من صفات العقل الرعوي الجمهوري أنه لا يحتمل النقد. وعندما أستخدم عبارة العقل الرعوي الجمهوي فإنني لا أستخدمها بالمعني نفسه الذي استخدمها به الجمهوري الدكتور النور حمد. وهو المعنى الذي رمى بمقتضاه جمهرة الرعاة، وهي جمهرة كبيرة، بكل صنف من الصفات مقيت. فأنا أربأ بالرعاة - سودانا كانوا أو غير سودان - أن يكونوا كما وصفهم هذا الباحث المجترئ. ولكني استخدم العبارة لرمي الرهط الجمهوري، الذي يضم عدة مئات من الأشخاص، المنمطة عقولهم بشكل حاد، والمستنسخة من عقل واحد، بأنها تخضع في النهاية، بصورة جماعية، لسلطة هذا العقل الواحد ولأبويته و(رعويته). وهذا العقل المرجعي الراعي (أو الرعوي!) هو بلا شك عقل شيخهم وزعيمهم الراحل محمود محمد طه. ومن أبرز تجليات السمات (الرعوية) لدى الجمهوريين؛ الفهم الدوغمائي للأمور الفكرية، والتنطع البالغ في تقديرها والدفاع عنها، أو رفضها، بلا مبرر عقلاني، مع انكار إمكان تورط أي فرد من أفراد الحزب الجمهوري في خطأ أيأ كان صغيرا أو كبيرا. ومن أبرز مظاهر النزعات (الرعوية) لدى الطائفة الجمهورية رفض أفرادها لأي نقد يوجه تلقائهم، مهما كانت صوابية ذلك النقد أو مشروعيته! فكما أن زعيمهم الراحل كان معصوما في زعمه وزعمهم، فهم كذلك في زعمهم الكاذب معصومون! ولذلك يرفضون توجيه أي نقد إليهم، حتى لو كان نقدا طفيفا، وهم يواجهون ذلك النقد - في العادة - بإباء مندفع وغليان عصبي شديد. ولا زلت أذكر يوما اشتركت فيه مع مفكرهم ومنظرهم وشاعرهم ودجالهم المدعو عوض الكريم موسى في ندوة فكرية بالسودان رأيت فيها رأي العين تجلَّي ذلك الخُلق البغيض لديهم. فلما رأيته يتمادى في مهاجمة الأسر الغربية على أنها جميعا أسر فاسدة متحللة، أنكرت عليه ذلك برفق - وليس من شأني إلا أن أرفق بمن يشترك معي في إطار ندوة واحدة - ورددت عليه ردا هينا بأن هذا النعت ليس صحيحا على إطلاقه. وقلت له في ضمن ما قلت: كما أنه توجد أسر متحللة في الغرب، فكذلك توجد أسر محافظة، بل توجد أحيانا أسر تتخطى حيز المحافظة إلى نطاق التزمت. فما كان منه إلا أن غضب من قولي غضبا مرجفا، ورد عليه بحنق بادٍ، مؤكدا دعواه السابقة بتعنت شديد، مع أنها مجرد دعوى انطباعية ليس لها أساس من مشاهدة عن كثب، أو نقل صحيح موثوق. فهو لم يعش طويلا في الغرب كما عشنا، ولم ير شيئا مما رأينا من الجوانب الطيبة التي لا يسعنا إلا أن نعترف بها فنقول إن أن بعض الغربيين يبذلون جهودا كبيرة في تربية أبنائهم على المثل الأخلاقية الفاضلة. وإنما تجاهل الزعيم الجمهوري هذه الحقائق التي لم يخبرها، والتي لا يمكنه أن يكذبها، وأنكر تصويبي لكلامه حولها، لأنه عاش زمانا طويلا مع زمرته في الحزب الجمهوري، ممن لم يخطر على بال أحد منهم أن يعترض يوما على قول من أقوله ولو كان نُكرا بيِّن البطلان. ثم عاش هذا الجمهوري (المتفلِّت!) زمانا آخر مع أغبياء حزب المؤتمر الوطني، من أدعياء الثقافة والفكر، ممن عمل معهم فترة طويلة، ولم يتجرأ أحد منهم على اعتراضه، أو نقده، أو ردِّ قول من أقواله. وهاهو الدكتور النور حمد يسير على هذه الخُلَّة والطريقة عينها؛ فلا يستحي أن يمتدح أطروحته المهلهلة، قائلا:" وجدت أطروحتي حول ما أسميته (يقصد ما سميته!) قيد الثقافة الرعوية، الذي يحول دون اكتساب قيم الحداثة، ويصبح من ثم طاقةً معيقة (يقصد معوقة!) لجهود التغيير، الكثير من ردود الفعل الإيجابية من جانب من قرأوه. وقد وصلتني عشرات الرسائل ممن أثق في سعة معرفتهم، مشيدين بالطرح، منوّهين إلى أهميته (يقصد بأهميته!) ، خاصةً في هذا المنعطف (ما في منعطف ولا حاجة! دة كلام إنشائي مرسل ساكت؛ هو أي فترة من فترات التاريخ تعتبر منعطف؟!) العاصف من حياتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية". فهو على غير عادة الكتاب الجادين المجيدين، لا يبالي إلا بمن بمن يُبدون ردود الفعل الإيجابية تجاه أطروحته المزعومة، وإلا بمن يشيدون بها، وينوِّهون بأهميها! ثم لا يذكر لنا بأي حيثية، أوبأي دعوى، أشاد هؤلاء بأطروحته، وقرَّظوها، ونوَّهوا بمجدها؟! ولم يذكر لنا من هم هؤلاء القوم الذين جاملوه على هذا النحو؛ أهم الجمهوريون من أبناء طائفته، فلا يكون لقولهم أدني قيمة حينئذ، لأنهم كلهم إنما يصدرون عن واحد نمطي واحد مثل عقله؟! أم هم يا ترى من غلاة اليساريين العنصريين الكارهين للعروبة والإسلام، فلا يكون لقولهم أدنى معنى من حيث العلم، والمنهج، والبحث، والقدرة على الاستخلاص؛ لأن كل شيء ضد العروبة والإسلام هو شيء صحيح بالضرورة لدى هؤلاء. أما عندما قدم العلامة الماركسي البروفيسور عبد الله علي إبراهيم نقدا منهجيا جذريا لأطروحته، فقد هوَّن النور من قيمة ذلك النقد القوي الذي صُوب إلى أطروحته، و سماه مجرد ملاحظات قائلا:" وقد أثار الدكتور عبد الله علي إبراهيم بعضا من الملاحظات على مقالتي تلك التي بدأت بها هذا الطرح". ثم نحا إلى التغافل عن تلك النقدات الأكاديمية القويمة وتجاهل قيمتها الكبرى، قائلا:" سأحاول، جهد الطاقة، ألا أنحو في إشاراتي إلى ملاحظات الدكتور عبد الله علي ابراهيم، منحى المساجلة أو المناظرة، بقدر ما أتجه إلى توسيع الأطروحة وتعميقها، وتقديم مزيد من الايضاحات حولها". وقد تركز نقد البروفيسور إبراهيم على عدم انضباط مصطلح (الرعوية) المستخدم بكثرة في البحث، وهو المصطلح الذي مثَّل لبَّ البحث وجوهره. ومن واجب كل باحث اجتماعي حصيف أن يعرِّف قارئه بالمصطلح الذي يستخدمه تعريفا جامعا مانعا قبل أن يسترسل في استخدامه. وإلا يفعل ذلك فمن الممكن أن يتناثر كل مجهوده البحثي سدى لأنه يقوم عندئذ على غير أساس قويم راسخ. وهذه بدهية بحثية يعرفها كل أكاديمي له جهد مجدٌّ في البحث العلمي. وبدلا من أن يستجيب الكويتب الجمهوري لمثل هذا النقد الدقيق الصارم الذي وجهه إليه البروفيسور إبراهيم، ووجهه إليه أكاديميون ممتازون آخرون، منهم الدكتور خالد بابكر أبوعاقلة، إذا به يصدُّ عن كل ذلك النقد الذي كان ينبغي أن يخضع له ويفيد منه، ويقول عوضا عن ذلك في استعباط جلي:" أثار الدكتور عبد الله علي إبراهيم ملاحظة منهجية أوليّة، حول مصطلح (الرعوية) ودعاني إلى تعريفه وضبطه، والتحقق من انسجام استخدامه في السياقات المختلفة، غير أنني وددت أن لو اهتم الدكتور عبد الله علي إبراهيم بالظاهرة نفسها، بدل أن يهتم بما رآه اضطرابا في استخدام المصطلح". فهاهو الجمهوري على خُلته المعهودة من العناد والإنكار والمكابرة، يرفض النقد والتوجيه العلمي السليم، وينبري لناقده فينتقده، ويوجهه إلى ما يعتقد - خطأ - أنه الصواب، ويقول له إن:" المصطلح ليس هو المهم في هذا الطرح، وإنما الظاهرة التي يشير إليها، فإن اتفقنا على وجود الظاهرة، وضرورة البحث فيها، لا يهم أي مصطلحٍ نطلقه عليها". طيب! وإذا كان المصطلح ليس مهما هكذا، فلماذا اخترته ابتداء؟! ولماذا استخدمته بكثافة وألححت عليه إلحاحا شديدا في كل مفاصل البحث؟! ولماذا جعلته عنوانا للأطروحة المزعومة أو البحث المزعوم؟!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة