولايترك أثرا سوى تلك الرسالة التي كنت أطالعها مرة على ضوء نار موقدة في العراء من جذوع الأشجار ومرة تالية على ضوء قمر مكتمل على سفوح جبال الأماتونج ومرة ثالثة داخل صالة حديثة مضاءة بالكهرباء. كانت رسائل ليلية مطوية بعناية ومربوطة بشريط رقيق من الساتان الأحمر. ولدهشتي كنت أجدها في كل مرة رسالة بيضاء لا تحتوي حرفاواحدا. كنت أحادث أولئك الناس كلهم بلغات غريبة. كنت مثلا أسأل أمي أيام بني أمية داخل خيمة من الشعر في مكان مقفر بلا ماء عما إذا كانت هي نفسها أمي تلك التي حمدت الله أيام غرام الجنرال ونوبات الخرف التي كانت تجتاحه في هيئة من الحنين الجارف إلى امرأة في مدينة منسية من الوطن أن إسمها لم يكن "مدينة" وأنها دون سن الثمانين وقتها بكثير. وكنت قبل أن أصحو من نومي مباشرة أراني في هيئة تمثال مثل تماثيل الآلهة اليونان يخرج من فمه صوت غريب يحكي قصة واحدة حدثت في بلاد بعيدة قائلا فيما يشبه الحكمة فوق رؤوس مجموعة من الناس تحدق إليه بضيق غامض: "في الحقيقة، لم يكن "الأمنجي السابق" في طفولته مخيفا إلى هذه الدرجة إلا من باب أن الناس لم تشهد من قبل مخلوقا بشريا يمكنه تغيير لون عينيه مثل حرباء حملها إليهم من جبال الأناضول جناح شيطان في ساعة نحس، مع أنهم شاهدوا من قبل طفلا ولد لحكمة ما برأسين. لكن ذلك لم يشاهدوه عيانا جهارا. بل تم نقله إليهم من حياة أسلافهم السابقة. ولم يتبق منه الآن سوى السخرية من بعض الأشخاص الأحياء من ذوي الرؤوس المستطيلة. هكذا تراهم ينادونهم قائلين "يا أب راسين إنت". والرواية التي وردت عن أولئك الأسلاف البعيدين تقول أن رأسه الأولى كانت للكلام مع الناس بينما الأخرى مخصصة للأكل وأشياء أخرى مثل إرسال القبلات سرا للفتيات في مجتمع محافظ. ويقال كذلك أن الرأس الثانية كانت تسعفه بالإستماع في لحظات الوحدة القاتلة حين يبدأ الناس فجأة في التعامل معه كمخلوق حيواني ضل طريقه إلى عالم الإنسان مزودا بكل صفاتهم عدا تلك الرأس الزائدة عن الحد. ولولا أنهم فكروا لحظتها في بعثه كرسول إلى الممالك المعادية لرجموه من دون سابق إتفاق. إذ كان يسهل عودتهم إلى الطاعة برسالة حية مفادها أنه لدينا الكثير من صنف "أب راسين". وكان ذلك وحده كفيلا ببث الرعب في أوصال أكثر الممالك بأسا. ولو أن "الأمنجي السابق" كان بعينيه الرهبيتين من أحياء ذلك الزمان لصنع مع "أب راسين" أمجادا في الخارج لا تنسى. لكن حظ "شامة الجعلية" جعلها تعيش على ما يبدو في عصر سيادة الرعب الداخلي". هكذا أمسكت في تلك الليلة بيد أماندا وقدتها من الصالة ذات الإضاءة الخافتة إلى غرفة النوم بمرح ورغبة لا نهائية في الذوبان أوالتلاشي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-09-2005, 02:12 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    وكما يموت الناس عادة مات حمد النيل (أحداث الفصل الرابع):
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-09-2005, 03:23 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    "أجل"، كما كان يحلو له أن يقول دائما.

    "أجل".. مات حمد النيل مثل حلم بعيد المنال تماما. مات مثلما تموت الشخصيات الخيالية في رواية عظيمة تتخللها الكثير من المآسي والإحن الضاحكة. مات بالضبط مثلما مات كازنتزاكي. ذلك الكاتب اليوناني حين أقبل عليه القسيس وهو على فراش الموت أدار عنه وجهه إلى الحائط في صمت. وماجرى لي معه في تلك المستشفى قبيل موته لم يكن خيالا. بدأت وقتها تلقينه الشهادتين. قال لي بذات الصوت الواهن الذي نادى به لحظة وقوفه آخر تلك الليلة البعيدة أمام ذلك الباب الخشبي العتيق: "دعني أذهب بسلام.. لا يوجد هناك من يدع كل تلك الآلام تذهب في صمت". وأدار وجهه نحو الحائط قبل أن يلتفت نحوي مبتسما ويفارق الحياة بلا جزع. هكذا مات كما أراد لا كما جاء إلى هذا العالم بلا وعي أوإرادة. وأنا كنت مندهشا تماما كيف يغادر إنسان هذا العالم من دون أن يتأبط إيمانا يواجه به كل ذلك المجهول والعدم. "طرقت" باب الحوش الخشبي الضخم آخر ليل بعيد. وبدا لي أن قرونا عديدة مضت محملة بالدموع والعويل والصراخ والألم منذ آخر مرة فعلت خلالها ذلك. أجل.. لقد تقدمت في السن كثيرا ولما أتجاوز وقتها السابعة عشرة من عمري بعد. أجل.. كان ليلا نجميا ثقيلا حالكا حزينا ولاأثر حتى لمصباح خافت واحد وحيد يهتدى بنوره. أجل.. طرقت باب الحوش الخشبي الضخم الأليف آخر ذلك الليل الموغل في البعد وربما النسيان. لعلني فعلت ذلك بأصابع مرتعشة. لست أدري فثمة شروخ كثيرة كثعابين سامة صعدت متلوية على حوائط الروح منذ أن أودعني الأمنجي السابق إلى بيت من "بيوت الأشباح" قبل ثلاثة أشهر أويزيد. "أنا.. حمد النيل.. ياخالي حسين". "أقول" بصوت واهن شديد الضعف. خرجت من المستشفى حاملا شنطة صغيرة بدت كل ميراث حمد النيل الذي تركه وراءه. خرجت حزينا وليس أمامي وقتها سوى البكاء أوالشعر:

    (دعونا نربيّ الحمام بسكَّر أحلامنا، ونصعّد زهو "الهجيج"
    المؤجّج أعلىََ فأعلىَ إلى قمّة النيرفانا، فماذا تبقى لنا
    غير أنَْ نتبرّز أوهامنا في عراء الأغاني، ونحصد دفء
    "الكاثارسيس" والانخطاف؟

    دعونا ننسَّـقُ هذا الفضاءَ بلا نظرٍ مُسْبقٍ في النصوصِ،
    نحاول ما حاولتهُ الشعوبُ الحديثةُ مِنْ نَظَرٍ فاحِصٍ في كتابِ
    الطبيعةِ والذات، لا تشترونا بتلكَ الوعودِ، ولا تجرفوا
    يأسنا من حقولِ الأماني، ولا ترجمونا بهذي الحروفِ العتيقةِ،
    إنّا سئمنا نصوصَ الجدودِ، سئمنا وعودَ الجدودِ، دعونا
    نشاكسُ أجدادنا، ونجادلهم، فسنرمقهمْ -إنْ أصابوا- بعين
    الرضى، ونعلقّهمْ مِنْ سراويل أوهامهمْ بحبالِ المتاحفِ -إن
    أخطئوا-

    دعونا لخبرتنا الأنثويّة، في الجَمْعِ بين الطبيعةِ، والربَّ، والحُبَّ،
    والبُغْضِ، والجنسِ، والموتِ، لا تهربوا للوراءِ الضبابيَّ، سوف
    نعلَّقْكم في مشانقَ من غثيانٍ، ونصلبكم في فضاء الهجاءْ

    لكمْ دينكمْ، واتفاقيةُ البَقْطِ، والجلْدُ، والرجْمُ، والصلْبُ،
    والخطبُ الموسميّةُ، والارتزاقُ، وحفّ اللحى، والجدالُ العقيمْ

    لكم دينكمْ، ومواعظكمْ، و (عفا اللهُ عمّا سلفْ)

    ولنا ديننا، والنهارُ بألوانهِ الدافئةْ

    دعونا ندحرج آمالنا في ممرَّ الحياة الوسيعِ، نصيبُ ونخطئُ،
    ننْعمُ بالإرتباك، ونغمسُ في الصمتِ حاستنا الدنيويةَ،
    نقذف هجراتنا في المتاحفِ، نمسحها من هواجس أطفالنا
    القادمين، ونعطي الرحيلَ مواطنةً من بنفْسجْ

    دعونا لصمت الحياةِ الفسيحِ، فإنّا سئمنا الكلامَ
    المُعادَ (كلامُ ركامُ، كلامُ ركامُ، منابرُ تذهبُ،
    أخرى تجيءُ)، فباسم الإلهِ اقتتلنا على وَطنٍ من ذبولٍ
    جميلٍٍ، وباسمِ التقدّم شِلْنا السلاحَ على شهوةٍ
    من طحينِ الجنونِ،
    كأنّا اكتشفنا الإلهَ حَديثاً،
    كأنّا خبرنا مواجعنا لحظةَ القَذْفِ
    كُفّوا
    دعونا نواجهُ أسئلةَ العُمْرِ:
    منْ سوف يحملُ وِزْرَ لحياةِ التي تقتفي لؤمها خطوةً
    خطوةً، شارعاً، شارعاً؟
    وبمنْ سوفَ نسندُ إيقاعَنا الأنثويَّ؟
    ومنْ سوفَ يدْفَعُ عنّا صخور الرَحيلِ القميءِ؟؟

    دعونا ننامُ قليلاً عل ساعدِ الصَخَبِ الدنيويَّ،
    نريحُ الرحيلَ على أرخبيل الغياب، نلاطفهُ، ونلاعبهُ،
    ونهدْهدْهُ، ونهدْهدْهُ، ونهدْهدْهُ كي ينامَ، ينامَ،
    ينامَ إلى الأبدِ).
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-10-2005, 12:17 PM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-10-2005, 05:25 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)

    إلى حين عودة (ياشريف):


    ("السفن على الشاطيء آمنة.. لكن ذلك أمر لم تخلق له السفن")!!!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-10-2005, 05:36 PM

خضر حسين خليل
<aخضر حسين خليل
تاريخ التسجيل: 18-12-2003
مجموع المشاركات: 15087

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    السيرة العطرة للامنجي السابق.

    برنس أقرؤك بأهتمام (مبالغ فيهو) وبالرغم من نتانة ههذا الامنجي وغيره
    الا أن حضوركم الجميل يمثل بخور هذه السيرة .
    أكتب
    أنضح

    مستمتع جداً


    خضر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-10-2005, 10:11 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: خضر حسين خليل)

    أخي الجميل خضر أشكرك إذ تعطيني زادا طيبا لمواصلة الرحلة قدما.









    لا أحد يمكنه أن يتخيل كيف قابلت لأول مرة ذات مساء بعيد ذلك المدعو حمد النيل وجها لوجه. وربما قد أكون منفيا مجهولا آخر. لكنني سواء تعلق الأمر هنا في هذه المدينة الكندية الصغيرة الهادئة أوالقاهرة لم أتورط أبدا في حياة هؤلاء أوأولئك المنفيين "على نحو مباشر". ولو فعل حمد النيل مثلي لربما حقق أحد أهدافي البسيطة الطيبة في هذا العالم: "أن أعيش على ظهر هذه البسيطة أطول فترة ممكنة".

    ومع ذلك كنت أسمعه دائما وهو يردد بصوت خفيض قبل أن يقع فريسة لمرض غامض تلك الحكمة الأمريكية المجهولة فيبدو الأمر كما لو أن لعبة بين يدي طفل بائس هبطت عليه للتو متسببة في خلق نوع من سعادة غير متوقعة تماما. لكأنه كان يقرأ أفكاري السرية: "السفن على الشاطيء آمنة.. لكن ذلك أمر لم تخلق له السفن".

    هكذا كان يبدو لي حمد النيل في الغالب مثل أولئك الأشخاص المولعين في العادة بمثل تلك الكلمات الكبيرة الجاهزة التي يعثرون عليها أحيانا في بطن الكتب من غير أن تفارقهم لحظة واحدة حيرة كيف يتجنبون بها بعض أحزانهم الكثيرة المتزايدة كخلايا سرطانية تسمم واقعهم حيثما وجدوا. "السفن على الشاطيء آمنة.. لكن ذلك أمر لم تخلق له السفن". حين أقلب التفكير في تلك الحكمة أجد أن حمد النيل لم يكن ذا حياة آمنة حتى في الوطن نفسه. وحين أبحر من هناك كان قد أبحر كجثة تتقاذفها أمواج بحر متقلب. وموته الأخير مجرد إعلان متأخر لموت حدث لحظة أن ترك صديقه وقتذاك يموت على يد الأمنجي السابق من غير أن يفكر وقتها سوى بكيفية النفاذ بجلده بأقل الخسائر. لكن موت الطاهر على ذلك النحو بدا لي منذ فترة كموت إنسان يفتقر إلى مقدرة التكيف مع واقع لا قبل له به من قبل.. البتة. لقد ظل منذ قدومه متوقفا عند حدود تلك الدهشة الطفولية. يفتح فمه ويقفله في عالم قد يرى في أية لحظة أن قتل إنسان مثله قد يكون مسألة طاردة للضجر خلال ليلة جليدية عاصفة.

    لا صلة لي مباشرة بمجتمع المنفيين هذا. وإن كنت أحب مراقبته لدرجة الإدمان من زوايا شتى. وأذكر أن من كانت تقع عينه علي منهم كان يظنني في القاهرة ولسبب ما مواطنا مصريا تنحدر جذوره إلى النوبة في الجنوب بينما يخالجني إحساس حين تتلاقى عيني بعين أحدهم في هذه المدينة أنه لربما كان ينظر إلي كمواطن من الكاريبي أوأثيوبيا. كنت أحس في كل مرة ولسبب ما أنهم يتجنبون إطالة النظر إلى وجه يجهلونه ويذكرهم في الوقت نفسه بهويتهم التي ظلوا يهربون منها على نحو أوآخر.

    كنت وقتها أمارس هوايتي تلك نفسها. وهي كما علمت لاحقا من أوراقه التي دفع إلي بها داخل تلك الشنطة قبل موته نفس هواية حمد النيل. وأعني الوقوف وراء نافذة زجاجية في الشتاء أوالجلوس في مكان ما والشروع في مراقبة الناس وحركة الأشياء في الخارج من غير أذى. لعل الفارق المهم بيني وبينه أن حمد النيل لم يكن يرى خلال وقفاته تلك سوى ذكرياته الحزينة. إنه فقط يراقب تلك الأفكار الكابية التي كانت تجري داخل عقله فيبدو الأمر كما لو أن شخصا سجن نفسه في أحداث معينة من الماضي وليست له رغبة جادة في النظر إلى حاضره أومستقبله. أنا وببساطة شديدة كنت أمارس تلك الهواية من أجل المتعة وحدها. وهذه نظرة أقرب إلى نظرتي مثلا إلى الخمر. كنت ولا أزال أقربها فقط حينما أتأكد أن قلبي خلو من دفقات الأحزان الكثيفة تماما. أجدني وقتها أجلس داخل إضاءة أقرب إلى حلم طفل على خلفية موسيقية ناعمة مؤلفة غالبا من سمفونية موتسارت "الربيع".

    لم أعثر.. حتى الآن.. على مبدع احتفى بالحياة مثله. أية مباهج تطلقها موسيقاه. إنني معه أتنسم في كل مرة عبق ياسمين تحمله نسائم طرية تتسلل من شارع غامض مررت به في طفولتي بينما أمسك بيد أمي ذات مساء في الطريق إلى شيء لم أعد أذكره الآن (أنا لم أعد أذكر الآن حتى وجه أمي). إنني معه أطرب لشدو الطيور تهب نحو أرزاقها فأبجل في سري نشيد الكادحين الصامت والمتجدد عبر القرون كالأحزان الخفية في بيت الأرملة. إنني معه أرى رقصة الفالس تؤديها فتيات جميلات على إيقاع سوقهن العارية وقد أثملهن فرح غامض مثل سر الله أودعه في قبلة طفل وديع. إنني معه أكاد أرى تراقص أول ضوء للشروق على ورقة شجرة خضراء مصقولة مبللة بالندى وأستغرب كيف أوجد الله كل هذا السحر في سوائل عجيبة يدعونها "الفرح المعبأ في الزجاج" أو"الخمر"!.

    كانت جلساتي تلك تحدث في الغالب حين تكون أشعة شمس العصر كملاءة مخملية حانية تداعب جسد إنسان متعب خلد إلى الراحة بعد يوم عمل شاق وهي تجذب نحوي أحيانا ولدهشتي بعض العابرين من هنا وهناك. ربما لحدوث مثل هذا الأمر في حياتي العجيبة لعشرات المرات كنت أفكر ولا أزال في كتابة رواية أضع لها عنوانا أشبه بعبارة طويلة بلا فواصل "رجل في الستين من عمره يجلس على طرف كنبة في حديقة عامة يقصده غرباء في حاجة ماسة للحديث وعلى ملامحهم ظلال أسى غامض".

    مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا. وقتها إقتربت مني سيدة ذات ملامح فلبينية في نحو الثلاثين. كانت هناك مقاعد وكنبات خالية حول تلك الحديقة. لكنها لم تلحظ على ما يبدو سوى الطرف الآخر من الكنبة التي كنت أجلس عليها متأملا كالعادة بهاء العالم من حولي بمتعة. ضايقني ذلك في بدايته كثيرا. كنت وقتها في نحو الخمسين من عمري. الفتاة ظلت صامتة لفترة بعد أن رددت عليها بفتور متابعا النظر إلى أول شعاع ذهبي لشمس ذلك الغروب على حواف سحابة بيضاء كبيرة وساكنة أعلى أشجار الآش الخضراء المصطفة على الناحية الأخرى البعيدة من الحديقة. بعد قليل تناهت إلي همهمتها وهي تقول لي: "سيدي". ما أن أدرت نحوها وجهي ببطء وشعور يفيد أنها أزعجتني كثيرا حتى فتحت فمي بدهشة مباغتة. كانت تطل من عينيها السوداوين الواسعتين نفس نظرة أولئك الغرباء الحزينة الساهمة. سألتني مباشرة إن كنت من "آفركا" وأعرف شخصا يدعى "مايكل". بعدها وجدتني أتابعها وهي تمشي على الممر الإسمنتي الضيق وسط الحشائش الخضراء قبل أن تختفي وراء أشجار الآش مرة واحدة. لكنها حين سألتني لم تكن نظرتها ساهمة حزينة كتلك. كانت نظرة تجمع في آن واحد مابين اليأس والرجاء. نظرة ظلت تنفذ بتوسل إلى أعماقي السحيقة النائية شيئا فشيئا. نظرة سيدة متعبة تنتظر إجابة قدرية. "لا.. يا سيدتي.. للأسف لا أعرف شخصا بهذا الإسم". مضت لحظة صمت قصيرة.. شعرت خلالها بحزن ثقيل يجسم على صدري.. آنذاك كانت تبتسم وهي تشيح بوجهها بعيدا محاولة إخفاء ستارة الدموع الخفيفة التي ظللت عينيها السوداوين على حين غرة. قلت في نفسي بينما كنت أتتبعها وهي تقترب من أشجار الآش بذات الخطى المثقلة البطيئة: "أنا أيضا يا سيدتي أضعت فيما مضى حبا عظيما هنا وهناك".

    هكذا، وهو يحمل في عينيه آنذاك ذات النظرة الحزينة الساهمة لأولئك الغرباء المجهولين، أقبل نحوي ذلك المدعو حمد النيل، مرتابا إن كان قد رآني من قبل في مكان أوآخر، قبل أن أجيبه بنفور وحسم أنني "من جمايكا"، وقد ظننت لجهلي ساعتها بحبه للمغني الجمايكي الشهير "بوب مارلي" أن ذلك سينهي كل شيء، خاصة وأنه لم يفطن كما بدا لي لحظتها إلى أنني أتحدث الانجليزية بنفس لهجته تماما. إنه يبدو منشغلا على الدوام بمعالجة أمر تلك الجثث الطافية في أعماقه السحيقة منذ آلاف السنوات.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-10-2005, 09:28 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    لم أحدثكم من قبل بقصة زواجي من عزيزتي "ماريا". تلك الفيتنامية التي لا تتحدث العربية ولا أتحدث لغتها. ولا تكاد تفقه كلمة انجليزية واحدة. وذلك زواج عجيب تسوده السكينة والتفاهم!!!.

    كان الأمنجي المدعو "الثعبان" قد قاد "الأمنجي السابق" داخل تلك القلعة الأثرية بأسوارها الحجرية الضخمة التي تطل على المدينة من فوق قمة جبل النخاسين عائدة بتاريخها القديم إلى أواخر القرن التاسع عشر حيث كانت مجرد معسكر صغير تشغله لسبب ما كتيبة إستطلاع انجليزية متقدمة قبل أن يتحول بمرور الوقت إلى رمز يذكر المدينة دائما أن أرواحها بين "أيادي وطنية أمينة".

    لقد قطعا وقتها ممرات وتجاوزا منحنيات ومشيا عبر دهاليز معتمة كثيرة وأخرى مضيئة إلى أن توقفا أخيرا أمام مكتب علقت على جانبه يافطة صغيرة كتب عليهاإسم "المشي في الشمس بلا ظل". قال "الثعبان" بهمس شديد: "ستجدني في مكتبي.. لن أصل معك إلى أبعد من ذلك.. فهذا المكتب لم ولن يدخله أحد إلا لحظة تأدية القسم.. ولا أحد يعلم كيف تصله التقارير".

    طرق "الأمنجي السابق" أخيرا باب مكتب "الثعبان". كان شاحب الوجه، لاهث الأنفاس، مرتعش الأطراف، زائغ العينين، وقد تقاطر من مسامه برغم برودة الجو عرق غزير. سأله "الثعبان" بخبث وكأنه يصفي حسابا مع لحظة تاريخية سبق له وأن كابدها من قبل ثانية بثانية: "ما الذي حدث لك في مكتب المشي في الشمس بلا ظل"؟!.

    مرت لحظات من الصمت المطبق الكثيف استجمع "الأمنجي السابق" خلالها أنفاسه مجيلا عينيه في تفاصيل المكان بحذر شديد ورهبة. وأخيرا همس فيما يشبه البكاء: "لم يحدث لي شيء". هنا غادرت الطيبة البادية ملامح وجه "الثعبان" تماما. رفع يده من تحت المكتب بمسدس ضخم وإصبعه على الزناد. قال بهدوء وشدة ضاغطا على حديثه كلمة كلمة: "تعرف كان عندي أمر، لو قلت كان كلمة واحدة من الحصل ليك هناك، كان نسفت راسك دا حتة حتة". وعلى الفور وضع المسدس جانبا. وانحنى رافعا أمام "الأمنجي السابق" آخر جمجمة لأمنجي "مستجد" كان قد أباح ببراءة بما حدث له في مكتب "المشي في الشمس بلا ظل" وقد لاحت عليها آثار رصاصة نفذت إليها على ما بدا من مكان شديد القرب. طأطأ "الأمنجي السابق" رأسه. وأخذ يفكر في حقيقة المشاعر العنيفة التي أخذت تزلزل كيانه منذ أن صار قبل ساعات قليلة ل"الثعبان" وجود في حياته. ما يشعر به الآن ليس رعبا بل أجنحة سعادة تحلق به في سماوات لا متناهية من المتعة. ما سال من عينيه لم يكن دمع خوف وإنما علامة غبطة فما مر به من أهوال على يدي كل من "الثعبان" و"المشي في الشمس بلا ظل" ليس سوى الصورة العملية الخارجية الملموسة لما يحمله في داخله من قسوة.

    حين رفع رأسه بعد تفكير، نظر في مرآة مثبتة قبالته وسط الحائط، وراعه غرابة ما رأى، كانت عينا "الثعبان" قد غادرتا محجريهما، وسارتا في الفضاء الذي يفصل بينهما فوق طربيزة التيك عبر خيوط مخاطية رقيقة، قبل أن يصير لها يدان، وتشرعا فيما يشبه "تفلية القمل" في فحص "الأفكار السرية" ل"الأمنجي السابق". ولكن "الثعبان" ما لبث أن جذب إليه عينيه في سرعة البرق. ذلك أن فكرة شريرة طرأت على ذهن "الأمنجي السابق" وقتها مفادها أنه تساءل بينه وبين نفسه عما يحدث ل"الثعبان" لو مد يده ومزق الخيوط المخاطية التي تربط عينيه بأصلهما. ومع ذلك لم يغضب "الثعبان" ل"دواعي أمنجية عليا". لقد مر أكثر من عقدان على تجنيد آخر "أمنجي" ذي موهبة "فطرية".

    في غضون ذلك، حدث أمر غريب في بيت الداية المعتزلة أم صدير أعاد إليها ذكرى أيام الرعب كما لو أن كل شيء يحدث أمام عينيها للتو والحين، "إنها إرادة الله.. يا أم صدير"، كانت كلما رفعت شيئا وجدت تحته "سحالي هامدة أزهقها الحزن والبكاء"، "إنها إرادة الله.. يا أم صدير"، وما كاد أن يذهب بعقلها (لولا تمسكي ببركة سيدي الشيخ الطيب راجل أم مرح) أن ثعبانا أسود خرج من جحر في ظهر المرحاض أخذ يتبعها داخل الحوش على نحو لصيق مصدرا من رقبته بين لحظة وأخرى صوتا يشبه الأجراس، ومع ذلك لم يحاول لدغها مرة واحدة، بل كان يلتهم ما تجد من سحالي ميتة أولا بأول ولسبب ما يغمز لها بعينه اليسرى، ولم يتح لأم صدير خلال تلك الساعات العصيبة ملاحظة آثار البول المتواصل التي كانت تتبعها بدورها حيثما سارت وسار الثعبان إلى جانبها بمرح.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-10-2005, 10:20 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان وقتها يطلق عليهم إسم "الثوار".. لا إسم "المنفيين".

    كان هؤلاء "الملاعين" قد شرعوا في التسلل ليلا من المدن إلى الصحراء في شكل أفراد وزرافات. وهناك بنوا حفرا وغطوها "على سبيل التمويه" أو"الذكاء الخارق" بعد أن تحولوا إلى هيئة نمل ضخم لا يتغذى سوى على "الأمنجية". كلما أرسلنا وقتها "غواصة" كانوا يلتهمونه بسرعة غريبة جعلتنا نعاني بمرور الوقت نقصا رهيبا في الرجال. والمصيبة أنهم حين يفرغون من وجبتهم ينصتون بدقة في جحور منفصلة منعا للتشويش لما تقوله إمعاؤهم. آنذاك ما أن يصل لحم الضحية الى تلك المنطقة من بطونهم حتى يبدأ في التكلم والكشف عن أمن الدولة وخططها المستقبلية في شأن تنظيف العالم. تلك الحقائق تم التوصل إليها بعد أن قمنا بتكثيف الإرسال وزيادة البث الإذاعي إلى مناطق الصحراء الموحشة عارضين مبالغ ضخمة لمن يدلنا على رجالنا المفقودين الذين ذهبوا في الصحراء في شكل تجار جمال ولم يعد أحد منهم أويصل إلى الجانب الآخر على الرغم من تمكنهم بمعرفة عدد ذرات الرمل والحشرات والهوام الصديقة في كل كثيب وغور عميق.

    ولكن لا تظن لحظة واحدة أن إكتشاف حيلة أولئك الثوار في التحول إلى نمل ضخم كان بمثل تلك السهولة. فكما ترى بدأت مسألة اختراقهم من خامس المستحيلات. وكلما أرسلنا "غواصة" أكلوه واستمعوا بعد ذلك لأقواله التي تكشف الأمن في بطونهم. حتى أنه لم تنجح معهم حيلة إرسال غواصات ب"ذاكرة بيضاء". فهؤلاء كانوا بالنسبة لهم مثل نكات مغذية ومسلية لأرواحهم في ليل الصحراء الطويل. وأمام النزيف المستمر والفقدان الدائم لأهم عناصرنا من أولئك الرجال الأخيار، تفتق ذهن الرائد طيب الذكر "ميتة وطائرة" عن فكرة جهنمية مثل أفكاره الأخرى الجبارة التي ساهمت من قبل في إعادة الطيور الميتة إلى طبقات الهواء العليا، حيث نجح في دراسة عناصر قوة وضعف هواء الصحراء المعكر، والذي رأى أنه بغباره الرملي يشبه ابن الجارية كثيرا، وهكذا نجح في تجنيده ك"أمنجي" ضد الثوار، وما نقله لن هواء الصحراء من صور أمينة ودقيقة من مجتمعهم ساهم في صعود فكرتين أمنجيتين:

    - تكثيف الإذاعة الموجهة إلى الصحراء على صعيد الدعاية.
    -إكتشاف أمنجي بشري يمتلك خاصية الظهور في الشمس من غير ظل على الصعيد الميداني خاصة وأننا إكتشفنا أن مقتل الأمنجية السابقين كان يتمثل في ظلهم وهو ما ستعرفه تفصيلا.

    وقتها، أخبرنا "هواء الصحراء" أن الإعياء أخذ يتسلل إلى عظام مجتمع الثوار الصحراوي، وأن الحنين إلى المنازل الباردة في الصيف والغرف الدافئة في الشتاء قد تمكن منهم منذ أمد بعيد، وأن وحشة الصحراء قد بدأت تأكل أرواحهم، فلم يعد يروي أفئدتهم العطشى إلى السكينة سوى الملل والتذمر والشكوى من هجير الأيام اللافح. وأكد "هواء الصحراء" أنهم شرعوا يتعلمون بين براثن اليأس هواية قتل الذين يلهمونهم بالخيال معنويا. لقد كانوا على أية حال في حاجة إلى قتل شيء قيم يحقق لهم التوازن ويشعرهم بوجودهم الميت. وأضاف "هواء الصحراء" أن قسوة مثل هكذا منفى خال من المباهج فتح باب السيادة بينهم ل"داعرة" يمكنها على أي نحو تقرير أقدار الرجال في أية لحظة. لقد كان الجفاف الذي غمر كيانهم بمرور الأيام والشهور والسنوات كفيلا بأن يجعل فرج العجوز يبدو في أذهانهم ك"فردوس خالد". وكان من الطبيعي التفكير جديا في غزو مثل هذا المجتمع في أقرب وقت ممكن.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-10-2005, 00:16 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الحياة الجنسية القصيرة ل"حمد النيل":









    تخريمة:

    هذه المسودة قبل إعادة كتابتها جذريا مرة أخرى بعد فترة في صيغة نهائية على أعتاب نشرها في احدى المجلات في القاهرة غير مسموح بنقلها بغرض نشرها في صحيفة أومطبوعة أوأي شكل من أشكال النشر على نطاق جماهيري عام خارج حدود هذا المنبر. ويطيب لي هنا الإشارة إلى أن العناوين الواردة هنا كفصول أمر فرضته ظروف (الكتابة الفضائية) فقط فالرواية وفق ماهو مخطط لها عبارة عن جملة طويلة واحدة ممتدة. محبتي.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 03-10-2005, 00:20 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-10-2005, 08:56 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان على الوطن أن ينتظر لعقود أخرى تالية يتحول بعدها "الثوار" تدريجيا من إسمهم القديم إلى إسم "المنفيين" لتدخل إلى قاموس الناس كلمات غريبة الكثير منهم لم يسمع بها من قبل مثل "المفوضية السامية لشئون اللاجيئين" وما لا يعلمه إلا الله. ربما لذلك لم يكن في وعي حمد النيل حين ذهب مع خاله حسين الذي قام بالإنفصال عن زوجته لأكثر من مرة إلى بيت من بيوت الأثيوبيات التي كانت تتخلل أحياء المدن ك"واحات سرية للمتعة" أنه يتعامل مع نسوة لم يرسلهن الله إلى العالم فقط بوظيفة في بلاد أجنبية بدرجة "عاهرات" درجن على بيع اللذة لعابرين كانوا يتسللون إلى بيوتهن خلسة وينتظمون أحيانا في صفوف طويلة خارجها محتمين كشرفاء بستار الليل البهيم وإن كان بعضهم تحوطا يرتدي نظارة شمسية سوداء أويخفي وجهه وراء الصحيفة الوحيدة في البلاد كقاريء جيد متابع لسياسات الجنرال الحكيمة على ضوء النجوم البعيدة النائية. لقد أدرك حمد النيل قبيل رحيله وبنوع من الأسى أن الأثيوبيات لم يكن سوى شقيقات في الإنسانية لجأنا وقتها إلى الوطن وقد تفاقمت في بلادهن سطوة جنرال آخر. كان ذلك قبل بلوغي بفترة قصيرة. سألني وقتها خالي حسين بينما كنا عائدين من سوق الماشية الإسبوعي حيث يعمل خالي كسمسار وبي من الحزن ما دفعه إلى سؤالي أكثر من مرة أثناء الطريق إلى بيته. كنت أنفي أي سبب للضيق وأواصل سيري إلى جانبه مطرقا في صمت. في الواقع كنت حزينا إلى درجة الألم من الطريقة المذلة التي كان يعبر من خلالها خالي حسين عن نفسه عندما تدركه إحدى نكات الجنرال في مكان عام. كان يفاوض أعرابيا على عنزة بنية اللون بضرع وافر عندما أوقف المذياع بثه المعتاد فجأة وأعلن عن رغبة عاجلة للجنرال في إسعاد "شعبي الطيب بنكتة جديدة". "الشمس أشرقت بالأمس من بيت الحاجة رقية"، قال الجنرال. صحيح أن الناس كلهم بما فيهم أنا شخصيا ضحكوا بعدها إلى أن أدمعت عيناهم تاركين عمليات البيع والشراء في نهار قائظ جانبا أمام هذه النسمة المباغتة التي بدت كمنحة إلا أن خالي حسين أبى إلا أن يستلقى على ظهره فوق ذلك التراب الملتهب المشبع برائحة الروث وبول البهائم ضاحكا ملء شدقيه ضاربا الهواء بقدميه من المتعة ممسكا ببطنه من شدة الضحك بكلتا يديه.

    - "ألا تزال حزينا"؟!.
    - "لا شيء يا خالي".

    هكذا سألني عند ناصية الشارع الذي يطل عليه بيته ذوالبوابة الخشبية الضخمة. شارع مترب تتخلله الكثير من الحفر شأن أغلب الشوارع في المدينة. شارع يبدو كبركة راكدة ومستنقعا للناموس ناقل الملاريا ومرتعا خصبا للضفادع في ليالي الخريف برعدها الرهيب. شارع يضع وحله تحت رحمة الشمس لتجففه في كل عام ليغسل وجهه بالغبار في أيام العام الأخرى. شارع ترصده عيون الأمنجية ليل نهار ويظلم وجهه تماما حين يخلد الجنرال إلى النوم ليلا ويتظاهر بالنوم خلال النهارات التي يكون خلالها الجنرال غائبا في زيارة إلى دولة بعيدة ذات توقيت مختلف. كان خالي وقتها قد طلق زوجته للمرة الأولى. وبدأ يعد طعامه بنفسه مرة أخرى. وبدا حين أغلقنا الباب الخشبي وكأن عدوى الحزن إنتقلت مني إليه على حين غرة. وذلك أمر يصعب تصديقه بالنسبة لرجل كان بالنسبة لي للأسف الشديد يضحك قبل سويعات في قلب سوق المواشي كحمار.

    كان حوش بيت خالي يضم غرفتين متباعدتين بنيتا من الطين وسقفتا بالقش والتراب وسوق الأشجار والقنا تخيلت في طفولتي أنهما تتبادلان الأحاديث حين لا يكون هناك أحد بداخلهما ولسبب ما تسألان دائما عن أمي التي لم تعد تراهما على نحو منتظم منذ أن ذهبت إلى بيت أبي وتترحمان كذلك على جدتي وجدي بينما ينصت إليهما المرحاض إلى جوار الباب متذمرا من روائحهما الكريهة ولم يفكر خالي إلى ذلك الوقت في بناء حمام منفصل إذ كان كأغلب سكان المدينة يدخل طستا كبيرا إلى إحدى الغرفتين وجردلا مليئا بالماء وحين ينتهي يقوم بحمل ماء الطست المتسخ ويدلقه على أرض الحوش الترابية الكابية فتتولد فوقها تلك الفقاعات قبل أن ينفثها الهواء بعد ثوان.

    كان خالي حسين قد بدأ يلاحظ ذلك التغير الذي طرأ على صوتي منذ مدة قبل أن يستدرجني إلى الإعتراف ببلوغ مبلغ الرجال. قلت له وقتها لا أدري لكن سائلا يشبه مادة بيضاء أخذ يخرج مني فيوقظني من النوم مباشرة ويتجمد بعدها على اللباس ويتحول إلى لون أصفر تقريبا. لم يكن إعترافي بمثل تلك السهولة لكنه تم على أية حال بعد ضغط متواصل منه. والله وحده يعلم بمدى الجهد الذي بذلته في الك الأوقات لتوصيل خالي إلى مرحلة اللا فضول تماما. بعد لحظات من إنتهاء وجبة الغذاء تلك قال خالي وكأنه يتناول أمرا عاديا: "سنذهب الليلة إلى بيت الحبشيات". وأحسست وكأن الأرض تميد تحت أقدامي فجأة!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-10-2005, 12:14 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    يبدو أنني أشقى الآن في الإنغماس في حياة المدعو حمد النيل شيئا بعد شيء. وفي هذه الآونة الأخيرة أغالب ندم السماح له في غفلة من الزمن بأخذي بعيدا من متعة تأمل الناس والأشياء من حولي. كنت أظل أصغي إليه إلى أن يسرقني الوقت. وحتى حين أذهب إلى بيتي أجدني أفكر فيما قاله إلى درجة كنت أنسى معها لغة الإشارات والمشاعر الصامتة السائدة على الدوام بيني وبين ماريا زوجتي الفيتنامية ذات الجرم الضئيل التي لا تكاد تفقه كلمة انجليزية واحدة. بالطبع بدأت ماريا تشكو آنذاك من تغير نظام حياتي الذي بدا غامضا بالنسبة لها خلال أيامه الأولى. لقد أحزنني وقتها كثيرا أنها شرعت تشك في أن التغير على ذلك النحو المباغت له صلة بوجود إمرأة قالت عنها بتلك اللغة والمشاعر الصامتة نفسها "الشيطان نفسه لا يعلم من أين جاءت". أنا كنت أنظر في البدء إلى شكوكها كنكتة سخيفة أشبه بنكات الجنرال ذلك الرجل الوهمي المتسلل على وجه الخصوص من حكايات المدعو حمد النيل خلال تلك اللحظات التي يكون قد تجرع خلالها الكثير والكثير من "العودة إلى الوطن في أقل من الثانية" أوشيئا آخر من تلك التسميات العجيبة التي أطلقها في مرات عديدة ذلك المعتوه المدعو الطاهر على أنواع مختلفة من الخمر على سبيل الدعابة فأخذها المنفيون في أمريكا وأستراليا مأخذ الجد على نحو كاد أن يذهب بعقولهم الذاهبة أصلا في أشياء أكثر غرابة مثل عملية تنظيف المراحيض في مجمع تجاري كما في وضع مدني سليمان كسياسي مرموق سابق. بيد أني بدأت في أخذ تهديدات ماريا بمأخذ الجد بالفعل. آنذاك ومن غير مقدمة واحدة أفهمتني وهي تقوم بعد وجبة غذاء بتقطيع التفاح إلى أزهار لوتس بعناية فائقة أنني إذا لم أتوقف عن رؤية تلك المرأة مرة أخرى ستقوم وبلا أدنى تردد ببتر عضوي الخاص جدا من جذوره تماما. بالكاد سيطرت على جزعي ورعبي قائلا لها بلغة عربية فصيحة هذه المرة: "اللعنة عليك يا أمة الله.. الأمر لا يتعلق بأنثى.. الأمر يتعلق بمعتوه أخذ يفسد تأملاتي التي أقيم عليها نظام العالم كله.. اللعنة عليك أنت كذلك يا حمد النيل". كانت بحق أياما عصيبة تركتها هي نهبا لغيرة وهمية متفاقمة بينما أصابتني أنا بقلة النوم مخافة أن تنفذ تهديداتها بقطع عضوي الخاص جدا في أية لحظة. لكن هناك أمران شرعا في إعادة المياه إلى مجاريها داخل عش الزوجية. آنذاك شرعت في ممارسة واجبات الفراش على نحو يومي كما لو كنت في سن العشرين. وهي أدركت بعد أسبوع واحد فقط من الجنس المسعور بوصفها لاجيئة سابقة كابدت ويلات الجوع طويلا أن عليها أن تعود إلى عيشتها كنملة ينبغي أن تختزن شيئا لأيام الشتاء فيما يتعلق بمعاشرة رجل يقترب من سن الستين حثيثا وإلا ستجد نفسها تكابد أحزان الأرامل الأخريات في القريب جدا. أما الأمر الآخر فتم حينما سمحت لها أن تراقبني حين أذهب إلى ممارسة تأملاتي. وحذرتها بجدية أن تحتفظ بمسافة ملائمة لا تسمح ب"تشويش الخواطر". قلت لها كل ذلك بلغة المشاعر والإشارات الصامتة نفسها. وهي وافقت بلغة فيتنامية فهمت من أجراسها الصوتية أنها ربما تأخذ سكينا في معيتها للأمر "أعلاه" كما يقول المدعو عزيز تركي. كنت أدرك منذ وقت بعيد بحدسي فقط أن التورط في حياة المنفيين على أي نحو لا يورد سوى موارد الهلاك. والآن أنا معرض في أية لحظة لذهاب عضوي الخاص جدا مرة واحدة وإلى الأبد. اللعنة عليك يا حمد النيل كيف أذهب إلى القيامة من غير علامة مميزة. وبدا لي وكأنها ستدخل إلى الجنة معي وهي تصدر إشارة مفادها أنها ستتحمل مسئولية ذلك بالكامل. وماذا يضير إذن الشاة بعد سلخها؟؟!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-10-2005, 11:49 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    حين خرج ذلك الثعبان الأسود من جحر في ظهر المرحاض، لم تجد أم صدير بعدها من شدة الرعب شيئا لتنام عليه وتكون في مأمن تام سوى "حبل الغسيل الممتد بعرض الحوش الكبير"، حيث نامت في تلك الليلة ووجهها متجه إلى "القبلة في مكة المكرمة"، وقد بدت في صورتها البائسة تلك مثل دجاجة ظل يطاردها طوال النهار ثعلب بدا وكأنه لم يأكل شيئا منذ ألف عام، "ربما النوم على الحبل أرحم من أن يقول الناس: أم صدير فقدت عقلها وأخذت تضايق الناس في بيوتهم والسبب كما تقول: وجود ثعبان أسود ظل منذ مطلع الشمس من بيت الحاجة رقية يتبعها ويغمز لها بعينه اليسرى بمرح بينما يلتهم سحالي ميتة بعيون حزينة دامعة، يا لخفة عقل الداية أم صدير التي ختمت حياتها المهنية بجلب شيطان إلى العالم في هيئة إنسان"!.

    كانت ليلة الرابع عشر من شهر "رجب المبارك"، البدر مكتمل ومنير، ثمة نسائم خفيفة حانية أخذت تؤرجحها بهدوء، "حصحص الحق، أكثرت من صوم وصلاة، والبلاء لم يخف، وذنبي يا سيدي عظيم". الشيخ لم يقل شيئا. خلع مسبحة طويلة كانت تلتف حول عنقه ووضعها على الأرض فإذا هي حية خضراء تسعى نحو جحر على ظهر المرحاض كقدر. قال الرجل مبتسما: "هيا عودي الآن إلى فراشك ولاتراعي يا أم صدير"، أم صدير كادت تبكي وهي تسمعه يقول: حدثني من أثق به من الفضلاء قال إنه سمع القطب الغوث سيدي وسيدك الشيخ الطيب راجل أم مرح رضي الله عنه يقول: (طرحت علي صحيفة من قبل الحق سبحانه وتعالى مكتوب فيها بقلم القدرة "سلام قولا من رب رحيم،إلى عبدي أحمد الطيب، قد غفرنا لك ولوالديك وأهل قرابتك". قال: قلت ظني في ربي أكثر من هذا، قال فجاءتني أخرى فيها ما في الأولى وزيادة "ولأهل قرابتك أجمعين". قلت: ظني في ربي أكثر من هذا، قال: فجاءتني ثالثة متضمنة لما في الصحيفتين وزيادة "كل من عرف اسمك"). وفجأة كما أقبل تلاشى مخلفا في أنفها أثرا قويا طيبا كرائحة المسك. حين إستيقظت في فراشها أخيرا خيل لها أنها لاتزال تنصت إلى كلماته الأخيرة: "إنها إرادة الله يا أم صدير"، وقد خالجها شعور عميق بالسكينة بدا معه وكأن ما صار من أمر الثعبان الأسود معها لم يكن في واقع الأمر سوى كابوس مزعج ومفزع.. لا يحتمل.. البتة.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 04-10-2005, 11:55 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-10-2005, 01:16 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    لايزال جليد أبيض ناصع يتساقط وراء النافذة الزجاجية. نور الأباجورة خافت. الساعة تقترب من الثالثة. منذ قليل أفرغت مثانتي والبول يتطاير على حواف المقعد الرخامي. أواصل التحديق كحجر إلى ذات الصور. هيغل في جلباب بيتي في آخر سنواته يجلس على مقعد جلدي. وراءه وعلى يسراه بدت مجموعة من رفوف خشبية متصاعدة ومليئة بالكتب والمراجع الضخمة ومن داخل عينيه أطلت لسبب ما نظرة مشبعة وحزن خفي على رحيل أوشك أويكاد.

    أقاوم منذ دقائق شعورا غريبا بالعطف على عزيز تركي ماأمكن. لا مراء... هو الأمنجي السابق نفسه... جلادي وقاتل صديق لم يجد الزمان بمثله إلى الآن. مع ذلك جاء قبل أيام طارقا بابي مرتديا نفس نظارته الشمسية السوداء. هاتفني قبلها. وبدا محتفظا بعادته القديمة في "مداهمة" الناس. قال إنه يقف أسفل البناية. ويريد "الآن" مقابلتي "لأمر هام وعاجل جدا". فكرت بمشاعر متناقضة فيما تكون زيارته في مثل هذه الساعة المبكرة من ذلك الصباح. ضحكت بمرارة حين تصورته سيأتي معتذرا من كل تلك الجراحات. وكنت قد أوضحت لبعضهم أنه ليس سوى الأمنجي السابق. قلت لهم إن ما كنا نطلبه للثأر منذ سنوات طويلة هاهو يعيش الآن بيننا. إنتهى صخب الألعاب النارية. دعاني مدني سليمان بعدها لتناول شيء في شقته من "العودة إلى الوطن في أقل من الثانية". كنا نسير في صمت وسط زحام الناس المبتعد من النهر ببطء. قلت له إنني في حاجة إلى مفاتحته بأمر. كان ذلك في أواخر سبتمبر والشتاء على الأبواب.

    قبل بدء الألعاب النارية المنطلقة من الشاطيء الآخر للنهر قمت بلفت نظره إلى وجود فتاة جميلة تحمل طفلا رضيعا على صدرها. نظر إلي على ضوء الغروب الحزين الهامد ببلاهة. قلت له إنها إحدى الفتيات الثلاث اللائي خدع بهن المرحوم الطاهر من قبل. واجهني بتلك الإبتسامة الصفراء الباهتة. وبدا وكأنه يتذكر في وقائع مضى عليها أكثر من ألف عام. لم يتوقف طويلا وهو يتفقد بدلته السوداء القديمة. صب لي الكأس السابعة وأزيز حلة الطعام يتناهى من فوق عين البوتجاز اليسرى الكبيرة المتقدة.

    - "يا مدني أتذكر ذلك الأمنجي الذي ظلت الصحف تنشر صوره وقتها"؟.
    - "تلك كانت مجرد أوهام يا حمد النيل".
    - "كيف"؟!.
    - "هل رأيت إنسانا من قبل بعينين أسفل ذقن حليقة"؟؟؟!.
    - "نعم".
    - "أين وماهو"؟.
    - "هنا.. ويدعى الآن عزيز تركي أوعزيز شين ومهما كانت الأسماء".

    بدا واضحا من ضحكته المباغتة أنه أخذ يعاملني كشخص أصيب بلوثة سكر مباغتة. هنا نهضت دفعة واحدة. خلعت قميصي. وأدرت له ظهري قائلا: "إذن من أين جاء كل هذا"؟!.

    أحيانا أفكر لو أننا وقتها خرجنا من الباب الخلفي لما سممت حياتنا كل تلك الأحزان. أجل.. كنت خارجا للتو من بوابة المدرسة الرئيسية. وكان في صحبتي صديقي وزميلي وجاري عادل عندما رأيناه هناك عاقدا يديه فوق صدره كقدر ينتظر. أمرنا بالصعود إلى ظهر العربة المكشوف. لم نقل له لماذا أوإلى أين ستقودنا. عادل أثناء الطريق طلب مني أن أتماسك. وقال إننا لم نفعل شيئا سيئا للغاية. أنا كنت مشلولا تماما. لقد أبصرته وراء الزجاج الذي كان يفصلنا عنه. كان يقود السيارة بعين ويضع اليسرى عند منتصف مؤخرة رأسه. في اللحظة الوحيدة التي أتيح لي خلالها أن أشهد عادل على ما أرى وجدته يجيل عينيه في معالم المدينة هنا وهناك. وكأنه كان ينظر إليها للمرة الأخيرة. وقد كان.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-10-2005, 10:34 AM

elsharief
<aelsharief
تاريخ التسجيل: 05-02-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-10-2005, 06:56 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12585

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: elsharief)

    فوووووووووووق
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-10-2005, 10:39 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: osama elkhawad)

    تحية رمضانية طيبة للصديقين العزيزين (الشريف الشريف) و(المشاء العظيم):









    أطرق "هواء الصحراء" مسافة.

    لا تظنن أن الاجتماع به كان أمرا في مثل هذه السهولة. كان يتطلب في كثير من الأحيان إرتداء نظارات خاصة وأقنعة مصممة خصيصا لوقاية الأنف والفم والأذن من ذرات الرمل الدقيقة وكذلك الجلوس في أمكنة خلوية على كراسي مثبتة جيدا بجنازير تحوطا من حدوث خدعة أوأية زوبعة يمكن أن يقوم بها (ابن الجارية) فجأة. وكان يتم إختيار مكان الاجتماع في كل مرة في منطقة يمكن لإنسان "ذكي" أن يتوقع أن يجد فيها كل شيء حتى لبن الطير الأحمر ماعدا "هواء الصحراء". وذلك مثل البساتين والجزر الخضراء الواسعة داخل الأنهر. فالثوار برغم إنشغالهم كذلك بأنسابهم العرقية القديمة داخل حفرهم "النملية" تلك كان لهم أيضا جواسيسهم الذين يخبرونهم بأسرارنا العليا وأحيانا أيضا بما يحدث ل"حلل" أمونة الطباخة التي كانت تعمل في خدمة شيخ بابكر المؤذن الأعزب. وعلى أية حال كان أغلبهم في الآونة الأخيرة يهتم بسماع أخبار الشتائم بين الجارتين علوية العواسة وخديجة الفراشة أكثر من سماع أخبار المنح السخية التي كان يهبها جلالته في المواسم ل"شعراء المدائح الذين لم يكن يرضيهم أقل من ملمس نعاله الناعم على صفحات وجوههم المتطلعة إلى عطف عليائه البهية". ولو كنا نعلم في وقتها بمدى إهتمامهم بمثل هذه الأخبار لقمنا بنسخ مليون صورة من حواء المشاطة وأدخلناها كخدمة مجانية لنساء الجمهورية في كل بيت وقطية جنبا إلى جنب مواسير مياه الشرب والكهرباء تلك المكتشفات الحديثة التي قادت الناس في القرى الأكثر تحضرا إلى مخاطبة ضيوفهم في عز النهار قائلين: "أها.. يا جماعة الخير.. نسوي ليكم شربات.. ولا نشغل ليكم النور.. ولا نفتح ليكم الماسورة"؟!.

    كان "الأمنجي السابق" ينصت لحديث "الثعبان" بكل ألوان عينيه الحرباويتين. وفي تلك اللحظة، لم يخطر على ذهنه أبدا، وفي كل الأحوال، أن ينتهي به المطاف في مدينة كندية كمتسول لعلب البيرة الفارغة (ذات العشرة سنتات) وأشياء أخرى مثل النصب على المنفيين الجدد.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-10-2005, 04:08 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    أمسكت بيد أماندا الغضة الطرية الدافئة بمرح وأمل ورجاء مختزن منذ ألف عام وقدتها أمامي بين سكر ويقظة من الصالة إلى غرفة النوم ذات الإضاءة الخافتة. حلقي جاف كحوض رمل صنعته رياح سموم في صحراء الربع الخالي. آلاف الأشواق الدفينة تتشابى في داخلي على رءوس أصابعها وترتعش مثل قطط خلوية دست رأسها فجأة في نبع ونفضت عنها الماء. ملايين التطلعات تشرع في التخلص ببطء وعناد من قيود آلاف الرغبات المكبوتة هنا وهناك. عدت آخر تلك الليلة من شقة مدني سليمان.. رأسي ثقيلة.. بطني ملأى.. وبي حاجة ماسة إلى حضن امرأة صممت على العثور عليها بأية وسيلة.

    كان لظى من جهنم يستعر داخل سراويلي الناشفة وأنا أتحول إلى كلب ضال فور مغادرتي لذلك الأسانسير العتيق الذي شهد من قبل هرولة عزيز تركي ب"بحلة الطعام" وسط دهشة منفيين أخذ مدني وقتها يلقي على رءوسهم المحنية بالسكر بعضا من شعر أمل دنقل مهدهدا في مخيلاتهم التي أرهقها الحنين تلك الأحلام بثورات مؤجلة وقادمة من وراء المحيط لا محالة:

    "أبانا الذي في المباحث،
    كيف تموت..
    وأغنية الثورة الأبدية ليست تموت"؟!.

    كنت قد تعرفت جيدا جريا على أدبيات المنفيين السائدة من قبل وصولي إلى تلك المدينة الكندية على كل شبر أرشدني إليه من قبل مدني سليمان من "سوق الداعرات السري". وكان يقصد مومسات لا مكان محدد لهن مثل "الأثيوبيات" في تلك الأيام الخوالي. هكذا تشممت أزقة وشوارع جانبية عديدة بحساسية كلب ضال عقور. كانت أنفي باردة ورطبة. ولا أثر لواحدة من هن في زقاق أوفي عتمة حديقة عامة. "لا يأس مع الحياة.. ولا حياة مع اليأس". لكن لروح المراهق أحلام ولجسد الكهول أخرى. بعد ساعة أويزيد هدني السكر والتعب وبدا ألا سبيل أمامي سوى الذهاب إلى بيتي والشروع في نوم مثل جوال مهمل يتكيء على ظل حائط حوش في ساعة ليلة قمرية بعيدة أعقبت عودتي من بيت الحبشيات في رفقة خالي حسين الذي تسبب لي وقتها في جراح أخرى حين أدركته نكتة الجنرال عاريا بين أحضان أثيوبية في الخامسة عشرة من عمرها قامت وقتها بزجره بلكنتها الغريبة وكأنها لم تدرك جسامة الدخول في السياسة على نحو غير مباشر. أجل.. بعض الصغار لا يدركون العواقب.

    كانت غرفة مستطيلة كبيرة مبنية من الطين وضعت عليها أسرة متقاربة تفصل بينها ستائر داكنة كانت الأثيوبيات يستقبلن داخلها زبائنهن ويتبادلن من داخلها بعض الشجون بلغة أمهرية بينما يشرعن سوقهن لمجموعة ديوك بشرية تحاول جاهدة الظفر منهن بأكثر من الجسد. كان المذياع الموضوع على رف مرتفع قرب السقف قد بدأ قطع إرساله المعتاد تمهيدا لإذاعة أمر هام. كان الديوك يقفون وقتها على مسافات متباعدة من قمة جبل اللذة المشتراة. كان الحظ قد أوقعني في مومس طيبة تكبرني بعشرين عام. بدأت تعلمني لسبب ما بصبر وحنكة ودربة لغتها الصمت كيف أنفذ بغير إرتباك نحو بيت الأفراح والأحزان الأبدي لأول مرة. وكان تواضعها لا يشي أنها كانت مطية لرغبات آلاف الديوك العابرين.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-10-2005, 06:05 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    بدأت تحدث أشياء أكثر غرابة من الخيال نفسه خلال تلك الشهور التي أعقبت ولادة الأمنجي السابق مباشرة. لقد بدأ الشك يتحول ببساطة شديدة إلى نوع من القناعة التي أخذت تترسخ بمرور الوقت إلى معول حاد هدم في النهاية حلم بقاء أسرة صغيرة لا ينقصها شيء في هذا العالم. آنذاك وقف والد الأمنجي السابق أمام باب المطبخ المشرع وكأنه يقف وقفة رجل على إستعداد للفرار في أية لحظة. والحق أن المسكين كابد مشاق عظيمة خلال كل تلك الليالي كادت أن تعصف بعقله تماما. وهو حين وقف وقفته تلك كان ببساطة أشد يتبع حرفيا تلك الحكمة القائلة "يا روح ما بعدك روح".

    كانت والدة الأمنجي السابق وقتها ترضعه على حجرها متجاهلة بحكم العادة تلك الوخزات الخفيفة على صدرها التي كانت تصدرها عيناه بينما تقوم بتشذيب أطراف أصابع البامية كيفما إتفق.

    نظرت المرأة بغرابة إلى وقفة زوجها الصامتة ضحى ذلك اليوم الذي سبق رحيل شامة الجعلية إلى نيالا بسنوات متناسية ما حدث خلال الليلة السابقة وكل تلك الليالي التي أعقبت ولادة إبنها. وقد شاهدا الجحيم نفسه يطل عليهما في الظلمة عبر عيني قط بشري لكنه أعادها من تلك الحالة من التجاهل قائلا بذلك الصوت ذي النبرات المرتعشة كما لو أن ريحا تحرك كيسا قديما من النايلون علق بساق شجرة قطن بعد موسم الحصاد: "من أين جاء هذا"؟؟!.

    لقد كان مغزى السؤال واضحا ومحددة تفاصيله ومراميه الدقيقة في ذهنها المرهق منذ أن بدأت تظهر في المرحاض تلك السحالي التي ظلت تنظر إلى أم صدير وشامة الجعلية بعيون حزينة دامعة كلما رفعن فساتينهن وأرخين لباساتهن على أعتاب التبول أوالخراء. وهي كانت تشك في الرواية كلها من باب أن الداية أم صدير لا ترتدي في الغالب ملابس داخلية لتلك الحرارة التي كانت تنبعث منها مما يجعل جذور ساقيها في حالة من التفسخ لكن ما بدأ يظهر لها بنفسها جعلها تحاول التصديق أن ما يحدث لها من قبل صغيرها ليس سوى كابوس ثقيل ستصحو منه بعد قليل أوفي أية لحظة.

    كل ما فعلته أنها قامت بتحويل الأمنجي السابق في حجرها بحيث ينظر إلى غير الباب المشرع وتقع عيناه على والده على نحو لا تحمد عقباه. وواصلت تشذيب أصابع البامية وكأن شيئا لم يحدث. لكنه في وقفته تلك التي تشبه أيضا وقفة رجل مقبل على نفض يديه من كل شيء أعاد عليها السؤال نفسه كلمة كلمة ورعشة رعشة: "من.. أين.. أتى.. هذا"؟؟!.



    والمرأة أوشكت أن تنخرط في البكاء.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-10-2005, 08:35 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    "تفرقت روحي في أمكنة كثيرة":
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-10-2005, 08:50 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    لقد تفرقت روحي في أمكنة كثيرة، رأيت بين جدرانها وخارجها أنواعا مختلفة من البشر، وزادت خبرتي بالحياة فوق ما أحتمل، لكنني أبدا لم أصادف صديقا في نقائه... حتى الآن. في البداية كان يظن أن الأمر مجرد لعبة. شيئا فشيئا بدأ بريق عينيه المرح يتحول داخل تلك الزنزانة إلى نظرة حزينة ساهمة إلى أشياء بعيدة لا ترى.

    قال إنه يريد أن يكتب تقريرا..... وأنه لابد من وجود شخصين يمضيان في مثل عمرينا... وأعطانا ما تبقى من اليوم الرابع فرصة للتفكير..... أنا سألته بفرح: "إذا فعلنا ذلك هل ستطلق صراحنا يا سيدي". قال: "نعم".. ونظرت إلى عادل. كان ثمة شيء في ملامحه يقول لي: "لا". قلت له: "لكنك قلت... ستعطينا فرصة للتفكير... يا سيدي". كان عادل صامتا لا يتكلم. وأنا أحسست بصورة ما بالتفوق والشجاعة على قدرتي.... على الكلام. لكنها بمرور الوقت بدت شجاعة زائفة كجبل الجليد وضع فجأة في ظهر أحد أيام الوطن الصيفية القائظة. ليس كل ما يلمع ذهبا.

    عيناه طبيعيتان وقت أن هبط من العربة داخل القلعة الحجرية القديمة. أشار بيده على نحو خاص فأقبل نحونا شخصان وقبل أن ندرك حقيقة ما يحدث كانا قد ألقيانا على الأرض كجوالي ملح. وجدنا نفسينا داخل زنزانة ضيقة رطبة تتسلل إليها الشمس بالكاد عبر كوة صغيرة أعلى السقف. وهو... لم نره إلا بعد ثلاث ليال لم نتناول خلالها سوى قليل الماء والطعام الرديء. ومرحاضنا عبارة عن صفيحة مليئة إلى نصفها بالبول والبراز ظلت قابعة هناك... عند أحد الأركان الكابية كعلامة سيئة على الطريق. كنت في نحو السابعة عشرة.. وعادل يكبرني بنحو العام. الليل مطبق حزين. لعله يبكي أوجاعي. وهذا الصمت يعطي للأشياء حضورا لا يحتمل.

    "فقط.. لو كانوا قد تكلموا معنا"، أخيرا علا صوتي بين جدران تلك الزنزانة المظلمة والضيقة كقبر. "لكننا لم نفعل شيئا. فقط... كنا نتلصص على مدرسة البنات من خرم في الحائط المرتفع المقام بين مدرستينا..... أليس كذلك يا عادل"؟!. حين لم يجبني، قلت له: "قل له.. إننا فعلنا ذلك في الحقيقة مرة واحدة وتأسفنا". قال بنبرة الصوت الهامسة نفسها: "أنت طيب....... يا حمد النيل". وضحك كعادته. قلت له: "لكننا لم نفعل شيئا ياعادل".

    وبعد قليل: "لكننا لم نفعل شيئا سيئا للغاية كما قلت لي أنت بعظمة لسانك حين أقلتنا العربة إلى هنا.. هل تذكر ذلك؟.. لماذا تصمت هكذا"؟!. لحظتها صعد على أمشاط قدمي اليسرى صرصار كاد أن يفقدني صوابي. عادل ضحك... بصوت عال. فجأة سألني سؤالا غريبا وبجدية تامة: "يا حمد النيل"؟. قلت له: نعم. قال: "في رأيك الخاص.. أجمل سامية أم أماني"؟!. قلت: "أنا كما تعلم أميل إلى أماني". قال: "بالعكس سامية عيونها كبيرة... خصرها ضيق.... وعجيزتها توقف حركة العربات.. وصدرها ياالله.. ياالله". قلت له: "هل رأيت عينه اليسرى حين أقلنا إلى هنا.. لقد كانت في مؤخرة رأسه تماما"؟؟؟!. قال لي: "ياحمد النيل.. قول بسم الله!!!.. أنت بدأت تتخيل حاجات غريبة"!. وضحك. عادل سيرى بعد ذلك بنفسه "عيانا بيانا". قلت له: "أحن إلى أمي الآن ياعادل". قال لي من دون أن يضحك هذه المرة: "لابد أنهم يبحثون عنا الآن.. في كل مكان". قلت له: "لابد أنهم يفعلون ذلك". فجأة سمعنا صرخات رجل حادة تتناهى من الجوار وصوت ناس يهددون بخصيه. أنا بدأت أبكي وراء ستار الظلمة... في صمت. عادل بدأ يأخذ ذلك كنكتة حين قال بين موجات ضحكه الخافت المكتوم: "تكون مصيبة ياحمد لو فعلوا بنا ذلك قبل العرس". أنا وقتها ضممت ساقي إلى صدري. ولأمر ما وأنا أسند ظهري إلى الحائط مددت يدي أمامي مسترقا السمع لما يحدث في الخارج. كان صوت الرجل في الزنزانة المجاورة.. قد تحول إلى أنين خافت ظل يصلنا على نحو متقطع إلى أن غلبنا النوم.

    في صباح اليوم الرابع، أوقفنا أمامه على المكتب. كنت أقف مطرقا... عاقدا يدي وراء ظهري.. مسترقا إلي عينيه النظر من حين لحين.. بينما لا أعلم كيف وقف عادل إلى جانبي.. وربما لم أكن أقف تلك الوقفة. لست أدري فالأشياء قد بدأت تختلط في ذهني كثيرا هذه الأيام. وسألنا: "ما قصتكما"؟. قلت له: "لا قصة لدينا.. سيدي". قال لي: "قصتكما هنا على هذا التقرير". عادل لم يقل شيئا. قال هو: "أنتما شريكان في محاولة إغتيال سمو الجنرال". هنا وفقط أخرست المباغتة لساني بينما تنحنح عادل وقال: "سعادتك.. أنا وصديقي حمد النيل قصتنا بسيطة". قال: "وماهي"؟. قلت له: "نحن نحب البنات فقط". ثم حانت مني التفاتة رأيت خلالها عادل يوميء برأسه موافقا. هنا ضحك هو. وقال بصوت جاد: "هنا تمام الأدلة". سألته: "وكيف ذلك يا سيدي"؟. قال: "ذلك شيء بسيط ومنطقي". لم أكن أقوى على النظر إلى وجهه". قال: "سمو الجنرال أيضا يحب البنات.. إذن أنتما تغاران.... وبالتالي لديكما دوافع حقيقية لإغتيال سمو الجنرال في يوم الإثنين القادم حسبما هو مخطط في قصتكما هنا". قال له عادل: "في الواقع.. سعادتك.. هذا لم يخطر ببالنا أبدا". قلت له: "وبصدق أقول لك.. سيدي.. إنني كما تعلم من لحظة ذهابي مع خالي حسين إلى بيت الحبشيات وأنا لا أطيق النوم إلا مع النسوان العجائز". لكن عادل جلب لنا كارثة فورية حين قال: "وليس من المعقول أوالمنطق أن يذهب سمو الجنرال مثلنا إلى بيت الحبشيات". وأنا لغبائي في لحظة أمان خادعة بدأت أضحك فجأة. أجل.. السلطة لا تحتمل المزاح.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-10-2005, 09:12 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كانت تلك الشقة التي أوتنا معا أنا والطاهر كسكن مؤقت غسلنا فيه بعض آثار عالم قديم كيفما إتفق قد أضحت بمرور الوقت كذكرى طيبة وددت في أحيان كثيرة أن أعيشها مرة أخرى بعد أن أخذت الحياة في كندا تكشف عن طبيعتها القائمة على الأرقام والحسابات الدقيقة شيئا بعد شيء في ظل منافسات شرسة بين مهاجرين جدد ومنفيين آخرين على أتفه الوظائف وقد بدا جليا من مرأى متسولين على الطرق يسألون شيئا من سجائر ودولارات قليلة أن الغرب باع لأولئك الغرباء الحلم بحياة أفضل في شكل صور تمت صناعتها بحرفية عالية وجاذبية مؤكدا بذلك على أفكار قائمة في أذهان أناس يعيشون في مناطق منسية من العالم مازالوا يعتقدون بوجود فراديس على جوانب أخرى من الأرض.

    كنت قد بدأت أتوغل في النوم لتوي بعد أن تم تحويلي إلى ورديات الليل حين هاتفني الطاهر في ساعة مبكرة من ذلك الصباح شاكيا تصرفات عزيز تركي معه مرة أخرى. قلت له للمرة الألف وبالكاد أتبين كلماته إن الأمر في يده.. إن شاء أعطى.. وإن شاء رفض.. وكان الطاهر وقتها لا يزال مندرجا في إطار برنامج المساعدات الحكومية بعد أن تعذر عمله لجهله باللغة تماما في أي مكان. قال محتجا إن عزيز تركي قد طلب منه وهو يكاد يبكي مبلغ (تلاتين دولار) عليه أن يدفعها كقسط شهري ل"الفيزا" وإلا "سيفقدها مدى الحياة". قلت و"لماذا تشكي لي الآن"؟.

    صمت مسافة وقال إنه سيخبره (ياحمد النيل) في المرة القادمة (في عينه من غير حساسية) قائلا: (إنت.. يا مستر عزيز شحده).. الذي يقوم (بعد الخراء) بتنظيف (دبره) بمناديل الورق (زي ما بتعمل البنات الخواجيات).. (الآن) لن (أعطيك قرشا واحدا).. ربما (تحسبني بنك السودان بجلالة قدره). لقد أحس الطاهر بمرور الزمن على مايبدو بضرورة فعلية لمواجهة العالم بأصابعه العشر وحده بعد أن نفد بالكامل ذلك المبلغ الضخم الذي منحته لنا الحكومة في البداية وصار عليه أن يعتمد فقط على تلك الإعانة الشهرية المحدودة وهو ماتبينه الطاهر جليا بعد أن إنقلبت الآية وصار عزيز تركي يتجنبه في كل مكان وهو ما دفع الطاهر بدوره من باب (تحصيل الموارد المالية المهدرة في السابق) إلى طرق باب عزيز تركي ومداهمة ثلاجته في أية لحظة كصاحب (حق مستلب) وحتى حين بدأ عزيز تركي يأخذ (باب الحيطة والحرص) ويؤكد له أن ثلاجته (زي ما شايف فاضية جدا) كان الطاهر يتبعه طوال اليوم كظله معتقدا في قرارة نفسه أنه ولابد (يدس الأكل) في مكان ما.

    في الشهور التي سبقت رحيله على ذلك النحو البشع كنت ألتقي الطاهر لماما وصار من النادر جدا أن يقوم بمهاتفتي أويشكو لي عزيز تركي بعد أن زالت أسباب الشكوى وبدا أنه قد توصل إلى نوع خاص من التكيف مع البيئة المحيطة به ولم أتبين في كل مرة أدنى علامة تدل على دنو أجله بل بالعكس كان مقبلا على الحياة بكلياته وقد حسدته بيني وبين نفسي على مدى السنوات بين عمرينا لصالحه وربما كان ذلك لأنني بدأت في أثناء سعي الدؤوب لتعويض ما فاتني من متع الحياة الركون إلى نفسي وقياس كل مايقع خارجها بحسب متطلباتي الشخصية أولا وأخيرا.

    أحيانا كنت أقابله صدفة في صحبة فتاة كندية عالقة بذراعه فيصرخ في وجهي بالعربية عبر تلك الخطوات القليلة التي تفصلني عنهما قائلا: "حمد النيل.. شوف أخوك حا يقوم يبوس الخواجية دي كيف". عندها كما حدث لي أول مرة مدفوعا بكبت آلاف السنوات وتلك الرغبة الدفينة لرجال في التحدث عادة عن الجنس مع نساء من خارج عشيرتهم أودائرة معارفهم الضيقة أقوم بسؤال الفتاة كمراهق تجاوز الأربعين قائلا: "لابد أن الطاهر يجيد التحدث بتلك اللغة العالمية" وكنت إذا لاحظت فتورا من جانبها أتلعثم أمامها كرجل في عمر والدها مضيفا: "الطاهر أخي الصغير". وكان الطاهر عادة يقف حائرا بيني وبين نسائه الصغيرات وفي المرة الأولى سألني قبل كل شيء عن معنى "اللغة العالمية" قلت له إنها لغة الجسد (ياصديقي) سواء كان ذلك عن طريق الرقص أوالإشارات أوالجنس. الطاهر وقتها قال لي (صدقت ياحمد النيل) والتفت بعدها نحو تلك الفتاة العالقة بذراعه راسما بيده إشارات بذيئة أضحكتها وهي ترفع رأسها صوب شمس منتصف أكتوبر الباردة كاشفة عن تلك العنق المرمرية البيضاء التي أشعرتني وقتها لأكثر من سبب بالرغبة الماسة والعاجلة في بكاء مرير لا يتوقف على حالي قبل عشرين سنة أويزيد.

    لو أنني عرفت بنتا مراهقة تدعى "أماني" ذات يوم بعيد ولم أكن أراها إلا وهي ذاهبة إلى المدرسة أوعائدة منها لقلت لها في تلك الليالي الشتائية الطويلة التي لا يكون لي فيها من أنيس أو... سوى وحدة تلك الشقق الصغيرة المؤجرة في حي من أحياء القاهرة الطرفية البائسة: "ياأماني: لقد سرقوا العمر ولم يبق في الوقت متسع لغير النزاعات الصغيرة". كنت أشعر آنذاك وأنا أرى الطاهر مزهوا وكأنه يريد أن يقول لي (ياحمد النيل) أنا أفعل ذلك في وضح النهار وعلى الملأ وفي شارع عام وقرب قسم البوليس نفسه. المسكين.. وقد بدأت تصيبه عدوى المنفيين كسياسيين سابقين ينفقون سنويا آلاف الساعات في الدردشة عبر منابر الإنترنت الفضائية لم يكن يدري أن بينه وبين الوطن في تلك اللحظات ملايين الأقدام البحرية ولا... حنين.

    كنت أساله (يا الطاهر) كيف تتحصل على أولئك النسوة وأنت لا تعرف شيئا في اللغة الإنجليزية. رحمه الله.. (كما يقولون).. كان يضحك حين يكون في شقتي مثلما كان يضحك خالي حسين في أعقاب نكات الجنرال التي يمكنني الآن جريا على أدبيات المنفيين أن أقول إنها كانت أكثر النكات ضجرا وسأما وبلادة في العالم فما معنى أن يقول أحدهم "إن الشمس شرقت اليوم من بيت الحاجة رقية" فإذا الوطن كله من الحدود إلى الحدود يشرع في "هاهاها" حتى أن خالي حسين كان يزيد على ذلك بقوله "نكتة جميلة يا سمو الجنرال.. ها ها ها" إلى أن وقع ذات يوم في قبض شرطي قرب المستشفى العام الذي بادره مستنكرا "كيف تقول سمو الجنرال وتصمت هكذا من غير أن تواصل ذكر بقية أسمائه التسعة والتسعين"؟!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-10-2005, 04:36 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    أفكر الآن جادا بعد أن أخذت تتكاثف معالمها في ذهني في إضافة شخصية جديدة إلى عالم أولئك المنفيين تحمل إسما مطولا (الباحث عن وجاهة بلا مقومات تؤهله إلى ذلك بالمرة).. وهي شخصية كما بدت لي الآن ذات مواقف ضاحكة برغم خطورتها التي تبديها أحيانا في إطلاق كلمات كبيرة لاتدري عواقبها كطفل يلعب بالنار.. وهي شخصية ربما تمثل جانبا من مأساتنا المتمثلة في مشكلة (طموحات كبيرة ووسائل محدودة).. وكما يقول المثل الخاص بي (الجزار حمقنجي بلا سكين في يده)!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-10-2005, 05:29 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كانت "عادة ملوك الفور مخالفة لعوائد غيرهم من الملوك، ولملكهم السلطنة التامة عليهم، فإذا قتل منهم ألوفا لا يسأل: لماذا؟ وإن عزل ذا منصب لا يسأل: لماذا؟ فهو تام التصرف في كل أمر يريده، وإذا أمر بأمر لا يراجع فيه ولو كان منكرا، إلا من قبيل الشفاعة. ولا ترد له كلمة. لكنه إذا فعل ما لا يليق من الظلم والعسف، تحصل له بغضاء في قلوبهم، ولا يقدرون له على شيء". كنت أتقافز على الطريقة القردية من شجرة إلى شجرة.

    وكان "من عادتهم: أن السلطان لا يسلم على غيره إلا بترجمان، صغيرا كان أوكبيرا، عظيما أوحقيرا. وكيفية ذلك: أنه إذا دخل عليه أناس يجثون على ركبهم، ثم يتقدم الترجمان، ويسميهم واحدا بعد واحد إلى آخرهم. وهو أنه يقول: "إنوتورا فلان، دونحيه كنيجي داري"، ومعناه: إن هنا برا فلان، سلام يعطي طاعة. فإذا تم أسماء الجالسين قال: "كيكين دقله كرنحيه"، ومعناه: معهم أولاد وراءهم، حتى أتباعهم وخدمهم. فتقول العبيد الواقفون خلف السلطان المسمون كور كوا: "دونحيراي دونحيه، دونحيراي دونحيه"، ومعناه: سلام سلام، سلام سلام...

    ثم من شدة تعظيمهم للسلطان، أن السلطان إذا بصق في الأرض، يمسحه بيده واحد من الخادمين، القاعدين أمامه، المتطلعين دائما للسلطان ولأفعاله ولحركاته.

    وإذا تنحنح قالوا كلهم: تس تس. يعني: يلفظون بتاء مدغمة في سين، من غير حركات، يكون اللسان ضاربا للسنخ العلوي للأسنان...

    ومن تعظيم السلطان، أنه إذا ركض جواده وعثر الجواد فرماه، أو وقع من شدة الركض، أنهم يرمون أنفسهم جميعا من على ظهر الخيل، ولا يمكن أن يثبت أحد منهم على ظهر فرسه بعد وقوع السلطان، بل إن رأى الخدمة أحدا ثابتا على ظهر جواده ولم يرم نفسه، يرمونه إلى الأرض ويضربونه ضربا مؤلما -وإن كان عظيما- لما يرون ثباته احتقار بأمر السلطان.

    وإذا جلس السلطان للحكم في ديوانه، لا يكلم الناس مباشرة، بل بواسطة ترجمان، إن لم يكن ديوانا عاما. فإن كان ديوانا عاما وقف المترجمون السبعة في الوسط، أولهم عند السلطان، وآخرهم عند الناس أصحاب الدعوى، والعساكر حوله، والكور كوا خلفه، والعلماء والأشراف جالسون... والناس جاثون على ركبهم أمامه، واضعين أيديهم على التراب، والموحييه واقفون دائما... فإذا سلم السلطان عليهم مسحوا التراب بأيديهم.

    وإذا تكلم أحد في مجلسه لا يبدأ الكلام إلا بقوله: سلم على سيدنا. إن كان عربيا وإن كان فوراويا، قال: "أباكوري دونحيا جني" ومعناه ذلك.

    وإذا كان السلطان هو المتكلم يقول: سلم عليه، إذا كان يتكلم بالعربي، فالترجمان يقول: "دنحياي داينيح سيدي"، وإذا كان السلطان يتكلم بالفوراوية يقول: "دونحيا جني"...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-10-2005, 03:11 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    "فأغنى في خدمته، حتى أن السلطان كان لا ينادي في أكثر حوائجه غيره. فحسده بعض أهل الدار، فسعى به إلى السلطان قائلا: إن محمد كرا خائن غدار، وأنا أراه يجتمع هو وفلانة الحظية في كل ليلة، وتأتيه بالطعام الجميل! فغضب السلطان لذلك، وهم بالبطش به. فبلغ الخبر إلى كرا، فأخذ مدية واختلى بنفسه في حجرة، واستأصل مذاكير نفسه بيده، وجاء بها إلى السلطان، وكان قريبا منه، وألقاها بين يديه وقال: إنما قيل في ما قيل لمصاحبتي لهذه، وها أنا قد استأصلتها لئلا يبقى في قلب مولاي مني ريب. ثم سقط مغشيا عليه. فرحمه السلطان وأمر بمداواته، فعولج حتى بريء.

    ثم إن السلطان أمره أن يكون صحبة الأمين علي ودجامع أحد الوزراء العظماء، ووصى عليه الأمين المذكور، بأن قال له: خذ هذا الغلام إلى دراك، واعتن به وأكرمه، وإياك أن تتهاون به، فإني أرجو أن يخلفك في منصبك".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-10-2005, 05:12 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    "ومن عتوهم أن الأب الشيخ محمد أوردكا كان في أيام السلطان تيراب في منصب الأبوة، ومن عادة الأب الشيخ أن يتوجه لبلاده ومحل حكمه في كل سنة في فصل الربيع، ويجمع أهل البلاد في يوم واحد، ويعرض الرجال، ويرى العساكر. فاتفق أنه جمعهم في يوم شديد الحر في رحبة واسعة أمام داره، ولم يخرج لهم حتى فاتت القائلة، فخرج في أبهته راكبا جواده، والعبيد يظللونه من حر الشمس، ويجلبون له الهواء بالمراوح، وخرج العسكر، وصفوا الناس صفوفا كدائرة، وهو واقف ينظرهم، وقد اشتد الحر وأمر الناس بالجثي على ركبهم، وسلاحهم ودرقهم في أيديهم. فكان الإنسان منهم لا يستطيع الجثي لشدة حر الرمضاء، وسال العرق، وكثر القلق، ومكث مليا لا يأمر بأمر، ولا ينهي عن شيء. وعطش الناس، وأخذ منهم حر الشمس أكبر مأخذ، وهم صابرون على ما قضاه الله عليهم، حتى مات بعضهم من العطش. ولما رأى قلق العالم وتحيرهم، أعجبه ذلك وضحك، وقال بلسان الفور: نتو نتو نتو "يوما عبوسا قمطريرا". وكررها مرتين أوثلاثا، وكان العالم المجتمع في تلك الجلدنيحا، أي: العرض، ما ينوف عن زهاء عشرين ألفا، وكان فيهم رجل صالح يقال له: الشيخ حسن الكو. فبرز وقال بأعلى صوته: اسكت يا كافر. ثلاثا. فأخذه الرعب من الشيخ المذكور وولى هاربا. ورفع الشيخ يديه إلى السماء وقال: اللهم ارحم عبادك. فما تم كلامه حتى ارتفع السحاب مثل الجبال، ونزل المطر وتفرق الناس، وكان يوما مشهورا. وسبب غضب الشيخ أنه مثل نفسه بالإله، ومثل عرض الناس إليه بعرضهم للحساب، ومثل شدة حر الشمس بشدة حر يوم القيامة. ولذلك استشهد بقوله: نتو، بالآية الكريمة. و"ن" بمعنى: هذا، و"تو" بمعنى: يوم. والباقي هو نص الآية الكريمة (يقصد الآية القرانية: انا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا)".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-10-2005, 08:02 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان الأمنجي السابق يجلس في مكتب الثعبان مسندا ذقنه على أصابع يديه المشبكتين واضعا مرفقيه على ساعدي الكرسي مصغيا بإنتباه شديد وكأن على رأسه الطير وقد أخذت تتكون في ذهنه شيئا بعد شيء صور لأناس أشقياء لا شيء يفعلونه في تلك الصحراء الموحشة سوى أكل أول أمنجي مرسل إلى تلك البقاع النائية في "مهمة وطنية" ولو أنه نظر في تلك اللحظة عبر النافذة الزجاجية ذات الستائر السوداء المسحوبة إلى الجانبين لرأى المدينة كلها تسبح في ظلام دامس عدا القلعة الحجرية الضخمة التي تسهر كعادتها لحماية الجنرال الذي أخلد إلى النوم قبل نصف الساعة بعد نهار عمل ألقى خلاله على الهواء مباشرة أكثر من ثلاث نكات عكست الحالة المزاجية العالية لسموئه بينما كان خالي حسين يتجنب وقتها النظر من داخل بيته ما أمكن أن تصافح عيناه وميض الأنوار المنبعثة من داخل القلعة معتقدا أنها "في الواقع" أجهزة فسفورية حديثة لقياس الحالة المعنوية للشعب في أعقاب تلك النكات حتى إذا لامس ضوء القلعة عينيه الزرقاوين يبدأ في الضحك أوالإبتسام واضعا في عينيه دعاء أن يطيل الله عمر الجنرال لألف عام فيما أخذت أم صدير تدلف بدورها إلى النوم مع أمل في أحلام سعيدة أخرى بدت زادها الوحيد في تلك الأيام لمواصلة البقاء على قيد الحياة في ظل كوابيس يقظة نهارية بدأت منذ سنوات بعيدة بمشاهدة سحالي بعيون حزينة دامعة تلاها ثعبان أسود يلتهم تلك السحالي وينظر إليها بمرح غامزا بعينه اليسرى بينما تكابد هذه الأيام صوتا يأتيها مع الهواء كهاتف يقول لها إن شامة الجعلية هاجمتها ثعالب طائرة في منتصف الطريق بينما وصل بقية ركاب القطار سالمين إلى نيالا. كنت أتنقل بين المدن كطالب ثأر من شجرة إلى شجرة. وقابلني أثناء ذلك أمران غريبان. رأيت قردا حقيقيا وسط أجمة كثيفة من أشجار الطلح يلقي لسبب ما درسا حول مباديء ميكنة السيارات على مجموعة من القرود الصغيرة وكل ما فعله أنه قذف نحوي أصابع موز ثلاث حين إقتربت منه قبل أن أهرب فجأة لا ألوي على شيء وأنا أسمع صوت قرد شقي من الصغار يقترح عليهم بلغة عربية فصيحة ومتقعرة القبض علي وحبسي داخل قفص تمهيدا لنقلي إلى حديقة الإنسان ولا أدري حتى الآن كيف قفزت وسط دهشتهم إلى ذلك الفرع العالي كما لو كنت منطلقا من فوهة مسدس سريع الطلقات ولا بد أني كنت أتقافز منطلقا بين قمم الأشجار كما لم يحدث لي من قبل وإلا كيف يمر الهواء من بين أذني كما لو أنني أخرجت رأسي من نافذة عربة تمرق كبرق. بعد ساعة أونحوها قابلت رجلا متقافزا من الإتجاه المقابل. سألته بحذر شديد بين فروع تلك الشجرة وأنا في وضع الإنطلاق في أية لحظة إن كان إنسانا أم قردا حقيقيا متنكرا في هيئة بشر. عندها فقط قلت له بين أنفاسي اللاهثة ما حدث ووصفت له أن يمر بطريق لا يفضي به إلى مستعمرة قرود يدرسون الآن هندسة السيارات فيلقى نفسه فجأة داخل قفص في حديقة يغشاها القرود أيام العطلات. قال لي إنه أيضا يبحث عن أمنجي آخر كان قد تركه في منتصف عهد الجنرال بلا مخ وأضاف أنه أيضا فضل السفر بهذه الطريقة المعتادة بعد أن أصيب أهل قريتهم بكارثه خلال الإسبوع الأول لقيام الثورة عندما فكر سائق يسير في طريق المرتفعات بإختصار مسيرة أكثر من عشر ساعات عن طريق القفز بالعربة من جبل لآخر بينهما هاوية سحيقة وقال لي إن الركاب المساكين لم يصلوا إلى قعر ذلك الوادي "حتى الآن" وقال لي إنه ترك ممثلي الأحزاب في قريتهم يتشاورون حول إعداد مذكرة لرفعها إلى الجهات العليا لعمل شبكة مطاطية تقلل الخسائر وتخفف من وقع الإصطدام المتوقع "ماأمكن".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-10-2005, 03:48 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    هناك، على الأرض، أسفل شجرة البان نفسها، جلسنا نتحدث قليلا قبل أن يواصل كل منا رحلة البحث عن جلاده القديم، وقد بدأت أشعة الشمس تتراقص في هيئة نقاط ضوئية صغيرة على أنحاء متفرقة من جسده النحيل الذي أرهقه قفز بين أشجار بدت آثارها واضحة على كفيه اليابسين كخفي بعير ظل يقفز فوق أرض مليئة بأعشاب "الضريسا" الجارحة. وكنا نقتات بعض نبات بري بلا طعم:

    - "هل نزع مخك فعلا.. يا أخي"؟؟!.

    فقط رفع رأسه المطرقة نحوي. أشحت بوجهي بعيدا نحو السماء الزرقاء وراء أغصان البان. كانت عيناه مليئتان بدموع وفمه فيما بدا لي يكابد انفلات صرخة هائلة لا سبيل إلى كتمانها طويلا. وفجأة بدا الرجل يصدح بغناء جميل لم أطرب لمثله قط. ونظرت إليه. كان قد توقف عن الغناء منذ وقت. وسألته مرة أخرى:

    - "أعذرني يا أخي.. ولكني كنت ساهما محلقا برفيف أجنحة صوتك العذب الجميل مثل راحة والد فقدته حين مات وتركنا نواجه هذه الحياة من غير معين سوى الله وخالي حسين.. وأصدقك القول كان في غنائك شيء مثل همهمات أمي وهي تبيع الطعام لتلاميذ المدارس في صباح.. وشيء آخر مثل نظراتها المختلسة إلى السماء وهي تبيع حزم الزهور الصغيرة في العصر أمام المستشفيات.. إلا أنه خيل لي أن صوت إيقاع أوطبل شفيف كان يصاحب صوتك.. ولا أثر لإيقاع هنا أوطبل".

    وقال لي ضاحكا هذه المرة وهو يشير إلى رأسه:

    - "ها هي ها ههي، هذا... هذا صوت رأسي يا أخي بعد أن إنتزع مخي ذلك الأمنجي".

    هنا.. إقتربت منه، وحين بدأت النقر بأصابعي مليئا بكل تلك الدهشة، لم أكن أسمع في الواقع صوت الإيقاع نفسه، كان صوت أشبه بالصوت الصادر من داخل البرميل المجوفة حتى أن العصافير الذي أقبلت منذ قليل وهي تحرك رأسها طربا فوق الأغصان جفلت طائرة دفعة واحدة. آنذاك أدركت بحزن عميق أن صوت الإيقاع تصدره الأصابع لا الإيقاع نفسه. أجل.. أشعرتني هذه الحقيقة بحزن تماما كذلك الحزن الذي يشعر به أحيانا كاتب تجاه كاتب أكثر منه موهبة وأطول باعا. لا.. ذلك لم يكن حزنا بل كان حسدا. قلت له وأنا أسند ظهري إلى ساق شجرة البان ممددا ساقي أمامي:

    - "إذا عثرت على الأمنجي الذي انتزع مخك.. ما أنت فاعل به"؟.

    قال:

    - "لقد رأيت في المنام أني إذا غنيت أمامه سيذوب مثلما تذوب قطعة الثلج في منتصف نهار قائظ". وقال: "أنت تبدو أكبر عمرا مني. ولكني أريد أن أسألك سؤالا محددا فلا تتعجب مني ناشدتك الله. هل الدنيا دي كانت موجودة قبل ولادتي"؟؟؟!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-10-2005, 04:59 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    فكرت مسافة في سؤاله العجيب بينما أخذ يحزم أمتعته القليلة التي كان يحملها في مخلاة متسخة يعلقها على ظهره استعدادا للقفز كرجل عاقل يعلم جيدا خطورة السفر في تلك الأيام بالسيارات مرة أخرى. قلت له ونحن وقوفا:

    - "أعتقد أن هذا العالم كان موجودا قبل ولادتك وسيبقى بعد موتك".

    قال:

    - "أتمنى ألا تكون هناك أحزان مثل هذه.. ولكني سأغني إلى حين أجلي".

    قلت منزعجا من مثل هذا الحديث:

    - "عليك أن تنتبه في طريقك الآن.. وألا تمر بمستعمرة القرود تلك كيلا تجد نفسك محبوسا داخل قفص في مكان ما من حديقة الإنسان".

    قال بثقة:

    - "سأغني لهم وبعدها سيدعونني أمر بسلام".

    قلت:

    - "في هذه اللحظة فقط سيتعقبونك إلى نهاية العالم كشيء ثمين لابد من الحصول عليه بأية وسيلة.. ولن يصيبهم اليأس من مطاردتك حتى لو كنت تفر أمامهم بساق طائرة".

    قال لي والخوف يلوح في عينيه لأول مرة:

    - "ربما كنت محقا".

    ومضى كل منا في طريق.

    هكذا واصلت البحث عن جلادي القميء في تلك الأيام. ولم يحدث مطلقا أن أسعفني الخيال لثانية أني سأجده بعد مرور سنوات طويلة في تلك المدينة الكندية الصغيرة التي تبدو معها مسألة السفر إلى نيالا مقارنة بالذهاب إليها كما لو كنت تمد يدك لتناول شيء من مائدة أمامك. كنت أتقافز من شجرة إلى شجرة. وكان رفيقي التأمل والتاريخ أحيانا:

    "ثم تولى بعده السلطان محمد تيراب.. وكانت أيامه كلها خصبا ودعة ورخاء أسعار. إلا أنه آخر أمره كرهته الناس، لظلم أولاده، لأن له ما ينوف عن ثلاثين ولدا ذكرا غير الإناث. فصاروا يركبون ويجوسون خلال البلاد، وكلما سمعوا بشيء جميل أخذوه من صاحبه، ويكلفون الرعية ما لا تطيق، حتى كان فيهم ابن له يقال له: مساعد، كان من عتوه وتجبره يأبى أن يركب الخيل، بل كان يركب ظهور الآدميين. فكلما وجد شابا أمر بالقبض عليه وركبه حتى أعياه، وربما سافر السفر البعيد، لا يركب فيه جوادا ولا حمارا، بل ينتقل على الناس حتى ينتهي سفره. وإذا لم يجد غريبا ركب رجلا من جماعته، وكانت الرعية ترفع شكايتهم لأبيهم، فكان لا يشكوهم ولا يقبل منهم شكاية. بل ربما غضب وقال: إن هذا لهو العجب. إقليم مثل هذا لا يتحمل أولادي، وكلما عملوا صغيرة يشكون إلي؟!، فلما رأى الناس ذلك أبطلت الشكوى، ورفعت أمرها إلى الله عز وجل".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-10-2005, 02:13 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كانت أصابع يديها المستكينتين مشبكة بأصابع يدي الإثنتين. ساقاها تلامسان كتفيها. رأسها مائلة فوق شعرها الكستنائي الناعم إلى يسار قيد أنملة. شفتها السفلى داخل فمي ذائبة. عيناها مفتوحتان على عيني. تئن. كانت قد زحفت من السرير المرتفع قليلا. أسندت نصف ظهرها على الموكيت الرمادي للغرفة. نصفها الذي يلي مؤخرتها المكتنزة وضعت أسفله وسادتين. كنت بكاملي فوق عرض السرير.. قبل أن أمسك بيديها. وأضغط بكتفي على باطن ساقيها هابطا نحو بوابة الكون. "هكذا أحب أن أشعر به وهو يتوغل بعيدا هناك"، تقول لي. وأفهم أن ذلك وضعها المفضل. تئن. تهوى دائما أن تنزع ملابسها بنفسها. كان ذلك في بدايته يدهشني كثيرا. وحين تغمض عينيها أتوقف. تفتحهما مستفهمة في صمت. لا أقول شيئا. أزيد الإيقاع رويدا.. رويدا.. رويدا. عندها يرتفع صوتها شيئا.. فشيئا.. فشيئا. وتردد إسمي بسرعة كبيرة.. "همد".. "همد" "همد". يعود الأنين متلاحقا هذه المرة. وبعيري لا يشرب إلا حين صفير. أحس بها وهي تخنقه هناك. أكاد أصرخ. تمتصه قطرة قطرة. أتهاوى على صدرها. أفلت يديها. أدعها تمسح على ظهري. تلامس آثار تعذيب بعيد. "أنا.. حمد النيل.. ياخالي". أقول بصوت واهن شديد الضعف. ومع ذلك لا أثر لوجود شخص ولا حركة لوقع خطى أليف يتناهى من داخل الحوش الغارق في الصمت كقبر آخر ذلك الليل الموغل في البعد وربما النسيان. كان ظهري كله مثخنا بالجراح وقطرات العرق المنساب تكوي وتعشي عيني بكل تلك الدموع.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-10-2005, 05:53 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    إلى حين عودة قريبة:

    أدرك أن هناك مشكلات في اللغة على أكثر من مستوى. بعضها خفي والآخر شديد الوضوح. لست معنيا بها الآن بقدر تركيزي على لحظة الكتابة نفسها بكل زخمها وراهنيتها!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-10-2005, 05:56 AM

هشام هباني
<aهشام هباني
تاريخ التسجيل: 31-10-2003
مجموع المشاركات: 47717

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    العزيز البرنس عبد الحميد

    كل العام وانتم بخير ورمضان كريم والوطن بألف خير ومزيدا من التألق والابداع ولي قدام.

    هباني
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-10-2005, 06:29 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    أجل.. بدأت تحدث أشياء أكثر غرابة من الخيال نفسه خلال تلك الشهور التي أعقبت ولادة الأمنجي السابق مباشرة. كان والده تاجر القطاعي في السوق الصغير يشعر في كل ليلة وكأنه يبيت مع الشيطان نفسه تحت سقف واحد. وكان الأمر يتضاعف ضراوة في ليالي الرغبة الحارقة. آنذاك وعلى خلاف الليالي الأخرى كان الأمنجي السابق يظل ساهرا باكيا إلى ساعة متأخرة من الليل. وماأن ينام تبدأ والدته في الزحف نحو سرير زوجها المجاور بحذر وبطء شديدين. لا يحدث شيء بعدها يفسد تلك الملاطفات الحميمة بين رجل ومرأة على بوابة الذوبان. الطفل يغط داخل نومه أخيرا. والملابس تنزع قطعة قطعة. ومع مرور الوقت يبدأ الرجل يكابد ألما متزايدا فوق مستوى اللذة. كان يحس وكأن جمرة من نار موقدة تنغرس داخل مؤخرته العارية على وجه الخصوص فيقفز من سريره جزعا ملتاعا دفعة واحدة. وكاد ذلك أن يذهب بعقل المرأة في كل مرة لولا أنها أخذت بمرور الوقت تدرك حجم المصيبة التي عليهما أن يتعاملا معها إلى نهاية العمر كوالدين. ولو أن أحدهم رأى والد الأمنجي السابق على تلك الحال من الحيرة والرعب لأدرك أنه يتلبسه شعور أقرب لشعور رجل فتح باب بيته ذات عصر جميل وترك الباب مواربا وسار خطوات يتنفس الهواء وينظر إلى وجوه السابلة وفجأة غافله رجل غريب لم ينسل فقط إلى داخل بيته بل أغلق من دونه الباب تاركا إياه في ذهول وسط العراء ونهبا لهواجس لا نهائية. لقد بدا جليا وقتها أن الرضيع الذي يتظاهر بالنوم بعد أن ينجز مهمته الشيطانية كان يرسل إلى مؤخرة والده العارية إشارات ضوئية كاوية لا ترى بالعين المجردة. وحدث أن والده في لحظة ألم شم خلالها جلد مؤخرته المحترقة أراد أن ينتزعه من سريره ويرمي به إلى داخل المرحاض لكن الأمنجي السابق كان يفتح عينيه في اللحظة المناسبة ويرمقه وسط تلك الظلمات الحالكة بنظرات حمراء مشعة فيتجمد والده في منتصف المسافة كتمثال ثلج في نهار قائظ لا يتوقف عرقه بعدها ويعود إلى حالته الطبيعية إلا حين تقرأ زوجته على رأسه سورة "يسن" ثلاث وثلاثين مرة. بعدها ينام كبغل إلى شروق الشمس التي لم تكن قد شرقت بعد من بيت الحاجة رقية بحسب نكتة الجنرال في تلك الأيام.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 2:   <<  1 2  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de