منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 10-21-2017, 07:46 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف /د. صبري محمد خليل

05-09-2011, 04:44 AM

بكرى ابوبكر
<aبكرى ابوبكر
تاريخ التسجيل: 02-04-2002
مجموع المشاركات: 19493

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف /د. صبري محمد خليل

    بسم الله الرحمن الرحيم







    الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف








    د. صبري محمد خليل











    بسم الله الرحمن الرحيم
    مدخل:تعريف الاستخلاف وأقسامه وشروطه
    الاستخلاف لغة واصطلاحا: الاستخلاف لغة النيابة والوكالة (1) أما الاستخلاف اصطلاحا فهو إظهار الإنسان لربوبيه الله تعالى وألوهيته في الأرض، بالعبودية والعبادة، ، يقول الماتريدى فى تاويلات أهل السنةج1 (وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه) (1) وهو ما يكون على مستوى الصفات لا الذات، يقول الالوسى فى روح المعاني ص223 ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي).
    وقد أنكر البعض أن يكون الاستخلاف عن الله تعالى استنادا إلى نفي ابن تيميه قول الشيعة أن الإمام هو خليفة الله في أرضه(.... لان الله تعالى لا يخلفه غيره, فان الخلافة تكون عن غائب وهو سبحانه تعالى شهيد مدبر لخلقه....)(2).كما أيد هذا المذهب عدداً من المفسرين، وعلى هذا صرفوا استخلاف آدم (ع) إلى افتراض مخلوقات قبله على الأرض، واختلفوا فيها (الملائكة عند القرطبي والجن عند الرازي) .إما استخلاف ذرية آدم ( ع) فصرفوه إلى معنى الإبدال والتغيير من قوم إلى قوم.وبهذا فقد قصر ابن تيميه علل الاستخلاف في عله واحدة هي غياب المستخلف. والصواب أن للاستخلاف علل عديدة ،ومن علل الاستخلاف عن الله تعالى تنزيه الله تعالى عن أن يكون محدوداً بالزمان والمكان خاضعاً للتغير والتطور فيهما. وكذلك تكريم الإنسان يقول الاصفهانى في المفردات في غريب القران ص156(الخلافة النيابة عن الغير أما لغيبه المنوب عنه... وأما لتشريف المستخلف (. والواقع أن ابن تيميه أراد نفى انفراد الائمه بالاستخلاف عن الله ، و نفى أن يكون معنى الاستخلاف عن الله المشاركة في الالوهيه والربوبيه(تقديس ألائمه)، كما يلزم من بعض المذاهب الشيعية المتطرفة لا نفى الاستخلاف عن الله بإطلاق بدليل قوله في سياق أخر من فتاويه" ...فهذا عمر بن عبد العزيز وهو خليفة الله في الأرض قد أوكل أعوانا ينهون الداخل عن تقبيل الأرض..."، كما أن القول باستخلاف آدم (عليه السلام ) للجن الذين تقدموه في سكن الأرض هو من الإسرائيليات، ويكون التعامل معها على القاعدة التي ذكرها ابن تيميه ( ولكن هذه الأحاديث الاسرائيليه تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فأنها على ثلاثة أقسام: احدهم ما علمنا صحته مما عندنا مما يشهد له بالصدق, والثاني ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه, والثالث ما هو مسكوت عنه ... فلا نؤمن به ولا نكذبه)(3).
    لذا نجد ابن كثير تلميذ ابن تيميه لم يورده في تفسيره، و أورده تحت عنوان أقوال المفسرين إي أنه اعتبره مما هو مسكوت عنه.
    غير أننا نرى أنه من القسم الثاني أي الذي يخالف ظاهر القرآن ،أن الله تعالى يقرر في الآية السابقة لأية الخلافة أن الله تعالى خلق الأرض للبشر لا للجن ولا للملائكة.﴿ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إلى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ( البقرة: 29). كما أن استخلاف آدم (ع) لمن تقدمه من الجن أو الملائكة، أو استخلاف بني آدم بعضهم لبعض، لا يستلزم إخبار الملائكة به، وتساؤلهم عنه، ولا يقضي سجود الملائكة له ، ولا يفضي إلى تمرد إبليس. كما يستند هذا المذهب إلى وجوب فهم ألفاظ القرآن والسنة على المعنى الأصلي إي المعنى الظاهر المشتق من الحس. غير أنه يستحيل تفسير كل ألفاظ القرآن بالمعنى الظاهر وبالتالي يجب في بعض الحالات اللجوء إلى المجاز بدليل أن الحديث الذي أورده أبن تيميه لا يجوز حمله على ظاهره لان الخليفة في المعنى الأصلي الحسي أدنى مرتبة من المستخلف، وهو ما لا يجوز في حقه تعالى ، فيكون المراد المعنى المجازي البعيد وهو رعاية الله تعالى للأهل.
    أدلة جواز القول بالاستخلاف عن الله تعالى:في السيرة: قول الصحابي للرسول (ص): " تأذن لي يا خليفة الله أضرب عنقه" ( أبي داؤد, حدود,3ك).وعن القثوبان قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)" من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر هو خليفة الله في الأرض وخليفة كتابه وخليفة رسوله"( السيوطى، الفتح الكبير، ج1، ص 751).
    وعن السلف الصالح: قال المغيرة لعمر: (يا خليفة الله فقال ذاك نبي الله داؤد)(4).وعن علي أبن أبي طالب" إلا أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة, ومن مؤتمن يصلح لحمل الحق حتى يؤديه لأشباهه من الناس فيزرعه في قلوبهم: قلوب تحمل ذلك العلم ظاهراً وباطناً تحقيقاً له... أؤلئك خلفاء الله في أرضه بما استلا نوه مما استرعاه المترفون, وانسوا مما استوحش منه الجاهلون, قد صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة معلقة بالملأ إلا على, واؤلئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه فآه لهم وواه شوقاً إلى رؤيتهم"(5).وعن الحسن أخرج وضاح في كتاب القطعان وحديث الاوزاعي انه بلغه عنه انه قال: لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتأب الله فان وافقوه حمدوا الله وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل وهدى من اهتدى فاؤلئك خلفاء الله)(6).
    وعن علماء أهل السنة قال ابن الجوزي( فكلما جد العباد صاح بهم لسان الحال عبادتكم لا. يتعداكم نفعها, وإنما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض)(7).
    وقال الإمام الغزالي( فتعليم العلم من وجه عبادة الله ومن وجه خلافة الله تعالى ومن اجل خلافة الله فان الله قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو اخص صفاته, فهو كالخازن لأنفس خزائنه)(8.)
    وقال سيد قطب في تفسير أية الخلافة( لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا في بناء هذه الأرض وعمارتها وتنويعها وتحقيق إرادة الخالق وقاموس الوجود في تطويرها ورقيتها وتعديلها على يد خليفة الله في أرضه)( 9). ويقول أبو الأعلى المودودي(إن الله قد وعد جميع المؤمنين بالاستخلاف ولم يقل انه استخلف احد منهم, فالظاهر من هذا أن المؤمنين كلهم خلفاء الله, وهذه الخلافة التي أوتيها المؤمنون خلافة عمومية لا يستبد بها فرد أو طبقة أو أسرة)(10).
    أقسام الاستخلاف:
    1- الاستخلاف الخاص:هو استخلاف فرد معين، فهو مقصور على الأنبياء والرسل:﴿ يا داؤد إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق﴾، وبختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف . غير أن بعض العلماء قال باختصاص الحاكم بخلافة الله في الأرض، ذهب إلى هذا الزجاج ،وحكاه الماوردي عن بعض العلماء(11), (12). وقال به معاوية أبن أبي سفيان" الأرض لله وأنا خليفة الله في أرضه فما أخذته فلي وما تركته للناس فالفضل مني".كذلك قال به الشيعة في حق أئمتهم. غير أن هذا القول يفضي إلى مساواة الحاكم و الإمام و النبي في المرتبة، ويخالف رأي اغلب علماء أهل السنة في أن المستخلف هو الجماعة ( الاستخلاف العام)، إما الحاكم فهو نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه و محاسبته وعزله.
    2-الاستخلاف العام: وهو استخلاف الجماعة، ولا ينفرد به إي فرد أو فئة، و أدلته:﴿ وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالت جمهرة من المفسرين المراد بالخليفة ذرية آدم بدليل قوله على لسان الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾يقول أبن كثير( الظاهر أنه لم يرد آدم عليه ولو كان ذلك لما حسن قول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها) (13). و الذي نرجحه هو أن الآية تضمن الاستخلاف الخاص وهو لآدم (ع) باعتبار نبوته، كما تتضمن الاستخلاف العام وهو ذرية آدم﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾ في تفسير الأمام أبن جزئ ال######ي( .....إي يخلف بعضكم بعضاً أو خلائف عن الله والخطاب في هذا لجميع الناس)(14).قوله تعالى ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره﴾في تفسير النسفي( .... والمعنى انه جعلكم خلفاء في أرضه وقد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد و الطاعة )(15).
    وفي السنة قال(ص) " إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" ( مسلم: ذكر, 99, الترمذي فتن36).
    أقسام الاستخلاف العام: ا_ الاستخلاف التكويني :مضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان( من حيث هو إنسان) إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض، وذلك بتوافر امكانيه معرفه والتزام السنن إلا لهيه التي تضبط حركة الوجود، وفي القرآن العديد من الآيات تشير إلى هذا النوع من الاستخلاف:﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ب-الاستخلاف التكليفي:مضمونه تحقيق الإنسان للاستخلاف في الأرض ،وذلك بمعرفة والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود ، و القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي، والتي ينبغي أن تضبط حركة الإنسان ، و بالتالي فإن هذا النوع من أنواع الاستخلاف مقصور على الذين يلتزمون بالوحي ، فهو يحد النوع السابق ولا يلغيه فيكمله ، وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاستخلاف أيضا ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾.
    شروط الاستخلاف : تشير الايه﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ إلى الوعد الالهى بالاستخلاف، كما تشير إلى أن تحقيق هذا الوعد الالهى معلق بمعرفه والتزام شروطه الذاتية" والتي عبر القران عن جملتها بالإيمان، " والموضوعية" والتي عبر القران عن جملتها بالعمل الصالح" ، وقد تولى القران بيان الشروط المطلقة للاستخلاف, وترك للناس أمر الاجتهاد في شروطه المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما, على أن يكون هذا الاجتهاد محدود بالشروط المطلقة للاستخلاف . وبناءا على هذا فان هذه الدراسة هي اجتهاد لمعرفه شروط الاستخلاف في مكان معين( الامه العربية المسلمة) وزمان معين(القرن الحادي والعشرين للميلاد), وبالتالي سيكون حديثنا هنا عن الاستخلاف كمذهب في الفكر الاسلامي اى كمجموعه من الحلول للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا.
    وهنا يجب التمييز بين الأنواع المختلفة للمشاكل:فمن حيث مصدر معرفتها نميز بين نوعين من أنواعها: مشاكل التقدم أو النمو الحضاري: ومصدر معرفتها الناس أنفسهم ،ومشاكل التخلف الحضاري : ومصدر معرفتها القوانين أو السنن الالهيه التي تضبط حركه المجتمع الانسانى . ومن حيث الشمول نميز بين نوعين من أنواعها:المشاكل العامة أو المشتركة بين الناس في الامه المعينة، والمشاكل الخاصة بالناس في جزء معين من أجزاء هذه الامه. وحديثنا هنا ينصب على مشاكل التخلف الحضاري المشتركة أو العامة للامه حيث يطرح الواقع عددا من المشاكل هي: مشكله التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي (الاستضعاف- الاستكبار الاقتصادي). مشاكل الاستبداد والتبعية السياسية (الاستعمار بشكله الجديد والقديم) ( الاستضعاف -الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي). والتجزئة ) الاستكبار الاجتماعي ).مشكله الهوية أو الجمود والتغريب الحضاري ( الاستضعاف- الاستكبار الحضاري)وهنا نطرح الاستخلاف كمفهوم شامل اى كمفهوم حضاري ونقصد بمفهوم حضاري هنا الحضارة كنسق معرفي شامل يتضمن الدين والقيم و المعارف...كحل لهذه المشاكل، حيث نطرح العدالة الاجتماعية ( الاستخلاف الاقتصادي) والوحدة( الاستخلاف الاجتماعي) والحرية ( الاستخلاف السياسي الداخلي والخارجي) والاصاله والمعاصرة( الاستخلاف الحضاري)كحلول لهذه المشاكل على أن تكون هذه الحلول مقيده بالقواعد الأصول المطلقة عن قيود الزمان والمكان ،والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.
    البعد الفلسفي والمنهجي للاستخلاف:
    تقوم الاستخلاف كفلسفة اسلاميه على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف(الله تعالى) والمستخلف(الإنسان) والمستخلف عليه( الأرض)، باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى لها، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم ،متخذه من اجتهادات أهل السنة الكلامية نقطه بداية لا نقطه نهاية.
    و يقوم الاستخلاف كمنهج للمعرفة على أن صفات الربوبيه (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
    شكل تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ،وهى على نوعين:
    السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف:
    الحركة: "والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من ماء فأحيى به الأٌرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".
    التغير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
    التأثير المتبادل: وهى ما يمكن استخلاصها من مفهومي الغنى والفقر، فالله تعالى غني وكل ما سواه فقير، وهذا الفقر نوعان: فقر إلي الله تعالى، وفقر إلي غيره من المخلوقات، والنوع الأخير هو ما يعبر عنه علميا بالتأثير المتبادل.
    السنن الالهيه النوعية: وهى التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى .
    كسنه "الكدح إلى الله " ( اى الترقي الروحي المادي من خلال صراع المتناقضات في ذات الإنسان) المقصورة على الإنسان).
    شكل تكليفي : يتمثل في القواعد التي مصدرها الوحي والتي تحدد جانبه التكويني ولا تلغيه.
    يترتب على هذا أن هناك أيضا بعدان لهذا الترقي أو الكدح إلى الله:
    بعد تكويني: النقيضان فيه الواقع والغاية ومضمونه أن حركة الإنسان تتم عبر ثلاثة خطوات: المشكلة:اى التناقض بين الواقع وغاية في الذهن، وقد عبر القرآن عن هذه الخطوات بمصطلح المسألة:"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس"."يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"
    الحل:اى إلغاء التناقض بينهما في الذهن ، وقد عبر الفقهاء عن هذه الخطوة بمصطلح الحكم . كما عبر القرآن عن الحل الرافض للوقوف إلي أحد النقيضين ويؤلف بينهما بالوسطية والقوامة:"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً". "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواماً"..
    العمل:اى إلغاء التناقض بينهما في الواقع بتنفيذ الحل في الواقع، وقد أشار القرآن إلي هذه الخطوة." إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات... "
    بعد تكليفي: النقيضان فيه المطلق في مستواه الصفاتى لا مستواه الذاتي ، اى صفات الالوهيه (لا صفات الربوبيه) كمثل عليا مطلقه يسعى الإنسان لتحقيقها دون أن تتوافر له امكانبه التحقق النهائي لها) والمحدود(اى الواقع المحدود بالزمان والمكان) ، لذا قرر القرآن والسنة أن هذا الوجود الإنساني قائم على صراع المطلق والمحدود وهو ما عبر عنه القران والسنة بالجهاد في الله أو جهاد النفس: فيروون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال :"رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر". وأورد أبن تيمية الحديث " المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله"كما قرر علماء أهل السنة أن الوجود الإنساني هو سير لا ينقطع إلي الله ، يقول ابن القيم (فإن السالك لا يزال سائراً إلي الله تعالى حتى يموت ولا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي) .
    وهذا البعد يحدد البعد التكويني ولا يلغيه فيكمله ويغنيه فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته ، فيحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها وطرق العلم بها ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها وأسلوب العمل اللازم لعملها.









    الفصل الأول
    البعد الاجتماعي لمفهوم الاستخلاف
    تمهيد:نركز في هذا الفصل على مذهب الأخذ بالمعنى الظاهر للفظ الاستخلاف الذي أوضحناه في المدخل، ونوضح أن هذا المذهب يثمر لنا ما أسميناه ( الاستخلاف الاجتماعي)، ونتتبع أطوار هذا الاستخلاف الاجتماعي في القرآن والسنة من أسرة إلى عشيرة إلى قبيلة إلى شعب إلى أمة إلى طور العالمية.
    الاستخلاف الاجتماعي:هو أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين: إما أدلته ﴿ قَالُواْ أُوذِينَامِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون ﴾ ( الأعراف: 119)﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ( الأعراف:74)
    وفي تفسير الطبري ( خلف فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه بعده كما قال جل ثناؤه﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض لننظر كيف تعملون﴾ يعني بذلك انه أبدلكم في الأرض منهم خلفاء بعدهم من بعد ذلك).
    ،وفي تفسير أبن كثير ( إي قوماً يخلف بعضهم قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾، وقال ﴿ وجعلكم خلفاء الأرض﴾ فالاستخلاف الاجتماعي هو تحقق لسنة التغيير الكلية في المجتمعات كما يدل على هذه الآيات﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم من يشاء ﴾ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ( هود: 57).
    فالاستخلاف الاجتماعي بما هو تغيير قوم بقوم لا يتم للناس جملة، بل خلال وحدات اجتماعية متعددة ( قوم أو أمة بتعبير القرآن) وهي سنة التعدد التي أشار إليها القرآن﴿ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ﴾ ( الشورى: 8), ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ ( النحل: 97) , وهذا التعدد مضطرد خلال الزمان ﴿ولقد أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها الأمم ﴾ ( الرعد: 30) ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء﴾ ( الأنعام: 42) , كما أنه مضطرد في المكان﴿ وقطعناهم في الأرض أمما﴾ ( الأعراف: 168) ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ ( هود: 48).
    وكل السنن إلا لهيه قائمة على السببية، بمعنى تحقق المسبب بتحقق السبب، وتخلفه بتخلف السبب. وبينما حركة كل المخلوقات عبارة عن انتقال ميكانيكي من السبب إلى المسبب، نجد إن حركة الإنسان قائمة على أن الله أودع فيه حرية الإرادة التي تتيح له أن يلتزم السبب, فيتحقق السبب، أو أن لا يلتزم فيتخلف السبب, يقول ابن القيم ( هو سبحانه فرغ من الأشياء وقررها بأسبابها المفضية إليها فكما أن المسببات من قدره الذي فرغ منه فأسبابها أيضا من قدره الذي فرغ منه فتقديره المقادير وأسبابها لا ينافي القيام بتلك الأسباب التي يتوقف حصولها عليها)
    فالاستخلاف قائم على السببية، وقد حدد القرآن أسبابه أو شروطه ،وهي إما ذاتية يتضمنها إلايمان ، أو موضوعية يتضمنها العمل الصالح ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم﴾ ( النور: 55). فالجماعة التي تلتزم شروط الاستخلاف يتحقق لها الاستخلاف. إما الجماعة التي لا تلتزم شروطه فينزع منها وتتاح الفرصة لجماعة جديدة وهكذا, قال الله تعالى﴿ وجعلناهم خلائف في الأرض وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾ ( يونس:73) ﴿وقال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض﴾ هذا هو الاستخلاف التكويني لا الاستخلاف التكليفي.
    أطوار الاستخلاف الاجتماعي:إن الخلق يتم خلال درجات، فدرجة التكوين لا تتم في زمان و مكان ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ لأنه إنزال الشئ من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. إما درجة التقدير فهو إيجاده تعالى للشئ من عالم الشهادة فلا يكون جملة واحدة بل خلال أطوار ومراحل يكون كل واحد شرط لوجود التالي ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَاخَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ( الحجر: 21) ومنه جاء قوله تعالى في خلق الإنسان ( وخلقناكم أطواراً ) ومن هنا نجد أن الاستخلاف الاجتماعي لا يتم جملة واحدة ، بل خلال أطوار هي ذات الوحدات الاجتماعية التي يتم خلالها الاستخلاف الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان وهي الاسره، فالعشيرة،فالقبيلة، فالشعب، فالامه فالإنسانية.
    وسنبين أدلتها بعد قليل,غير أن الارتقاء من طور إلى طور ليس انتقالا تلقائيا(كما في الأنواع الأخرى)، بل يتوقف على الناس ،فهناك إمكانية أن يظل قوم في طور معين لا يتجاوزه إلى غيره ،أو أن ينتقلوا إلى طور أعلى، لذا نجد في زمان معين قوم من طور، وآخرين من طور أعلى أو أدنى. وإن كل طور لا ينعدم بالترقي إلى طور آخر ،وإنما يندرج من الطور الأعلى، فيصبح الأخير متضمن له تضمن الكل لجزئه.
    وقد انتبه ابن القيم لهذه السنة الإلهية وطبقها في المقامات ( فأن المقام الأول لا ينعدم بالترقي إلى آخر ولو عدم لخلفه ضده, وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة, وإنما يندرج حكمه في المقام الذي هو أعلى منه فيصبح الحكم له...أن أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدم متضمن له تضمن الكل لجزئه ومستلزم له استلزام الملزوم لازمه, لا ينفك عنه أبداً ،ولكن لاندراجه فيه، وانطواء حكمه تحته، يصير المشهد والحكم للعالي).
    فالأسر لا تنعدم بالترقي إلى طور العشيرة، فهو متضمن للأسر تضمن الكل لجزئه، كما أن الأسر لازمه لوجود العشيرة وهكذا....
    الرسل وأطوار الاستخلاف الاجتماعي:إن الرسل عليهم السلام لم تنكر هذه الأطوار أو الوحدات الاجتماعية أو الانتماء إليها ، إذ أن هذا هو محاولة الخروج عن سنن الله في المجتمعات, قال ( ص) ( ... فما بعث الله نبيا إلا في ذروة قومه وإلا في منعة قومه)( رواه أحمد) وهذا هو موقف الرسول ( ص):
    و رد قوله (ص) عن مكة:( إنك أحب أرض الله إلى ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت).
    وقال (ص) ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد) ( رواه البخاري ومالك في الموطأ والإمام أحمد)سأل واثلة قال: وفى الحديث ( يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه قال ( لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) ( رواه أبن ماجه والإمام أحمد)
    وقال فيما رواه سراقة بن مالك ( خطبنا رسول الله (ص) خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم) ( رواه أبن داؤد)غير أن الرسل بالتزامهم شروط الاستخلاف الذاتية والموضوعية أنكروا موقفين:
    الطاغوتية: وهي هنا اتخاذ الطور المعين غاية مطلقة إذ أن ذلك طاغوتيه مناقضه لكون الله هو الغاية المطلقة﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾.
    الاستكبار: وهو هنا فرض عبودية قوم على قوم، إذ أن ذلك مناقض لكون العبودية لله وحده.وبهذا فأن كل الرسل تضمنت دعوتهم الدعوة للارتقاء إلى أطوار استخلاف اجتماعي أعلى من الأطوار التي كان فيها قومهم, إما معارضيهم من المستكبرين فدعوا إلى لإبقاء الواقع على ما هو عليه بما في ذلك طور الاستخلاف الاجتماعي المعين.
    أ-إلاسرة:يقرر القرآن أن الأسرة هي أول أطوار الاستخلاف الاجتماعي:
    ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾، كما أنها وحدة التكوين الاجتماعي الأساسية لكل الأطوار التالية﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.
    ب- العشيرة:ويستمر انتشار البشر ﴿ ومن آياته أن خلقكم من ترأب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ ، فتصبح الأسرة كطور قيداً على الاستخلاف فيرتقي الناس إلى طور العشيرة، ولكن لا تنعدم به الأسرة بل تتضمنها تضمن الكل لجزئه ،وفي هذه الأطوار أرسل الله تعالى نوح ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين ﴾ و إبراهيم ولوط ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ ( هود: 80) وعن أبو هريرة عن النبي ( ص) أنه قال ( قال: قد يأوي إلى ركن شديد – الملائكة التي نصرته- لكنه عنى عشيرته) ( رواه أحمد).
    وفي تفسير القرطبي ( لو أن لي بكم قوة, إي أنصاراً وأعوانا) .... ومراد لوط بالركن العشيرة و المنعة والكثرة.كما عرض القرآن للعشيرة كوحدة اجتماعية لا كطور في عهد الرسول (ص) ﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ ترْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ( التوبة:24) ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أبائهم أو أبنائهم أو أخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ﴾ ( البراءة:24).
    ج- القبيلة:ثم يستمر انتشار البشر فتصبح العشيرة كطور قيد على الاستخلاف الاجتماعي ، فيرتقي الناس إلى طور القبيلة ،ولكن لا تنعدم به العشائر بل تتضمنها القبيلة تضمن الكل لجزئه( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) وقال (ص) (إن الله خلق الخلق ثم جعلهم قبائل فجعلني خيرهم قبيلة) ( رواه الترمذي). وفي هذا الطور بعث الله موسى
    ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ﴾ ( إلا سراء:2) ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون إني رسول الله إليكم﴾ ( الصف:5).
    وتتميز القبيلة بالأصل الواحد ،فكان مقياس الانتماء إليها هو النسب ولا تتميز عن غيرها بالأرض المعينة إي الديار، لحركتها من مكان إلى مكان كما جاء في القرآن في وصفه لبني إسرائيل ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ *ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخراجهم أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ ببَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }( البقرة: 84-85).
    غير أنه نلاحظ أن موسى عليه السلام كان بداية التبشير بعالمية الدعوة ، إذ أمره الله أن يتجاوز برسالته محيط قبيلته بني إسرائيل وأن يذهب إلى فرعون مصر﴿ اذهب إلى فرعون أنه طغى﴾ ،كما أنه دعا قومه إلى الاستقرار في الأرض إي تجاوز الطور القبلي المتميز بالهجرة الدائمة ﴿ قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ .إما عيسى علية السلام فقد كان رسولا إلى بني إسرائيل ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم﴾ (الصف:6) ،غير أن رسالته تضمن البشرى بالانتقال إلى عالمية الدعوة ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد﴾(الصف :6)، فلما كذبوه صارت علاقة الانتماء الديني في الله ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بانا مسلمون﴾.
    د- الشعب:ثم كان طور الشعب وفيه أرسل الله صالح عليه السلام ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ
    ُ مفْسِدِينَ﴾ ( الأعراف:74).وعندما جاء الإسلام كانت المجتمعات إما في طور الشعب أو طور القبيلة " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " ،اما أدلة أن الشعوب طور متقدم على القبيلة أنه متميز بالاستقرار على الأرض وان لم يكن دائماً- كما في الآية السابقة في وصف ثمود.
    قال التهانوي ( الشعب الجماعة الكبيرة كعدنان ودونه القبيلة).
    وفي تفسير الجلالين (أن معنى ذكر وأنثى آدم وحواء وأن الشعب مثل حزيمة ويليه القبيلة مثل كنانة ثم عمارة مثل قريش ثم بطن مثل قصي ثم فخذ مثل هاشم ثم فصيلة مثل العباس...).
    هـ الأمة:بعد أن كانت الأديان السابقة تتميز بأن الدعوة فيها مقصورة على جماعة معينة ،ولكل أمة رسول، جاء الإسلام كدعوة عالمية ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ ،وأن عالمية الدعوة كانت بشرى بالعالمية كطور من أطوار الاستخلاف الاجتماعي
    ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم كما استخلف الذين من قبلكم ﴾. وعندما جاء إلا سلام كانت بين طوري القبيلة والشعب ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾، غير أن هذه الأطوار لم تكن تصلح أن تكون وحدات طور العالمية، إذ أن كل طور استخلاف اجتماعي لا ينشأ من العدم بل يكون بمثابة كل يتخذ الطور السابق له أجزاء له.
    * أن علاقة الانتماء في القبيلة النسب، ورغم أن الأنساب تاهت في طور الشعب، فان آثارها باقية فيه.
    * أن طور القبيلة لم يتميز بالاستقرار في الأرض، ورغم أن طور الشعب يتميز بالاستقرار إلا أنه استقرار غير دائم.
    فكان السائد على البشرية خصائص الطور القبلي من عصبيه وإخراج الناس من ديارهم ،فكان لأبد من ظهور طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي فكان ظهور الأمة الذي يتميز بالاتي:
    مناط الانتماء اللّسان لا النسب:إذا كان مناط الانتماء إلى قبيلة النسب، فكان الإسلام دعوة لتجاوز الطور القبلي لدعوته إلى التخلي عن العصبية:
    * قال (ص)( دعوها فإنها منتنة) ( رواه البخاري والترمذي)
    * قال (ص)( ليس منا من دعي بدعوة الجاهلية) ( رواه البخاري ومسلم و الترمذي) وبين أن مناط الانتماء لطور الاستخلاف الاجتماعي- الأمة- هو اللسان قال ( ص) (إلا أن العربية اللسان.. إلا أن العربية اللسان) وقال(ص)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي). لذا قرر (ص) أن من تحدث العربية فهو عربي وأن كان غير عربي النسب والأصل ( مولى القوم منهم.. ) ( رواه البخاري) ( الولاء لحمة كلحمة النسب...) (رواه أبو داؤد والدرامي) وهذا الأمر لا ينطبق على أمة العرب وحدها بل سائر الأمم لذا جعل القرآن تعدد الألسنة آية من آيات الله ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم و ألوانكم ﴾.
    الديــار:كما أن الأمة تتميز عن الأطوار السابقة باستقرار الجماعات في الأرض فتكون ديارها. لذا جاء الإسلام بالنهي عن إخراج الناس من ديارهم﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8) ﴿ أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ ( الممتحنة:9).
    و- العالمية:إن عالمية الدعوة في الإسلام كانت تعني أن غاية الإسلام الارتقاء بالبشرية إلى طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي ﴿وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم﴾، لما كان كل طور الاستخلاف الاجتماعي لا يتكون من العدم، بل يتخذ الطور السابق له وحدات لتكوينه، فيتضمنها تضمن الكل لجزئه، فأن الأمم هي وحدات تكوين طور العالمية و روافده.. وقد كان العرب في طور القبيلة والشعب فنقلهم إلى طور أمه وكان الفرس في طور الشعب فارتقى بهم إلى طور الامه، كما سينقل القبائل التركية لاحقاً إلى أمه ... وكانت الخلافة بما هي دولة واحدة مشتركة بين الأمم والشعوب المسلمة تقوم بدعوة كل الناس إلى الإسلام هي شكل الدولة الذي يتيح تكوين نواة طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي، ثم جاء الاستكبار الاستعماري فعمل على تمزيق وحدة الأمم المسلمة المتمثلة في الخلافة ،كما عمل على تجزئة الأمة العربية المسلمة كضمان لعدم توحدها مع غيرها من الأمم المسلمة، وبالتالي الحيلولة دون قيام نواة طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي لأنه متناقض للاستكبار العالمي الاستعماري.
    الشعوبية:لما كانت سنة الله في المجتمعات أن تكون في ترقي مستمر من طور إلى آخر ، فان محاولة العودة إلى طور سابق هو محاولة فاشلة للخروج عن سنة الله. فإذا كانت الجماعة المعنية في طور الشعب، فان محاولة العودة إلى قبائل فاشلة ،والشعوبية هي محاولة الارتداد بالجماعة التي دخلت طور أمة إلى طور الشعوب السابق، فالشعوبية موجودة في كل أمم الأرض، غير أنها في الأمم المسلمة ذات طابع خاص، إذ أن إلا سلام هو الذي ارتقى بها إلى طور الأمم، الشعوبية إذا في الأمم المسلمة لأبد أن تكون مناهضة للإسلام. وقد كان الفرس في طور الشعب، بينما كان العرب في قلب الجزيرة في طور القبائل فارتقى الإسلام بالعرب إلى طور أمة، ثم حمل العرب الإسلام إلى الفرس ليرتقي بهم إلى أمة مسلمة، غير أن هناك من رفض هذا الارتقاء، كما كان يستعلى على العرب حملة الإسلام فكانت الشعوبية الفارسية مناهضة للإسلام والعرب معا.
    قال أبن قتيبه "وبلغني أن رجلا من العجم .. احتج بقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، وقال الشعوب من العجم والقبائل من العرب والمقدم أفضل من المؤخر وكنت أرى أهل التسوية يحتجون بهذه الآية(16وقال "إن الشعوبية يفرط الحسد ... تدفع العرب عن كل فضيلة وتلحق بهم كل رذيلة وتغلوا في القول في الذم وتبهت بالكذب وتكابر العيان وتكاد تكفر، ثم يمنعها خوف السيف(17) وقال البغدادي "الشعوبية الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عودة الملك إلى العجم وقال أبن منظور "الشعوبية فرقة لا تفضل العرب على العجم وإنما تنتقض العرب ولا ترى لهم فضلا على غيرهم".
    وقد طعن الشعوبية في العرب، فعابوا حضور بديهتهم وفصاحة خطبهم وبلاغتهم... ######روا من ألهتهم وأساليبهم في العيش وخططهم في القتال ######فوا عيشهم ومطاعمهم ومآكلهم"، "ووصفوهم بالتأخر في العلم والصناعة والإدارة والسياسة"، كما ألفوا كتبا فيونس أبي فروه كتب كتابا في مثالب العرب وعيوب الإسلام وعلان الشعوبي صنف كتاب الميدان في المثالب هتك فيه العرب واظهر مثالبها، و أبو عبيده ألف كتاب أدعياء العرب، وكتأب لصوص العرب غير أن الشعوبية لم تكن مقصورة على بعض الفرس بل كان منها بعض من ينتمون إلى الشعوب العريقة التي ارتقى بها إلا سلام إلى طور أمة عربية كالنبط والقبط، والزنج من أهل إفريقيا(18)،غير أن الشعوبية خفت وأخذت في التلاشي، فلما جاء الاستكبار الاستعماري وعمل على تجزئة الأمة العربية كضمان لعدم توحدها مع غيرها من الأمم المسلمة كان ظهور الشعوبية قائمة على دعوى إلغاء ثلاثة عشر قرنا من التاريخ ،أوجد فيه الإسلام للعرب أمة ، ليعودوا إلى الشعوب العريقة كالفراعنة في مصر والأكراد في العراق والفينيقيين في الشام والنوبة في السودان ... الخ، ويعتبرون أن العرب ما يزالوا منذ ثلاثة عشر قرنا من التاريخ أو أكثر مغتصبا لما كان أجدادهم يملكون، فصارت الشعوبية الأساس الفكري لتجزئة الأمة العربية المسلمة.
    القومية:أوضحنا أن التعدد هو سنة إلهية ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ (النحل: 97) مضمونها انتماء الناس لوحدات اجتماعية متعددة (في المكان) هي أطوار الاستخلاف الاجتماعي ( بتتابعها خلال الزمان) مثل الأسرة، القبيلة، العشيرة، القبيلة، الشعب، الأمة ... فالقومية هي علاقة انتماء إلى احد أطوار الاستخلاف الاجتماعي (الامه)، كما أن القبلية هي علاقة انتماء إلى قبيلة والعشائر هي علاقة انتماء إلى عشيرة ... ويمكن تحديد موقف الإسلام منها (فيما نرى) وبناءا على ما أوضحنا سابقا في نقطتين:
    أولا: أن الإسلام لا ينكر القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه معينة، إذ ذلك إنكار لسنة الله في التعدد ( فهو بالتالي شكل من الاستكبار)، سأل واثله الرسول (ص) قال: يا رسول الله امن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم". (رواه بن ماجه واحمد).
    هذا الموقف نجده عند المفكرين إلاسلاميين المحدثين، فأبو الأعلى المودودي يقول "إما القومية فمن أريد بها الجنسية فهي أمر فطري لا نعارضه، وكذلك أن أريد به انتصار الفرد لشعبه فنحن لا نعارضها، كذلك إذا كان هذا الحب لا يعني معنى العصبية القومية العمياء التي تجعل الفرد يحتقر الشعوب الأخرى وينحاز إلى شعبه في الحق والباطل على السوء وأن أريد بها مبدأ الاستقلال القومي فهو هدف سليم كذلك من حق كل شعب أن يقوم بلاده ويتولى تدبير شئون بلاده(19) ...اما عن القومية العربية بمعنى الانتماء إلى الأمة العربية فيقول الإمام البنا "من أول يوم ارتفع صوت الإخوان هاتفا بتحية الجامعة الإسلامية أن الإخوة الإسلامية إلى جانب الرابطة القومية والحقوق الوطنية وكان الأخوان يرون أن الدنيا إلى التكتل والتجمع ون عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال وأوشك وكان الأخوان يشعرون بأنه ليس في الدنيا جامعة اقوي ولا اقرب من جامعة تجمع العرب بالعربي فاللغة واحدة والأرض واحدة والآمال واحدة والتاريخ واحد"(20) ويقول "أن تمسكنا بالقومية العربية يجعلنا أمة تمتد حدودها من المحيط للخليج بل لأبعد من ذلك ... أن من يحاول سلخ قطر عربي من الجسم العام للأمة العربية فإنه يعين الخصوم الغاصبين على خفض شوكة وطنية وإضعاف قوة بلاده ويصوب معهم رصاصة إلى مقتل هذه الأوطان المتحدة في قوميته ولغتها ودينه وآدابها ومشعرها ومطامحها ويقول حسن عشماوي تأكيدا لذلك "إن القومية رابطة أوجدتها وحدة المشعر والمشاكل والأمل والمصالح بين أهل هذه المنطقة الذين يتكلمون لغة واحدة ويؤمنون إيمانا واحدا والقومية العربية بهذا المعنى لا تعني تعصبا لجنس بل هي إقرار أهل المنطقة"(21) وعلى هذا يخطئ من يظن أن موقف الإسلام يشبه موقف الماركسية الذي ينكر سنة الله في تعدد الناس إلى أمم.
    ثانياً: الإسلام ينكر التصورالليبرالى العلماني الغربي للقومية الذي يستند إلى المنهج الليبرالي القائم على فكرة "القانون الطبيعي" الخالد المستقر في ضمير الناس ،وبالتالي فالأمة طبقاً له هي المجتمع الطبيعي، ويترتب على ذلك أنها خالدة خلود لطبيعة ذاتها"(22) لان هذا التصور يترتب عليه:
    أولا: اتخاذ القومية أو الأمة المعينة غاية مطلقة، إي طاغوتا يعبد من دون الله ،وهو منهي عنه. "و لقد بعثنا في كل أمة أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" ويأخذ أشكال عدة منه:
    * تحويل القومية من انتماء لأمة معينة إلى عقيدة كالنازية (القومية الألمانية) والفاشية (القومية الايطالية) .. الخ ، بينما عبادة الله تعني اتخاذ إلا سلام عقيدة تكون بمثابة الفلسفة لأي مذهب(نظرية) لتغيير إي وقع.
    * كما يأخذ في التصور العلماني للقومية العربية شكل اتخاذ الأمة العربية غاية في ذاتها ،واعتبار الوحدة العربية غاية في ذاتها، بينما أوجد الإسلام الأمة العربية لا كغاية في ذاتها ،بل لتكون إحدى روافد طور الاستخلاف العالمي مع غيرها من الأمم المسلمة لتحقيق للوحدة الإسلامية كما أوضحنا سابقا ،يقول الإمام البنا" بدأنا بالجامعة العربية وهي وأن لم تستقر بعد الاستقرار الكامل إلا أنها خطوه مباركة على كل حال، فعلينا أن ندعمها ونقويها وعلينا بعد ذلك أن نوسع الدائرة حتى تتحقق رابطة شعوب الإسلام عربية وغير عربية فتكون نواة لهيئة أمم إسلامية"(23).
    ثانياً: تحويل الأمة من وجود محدود زمانا ومكانا إلى وجود مطلق من قيود الزمان والمكان فتصبح به الأمة وجود خالد وهو الاستكبار القومي ( إذ أن الاستكبار هو إسناد صفة الإطلاق إلى غير الله تعالى) ويأخذ إشكالا عدة منها:
    * فرض عبودية الأمم الضعيفة للأمم القوية كما حدث في أوربا عندما اكتمل تكوين أممها، بينما التصور الإسلامي قائم على العبودية لله وحده والمساواة بين الأمم" ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
    * جعل مناط انتماء إلى الأمة الجنس (العصبية) بدلا" من الهوية اللسانية والحضارية وهي من مخلفات الطور القبلي وقد تقدم نقد الإسلام للعصبية.
    الوحدة الاسلاميه:
    دعا الإسلام المسلمين إلى الوحدة:﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾
    وقال(ص)" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"
    التمييز بين الوحدة التكليفيه والوحدة التكوينية:
    غير انه يجب التمييز بين الوحدة التكليفيه( الدينية) والوحدة التكوينية( السياسية)، ومصدر هذا التمييز هو التمييز بين أمه التكليف التي تقوم عليها الأولى ،وأمه التكوين التي تقوم عليها الثانية. فقد وردت كلمه أمه في القران في أربعه وستين ايه بمعنى مطلق الجماعة إذا تميزت عن غيرها أيا كان المضمون .وعلى هذا دلت على جماعه الناس أو الجن أو الطير أو الحيوان﴿ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس﴾( الأعراف:38) ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم﴾( الأنعام:38)،ثم قرر القران تعدد الأمم: فهي تتعدد في الزمان"وكذلك أرسلناك في أمه قد خلت من قبلها الأمم﴾( الرعد30)، كما تتعدد في المكان"﴿وقطعناهم في الأرض أمما﴾ (الاعراف168( عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1986، ص25)
    ثم يمكن التمييز بين نوعين من أنواع الأمم طبقا لمضمون تمييزها عن غيرها:
    1- أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92)
    2- أمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي( طور الاستخلاف الاجتماعي) ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾(الأعراف:160)، وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة .
    فالوحدة التكليفيه تتحقق بالاتفاق على أصول الدين اليقينية الورود القطعية الدلالة ، مع اباحه الاختلاف في فروعه الظنية الورود والدلالة ﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (الشورى:13)
    أما الوحدة التكوينية فتتحقق بالوحدة السياسية لامه معينه اكتمل تكوينها.
    وهنا نجد من يخلط بين الوحدة التكوينية والوحدة التكليفيه فيفهم الوحدة الاسلاميه على أنها دوله واحده يكون الانتماء إليها مقصورا على المسلمين، وتكون لها وحدها الولاية السياسية على كل المسلمين في الأرض، ولا حتى دوله المدينة، التي ضمت اليهود والمسلمين ، فقد وجد دوما مسلمين خارج الولاية السياسية لكل الدول الاسلاميه.
    الوحدة الاسلاميه التكوينية:سبق بيان أن الإسلام وجد هذه المنطقة منقسمة إلى شعوب وقبائل خاضعة للروم والفرس، فحررها من العبودية للروم والفرس، ووحدها كأمه التحمت مع غيرها من الشعوب والأمم المسلمة. وكانت دوله الخلافة تجسيد لشكل الدولة الذي يوفر امكانيه تكوين نواه طور الاستخلاف العالمي، اى دوله واحده مشتركه بين الأمم والشعوب المسلمة. فلما جاء الاستعمار القديم عمل على تقسيم دوله الخلافة ليخضع الأمم والشعوب المكونة لها لضمان سيطرته عليها. كما قام بتجزئه الامه العربية المسلمة لان في ذلك ضمان لعدم وحدتها مع الأمم والشعوب المسلمة الأخرى. ثم جاء الاستعمار الجديد الذي عمل على تفتيت هذه الامه إلى كيانات شعوبية وقبليه وطائفية.
    أن الوحدة الاسلامبه التكوينية وكيفيه تحقيقها غير منفصلة عن أطوار الاستخلاف الاجتماعي التي بلغتها البشرية. فالوحدة الاسلاميه وشكل الدولة التي تجسدها في مرحله الأمم في طور التكوين أخذت الشكل التالى1-الأرض غير ثابتة الحدود تتبع جيوشها فتقف حيث تقف وتمتد حيث تمتد2- وهى تضم مئات من القبائل والشعوب والامم3- وكانت السلطة فيها مركزيه (الخليفة) الذي له حق تعيين الولاة في الأقاليم.
    أما في واقعنا القائم على اكتمال تكوين الأمم وشكل الدولة القائم على 1- الدولة ذات الحدود الثابته2-الشعب الواحد3-السلطة البسيطة أو الاتحادية وانتهى حق الفتح وحل محله حق الأمم في تقرير مصيرها فان الوحدة وشكل الدولة التي تجسدها لابد أن يتسق مع هذه الخصائص.
    الممكن الاجتماعي وكيفيه تحقيق الوحدة: أن ما سبق من حديث ينصب على ما ينبغي أن يكون ، أما ما هو كائن فهو التقسيم والتجزئة والتفتيت، و الانتقال مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون لا يتم إلا من خلال الممكن ، والممكن الاجتماعي هو اتخاذ خطوات تقود إلى الوحدة الاسلاميه التكوينية بما هي نواه طور الاستخلاف العالمي عبر مراحل اتساقا مع أطوار الاستخلاف الاجتماعي التي بلغتها البشرية كالاتى:
    - أن الوحدة الاسلاميه التكليفيه( الدينية، العقائدية، الفكرية )هي شرط للوحدة الاسلاميه التكوينية( السياسية) وذلك بالتقاء المسلمين على أصول الدين مع اباحه اختلافهم في فروعه.
    - لما كانت الوحدة الاسلاميه هي وحده بين أمم مسلمه فان الخطوة الأولى لها هي توحيد كل أمه منها في شكل دوله بسيطة أو إتحاديه( فيدرالية) بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي(عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل المشترك،كإنشاء السوق المشتركة،اتفاق الدفاع المشترك، البرلمان المشترك ، إلغاء أو تخفيف القيود على حركه العمالة والتجارة، ...) فوحده كل أمه مسلمه هي خطوه تجاه الوحدة الاسلاميه فالامه العربية المسلمة مثلا عمل الاستعمار على تجزئتها وحماية هذه التجزئة كضمان لعدم اتحادها مع غيرها من الأمم المسلمة يقول الغنوشى( والجهل بهذه السنة( التدرج) يجعل الأهداف الكبيرة مجرد سراب طالما لم تبدأ بوحدة الأوطان في داخلها وتوحيد الأوطان المجاورة توصلا إلى وحده العرب ثم من يليهم من المسلمين) (حول العروبة والإسلام،معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، الخرطوم ،25،ص1990)
    وبنفس المستوى فان تحقيق الوحدة الوطنية في كل جزء من أجزاء الامه هو شرط لتحقيق الوحدة القومية للامه ككل .
    - إنشاء هيئات مشتركه بين الأمم المسلمة تنوب عنها في ممارسه بعض السلطات الداخلية والخارجية وهذا الشكل يسمح أن يصل الاتفاق إلى حد أن يكون للهيئات حق التمثيل الدبلوماسي و إعلان الحرب وإبرام الصلح ، وهو ما عبر عنه في الفكر السياسي الحديث بالدولة التعاهديه( كونفدراليه)
    - والأشكال والمراحل السابقة تتيح لهذه الأمم الانتقال إلى طور العالمية وبالتالي الانتقال إلى دوله إتحاديه ثم بسيطة بمقدار ما يتيحه من تفاعل حر بين هذه الأمم خلال وحده الدين( الإسلام) والنظام القانوني( الشريعة الاسلاميه) واللغة( اللغه العربية كلغة مشتركه مع احتفاظ كل أمه بلغتها الخاصة) يقول ابن تيميه( لا سبيل لضبط الدين وفهمه إلا باللسان العربي)(اقتضاء الصراط المستقيم، ط2، 1369،ص162)
    أما المسلمون الذين ينتمون إلى أمم تكوين غير مسلمه، فهم جزء من أمه التكليف، وللدولة التي تجسد الوحدة الاسلاميه التكوينية حق النصرة في العقيدة دون الولاية السياسية﴿والذين امنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعيكم النصر الأعلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾.













    الفصل الثاني
    البعد الاقتصادي لمفهوم الاستخلاف
    الملكية في الإسلام:
    إسناد ملكية المال لله تعالى وحده:أول ما يقابلنا في هذا التصور هو التمييز بين ملكية المال و الانتفاع به. ففيما يتعلق بالملكية نجد أن القرآن يقرر أن الملكية صفة من صفات ربوبية الله تعالى﴿ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (المائدة: 17). ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33).
    وعن علي أبن أبي طالب "فانتم عباد الله والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على احد". وعلى هذا فان الفلسفة الاقتصادية الإسلامية قائمة على إسناد ملكية كل شئ لله تعالى وحده. وإسناد الملكية إلى غيره سواء كان فرد أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية يقول تعالى﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ (إلا سراء: 111) وهو شكل من أشكال الاستكبار إذ الاستكبار صفة من صفات ربوبيته تعالى إلى غيره. وقد عرض القرآن النماذج له:.ففرعون اسند ملكية مصادر الثروة في مصر إلى نفسه ﴿اوليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ وقارون بدلا من إسناد ملكية المال "الذي أتاه الله إلى مالكه الأصلي (الله تعالى) أسنده إلى نفسه وعلمه فكان جزاءه الخسف﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
    ... * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ } (القصص: 76-81).
    التمييز بين الملكية الخاصة والملكية الفردية:هنا يرد سؤال اعتراضي وهو: ما هو إذا موقف الإسلام من الملكية الخاصة؟ وضح لنا فيما سبق أن اسند الملكية لفرد أو فئة أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية فالملكية الخاصة للمال لا تمثل التصور الإسلامي، غير أن الملكية المقصودة هنا هي ما تسمى (بملكية الرقبة) الملكية التي تخول للفرد التصرف المطلق في الملك دون التقيد بالقواعد التي وضعها الله تعالى مالك المال ودون اعتبار مصلحة الجماعة المستخلفة أصلا عن مالك المال في الانتفاع به. أما الملكية الفردية بمعنى انتفاع الفرد بالمال مقيدا في التصرف فيه على الوجه الذي حدده الشارع وعلى وجه لا يتناقض مع مصلحة الجماعة فقد اقرها إلا سلام على الوجه الذي سنوضحه بعد قليل.
    فالقول أن إلا سلام قائم على الملكية الخاصة غير صحيح، أدلة ذلك:
    * وضع الإسلام حد السرقة وجعل عقوبتها قطع اليد ، واتخذ البعض هذا دليل على إقرار الملكية الخاصة ،وهو غير صحيح، إذ أن الحدود هي "محظورات شرعية زجر الله عنها بعقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى(24)،وما كان حق الله يعنيان وضعه كان لحماية مصلحة الجماعة لا مصلحة الفرد يقول الكاساني (والمقصود بحق لله كل فعل أو امتناع ترجع علة إيجابه أو النهي عنه إلى الجماعة".
    وهذا دليل على أن حد السرقة إنما وضعه الشارع تعالى لحماية مصلحة الجماعة التي لها حق الانتفاع أصلا، وأن كان الانتفاع بيد الفرد، إذ لو كان المراد إقرار الملكية الخاصة لكانت عقوبة السرقة قصاص لا حد، إذ المقصود بالقصاص" ما وجب إتيانه أو الامتناع عنه لحق الفرد"(25).
    إي أن القصاص وضع لحماية حق الفرد ولذا يجوز العفو في القصاص ولا يجوز في الحد.
    * إن كلمة ملكية في القرآن تسند إلى الله تعالى إذ الملكية من صفات الربوبية على الوجه الذي أوضحنا. وأسندها القرآن مرة إلى سواه وهو الجماعة لا الفرد في معرض الحديث عن الأنعام... فهم لها مالكون" بمعنى منتفعون.
    * إن القرآن أضاف كلمة المال إلى ضمير الفرد سبع مرات فقط (26)غلب عليها صفة الذم منها:
    ﴿ويل لكل همزة لمزه * الذي جمع مالا وعدده * أيحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة﴾ (الهمزة: 1-4).
    ﴿تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب﴾ (المسد: 1-3).
    ﴿ وإما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم ادر ما حسابية * يا ليتها كانت القاضية * ما اغني عني مالية * هلك عني سلطانية﴾ (الحاقة : 25-29).
    وفي السنة قوله (ص) "يقول ابن آدم مالي هل لك من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت" (رواه مسلم وأبن حنبل والترمذي).
    بينما أضيفت كلمة المال إلى ضمير الجمع في القرآن 47 مره منها: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا.. ﴾ (التوبة : 103). ﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ ( النساء 2) .
    ملكية الأرض: وامتدادا للتصور الإسلامي للملكية نجد أن الإسلام يقرر أن ملكية الأرض له تعالى وحده﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾(الشورى 49). و أن الله تعالى استخلف الناس في لانتفاع بها ،فملكية الأرض في التصور الإسلامي إذا مقصورة على ملكية الانتفاع دون ملكية الرقبة (خلافا للرأسمالية).
    ويترتب على هذا:أولا: إن ملكية الأرض يكون بمقدار العمل على الانتفاع ،بها فقد صح عن الرسول (ص) انه قال "من أحيا أرضا ميتة فهي له وما أكلت العافية منها فهي له صدقة" (روه احمد والنسائي وأبن حبان).و في رواية من عمر أرض ليست لأحد فهو أحق بها" (رواه البخاري واحمد)
    ثانياً: إذا لم يعمل الفرد على الانتفاع بالأرض نزعت منه ملكيتها، وأدلة ذلك قل (ص) "من أحيا أرض ميتة فهي له وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين" وقال (ص) "من عطل أرضا ثلاثة سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له".وكان الرسول (ص) قد أعطى بلال بن الحارث أرض العقيق فلما كان زمان عمر قال لبلال( إن رسول الله لم يقطعك لتحتجزه عن الناس إنما أقطعك لتعمل فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي)
    استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال:إذا كانت ملكية المال لله وحده كما بينا فإنه تعالى منزه عن الانتفاع به، ومن هنا كانت حكمة استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال على الوجه الذي يحدده ملك المال تعالى يقول تعالى: ﴿وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7).
    في تفسير النسفي "يعني إن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها وإنما مولكم إياها للاستمتاع به وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما انتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى وليكن عليكم إلا نفاق منها كما يهون على الرجل إلا نفاق من مال غيره إذا أذن له فيه –أو جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم"
    إما كيفية ذلك:
    أولا: إذا كان المالك الأصلي سبحانه قد استخلف الجماعة في الانتفاع بالمال، فان للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد وأدلة ذلك قال (ص) الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلاء والنار (روه احمد وأبو داود) وفي حديث أخر الملح وفي رواية "المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلاء والنار ومنعه حرام" (روه أبن ماجة وأبن حنبل).
    إن الشرع جاء بالحمى وهو (الأرض المحمية من الانتفاع الفردي لتكون لانتفاع المسلمين جميعا)
    ومن المتفق عليه أن الرسول (ص) حمى أرض بالمدينة يقال لها النقيع لترعى فيها خيل المسلمين (رواه احمد)(27)
    وحمى عمر أيضا أرضا بالربدة وجعلها مرعى لجميع المسلمين"(28) وقال لهني عاملة عليها "يا هني اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وادخل بالضريمة الغنيمة، ودعني من نعم ابن عفان ونعم أبن عوف ،فإنهما إذا هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وان هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاءني يصرخ "يا أمير المؤمنين افتاركهم أنا لا أبا لك" (رواه البخاري).
    وثانياً: أن انتفاع الجماعة بمصادر الثروة الرئيسية يكون بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها.
    وقال تعالى ﴿يأيها الذين امنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾
    دلت الآية على وجوب طاعة أولي الأمر ونستخلص من هذا الأمر إن يكون لأولياء الأمر (إي الدولة) إدارة الإنتاج بما يحقق مصلحة الجماعة.
    قال (ص) "من ترك مالا فلورثته ومن ترك دين أو ضياعا فليأتني فانا مولاه اقروا إن شئتم قوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم).
    * وتطبيقا لذلك ما ورد عن الحسن البصري "أربعة من إلا سلام إلى السلطان: الحكم و الفئ والجمعة والجهاد".
    * وعن عمر بن الخطاب "لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة".
    * و أورد الماوردي "والذي يلزم سلطان الأمة من أمور سبعة أشياء: حفظ دين الأمة من عدو للدين أو باعث نفس أو مال، عمارة البلدان باعتماد مصالحها غير تحريف في أخذه وعطائه، معاملة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد الشدة في فصلها، إقامة الحدود على مستحقيها من غير تجاوز فيها ولا تقصير عنها اختيار خلفائه في الأمور على أن يكونوا من أهل الكفاءة فيه و الأمانة عليها(29).
    ثالثاً: أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد (القطاع الخاص)بشرط أن يكون ذلك محققا لمصالحها المتغيرة مكانا والمتطورة زمنا. وإذا ناقض ذلك مصلحة الجماعة كان للجماعة أن تأخذ من مال الأفراد ما يحقق مصلحة الجماعة بواسطة الدولة كنائب ووكيل لها.
    وقال البعض أن لا يجوز للدولة أن تأخذ من مال الفرد سوى الزكاة وهو رأي خاطئ، وأدلة ذلك:
    قال تعالى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ والملائكة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والسائلين وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) وفي تفسير القرطبي "استدل بها من ذهب إلى إن في المال حق سوى الزكاة وقيل الزكاة المفروضة و الأول أصبح لما أخرجه الدار عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول اله (ص) إن في المال حقا سوى الزكاة ثم تلي الآية.
    * يذكر ابن حزم "انه صح عن الشعبي ومجاهد وطاووس وغيره قول الرسول (ص) في المال حق سوى الزكاة "قال فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة لا مخالف لهم منهم".
    * قال عمر لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على الفقراء المهاجرين".
    * وقال علي "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم".
    كما قال البعض انه لا يجوز للدولة أن تأخذ مال الفرد جبراً بل على الفرد أن يعطي باختياره وهو رأي خاطئ والأدلة:
    * وعندما احي عمر أرضا بالربدة وكانت لقوم فجاءؤا وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في إلا سلام علام تحميها،فاطرق عمر ثم قال: المال مال الله والعباد عباد الله والله لو لا ما احمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبر في شبر".
    * ويقول الإمام ابن حزم "وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم يجبرهم السلطان على ذلك أن لم تقم الزكوات ولا في سائر أموال المسلمين فيقم لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة".
    * وعلي بن أبي طالب عندما صادر أموال بني أميه قال "والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به إلا ماء لرددته"
    المساوه في الإسلام:يستلزم من كون الجماعة مستخلفة عن الله في الانتفاع بالمال إن الناس متساوون في الانتفاع به، وأدلة ذلك قال (ص) " إن الاشعريين إذا أرملوا في الغزو قل زادهم أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم ( رواة البخاري ومسلم)
    وعن عمر بن الخطاب قال" والله ما احد أحق بهذا المال من احد وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته فالرجل وبلاؤه في الإسلام والرجل وعناوة وحاجته والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى"
    فالمساواة في الإسلام تعني أن تحكم العلاقات بين الناس في المجتمع قواعد عامة مجدره سابقه علي نشأة تلك العلاقات ،هي الحدود التي وضعها مالك المال تعالي لتنظيم انتفاع المستخلف فيه ( الجماعة)، علي الوجه الذي يحقق مصالحها ككل وليس مصلحه فرد أو فئة دون إنكار ما يكون بين الناس من تفاوت في المواهب والمقدرات الذاتية :
    ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ( الزخرف: 32)
    اخذ الدولة بالمصالح المرسلة( إشباع حاجات الجماعة):أوضحنا في مقدمة المبحث أن إسناد ملكية المال لله تعالى هي ضمان موضوعي ( أي أن الشريعة لم يضعها البشر بل هي وضع إلهي سابق علي العلاقات بينهم ) مطلق ( أي قواعد الشريعة العامة التي تنظم الانتفاع بالمال لا تخضع للتغير في المكان والتطور في الزمان) لتحقيق مصلحة الجماعة.
    فشريعة الله تعالى قائمة علي أصول ما يحقق للناس مصالحهم في كل زمان ، أما ما دون ذلك من مصالح مرسلة ، أي التي ترك للجماعة أمر وضعها بما لا يتناقص أصول الشريعة، يقول الامدي عن المصالح الاصوليه " إن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد "( أي مصالحهم).
    كما يقول الشاطبي عن المصالح المرسلة " إنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد و الأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشئ الواحد يمنع في حال لا تكون فية مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز"
    يترتب علي هذا أن الدولة الإسلامية هي نائب ووكيل عن الجماعة المسلمة (المستخلفة أصلا من الله تعالى في الانتفاع بالمال) في تحقيق مصلحتها، وبلغة علم الاقتصاد أن احد الغايات الأساسية للدولة الإسلامية هي إشباع الحاجات المادية والروحية المتجددة للجماعة كوكيل ونائب عنها ،وأدلة ذلك في القران قوله تعالى ﴿ ...وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ( البقرة: 219).
    جمهرة من المفسدين قالوا العفو هو ما فضل عن العيال فالمعني ( انفقوا ما زاد عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عاله ) منهم عبد الله ابن عباس والحسن البصري وقتادة بن دعامة.
    أما في السنة فروى أبو سعيد الخدري عن الرسول (ص) (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به علي من لا زاد له ... قال أن الرسول قد ذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا انه لا حق لأحد منا في الفضل) ( رواة مسلم وابن سبيل).
    ومما يدل علي إن غاية النشاط الاقتصادي في الإسلام هو إشباع الحاجات ما ورد من اعتبار ما زاد عن الحاجة كنز(30).
    فقد روي عن الرسول(ص) (من جمع دينار أو درهما أو تبرا أو فضة ولا يعده لعز ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوي به يوم القيامة )
    ومذهب أبو ذر الغفاري هو أن ما زاد عن حاجة الإنسان فهو كنز يكوي ويعذب به يوم القيامة حتى وان اخرج زكاته.
    أما مذهب علي ابن أبى طالب فهو أن الحد الأقصى لنفقة الإنسان أربعه ألاف درهم وما كثر عنه فهو كنز وان أديت زكاته".
    والذي نراه أنه كما اشبع حاجة للإنسان نشأت له حاجه جديدة، وأن حاجات الناس المادية والروحية متزايدة أبدا، وان ذلك سر التقدم الاقتصادي من الندرة إلى الوفرة، لهذا لا يمكن وضع قاعدة ثابتة صالحة لكل زمان ومكان لتحديد الحاجة ،فهي خاضعة لاجتهاد المسلمين علي التغير في المكان والتطور في الزمان، ودليل ذلك ما روي أن عمر أمر بجربين به طعام ثم ذلك فقال يكفي للرجل والمرأة والمملوك جربين كل شهر ( فدل علي إن عمر اجتهد في تحديد حاجة الجماعة في زمانه).
    غير أن اخذ العفو ليس سلوكا فرديا بل مهمة الدولة وذلك بان يصبح إشباع الحاجات المادية والروحية للجماعة هو قانون اقتصادي رئيسي في الدولة كوكيل للجماعة فاخذ العفو أو ما زاد عن الحاجة يكون تبعا لمدى تمكن الدولة من إشباع حاجات الجماعة ليس غاية بل وسيلة والغاية هي إشباع حاجات الجماعة المتجددة.
    روي الواقد باسنادة " أمر عمر فكتب إلى عمال أهل العوالي، فكان يجري عليهم القوت ثم كان عثمان فوسع عليهم في القوت والكسوة، وكان عمر يفرض للمنفوس مائه درهم فإذا بلغ زادة مائتي درهم، وكان إذا أتي بلقيط فرض له مائه له رزقا ياخذة وله كل شهر بقدر ما يصلحه ثم ينقله من سنة إلى سنة وكان يوصي بهم خيرا أو يجعل أرضهم أو نفقتهم من بيت المال وروى البلاذري عن عمر " أن عمر كان لا يفرض للمولود في الإسلام، وقد مر رجل على الخليفة عثمان فسأله عن عياله فاخبره فقال عثمان قد فرضنا لك وفرضنا لعيالك مائة " وكان عمر يفرض ذلك للجميع فلما كان عبد الملك بن مروان قطع ذلك كله إلا عمن شاء(31).
    وإشباع الحاجات المتجددة للجماعة يتجسد في كون وظيفة الدولة في مجال الاقتصاد هو توفير الحاجات الأساسية من ملبس مأكل ومسكن وتكوين الاسره ... روى أحمد عن الرسول" من ولي لنا عملا وليس له منزلاً فليتخذ منزلا أو ليس له زوجه فليتزوج أو ليس له خادم فليتخذ خادم أو ليس له دابة فليتخذ دابة ومن أصاب شيئا سوي ذلك فهو غالي " فهذا الحديث وان انطبق علي موظفي الدولة إلا أن هناك ما يدل على عمومة فالإمام ابن حزم يقول" وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان علي ذلك أن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك بمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"(32).
    وعلي سبيل المثال تقوم الدولة الاسلاميه بتوفير العمل المناسب لكل فرد حسب مقدرته، فقد روى البخاري وغيرة أن رجلا جاء إلى النبي( ص) يطلب إليه أن يدبر حاله لأنه خال من الكسب وان الرسول دعا بقدوم وسواة بيدة وجعل له يدا خشبية وضعها فيه ثم دفعه لرجل وكلفة بالعمل لكسب قوته في مكان اختاره له.وهو ما يعني توظيف أولي الأمر( الدولة) للناس حسب مقدرتهم ،وأوجب الإمام الغزالي في الإحياء أخذا بهذا الحديث علي ولي الأمر إن يزود العامل بالة العمل
    وعلي الدولة الاسلاميه أن تراعي في الأجور إن تفي في إشباع الحاجات الضرورية فقد روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر في استخدام الصحابة في العمل فقال" أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة " قال أبو يوسف في تفسيره" إذا استعملتم علي شيء فابذل لهم العطاء والرزق لا يحتاجون".
    وأورد المارودي عن عطاء الجند( انه معتبر بالكفاية حيث يستغني بها عن التماس مادة تقطعه عن حماية البيضة، والكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه، احدهما: عدد من يعول من الذرارى والممالك والثاني: ما يرتبطه من الخير والظهر، والثالث: الموضع الذي يحلة في الغلا والرخص فتقدر كفايته في نفقته وكسوته العام كله فيكون هذا المقدار في عطائه ثم تعرض حاله في كل عام فان زادت حاجته الماسة زيد وان نقصت ونقص وجوز أبو حنيفة زيادته علي الكفاية).
    وعلي الدولة الإسلامية توفير السلع الضرورية بأسعار مناسبة، وهناك رأي يقوم علي أن لا تتدخل الدولة في التسعير استناداً إلى الحديث" إن الله هو القابض الرازق الباسط المسعر... " ،وان نترك الأسعار في الدولة الإسلامية طبقا لقانون (العرض والطلب) ،وهذا لا يمثل في رأينا التصور الإسلامي الكامل ،فان شريعة الإسلام كما بينا قائمة على تحقيق مصالح المسلمين ،فالتسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة ،فان كان التسعير في سلعة معينة في ظرف معين لا يحقق مصالحها ويلحق بها الضرر كان حراماً، فالرسول(ص) في هذه الواقعة المعينة رأي إن التسعير ينزل الظلم بالناس بدليل ما ورد في باقي نص الحديث... إني لأرجو أن القي الله ولا يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال ( رواة أبو داود والترمذي وصححه )، أما إذا كان التسعير يحقق مصلحة الجماعة كان واجباً يقول ابن القيم(وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز فان تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق علي البيع بثمن لا يرضونه ومنعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل ومنهم مما يحرم عليهم من اخذ الزيادة علي عوض المثل فهو جائز بل واجب) ثم يقول( أما الأول فمثل ما روي انس ( الحديث السابق))، فمضمون كلام ابن القيم هو جواز التسعير آذ وضعت الدولة السعر الذي لا يتضمن الضرر للبائع والمشتري بل الوجوب كما دل النص( فهو جائر بل واجب).
    والرأي الذي نرجحه هو وجوب تسعير السلع الضرورية حتى لا يقع الناس في عبودية فئة تحتكر أرزاقهم لان ذلك مناقض لروح التصور الإسلامي للمال، و نستأنس في ذلك برأي ابن القيم السابق الذكر، بالإضافة إلى ما نقل عن جواز تحديد الأسعار عن سعيد بن المسيب وربيعة ابن عبد الرحمن ويحي بن سعيد الأنصاري"
    وتقوم الدولة بتوفير العلاج بأسعار مناسبة وأدلة ذلك ما ورد في السيرة إن نفرا من عيينة قدموا على الرسول(ص) فاسلموا واستوباؤا المدينة و شكوا الم الطحال فأمر بهم الرسول(ص) إلى لقاحة وكان سرح المسلمين بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير ترعي هنالك فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا وكانوا استاذنوة أن يشربوا من ألبانها و ابوالها ( علي عادة القوم في التداوي في زمنهم) فأذن لهم وكان عمر يسأل عن واليه وأحواله مع رعيته وكان مما يسأل عنه عيادته المرض جميعا أحرارهم وعبيدهم فان أجاب رعية الوالي عن خصلة من الخصال بانتفائها من واليهم عزل الوالي لعدم قيامه بحق رعايته).
    ومر عمر عند مجزئيه الشام علي قوم من المجزومين ففرض لهم شيئا من بيت المال.
    كما تقوم الدولة الإسلامية بتوفير التعليم الضروري (الاساسى) بالمجان الفعلي وذلك قياساً علي قولة تعالى " قال لا أسالكم علية من اجر إن اجري إلا علي الله"
    قال الإمام الغزالي في الإحياء" علي المعلم إن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب على افاده العلم أجرا و لا يقصد به جزاءاً ولا شكوراً.
    كما روى أبى داود عن أبى شيبة قال لرسول الله( ص) يا رسول الله رجل اهدي لي قوسا ممن كنت اعلمه الكتاب والقران وليس بمال وارمي عليهما في سبيل الله فقال: إن كنت تحب إن تكون طوقا من النار فاقبلها. قال بن حزم" وفرض على الإمام أن يأخذ بذلك وان يرتب أقواما لتعليم الجهال" فالنصوص السابقة تدل على العلم الدنيوي كما تدل علي العلم الديني.
    أما كيفيه إشباع الدولة لهذه الحاجات الضرورية فهو مسالة اجتهادية تختلف باختلاف الزمان والمكان. أما الحاجات غير الضرورية فمتروكة للأفراد( القطاع الخاص بالمصطلح المعاصر) تحت رقابه الدولة.
    مع ملاحظه أن هذه الوظيفة من وظائف الدولة قد قررتها اغلب النظم الاقتصادية المعاصرة، مع اختلافها في مدى أهميتها وكيفيه تحقيقها، فالنظم الاشتراكية جعلتها وظيفة أساسيه للدولة تحققها من خلال تدخل الدولة المباشر ( الدعم الحكومي ، القطاع العام...)، أما النظم الراسماليه فقد قررتها (تحت ضغط الحركات العمالية و النقابية ولسحب البساط من تحت أرجل الأحزاب اليسارية) ولكن جعلتها وظيفة ثانوية للدولة( إذ الأصل عندها عدم تدخل الدولة) وتحققها من خلال الضمان الاجتماعي بأشكاله المختلف ، الدعم الحكومي غير المباشر...)
    التخطيط الاقتصادي:ظهر في عصرنا الأخذ بالتخطيط الاقتصادي نتيجة عوامل عدة منها الثورة العلمية في أوربا والحرب العالمية الثانية ، وبعد الحرب بقي التخطيط في أكثر الجماعات مسلما به كمبدأ اقتصادي وأن اختلف في مداه وغايته.
    وهنا نطرح سؤال هو ما هو موقف الإسلام من التخطيط الاقتصادي ؟ نرى إن التخطيط بما هو تحديد مسيرة الإنتاج من مصادرة حتى استهلاكه على الوجة الذي يحقق به غاية محدودة من قبل يمكن اعتبارة تطبيق معاصر لمفهوم تسخير الكون للإنسان الذي قرره القران﴿الم ترى إن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره﴾، لأن مضمون التسخير أن الطبيعة هي موضوع فعل الإنسان من اجل إشباع حاجته، ويتم ذلك بان يحول الإنسان دون الامتداد التلقائي للظروف المادية ويفرض عليها أن تتجه حيث يريد، كما أن في القرآن سابقة للتخطيط الاقتصادي في قصة يوسف عليه السلام وملك مصر. حيث تبدأ القصة برؤيا الملك ﴿ إني أري سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم بالرؤي تعبرون﴾ فهنا نجد أن رؤية الملك تعبر عن مشكلة هي إن الامتداد التلقائي للظروف المادية ( الجغرافية) في مصر ستؤدي إلى مجاعة ثم يتذكر ساقي الملك صحبة السجن فاخبر الملك بأمر يوسف علية السلام ويفسر الرؤية تفسيرا يكون بمثابة حل للمشكلة وذلك بتعبير السير التلقائي للظروف ( بالتخطيط) بحيث انه في الموعد الذي كان ( متوقعا) للمجاعة يجد الناس كفايتهم من الغذاء ويقسم الخطة إلى ثلاث مراحل: ﴿ تزرعون سبعة سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبلة إلا قليلا مما تأكلون﴾.ثم يأتي بعد ذلك ﴿ سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصدون﴾.ثم يأتي بعد ذلك "﴿ عام فيه يغاث الناس ﴾.
    أما كيفيه تحقيق التخطيط فهذه مسالة اجتهادية تخضع للتغير زمانا ومكانا في إطار الفلسفة الاقتصادية الكلية.
    الممكن الاقتصادي:إن ما سبق من حديث ينصب على ما ينبغي أن يكون، أما ما هو كائن في واقع المجتمعات المسلمة فهو اقتصاد متخلف، تابع ( العولمة في شكلها الليبرالي)، يكرس للظلم الاجتماعي ، اى واقع قائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار الاقتصادي ،و الانتقال مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون اى التقدم الاقتصادي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية( الاستخلاف الاقتصادي) لا يتم إلا من خلال ما هو ممكن، وما هو ممكن اقتصاديا يأخذ أشكال عديدة كاتخاذ موقف من الخصخصة( الاليه الاساسيه للعولمة في شكلها الليبرالي) قائم على:الوقوف ضد خصخصة المؤسسات الاستراتيجية والسلع الضرورية.التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد مع العمل على إصلاح القطاع العام و تطهيره من البيروقراطية والفساد. ضمان شفافية وديمقراطية الخصخصة للقطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة. توجيه القطاع الخاص والاستثمار الاجنبى نحو المجالات الانتاجيه التي تحقق الفائدة للمجتمع لا المجالات الاستهلاكية على حساب المجتمع. تفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي، تفعيل مؤسسات المجتمع المدني( النقابات) باعتبارها احد ضمانات تحقيق الغايات السابقة.
    الفصل الثالث:الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف
    المبحث الأول:السيادة والسلطة
    تمهيد:
    ستناول في هذا المبحث التصور الإسلامي لعلاقة السيادة بالسلطة استنادا إلى مفهوم الاستخلاف ،وينقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب:
    المطلب الأول: نبين فيه أن مصطلحي السيادة والسلطة يقابلان في الفكر السياسي الإسلامي مصطلحي الحاكمية والأمر.
    المطلب الثاني: نوضح التصور الإسلامي لعلاقة السيادة بالسلطة استناداً علي مفهوم الاستخلاف.
    المطلب الثالث: نبين أن هذا التصور يوفر ضمان موضوعي مطلق لأن تكون السلطة للجماعة، وعدم انفراد فرد أو فئة بها من خلال تناول قواعد السلطة طبقا لهذا التصور مع التعرض لبعض المفاهيم وتصحيح الفهم الخاطئ لها.
    مصطلحي الحاكمية والأمر كمقابلان لمصطلحي السيادة والسلطة: في الفكر السياسي الحديث تعرف الدولة أنها التنظيم القانوني للمجتمع وهنا نجد كيانين.
    الأول: له حق وضع القانون ابتداء وهو ما يعبر عنه (بالسيادة)، والثاني له حق ضمان نفاذ هذا القانون ولو بالإكراه، هو ما يعبر عنه بالسلطة، فالسيادة علي هذا هي مصدر السلطة، أما السلطة فهي ممارسة السيادة.
    1- مصطلح الحاكمية كمقابل لمصطلح السيادة:-الفكر السياسي الإسلامي لم يستخدم مصطلح السيادة علي الوجه المستخدم في الفكر السياسي الحديث، فإن المصطلح جديد نسبياً إذ يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لا يستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره ، بهذه الدلالة كان يستعملها بعض ملوك فرنسا القدامى للتعبير عن استقلالهم بالسلطة عن البابوية(33).
    أما المصطلح الذي يقابله في الفكر السياسي الإسلامي فهو مصطلح الحاكميه، ويتضح لنا هذا في قول الإمام الغزالي ( الحاكم هو الشارع، و لا حكم إلا لله تعالى لا حكم غيرة،وأما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك علي مملوكه ولا مالك إلا الخالق فلا حكم ولا أمر إلا له أما النبي ( ص) السلطان والسيد و الأب والزوج فان أمروا أو أوجبوا لم يجب شئ بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم ، فالواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته ).
    فالحاكم عند الغزالي هو الذي له حق وضع القانون ابتداء ( الحاكم هو الشارع) ، كما انه مصدر السلطة ( أما النبي (ص) والسلطان والسيد والأب والزوج فان أمروا أو أوجبوا لم يجب شئ بإيجابهم بل بإيجاب الله تعالى).
    2- مصطلح الأمر كمقابل لمصطلح السلطة:كذلك فان مصطلح السلطة كما في الفكر السياسي الغربي لم يستخدم في الفكر السياسي الإسلامي وان اشتق من كلمة سلطان التي وردت في القرآن: ﴿ هلك عني سلطانية﴾ ﴿يا معشر الإنس والجن إن استطعتم إن تنقذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان ﴾، فإنها كما هو واضح لا تعني السلطة باعتبارها ممارسة السيادة على الوجه الذي أوضحنا ،والمصطلح المقابل له في الفكر السياسي الإسلامي هو مصطلح ( الأمر) ومنه سمي من اسند إلية السلطة ( الأمير) و(أولي الأمر). ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ﴾ ( النساء: 59)
    و هو المصطلح الذي استخدمه الخلفاء الراشدين والصحابة :
    فعند وفاة الرسول(ص) تحدث أبو بكر عن السلطة فقال " إن محمد قد مضي لسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به.
    * ولما أراد العهد بالسلطة إلى عمر قال تشاوروا في هذا الأمر ثم وصف عمر بصفاته وعهد إليه واستقر الأمر عليه" .
    * وقال عمر بن الخطاب يصف السلطة " إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه".
    * وتحدث علي ابن أبي طالب عن إن موت النبي(ص) قد أعقبه تنازع الناس في السلطة فقال... أن تنازع الأمر بعده.
    * وخطب الحسن في أهل العراق في شأن السلطة فقال " أما والله لو وجدت أعوانا لقمت بهذا الأمر أي قيام".
    نقد المفهوم ألتشبيهي للحاكمية:إذا وضح لنا أن المصطلح ألحاكميه يقابل مصطلح السيادة ومصطلح الأمر يقابل مصطلح السلطة، فان هناك مذهب يرى أن الحاكمية تعني السلطة في الفكر السياسي الحديث.
    وهذا المذهب قديم كان أول من قال به الخوارج الذين رفعوا شعار " لا حكم إلا لله " وفي العصر الحديث قال به البعض استناداً إلى تأويل خاص لبعض مقولات أبو علي المودودي التي يوضح في مقولة الحاكمية لله وحدة مثل قوله " ... إن محور نظرية الإسلام والسياسية تتمثل في نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر..لان ذلك أمر مختص بالله وحدة"، كذلك استندوا إلى ما فهموه من كتابات سيد قطب الذي نقل مفاهيم المودودي فيها. ويترتب علي هذا المذهب أن إسناد السلطة للجماعة مناقض لإسناد الحاكمية لله مع انه نتيجة له كما سنوضح لاحقا.
    وكان علي ابن أبي طالب هو أول من تعرض لهذا المذهب بالنقد، فقال في معرض حديثه عن شعار الخوارج " لا حكم إلا لله " (.. كلمة حق أريد بها باطل) (نعم انه لا حكم إلا له ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتؤمن به السبل ويؤخذ به للضعيف حتى يستريح بر و يسترح من فاجر)
    فعلي بن أبى طالب يقر إسناد الحاكميه لله ( نعم انه لا حكم إلا لله ) ولكنة ينكر فهم هذه الحاكميه بمعني السلطة التي أشار لها بلفظ الإمرة ( ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله )، ثم يبين ضرورة السلطة لأي مجتمع( وانه لابد للناس من أمير بر أو فاجر) ،ثم يبين أن السلطة ممارسه للسيادة خلال الزمان والمكان ،ومن أشكال هذه الممارسة جمع الفيء ومقاتلة العدو وتأمين السبل ...الخ والله تعالى منزه عن ذلك.
    كما يستند هذا المذهب إلى أن لفظ ( الحكم ) الوارد في القرآن يراد به السلطة، وهذا غير صحيح إذا أن هذه اللفظ إذا ورد في القرآن منسوباً إلى الله تعالى فانه يعني السيادة التكليفيه والتكوينية كما أوضحنا، وإذا ورد منسوباً إلى الإنسان فأنه يعني الفصل في الخصومات والقضاء كما في قوله تعالى ﴿و داؤود وسليمان إذا يحكمان في الحرث ﴾ وقوله تعالى ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾
    كما يعني الحكمة النظرية كما في قوله تعالى عن يحي عليه السلام ﴿ يا يحي خذ الكتاب بقوة واتيناه الحكم صبيا﴾ وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ﴿ ربي هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾ في تفسير البيضاوي أن لفظ الحكم ورد في القران بمعني الحكمة النظرية وفصل الخصومات ".
    علاقة السيادة بالسلطة استنادا إلى مفهوم الاستخلاف.
    إسناد الحاكمية لله وحدة :يقرر القرآن أن الحاكمية صفة ربوبية ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ( يوسف: 40)

    وعلى هذه فإن الحاكمية ( السيادة ) لله تعالى وحدة، وإسنادها إلى غير سواء كان فرد أو فئة أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ ( الفرقان:2).
    أ– ألحاكميه لله في الدنيا:لما كان حكمته تعالى من خلق الكون إظهار صفاته وانه تعالى اظهر صفاته تكويناً وتكليفاً: فأن حاكميتة لهذا الكون هي حاكميه تكوينية وتكليفيه .
    1.الحاكمية التكوينية:أي أن سننه تعالى تحكم حركة الأشياء والظواهر و الإنسان حتما ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي
    الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ ( الأحزاب : 62) .
    2. الحاكمية التكليفيه :مضمونها وجوب أن تحكم قواعد شريعته حركة الفرد والمجتمع ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ( الشورى: 10).
    "ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون" يقول سيد قطب ( والله الذي خلق هذا الوجود الكوني، وخلق الإنسان، والذي اخضع الإنسان لنواميسه التي اخضع لها الوجود الكوني...وهو– سبحانه- الذي سن للإنسان" شريعة" لتنظيم حياته الإرادية تنظيماً متناسقاً مع حياته الطبيعي، فالشريعة على هذا الأساس- أن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان وفطرة الوجود العام وينسفنها كلها جمله واحدة ).
    ب- الحاكمية لله في الآخرة: ولما كانت الآخرة في التصور الإسلامي قائمه على الظهور الذاتي فان ألحاكميه ستكون له تعالى وحدة ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ ( غافر: 48).
    استخلاف الجماعة في إظهار حاكميته:-ولما كان لله تعالى الوجود المطلق المنزه عن الوجود في المكان والحركة خلال الزمان ، كانت حكمته تعالى في استخلاف الإنسان إظهار لصفاته في الأرض ( أي عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان )، وبهذا فان الله تعالى بعد أن اسند ألحاكميه لذلته استخلف الجماعة في إظهار حاكميته في الأرض. ولما كانت السلطة-الأمر- هي ممارسة السيادة- الحاكمية- في الزمان والمكان، فإن السلطة هي إظهار للسيادة، فاستخلاف الجماعة في إظهار حاكميه الله إذا تعني إسناد السلطة- الأمر- لها. أما أدلة أن المستخلف في السلطة- الأمر- الجماعة لإفراد أو فئة، تقرير القران الأمر شورى بين المسلمين .ومصطلح الأمر كما أوضحنا يقابل مصطلح السلطة "وأمرهم شورى بينهم" وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن ... ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ( فاطر: 39). يقول المودودي( أن الله قد وعد جميع المؤمنين بالاستخلاف ولم يقل أنه يستخلف احد منهم ، فالظاهر من هذا أن المؤمنين كلهم خلفاء الله و هذه الخلافة التي آويتها المؤمنين خلاف عمومية لا يستبد بها فرد أو أسرة أو طبقه).
    قواعد السلطة في النظرية السياسية الإسلامية
    المساواة: مادام المستخلف عن الله تعالى هي الجماعة لا فرد أو فئة فان أول قاعدة من قواعد النظام العام الإسلامي في السلطة هي قاعدة المساواة ﴿ أن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾."الناس سواسية كأسنان المشط " ثم يكتفي الإسلام بما هو صالح للمحافظة علي القاعدة في أي مجتمع في أي زمان وأي مكان وهما قاعدتي العدل و الشورى.
    العدل: هو نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف وذلك بما يسمي الحكم ( القضاء) ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله ولو بالإكراه. فقال تعالى﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾
    الشورى: هي تبادل العلم بمشكله مشتركة ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمسألة والمعرفة وذلك بالإشارة به على الآخرين،
    خطوات الشورى:
    أولاً: أولى خطوات الشورى هي تبادل العلم بالمشكلة المشتركة وعبر عنه القرآن بلفظ ( يسألونك)﴿ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس... ﴾،وعن ابن عباس " ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله (ص) ما سألوه عن ثلاثة عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القران منهن " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير "... قال ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم" .كما نهى الإسلام عن استنفاذ الناس لجهدهم في محاولة العلم بمشكلة لا يطرحها الواقع المعين في الزمان والمكان مثل المسائل الغيبية التي ليس في إمكانية العقل الإنساني المحدود معرفتها " يسألونك عن الروح قل من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً".قال ابن عمر" لا تسأل عما لم يكن فاني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن.
    ثانيا: وثاني خطوات الشورى هو تبادل العلم بحلولها المحتملة ففي غزوة بدر نزل الرسول (ص) عند اقرب بئر إلى المدينة فاسأل الحباب بن المنذر الرسول(ص) يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ...أمنزل انزله الله فليس لنا أن نقدمه أو نتأخر عنة أم هو الرأي والحرب والمكيدة ، فقال (ص) بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال الحباب يا رسول الله أن هذا ليس لك بمنزل فانهض بنا حتى تأتي ادني ماء من القوم ( قريش) فننزله ونغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملية ماء فشرب فاستحسن الرسول (ص) رأي الحباب وفعله.
    * وفي غزوة الخندق عندما اشتد علي المسلمين الحصار رأى الرسول (ص) عقد معاهدة مع حلفاء قريش من غط فان ونجد مقابل ثلث ثمار المدينة ثم استشار أصحابه فقال سعيد بن معاذ : يا رسول الله والله هذا أمر تحبه فنصنعه لك أو شيء أمرك الله به فنسمع ونطيع أو أمر تصنعه لنا قال : بل أصنعة لكم فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لقد كنا نحن وهؤلاء على شرك بالله وعبادة والأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وما طمعوا قط أن ينالوا منا تمرة إلا بشراء أو قرى، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فنزل الرسول (ص) علي رأي أصحابه.
    * وفي بدر عندما أراد الخروج للقتال كرر (ص) ثلاث مرات ( أشيروا علي أيها الناس).
    * وعند عمر بن الخطاب انه لقي رجل فقال ما صنعت فقال قضي علي وزيد بكذا فقال له لو كان أنا لقضيت بكذا قال فما يمنعك و الأمر بيدك : قال : لو كنت أردك إلى كتاب الله وسنة رسول الله( ص) لفعلت ولكن أردك إلى رأي والرأي مشترك فلم ينقض ما قال علي وزيد.
    * وآمر عمر بن الخطاب بألا يزاد في المهور علي عدد ذكره فقالت إمرة " وإذ أتيتم إحداهن قنطاراً…" فترك قوله وقال: ( كل واحد افقه منك يا عمر وقال : امرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطا).
    ثالثاً:ثالث خطوات الشورى هو تبادل العمل تنفيذاً للحل الذي رأته الأغلبية انه الحل الصحيح في الواقع وهنا نوضح أن مبدأ ترجيح الأغلبية مبدأ إسلامي.
    في السنة : في غزوة احد استشار الرسول ( ص) المسلمين في الخروج لمقاتله قريش أو البقاء ولكن أغلبية المسلمين أبو إلا الخروج فاخذ الرسول برأيهم قال الحافظ بن حجر( وأبى كثير من الناس إلا الخروج).
    وروى الحافظ ابن كثير( وشاورهم في ( احد) في أن يقعد بالمدينة أو يخرج إلى العدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم).
    أما عند علماء أهل السنة : فيقول الغزالي في مسألة ( إذا بويع لإمامين) أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة... ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح.
    * وقال ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة).
    *وذهب أبى جرير الطبري، و ابوبكر الرازي ، واحمد بن حنبل في احدي الروايتين عنه إلى انعقاد الإجماع برأي الأثرين إذا قل مخالفهم وذهب بعضهم إلى انعقاد الإجماع برأي الأكثرية إذا كان مخالفوهم لا يبلغون حد التواتر وذهب بعضهم إلى القول الأكثر حجة ولكن لا يسمي إجماعا ورأى آخرون أن إتباع رأي الأكثرية أولى فقط .
    * ومن أقوال الفقهاء " الأكثرية مدار الحكم عند فقدان دليل أخر،.... وإذا اختلط موتى المسلمون بموت الكفار وأريد الدفن والصلاة اعتبر الأكثر.
    * و أوصى الرسول ( ص) المسلمين أن يلزمون عند الفتنة – أي الاختلاف- الجماعة – أي الأغلبية، فقال" أمتي لا تجتمع علي ضلالة" رواة بن ماجة وقال "يد الله مع الجماعة " وقال " عليكم بالسواد الأعظم ".
    * ولذا اختار علما السنة لأنفسهم اسم ( أهل السنة والجماعة) أي الكثرة أما في أقوال المفكرين الإسلاميين المعاصرين : فيقول الشيخ محمد رشيد رضا(فان قيل وما حكمته تعالى في ترجيح الرسول لرأي الجمهور المرجوح ثم إنكاره تعالى ذلك عليهم، قل إن لله في ذلك لحكماً ما ظهر لي منها، الحكمة الأولي عمل الرسول (ص) برأي الجمهور الأعظم فيما لا نص فيه من الله تعالي وهو ركن من أركان الإصلاح السياسي والمدني الذي عليه أكثر الأمم في دولها القوية في هذا العصر).
    * يقول عبد القادر عوده( وربما صح عقلا إن رأي الأثرين خاطئا ورأي الاقليه صواباً ولكن هذا نادر، والنادر لا حكم له ، والمفروض شرعا رأي الأثرين هو الصواب مادام كله يبدي رأيه مجردا لله و أساس ذلك قول رسول (ص) " لا تجمع أمتي علي ضلالة ويد الله مع الجماعة ".
    نقد اعتراضات علي مبدأ الأغلبية: أولا:قيل أن رأي الأغلبية قد يكون خطا، وهو صحيح إذ ترجيح رأي الأغلبية ليس لان ما تراه الأغلبية هو الرأي الصحيح ، فالصحيح هو ما يطابق الحقيقة والحقيقة ذات وجود موضوعي غير متوقف علي وعي الناس فلا وعي الأغلبية ولا وعي الأقلية دليل علي صحة أرائهم وفي هذا يستوون ، إنما يرجح رأي الأغلبية بحكم المساواة بين البشر والحفاظ علي وحدة المجتمع إذ أن الأغلبية لا تتعدد ،وتتعدد الأقليات في مجتمع واحد حينئذ لن يكون بين الأقليات مرجع فلا تبقي ملتئمة إلا مكرهة وهي حرب تمزق المجتمع الواحد ، ثم انه بحكم المساواة بين البشر والحفاظ على وحدة المجتمع الذي يبرر ترجيح رأي الأغلبية تبقى للأقلية حرية المعارضة والنقد والدعوة إلى رأيها وإقناع الناس بصحته بأدلة قد تستقيها من أثار ممارسة الأغلبية ... إلى أن تحصل لرأيها على الأغلبية فيصبح الحكم لها بعد أن كان عليها، يقول الشيخ محمد رشيد رضا (....ومنه يعلم أن ما شرعة الله من العمل برأي الأكثرية فسببه أنه هو الأمثل فى الأمور العامة لا لأنهم معصومون منها ).
    ثانيا: قيل أن الرسول (ص) لم يلتزم الأغلبية في أحداث منها صلح الحديبية حيث أن الصحابة عارضوا هذا الصلح ، والرد علي هذا أن الشورى والتزام رأي الأغلبية يكون في أمور الحياة في التي لم ترد علي فيها قاعدة ملزمه، أما ما جاء فيها قاعدة ملزمة فلا يجوز لأحد أن يخالفها، وليس مباحا الاتفاق علي مخالفتها ، فصلح الحديبية ثابت يقينا أنة تم بوحي من الله وأدلة ذالك :
    أ- بروك ناقة الرسول(ص) قبل الوصول إلى مكة وقولة (ص) لقد حبسها حابس الفيل" .
    ب- كولة (ص) لعمر " أنا عبد الله و رسولة ولن أخالف أمره ولن يضيعني" وكان أوجه اعتراض الصحابة أنهم لم يدركوا أن الأمر أصبح فيه وحي" قال الإمام العسقلاني " فيه تنبيه لعمر على أزاله ما حصل عنده من القلق، وانه (ص) لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله "(34).
    ثالثا:. أن القرآن ذم الكثير بكونها جاهلة وضالة في مثل الآيات:
    ﴿ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف: 21)...﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ ( الروم: 63).
    والرد أن القران ذم كثرة الكفر والضلالة لا كثرة الإيمان التي قرر الرسول ( ص) و أنها لا تجمع علي ضلاله . يقول الشيخ محمد الغزالي " وان ما استشهد به السيد المحاضر من بعض الآيات مثل الآية ( ولكن أكثرهم يجهلون ) فهذا في الأمم الضال وفي المشركين وأما سواد الأمة الاسلاميه فما تجمع علي ضلالة(35) كما أن هذا في أمور الدين لا أمور الدنيا، وبالرجوع إلى سياق الآيات التي ورد فيها ذم الكثرة والتفاسير المختلفة للآيات نجد أن المراد بالكثرة كثرة الكفر لا الإسلام ، ففي تفسير الجلالين مثلاً قوله(( أكثر من في الأرض)) أي الكفار ( وعن سبيل الله)أي الدين".(36).أن ممارسة الشورى قد يكون مصحوبا بأخطاء كثيرة نردها إلى التخلف الثقافي والعلمي وللسواد. وحل هذه المشكلة ليس بإلغاء الشورى وفرض الوصاية إذ هو استكبار ذمة القران "وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" ولكن بمزيد من الشورى حتى يتعلم الناس كيف يحلون مشاكلهم .يقول سيد قطب( ولكن الإسلام كان ينشي أمة ويربيها ويعدها لقيادة البشرية وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة أن تربي بالشورى وان تدرب على حمل التبعة وان تخطي مهما يكن الخطاء جسيماً وذا نتائج مريرة لتعرف كيف تصحح خطاها فهي لا تعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة امة مدربة، واختصار الأخطاء والعثرات في حياة الأمة ليس في شيء من الكسب لها إذا كانت نتيجة إن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية ولكنها نفسها ووجودها وتخسر تربيتها وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي مثلا لتوفير العثرات والخبطات ، أو توفير الحذاء)(37).
    البيعة ولما كان القرار الذي يتضمن الرأي الذي رأت الأغلبية أنة الحل الصحيح مما لا يستطيع أن ينهض به كل أصحابه، دخل اختيار من يتولى القيام علي تنفيذه في نطاق الشورى فان اختاروه ثم قبل أصبح والي ذلك الأمر تفويضا من أصحاب ملزما بقرارهم وعلي هذا فان مصدر شرعية ولاية أولى الأمر ( الحكومة أو السلطة التنفيذية ) تفويض محدد المضمون بالقرار ذاتة وهذا هو مضمون البيعة. يقول القاضي الباقلاني " إن الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وحدود وأمور شرعها الرسول وقد علم الأمة بها وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة عليها خلعة والاستبدال به متي اقترف ما يوجب خلعة"(38
    ويقول الماوردي عن البيعة أنها " عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار ويقول أبو يعلي أن الخليفة " وكيل للمسلمين " 39
    قسما البيعة:أولا:البيعة الخاصة ( بيعة أهل الحل والعقد)وفي الفقه السياسي الإسلامي نجد أن هنالك جماعة تسمي بأهل الحل والعقد وأهل الاختيار وهي الجماعة التي لها حق البيعة الإمام من بين أعضائها وهي تقارب ما يسمى في الفكر السياسي الحديث ( الهيئة التشريعية) التي تكون من ممثلين الأغلبية الشعب بانتخاب والتي تتولي اختيار الحكومة (السلطة التنفيذية) التي تكون مسئولية أمام هولاء الممثلين ( النظام البرلماني) .أما كون أهل الحل والعقد كانوا ممثلين لأغلبية الشعب تفويضا فنلاحظه في جماعه المهاجرين الأولين التي تكون من عشرة كانوا يمثلون أهم البطون من القرشيين الذين هاجروا من مكة إلى يثرب وهم ابوبكر وطلحة بن عبد الله ( يتم) وعمر بن الخطاب وسعيد بن زيد ( عدي) وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن أبى وقاص ( زهرة ) وعلي بن أبى طالب ( هاشم)وعثمان بن عفان ( أمية) والزبير بن العوام ( أسد) وأبو عبيدة بن الجراح ( فهد)فكان ذلك تفويضا ولذا يجوز أن يكون اختيار أهل الحل والعقد في عصرنا بالانتخاب باعتبار ذلك وسيلة لضمان كونهم يمثلون أغلبية الجماعة يوضح الإمام الغزالي صفات من له الحق في العقد للإمام " أن يكون مطاعا ذا شوكه .. فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذا الغرض لا شخصين أو ثلاثة فلا بد من اتفاقهم وليس المقصود أعيان المبايعين وإنما الغرض قيام شوكه الإمام بالإتباع والأشياع ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأثرين من معتبري كل زمان" وهذة البيعة بمثابة الترشيح.ثانيا:البيعة العامة:إن البيعة الأولي لا تكفي وحدها فلابد من البيعة العامة التي هي بمثابة تصديق علي الترشيح وإكمال للعقد .يقول ابن تيمية " وكذلك عمر لما عهد إليه ابوبكر ولم يبايعوة لم يصر إمام ،وكذلك عثمان لم يصر إمام باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له"ويقول الغزالي ولو لم يبايع ابابكر غير عمر وبقي كافة جميع الخلق مخالفين له لما انعقدت الإمامة فان المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأثرين "وعن عمر بن الخطاب (من بايع رجلا علي غير مشورة المسلمين فلا يبايع هو والذي بايعه تفوت أن يقتلا )وقولة (فمن تأمر منكم من غير مشورة من المسلمين فاقتلوه)حول الزاميه البيعة :ذهب البعض إلى أن بيعة الإمام ملزمة للجميع وبالتالي فان من تركها فقد كفر وهذا القول مبني علي الخلط بين بيعه الرسول ( ص) باعتبار نبوته وبيعة الرسول باعتبار امامتة ويقتضي توضيح ذلك شي من التفصيل :
    أولا: بيعة الرسول (ص) باعتبار نبوتة ، وهي نوعين (1)البيعة علي الدخول في الإسلام ( الشهادة):قال البيهقي" جاء الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم علي الإسلام والشهادة ( اخرجة الطبري في كبير والصغير واخرجة البغوي والحاكم أبو نعيم) فهذه البيعة ملزمة للجميع من تركها فقد كفر.(2) البيعة علي أعمال الإسلام :اخرج الطبراني عن جرير قال " بايعنا الني (ص) علي مثل ما علية النساء من مات منا ولم يأت شي فيهن ضمن له الجنة ومن مات منا وقد أتي شي فيهن فستر الله فعلي الله حسابه"فهذه البيعة ملزمة للجميع ومن تركا فقد كفر أو عصي إذ هذا يعني جعل مقام الحاكم مساوي لمقام الني ( ص) بدليل ما اخرجة البخاري عن عبد لله بن زيد رضي الله عنة قال" لما كان زمن الحرة اتاة آت فقال أن ابن حنظل يبايع الناس علي الموت فقال لا أبايع علي هذا بعد الرسول الله (ص) اخرجة أيضا مسلم والبيهقى ثانيا بيعه الرسول(ص) باعتبار امامتة . وهي أنواع :البيعة علي الهجرة:اخرج احمد البخاري في التاريخ أبو نعيم والطبراني عن الحارث بن زيد ألساعدي قال ، لقيت الني (ص) يوم الخندق وهو يبايع الناس علي الهجرة قال من هذا قلت ابن عمي حوط فقال لا أبا لكم إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم" .فهذه البيعة لم تكن ملزمة للجميع وان من تركها لم يكفر بل يحرم من ألفي ووعد النصر علي المعاهد لقوله تعالي ﴿ والذين امنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا علي قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ( الأنفال )البيعة علي النصرة:اخرج الإمام عن جابر قال مكث رسول الله (ص) في مكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم وفي عكاظ وجنة في المواسم يقول : من يؤويني من ينصرني حتى ابلغ رسالة ربي وله الجنة ...فهذه البيعة تخلف عنها مسلمون في مكة والمدنية رغم مناداة الرسول (ص) لها عشر سنين
    حول مذهب عدم جواز الخروج على السلطان الجائر:ينقل ابن تيمية من مذهب أهل السنة( أنهم لا يرون الخروج علي الأئمة وقتالهم بالسيف وان كان فيهم ظلم لان الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال فيدفع أعظم الفسادين بالتزام الادني) كما يرى الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد (انه يجب خلعة إن قدر بلا تهيج قتال وان لم يكن ذلك ممكنا إلا بتحريك قتال وجبت طاعة وحكم بامامتة) ونري أنهم لم ينكروا جوار خلع الحاكم الظالم لأن ذلك يدخل في النهي عن المنكر ولكنهم اختلفوا في كيفية خلعة وأين ومتى ، فقالوا بذلك باعتبار استثناء خاص بظروفهم الزمانية والمكانية كما سنوضحها في أمارة الغلبة وكما هو واضح في قول ابن تيمية ( فيدفع أعظم الفسادين بالتزام الادني ) والغزالي (أنة يجب خلعة إن قدر علي إن يستبدل عنة من هو مصفوف بجميع الشرط ومن غير إثارة فتنة ولا تهيج قتال ) وهذا الأمر ممكن في العصور الحديثة بالتداول السلمي للسلطة..أمارة الغلبة:وضح لنا أن البيعة عقد مرضاة واختيار يكون الخليفة بموجبها نائب عن الجماعة لها حق تعيينه ومحاسبته وعزله . وفي الحقيقة أن علماء الإسلام اتفقوا علي أن البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله إجبار ، وبالتالي فان البيعة التي يدخلها الإجبار غير شرعية ويجب إزالتها، ولكن ما يرونة هو أن هذه البيعة غير الشرعية قد تظل مستمرة في بعض الظروف دون أن يبعني هذا شرعيتها .من هذه الظروف أن نموذج الدولة السائدة في عصرهم كان محتوما عليها أن تكون مقاتلة غزوا و دفاعا، بالتالي فان مهمة القيادة بالفعل فإذا ضعفت القيادة أدي ذلك إلى توقف الدولة عن القتال وبالتالي الفتك بها وتمزقها ، وعلي هذا فانه في حاله عدم وجود القيادة التي تتوافر فيها الشرط الشرعية ووجود القيادة القوية التي لم فان يجب استمرارها بحكم الضرورة لا الإقرار بشرعيتها حتى لا تتمزق الدولة .وهناك أيضا ظروف مماثله لها وهو انه في أوقات الخطر الذي يتهدد الامه، كلها يجب تأجيل الدفع الاجتماعي ( خلع الحاكم الظالم) لا الغائة، وتحالف كل قوي الأمة المواجهة العدو لا إلغاء هذه القوي. وبهذا فان علماء الإسلام بقولهم بإمارة الغلبة لم يقرروا قاعدة صالحه لكل زمان ومكان ،وإنما اجتهدوا في حل مسالة طرحها واقعهم الزماني والمكاني أخذا بقاعدة الضرورة، ويدل علي هذا قول الغزالي ( .... فليت شعري من لا يساعد علي هذا ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شرطها وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشرعيتها فأي أفضل القول أن القضاة معزولون وان الولايات باطلة و الانكحة غير منعقدة ...... أم القول بالإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار ومعلوم أن البعيد مع الأبعد قريب وان الشرين خير بالإضافة ويجب علي العقل اختيارة )(42)وفي حاشية الباجوري( ... ثالثها استبدال شخص مسلم شوكة فتغلب علي الإمامة ولو غير أهل لها فتنعقد امامته وتنفذ أحكامه للضرورة"قال الشربيني " والطريق الثالث : استيلاء شخص فتغلب علي الإمامة بجامع للشرط المعتبرة في الإمامة علي الملك بقهر وغلبة بعد موت الإمام ، لينتظم شمل المسلمين)43حول قاعدة الصلاة خلف البر والفاجر:ونقل عن الإمام ابوحنيفه ( والصلاة خلف كل بر وفاجر من المؤمنين جائزة) 44، وفهم البعض من هذا جواز إمامة الفاسق ،وهو غير صحيح ،والمعني المراد هو التميز بين الدولة الإسلامية والنشاطات التنفيذية التي قد تكون غير شرعية ويجب أزلتها، ولكن ذلك متوقف علي شروط ذاتية وموضوعية قد لا تتوفر إلا في زمان معين ومكان معين . يقول الإمام الجصاص ( من الناس من يظن أن مذهب أبى حنيفة إمامة الفاسق وخلافته .... وإنما جاء غلط في ذلك ، إن لم يكن تعمد الكذب من جهة كولة وقول سائر من يعرف كولة من العراقيين أن القاضي إذا كان عدلا في نفسه فولي القضاء من قبل إمام جائر فأن إحكامه نافذة وقضاتة صحيحة وان مذهبة تجويز إمامة الفاسق)45 كيفية قيام السلطة: أما كيفية قيام السلطة فيتو قف علي ماهية كل مجتمع وظروف الناس فية المتغيرة مكانا ، المتطورة زمانا ، وعلي هذا فان النظم والإشكال الفنية الملائمة لتحقيق الشورى في زمان ومكان معين خاضع لاجتهاد المسلمين. ويمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات غير المسلمين في هذا المجال .علاقة الدين بالدولة :إن مشكله علاقة الدين المطلق عن قيود الزمان والمكان غير الخاضع للتطور أو التغير فيهما،
    .42 الغزالي الاقتصاد فى الاعتقاد ،ص41
    .43 الشربيني، مغني المحتاج، ص66
    .44 ملا علي القاري، شرح الفقة الاكبرص91
    45 أبو بكر الجصاص، أحكام القران

    بالدولة (السلطة) المحدودة بالزمان والمكان الخاضعة للتطور والتغيير فيهما ،تم تناولها من خلال ثلاثة حلول:
    أولا- علاقة خلط: الحل الأول يقوم على الخلط بين الدين والدولة، ومن ممثليه نظريتي الحكم بالحق الالهى والعناية الالهيه. وفى الفكر الإسلامي تقاربان مذهب الاستخلاف الخاص، اى أن الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض ،وهو مذهب قال به بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين ،وقال به الشيعة في حق ألائمه من أحفاد على، غير أن الاستخلاف الخاص كما سبق ذكره مقصور على الأنبياء ،وبختم النبوة ووفاه الرسول (ص) انتهى هذا النوع من أنواع الاستخلاف . كما أن هذا الحل يودى إلى تحويل المطلق عن قيود الزمان والمكان (الدين)، إلى محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما(الدولة أو السلطة)، أو العكس اى تحويل ما هو محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما (الدولة) إلى مطلق، اى إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على البشر واجتهادا تهم المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما، و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع الذي جعله حقا لله والاجتهاد الذي جعله حقا للناس ،كما أن هذا الحل مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة ا ى الكهنوتية أو رجال الدين قال تعالى ( واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " الأكثر ون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم" فهذه السلطة (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾
    - علاقة فصل:الحل الثاني هو فصل الدين(المطلق) عن الدولة(المحدود) ، واهم ممثل له العلمانية التي كانت في الأصل جزء من الديانة المسيحية، تحول إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم ،انتهى إلي أقامه نظام علمانا في موقفه من الدين، فردى في موقفه من المجتمع، راسمالى في موقفه من الاقتصاد ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة ،كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون.أضافه إلى أن هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي للمشكلة فان جوهر الدعوة إلى العلمانية في مجتمع اسلامى هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع) بالقيم والآداب والقواعد الغربية لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى

    الحضارة الغربية (التغريب)
    علاقة وحدة وتمييز:الحل الإسلامي يقوم على أن علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة (لا خلط)، وتمييز (لا فصل)،فهي علاقة وحده(لا خلط) لان السلطة في الإسلام مقيده بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا وبالتالي لا يباح تجاوز والتي تسمي في علم القانون بقواعد النظام العام ،والتي تسمى باصطلاح القران الحدود إذا هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها. ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ( البقرة: 229) : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ .(البقرة187)،كما أنها علاقة تمييز( لا فصل)لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده ،استنادا إلي مفهوم التوحيد .والقواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة ،استنادا إلي مفهوم الاستخلاف قال تعالى ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾.
    ثبت في صحيح مسلم م حديث بريدة بن الحصيب قوله (ص) "إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك".لما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكماً حكم به فقال هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر" فقال: لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
    الوحدة والتعددية:
    يطرح المجتمع في كل زمان ومكان مشكله دائمة هي كيفيه حل التناقض الدائم بين وحده المجتمع وتعدد الأفراد المكونين له. وقد قدمت الفلسفات والعقائد حلولا مختلفة لهذه المشكلة.
    مذهب الوحدة: فهناك فلسفات أكدت على وحده المجتمع ،ولكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء حرية الأفراد فيه كالهيجليه والماركسية والنازية والفاشية، وهذا الحل يقود كما هو واضح إلي الاستبداد
    مذهب التعددية: كما أن هناك فلسفات أكدت على حرية الأفراد المكونين للمجتمع، لكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء وحده المجتمع كالفوضوية والليبرالية في إشكالها المتطرفة، وهذا الحل يقود إلي الفوضى .
    الجمع بين الوحدة التعددية: والتصور الاسلامي( استنادا إلي مفهوم الوسطية) يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد ،فهو يؤكد على وحده المجتمع من خلال تقريره وجوب خضوع كل المجتمع للقواعد -الأصول -المطلقة عن قيود الزمان والمكان ،والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة (الحدود) ﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون ﴾ ﴿الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ﴾،ويؤكد على التعددية و حرية الأفراد المكونين له ،وذلك من خلال أباحه اختلاف الناس في القواعد- الفروع- المحدودة زمانا ومكانا ،والتي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة , وعلى هذا يمكن أن تختلف الأحزاب حول المعرفة بالمشاكل التي يطرحها الواقع والعلم بحلولها المحتملة وأساليب العمل اللازم لحلها ،وعلى هذا الوجه قرر القران التعددية كسنه إلهيه ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ( المائدة:48) ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ﴾(الروم:22)
    التعددية السياسية والأحزاب: وعلى هذا الوجه أباح الإسلام التعددية السياسية وحرية تكوين الأحزاب. اى أن الاباحه هنا مشروطة بعدم مخالفه أو عدم الاتفاق على مخالفه القواعد الأصول التي سبق بيانها، وأدله ذلك: أن التعددية السياسية هي شكل من أشكال التعددية التي اقرها الإسلام ويؤكدها التاريخ الاسلامي، حيث نجد التعددية الفكرية الدينية حتى في إطار أهل السنة( الاشعريه، الحنابلة، الطحاويه،أهل الظاهر،الماتريديه)كما نجد التعددية القانونية ( الفقهية) حتى في إطار أهل السنة(المالكي، الشافعي،الحنبلي الحنفي...). إقرار علماء الإسلام للتعددية ،يقول ابن تيميه( الأحزاب التي أهلها مجمعون على ما أمر به الله ورسوله من غير زيادة أو تقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم... وإذا زادوا في ذلك أو نقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل... فهذا من التفرق الذي ذمه الله ورسوله)(الصاوي، شرعيه الانتماء إلي الأحزاب والجماعات الاسلاميه، ص 112). إقرار علماء الإسلام لحرية ألمعارضه السياسية يقول الماوردى(وإذا بغت طائفة على المسلمين وخالفوا رأى الجماعة وانفردوا بمذهب ابتدعوه و لم يخرجوا عن المظاهرة بطاعة الإمام ولا تحيزوا بدار اعتزلوا فيها ... تركوا ولم يحاربوا وأجريت عليهم أحكام العدل)( الأحكام السلطانية)
    ويعلق السرخس في المبسوط على موقف الإمام على بن أبى طالب من الخوارج بقوله( فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج فالإمام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل وفيه دليل على أن التعرض بالشتم للإمام لا يوجب التعذير)(ج10، ص125-126)
    الممكن السياسي والمفهوم الليبرالي للديمقراطية : ما سبق من حديث ينصب على ما ينبغي أن يكون . أما ما هو كائن فهو أما نظم استبدادية أو الديمقراطية الليبرالية، والانتقال بهذا الواقع من مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون يتم بالممكن ، والممكن السياسي له أشكال عديدة كالعمل على مقاومه الاستبداد بالوسائل السلمية( الجهاد المدني) ،توسيع هامش الحريات المتاح في النظم الاستبدايه، تفعيل مؤسسات المجتمع المدني ،الحوار مع تيارات آلامه المختلفة من اجل الالتقاء على ما هو مشترك من ثوابت آلامه. وتخليص الديمقراطية من حيث هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام من اليبراليه( اى من العلمانية والراسماليه والفردية...)وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية. مع وجوب ملاحظه أن الديمقراطية كنظام غير مقصورة على نموذج واحد ومع وجوب مراعاة الظروف الخاصة بكل مجتمع،
    وهذا الموقف نجد له سندا من دستور المدينة الذي اقر الحريات الدينية والسياسية لغير المسلمين( اليهود)
    وهنا يجب تقرير أن النشاط السياسي للأحزاب الاسلاميه ليس صراع ديني بين مسلمين وكفار بل صراع سياسي يدور فى إطار الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل التي يطرحها الواقع طبقا للمنهج الاسلامي يجب أن يتم باليات سلميه وبالرجوع إلي رأى الناس لا بالقوة.
    هذا الموقف مبنى على تقرير أهل السنة أن الامامه( السلطة) من فروع الدين لا أصوله( بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم كما هو مبنى على عدم نفى القران صفه الأيمان عن الطوائف المتصارعة" وان طائفتان من المؤمنين اقتتلو فأصلحوا بينهما فان بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلي أمر الله"
    كما هو مبنى على أن الصحابة اختلفوا في مسالة السلطة إلي حد القتال(على بن أبى طالب ومعاوية- على وعائشة... رضي الله عنهم) دون أن يكفر احدهم الأخر
    وقد اقر عدد من الذين انتموا إلي بعض الأحزاب الاسلاميه بهذا الأمر يقول حسن دوح ( أن تصوير خلافنا مع عبد الناصر على انه جهاد بين جماعه مسلمين وجماعه كافرين تصوير خاطىء، والأولى أن تقول انه كان خليطا لعب الجانب العقيد فيه دورا تمثله جماعه الأخوان المسلمين والجانب الحزبي دورا أخر، ولم يخل من الجانب الشخصي)( الإرهاب المرفوض والإرهاب المفروض، بدون تاريخ، دار الاعتصام، القاهرة، ص 39)
    .عدم جواز الاستعانة بالاجنبى لمقاومه الحاكم المستبد: هناك من يرى جواز الاستعانة بالاجنبى لمحاربه الحاكم المستبد( خصوصا في أوساط جزء من التيار الليبرالي) ، غير أن هذا الراى خاطىء لان علماء الإسلام اجمعوا على انه إذا نزل العدو بأرض المسلمين فالجهاد فرض عين على الجميع، أما الخروج على السلطان الجائر فلم يتم الإجماع عليه( إذ رأى البعض عدم جواز الخروج على السلطان الجائر) فضلا عن أن من أوجبه جعله فرض كفاية لأنه جعله مشروطا بتوافر ظروف معينه كما سبق بيانه.وكما سبق بيانه فان قول بعض علماء الإسلام باماره الغلبة يستفاد منه انه أوقات الخطر الذي يتهدد وجود آلامه كلها يجب تأجيل الدفع الاجتماعي ( خلع الحاكم الظالم) لا الغائة، وتحالف كل قوي الأمة المواجهة العدو لا إلغاء هذه القوي. وهذا الحكم ليس تقريرا لقاعدة صالحه لكل زمان ومكان بل التزام بقاعدة( الضرورات تبيح المحظورات). غير أن بعض العلماء بجواز الاستعانة بالاجنبى للضرورة.















    المبحث الثاني: التشريع
    التمييز بين التشريع والاجتهاد: أول ما يواجهنا عند تحديد التصور الإسلامي للتشريع هو ضرورة التمييز(لا الفصل) بين التشريع والاجتهاد.
    أولا: من جهة نوعية القاعدة القانونية
    يعرف النظام القانوني بأنه ( مجموعة من قواعد السلوك العامة المجردة الملزمة، وتقوم علي ضمان نفاذها ولو بالاكراة سلطة ) 46، ولحل مشكلة استمرارية النظام القانوني رغم التطور والتغير زمانا ومكان كان التميز بين نوعين من قواعد القانونية:
    القواعد الأصول: وهي القواعد التي لا تخضع للتطور أو التغير زمانا أو مكانا ،وبالتالي لا يسمح النظام العام بمخالفتها مثل الحرية الفردية التي منحها للإنسان" القانون الطبيعي" في الليبرالية، أو "الملكية الجماعية" لوسائل الإنتاج في الماركسية47
    القواعد الفروع: وهي القواعد التي تخضع للتغير أو التطور ،هذا التميز نجدة في الفقه الإسلامي أيضا ،حيث يقول ابن القيم " من الأحكام ما لا يغير بحسب الأزمنة و الأمكنة والثاني هو ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا"48وعلي هذا فان:
    التشريع : وهو حق وضع القواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا ، وبالتالي لا يباح تجاوز ، والتي تسمي في علم القانون بقواعد النظام العام ،والتي باصطلاح القران الحدود ،إذا هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها.وقد وردت الكلمة بمعني القاعدة الآمرة كما في قولة تعالي﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ ( البقرة: 229) ، كما وردت بمعني القاعدة الناهية كما في قولة تعالي ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾.(البقرة187)، وسميت حدودها فوارق بين الحلال والحرام وبالتالي لا يباح مخالفتها ،وان أطلق الفقهاء الكلمة علي العقوبات المقدرة في فترة تالية يقول ابن تيمية" أما تسميه العقوبة المقدرة حدا فهو عرف حادث" 49
    أما الاجتهاد: فهو سلطة وضع القواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا، وبالتالي يباح للناس تجوزها بإلغائها أو تعديلها . هذه القواعد محلها الفقه في الإسلام، وقد اقر علماء الإسلام خضوعها للتغير والتطوير مكان وزمانا، كما وضح عند حديث الإمام القرافي" إن إجراء الإحكام التي مدركها العوائد : ويتغير الحكم فيها عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة وليس هذا تجديدا لاجتهاد من المقلدين ... وجميع أبواب الفقه المحمولة علي العوائد إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب ... بل لا يشترط تغير العادة بل إذا نحن خرجنا من ذلك البلد إلى بلد أخر عوائدهم علي خلاف عادة البلد الذي كنا فيه أفتيناهم بعادة بلدهم ولم نعتبر عادة البلد الذي كنا فيه "50
    ثانيا من جهة المصدر :
    ا-التشريع صفة ربوبية : التشريع علي الوجه الذي أوضحنا مصدرة الله تعالي ،اذ هو صفة ربوبية فعل ( شرع) في القران يسند إلى الله : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصينا بة نوح والذي أوحينا إليك ﴾..﴿ واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﴾ قال عدي : ما عبدنا هم فقال الرسول(ص) الأكثر ون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم"
    ب- استخلاف الجماعة في إظهار شرعه في الأرض:سبق بيان أن حكمته تعالي من الاستخلاف تنزهه عن المحدودية بالزمان أو مكان يقول الإمام الالوسى في تفسير أية الخلافة " فكأنه قال جل أريد الظهور بأسمائي وصفاتي ولم يكمل ذلك بخلقهم أي الملائكة)... فلابد من إظهار من تم استعداده وكملت قابليته ليكون مجليا لي و مرآة لأسمائي وصفاتي"51
    وكما أوضحنا في الفقرة السابقة فان التشريع صفة ربوبية ومن هنا يتضح لنا حكمه استخلاف الله تعالي للجماعة المسلمة – في إظهار شرعه في الأرض، يقول الإمام الماتريدى "وهم جعلوا سكانها – أي الأرض أن يكونوا خلفاء في الأرض فاحكم بين الناس بالحق فجعله كذلك ليحكم بين أهلها بحكم الله تعالي يتبع الهوى فاحكم بين الناس بالحق فجعله كذلك ليحكم بين الناس "، وبالتالي فان القواعد الفروع التي تخضع للتطور و التغير زمانا ومكانا ،و التي حق وضعها للجماعة (و التي أسميناها اجتهاد)، هي إظهار أي تجسيد للقواعد الأصول التي لا تتطور ولا تتغير زمانا أو مكانا والتي حق وضعها لله (والتي أسميناها تشريعا )في زمان معين ومكان.فالشورى مثلا هي قاعدة – أصل فهي لا تخضع للتطور والتغير في الزمان والمكان، وهي وضع الهي أي جزء من التشريع ،أما النظام السياسي الذي ينظمها فهو إظهار للشورى في زمان ومكان معين ، يوضح الهضيبى هذا الأمر بقولة (والحق أن الله عز وجل قد ترك لنا كثير من أمور دنيانا نظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا في إطار مقاصد عامة وغايات حددها لنا الله سبحان وتعالي وأمرنا بتحقيقها وبشرط أن
    لانحل حراما أو نحرم حلال ...ومن هذا القبيل قوانين تنظيم الشورى التي أمر الله بها) 52 ويوضح التميز بين الاجتهاد والتشريع في قولة (ولنضرب مثلا بقوانين تنظيم المرور في الشوارع العامة فإننا إذا تركناها من غير تنظيم وقواعد يلتزم بها الكل فإننا تكون قد عرضنا دما الناس وابشارهم وأموالهم للإهدار ولا يجوز أن يزعم احد أن تشريعات تنظيم المرور في هذه الحالة من تشريع الله عز وجل إنما هي تشريعنا واجتهادنا تنفيذا لمقصد عام أمرنا الله به وهي تشريعات وقوانين نتبدل وتغير حسبما تقتضية الحاجة بتغير وسائل المواصلات )53،ومن الضروري توضيح أننا نستعمل كلمة تشريع بالمعني القانوني الذي أوضحنا ،وهو في الفقه اشمل من هذا المعني فيشمل العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة... و هذه قد فصلها القران والسنة فهي ثابتة لان مجالها لا يخضع للتغير والتطور. أما النوع الثاني فهو تنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة وهو ما يسمي النظم مثل النظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام القانوني... وهذا النوع أورد فيه الإسلام قواعد كلية هي التي أسميناها تشريعا وترك أمر وضع القواعد الفرعية للجماعة وهي التي أسميناها اجتهادا.أما الأحكام التفصيلية في العبادات وما يلحق بها من أحكام الأحوال الشخصية والمواريث"... فان أكثر أحكام هذا النوع تعبدي ولا مجال للعقل فية ولا تتطور بتطور البيئات . و ،أما فيما عدا العبادات والأحوال الشخصية و المالية فأحكام القران فيها قواعد عامة و مبادي في زمان ومكان معين أساسية دون تعرض لتفصيلات جزئية، و المسلمين كل عصر في سعة من أن يفصلوا قوانين فيها بحسب مصالحها، في حدود أسس القران دون الاصطدام بحكم جزئي فيه" 54 فحديثا منصب علي مجال النظم لا العبادة أو المعاملات.كما أن آيات المعاملات ( قضائية وسياسية والاقتصادية...) لا تبلغ عشر آيات القران وعدها بعضهم خمسمائة آية للعبادات والمعاملات وأكثرها في الأمور الدينية وأكثر أمور الدنيا موكول إلى عرف الناس.
    فآيات أحكام الأحوال الشخصية نحو 70 آية ، الأحكام الدستورية نحو 10 آيات، والأحكام الدولية نحو 25اية، الأحكام الاقتصادية نحو10 آيات 55.
    52 -53 مأمون الهضيبي دعاة لا قضاة ، ص 74
    54عبد الوهاب خلاف، أصول الفقه، ص 31- 33
    55 رشيد رضا ، الوحي المحمدي، ص 225


    الاجتهاد حق الجماعة المسلمة:فالجماعة المسلمة هي المستخلفة عن الله في إظهار شرعه ، وذلك بان يكون حق الاجتهاد موكول إليها وهذا الأمر يقوم علي أساسين:
    الأول: أن الاجتهاد حق الجماعة ابتداء ، إذ لكل مسلم الحق في الاجتهاد مادامت شروطه متوافرة فيه ولا ينفرد به فرد أو فئة دون الجماعة ، ووجود فئة من الفقهاء في المجتمع هو علي وجه التخصيص لا الانفراد. يقول أبو الأعلى المودودى:(كما لا يعتبر أي من أحكام الإسلام مما جاء به عالم من علماء المسلمين ولا كل مسالة استخراجها إمام من ائئمتهم بقياس أو اجتهاد علي أساس الاستحسان القانون في حدها ذاتها ... كما لا تعتبر إي حكم من أحكام الله تعالي و رسولة (ص) أو قياس أو اجتهاد أو استحسان لم ينعقد علية إجماع أهل الحل والعقد في بلد من بلاد المسلمين أو اختارته أغلبيتهم قانون لذلك البلد. ... وأما إذا سألني احد بعد ذلك ماذا ستكون علية في الدولة الإسلامية حال الفرق التي لا تتفق مع اغلبيهم ؟ فجواب هذا أن لمثل هذه الفرق أن تطالب بتنفيذ فقهها علي اعتبار قانون لأحوالها الشخصية وهي مطالبة لابد من إجابتها في الدولة الإسلامية أما قانون الدولة العام فلا يكون ، ولا يجوز أن يكون إلا القانون المبني علي مذهب الأغلبية) 56
    الثاني: أن السلطة في الدولة الإسلامية نائب عن الجماعة المسلمة في إظهار شرعه تعالي، وذلك بان ينوب عنها في ضمان نفاذ النظام المستند الى الأصول التي هي وضع الشارع تعالي، واالقواعد – الفرع التي هي اجتهاد ارتضته الجماعة أو أغلبيتها ، فللجماعة المسلمة حق تعين ومراقبة وعزل هذة السلطة لضمان قيامها بهذا الأمر وعدم الانفراد به دونها، و أدلة ذلك ما ورد عن أبو بكر " إلا فراعوني فان استقمت فأعينوني وان زغت فقوموني " وما ورد عن عمر بن الخطاب " إن رأيتم في اعوجاجا فقوموني".
    " فالمراد بالسلطة التشريعية في دولة الإسلام – سلطة بيان حكم الله فيها ليس فية نص صريح في حدود الكتاب والسنة . وهي أيضا حق الأمة ليس للرئيس الأعلى منها شي إلا باعتباره فرد له حق الاجتهاد إذا كان من أهلة شانه في ذلك شان سائر المجتهدين ودليل ذلك قولة تعالي : ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ فهو يقتضي إيجاب الشورى علي الرسول (ص) في كل أمر هو محل له وهو ما لا نص فية بالضرورة"
    نقد المفهوم ألتشبيهي لمقولة ( التشريع صفة ربوبية )أوضحنا في مقدمة البحث أن المفهوم ألتشبيهي لله تعالي هو تصويره تعالي محدود بالوجود في مكان والحركة خلال الزمان.وقد رتب 56 المودودي ،القانون وطرق تنفيذة ، مؤسسه الرسالة، ص 43
    البعض علي مقولة التشريع صفة ربوبية نفي حق البشر في وضع القواعد القانونية إطلاقا. وذالك استنادا إلى تأويل خاطب لمقولات المودودي ،وقد أشار الهضيبى إلى هولاء بقوله"وقد توهم البعض أن قائل تلك المقولة -ألحاكميه لله – يري استحالة أن يأذن الله تعالي للناس أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات أو التشريعات التي تنظم جانبا من شئون حياتهم " 57
    فهذا الفهم يستند إلى المفهوم ألتشبيهي لله تعالي كما أوضحناه.
    كما أوضحنا المفهوم ألتنزيهي لكون الشارع هو الله بمعني أن له تعالي وحدة حق وضع القواعد – الأصول التي لا تخضع للتغير والتطوير مكانا وزمانا، وانه تعالي يتنزه عن المكان والزمان ، واستخلف الجماعة المسلمة في إظهار شرعه، بان وكل لها حق وضع القواعد – الفروع التي هي إظهار القواعد – الأصول في زمان معين ومكان معين يقول الهضيبي ( اعتقاد عامة الناس أن الأولي الأمر حق إصدار أو وضع التنظيمات التي تنظم جوانب من حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بناء علي نصوص من القران الكريم والسنة الشريفة واعتقاد ليس فية شبهة الكفر أو الشرك بل هو اعتقاد في أصله حق ) 58
    فالمرفوض في الإسلام هو إسناد حق وضع القواعد القانونية لغير الله إطلاقا، أي بدون الالتزام بالقواعد. يقول سيد قطب " هذه الجاهلية تقوم علي أساس القانونية الاعتداء علي سلطان الله في الأرض وعلي اخص خصائص الألوهية .. وهي بالحاكمية .. أنها تسند الحاكمية إلى البشر ، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية ولكن في صورة ادعاء. حق وضع التصورات والقيم والشرائع والأنظمة والأوضاع بمنزل عن لم يأذن الله) يعني حق وضع القوانين دون الالتزام بالقواعد – الأصول التي وضعها الله تعالي
    إسناد التشريع لله ومصلحة الجماعة:وهذا التصور الإسلامي للتشريع يوفر للمجتمع الذي يأخذ به الضمان الموضوعي المطلق لتحقيق مصلحة الجماعة، إذ لما كان تعالي ذو وجود مطلق فهو منزة عن طلب المنفعة﴿ والله الغني وانتم الفقراء ﴾ ،وهو اعلم بمنفعة خلقه ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ﴾ لذا فان مقصد شرعة منفعة حلقة وهو ما قررة علماء الإسلام. يقول ألشاطبي( إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا مصالح الناس وحيثما وجدت العمل به فيه حق لله من

    جهة وجوب العمل به وفية حق للعبد من جهة انه ما شرع إلا المصلحة)59
    ويقول العز بن عبد السلام (التكاليف راجعه إلى مصالح الناس في دنياهم وأخراهم والله غني عن عباده الكل و لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين) 60
    فشرعه تعالي قائم علي أصول ما تحقق للجماعة مصالحها في كل زمان و مكان، أما ما دون ذلك من مصالح متجددة ( مرسلة )متغيرة ومتطورة مكانا وزمانا ،فقد ترك الإسلام للجماعة وضعها علي الوجه الذي يحقق مصالحها في إطار أصول الشرع المطلقة ، وفى هذا ضمان موضوعي مطلق لان يحقق النظام القانوني مصلحة الجماعة وليس علي الوجه الذي يحقق المصالح الخاصة للمشرع وان تعارضت مع مصلحة الجماعة" أن الإنسان ليطغي، أن رآه استغني " كما أن هذه الأمر قرره العديد من علماء القانون فمؤلفا" الدفاع عن السلام" المذكور سابقاً يقولان ( .. إذ لا يمكن أن يترك للقضاة أو الحاكمين أن يقرروا بأنفسهم ما هو عادل أو ظالم).
    الممكن القانوني: الحديث السابق هو عن ما ينبغي أن يكون، أما ما هو كائن فهو أما تطبيق نظم قانونيه ذات مصدر ليبرالي تكرس الفردية والراسماليه والعلمانية... اى تكرس للتبعية القانونية للغرب ،أو تطبيق نظم قانونيه مبنية على اجتهادا فقهيه لمشاكل طرحها واقع غير واقعنا المعاصر( الاستضعاف- الاستكبار القانوني) ، أو تطبيق نظم قانونيه تخلط بين النوعين. والانتقال مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون يكون بما هو ممكن، وما هو ممكن هنا يأخذ أشكال عده منها،تهيئه المجتمعات المسلمة لتطبيق النظام القانوني الاسلامي بنشر الوعي بالإسلام كعقيدة وشريعة وفكر، ، الاجتهاد في فروع الشريعة المستندة إلي النصوص الظنية الورود والدلالة مع اتخاذ الاجتهادات الفقهية في هذا المجال نقطه بداية لا نقطه نهاية للاجتهاد الفقهي،العمل على أن يقوم النظام القانوني الاسلامي على حل للمشاكل التي يطرحها واقعنا الزماني والمكاني ،الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى في المجال القانوني ما لم تناقض اصل من أصول الشرع، العمل على توفير الشروط الموضوعية ( السياسية" الشورى" والاقتصادية" العدل الاجتماعي"....لتطبيق النظام القانوني الاسلامي،التدرج في تطبيق النظام القانوني الاسلامي...
    الموقف من النظم غير الاسلاميه: هناك من يكفر الحاكم الذي لا يطبق النظام القانوني الاسلامي استدلالا بالايه﴿ ومن لم يحكم بما انزل الله فاؤلئك هم الكافرون﴾ ، ويترتب على هذا وجوب كمحاربته ، غير أن هذا

    59 ألشاطبي ، الاعتصام، أماكن عدة
    60 العز بن عبد السلام، مرجع سابق.

    الموقف غير صحيح ،لان القران لم يقصر الحكم على من لم يحكم بما انزل الله على الكفر بل هناك الفسق والظلم﴿ فاؤئلك هم الفاسقون) ﴾ ﴿فاؤئلك هم الظالمون﴾،كما أن ابن القيم ميز بين الكفر الاعتقادى( إنكار اصل من أصول الدين) والكفر العملي( المعصية) كقوله ص "لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن" ،فالأول يوجب الخروج من الملة، والثاني لا يوجب ذلك ،لذا فان حكم الكفر لا ينطبق على الحاكم الذي لا يطبق الشرع، بل على الحاكم الذي ينقر الشرع. فضلا أن الكفر لا يوجب القتال إلا للكافر المحارب.
























    المبحث الثالث
    منهج التغيير
    منهج التغيير الاسلامي يهدف إلى الانتقال بالمسلمين، في كل زمان ومكان، من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار:السياسي،الاقتصادي،الاجتماعي،الحضاري... و الذى يمثل ما هو كائن ، إلى الاستخلاف بكل أشكاله: السياسية،الاقتصادية،الاجتماعية،الحضارية... والذي يمثل ما ينبغي أن يكون، وأدلته قوله تعالى﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ وقوله تعالى ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمه ونجعلهم الوارثون﴾.
    حول قاعدة التدرج: وهذا التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، الى ما ينبغي أن يكون استنادا إلى قاعدة التدرج التي قررها الإسلام،وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:
    اولا: التدرج فى التشريع: اى التدرج في بيان درجه الالتزام في القاعدة الشرعية المعينة( من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم او من الندب الى الوجوب...)،ومن أشكاله التدرج في بيان درجه الإلزام فى شرب الخمر من الاباحه عند قوله تعالى{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67], إلى الكراهة عند قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219], و قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43], إلى التحريم عند قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، غير ان هذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوة بوفاة الرسول(ص).
    التدرج في التطبيق: اى التدرج في تطبيق القاعدة الشرعية وليس في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاعها في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين )(61)
    (61)حلية الأولياء 5/282- صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128.
    مرحله الممكن( الاستطاعة): وهذه المرحلة لها مستويان:
    المستوى الاعتقادى: المستوى الاصلى لهذه المرحلة هو المستوى الاعتقادى، ذلك أن منهج المعرفة الاسلامي قائم على اسبقيه المعرفة على الفعل، والإيمان على العمل (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات), وبالتالي فانه طبقا له فان تغيير الفكر سابق على تغيير الواقع.
    وقد عبر البعض عن هذا المستوى أيضا بمصطلح الدعوة ، وهنا يجب ملاحظه أن الحديث هنا عن الدعوة كمرحله لا كفرض، إذ أن الدعوة كفرض باقية إلى يوم الدين، وأن الدعوة هنا ليست دعوة كفار أو مشركين إلى الإسلام ، بل دعوة للمسلمين بالارتقاء من بواقعهم مما هو كائن(الاستضعاف- الاستكبار) إلى ما ينبغي أن يكون(الاستخلاف) ، كما أن هذه الدعوة ليست فردية بل هى دعوة اجتماعية منظمة، اى تتم عبر جماعه ، ودليل ذلك بيعة النصح لكل مسلم في السيرة ، التي هي جزء من بيعة المسلمين للرسول (ص) على أعمال الإسلام ، فقد أخرج أبو عوانة في مسنده الجزء الأول أن جرير بن عبد الله تحدث يوم مات المغيرة بن شعبة فقال (أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له فإني بايعت بيدي هذه على الإسلام واشترط على النصح لكل مسلم فورب الكعبة إني ناصح لكم أجمعين) (أخرج البخاري أتم منه، الجزء الأول). وإذا كانت هذه البيعة للرسول (ص) فإن كل مسلم مأمور بالنصح كشرط للإسلام.
    ولهذا المستوى مضمون سالب هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى (المتضمن لنمطى التفكير شبه الخرافي والاسطورى)، كما أن له مضمون ايجابي هو تبنى نمط التفكير الاجتهادي (المتضمن لنمطى التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي).
    المستوى العملي: المستوى الفرعي لهذه المرحلة هو المستوى العملي ، اى مرحله الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن وأدلته: تقرير القران والسنة لقواعد الاستطاعة قال تعالى (فاتقوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ) وقال (ص) ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )(متفق عليه) ورفع الحرج قال تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]. والوسع قال تعالى(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286] يقول ابن كثير) وَقَوْله " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا " أَيْ لَا يُكَلَّف أَحَد فَوْق طَاقَته وَهَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَرَأْفَته بِهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ وَهَذِهِ هِيَ النَّاسِخَة الرَّافِعَة لِمَا كَانَ أَشْفَقَ مِنْهُ الصَّحَابَة فِي قَوْله " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه " أَيْ هُوَ وَإِنْ حَاسَبَ وَسَأَلَ لَكِنْ لَا يُعَذِّب إِلَّا بِمَا يَمْلِك الشَّخْص دَفْعه فَأَمَّا مَا لَا يَمْلِك دَفْعه مِنْ وَسْوَسَة النَّفْس وَحَدِيثهَا فَهَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ الْإِنْسَان وَكَرَاهِيَة الْوَسْوَسَة السَّيِّئَة مِنْ الْإِيمَان).
    مرحلة ماينبغى ان يكون( العزم) : و من أدلتها قوله تعالى(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور)( لقمان: 17)
    وقوله تعالى( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 )
    يقول ابن كثير( قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَعْنِي لَمِنْ حَقّ الْأُمُور الَّتِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهَا أَيْ لَمِنْ الْأُمُور الْمَشْكُورَة وَالْأَفْعَال الْحَمِيدَة الَّتِي عَلَيْهَا ثَوَاب جَزِيل وَثَنَاء جَمِيل)
    المستوى العملي: وهو المستوى الاصلى لهذه المرحلة، وهي مرحلة انبثاق جماعة من القاعدة المسلمة التي كونتها جماعة الدعوة.هذه الجماعة لها مهمة تحرير الأمم والشعوب المسلمة من كافة أشكال الاستضعاف_ الاستكبار الاقتصادي والسياسي والعالمي، وقيادتها إلى مرحلة الاستخلاف بالاحتكام إلى هذه الأمم والشعوب لا بالوصاية عليها، وأدلة ذلك:قال تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (الأنفال: 72)، فالآية ميزت بين جماعة الدعوة (الذين آمنوا ولم يهاجروا)، وجماعة التمكين (المهاجرين).وفي السيرة تبدأ مرحلة التمكين ببيعتي النصرة للأنصار والهجرة للمهاجرين وتستمر حتى تكوين دولة الإسلام في المدينة وما تلي ذلك.أخرج الإمام عن جابر قال: مكث رسول الله (ص) في مكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم وفي سوق عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول: "من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة … فتقدم سبعين رجلاً من الأنصار وبايعوه…. قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ….. وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة"66 (إسناده جيد على شرط مسلم)، فالبيعة دليل على أن جماعة التمكين مستقلة (تنظيماً) عن جماعة الدعوة وإن كانت متحدة (عقائدياً) معها.
    المستوى الاعتقادى: وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة، ومن أدلتها قوله تعالى(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122).


    المبحث الرابع: حقوق الإنسان
    تمهيد:نتناول في هذا المبحث حقوق الإنسان بين التصورين الليبرالي القائم على فكرة القانون الطبيعي ، والإسلامي على مفاهيم التوحيد والاستخلاف و التسخير.
    أولاً: التصور الليبرالي لحقوق الإنسان:-
    إن الفلسفة الليبرالية تستند إلى القانون الطبيعي، وهي فكرة ذات جذور في الفلسفة الإغريقية ،والمراد بكونه طبيعي أنه ذو فعالية تلقائية لا تتوقف على إرادة الإنسان، ومضمونه ( أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق من خلال سعي كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة).ومن هذا القانون استمد كل فرد حقوقاً سابقة على وجود المجتمع والدولة خالدة ومقدسة لا يجوز لنظام أن يمسها أسميت ( بحقوق الإنسان) يقول إيستمان : " إن للفرد حقوقاً أسبق وأسمى من حقوق الدولة "67 . ويقول " أن الحقوق الفردية ذات سمة مشتركة ، هي أنها تحد من حقوق الدولة ولكنها لا تفرض على الدولة أي عمل إيجابي ولا تطلب منها أية خدمة للمواطنين".68 يترتب على هذا أن التصور الليبرالي لحقوق الإنسان يتميز بالآتي:
    أولاً: يقوم على أن مصدر هذه الحقوق هو الإنسان نفسه، أي أنها حقوق طبيعية استمدها الإنسان من القانون الطبيعي المستقر في ضميره.
    ثانياً: إن هذا الحقوق تنصب على الفرد ،فالمقصود بالإنسان الليبرالي الفرد لا المجتمع فهي حقوق فردية مقدسة سابقة على وجود المجتمع، وبالتالي يجب التزام الدولة ( ممثل المجتمع) باحترام هذه الحقوق.وأول أوجه النقد للتصور الليبرالي لحقوق الإنسان أنها جعلت مصدر تلك الحقوق هو الإنسان نفسه، بموجب القانون الطبيعي المستقر في ضمير، أن واقع الممارسة أثبت فشل هذا القانون الطبيعي ،أي أن ترك كل واحد يفعل ما يشاء يؤدي إلى أن كثيراً من الناس لا يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون، أي يصبح للناس في ظل الليبرالية حقوقاً متساوية ،ولكنها تبقي بالنسبة للأغلبية حقوقاً شكلية غير ذات مضمون فعلي . وهنا نجد التصور الإسلامي يمتاز عن الليبرالي بأنه جعل مصدر هذه الحقوق هو الله تعالى لا الإنسان، لذا نجد في الفكر الإسلامي مصطلح (حق الله) بمعني أن مصدره هو الله تعالى تأكيداً لالزاميته يقول ألشاطبي " وإن كل حكم شرعي فيه حق الله من جهة وجوب العمل به وفيه حق للعبد من جهة أنه ما شرع إلا المصلحة69.
    67إيسمان – أسس القانون الدستوري ، صـ 239 عن الترجمة العربية للدكتور عصمت سيف الدولة ، الطريق .
    68 المرجع السابق ، ص 286
    69الشاطبي ، الاعتصام ، ص 52
    أما النقد الثاني فهو أن هذه الحقوق في التصور الليبرالي قد انصبت على الفرد، ففكرة أن هذه الحقوق السابقة على وجود المجتمع تعرضت للانتقاد حتى من بعض المفكرين في أوربا ذاتها منهم أميل دوركهايم ، جوزيف دي ميستير ، جورج دافي ، دي بولاند ، هانس كيلس70.
    كما يترتب على هذه الفكرة التزام الدولة ( ممثل المجتمع) بالتزام هذه الحقوق ،وهو ما يعني أن لا تتدخل الدولة لإقرار هذه الحقوق، إذ أن مجرد قبول مفكري الليبرالية مبدأ تدخل الدولة هو إقرار بسقوط القانون الطبيعي ، وهنا نشير إلى ما قرره مؤتمر دراسة حقوق الإنسان في الدول النامية عام 1964م في كابول " أن المفهوم المجرد لحقوق الإنسان يمثل على المستوى الطبقي ترفاً قد تستطيع الدول المتقدمة تحقيقه أما الدول النامية فهي في حاجة إلى دولة راعية مسئولة عن تحقيق لرعاياها تحقيق التنمية الكافية ليكون الإنسان إنساناً"71
    ثانياً: التصور الإسلامي لحقوق الإنسان:-
    أول ما يقابلنا في التصور الإسلامي لحقوق الإنسان أن مصدر هذه الحقوق هو الله تعالى، إذ أن الحق هو صفة من صفات ربوبيته تعالى. ﴿ فذلك الله ربكم الحق﴾ ﴿ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾هذه الصفة لها ظهور تكويني: ﴿ ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ﴿ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق﴾،ويتمثل في أن الله تعالى جعل للإنسان حقوقاً بحكم تكوينه، فالتصور الإسلامي هنا يلتقي مع التصور الليبرالي في ذلك، ولكنه يختلف عنه في أن هذه الحقوق التكوينية مصدرها الله تعالى لا حقوق مستقلة بذاتها عنه تعالى.كما أن لهذه الصفة ظهور تكليفي﴿ وقل الله يهدي للحق . ﴾،ويتمثل في الحقوق الأساسية التي قررها تعالى للإنسان في شرعه.والنقطة الثانية في التصور الإسلامي هي أن الله تعالى استخلف الإنسان في الأرض لتنزهه تعالى عن المحدودية بالزمان والمكان قال تعالى ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض... ﴾
    الحقوق الأصلية التي قررها الإسلام للإنسان
    أوضحنا فيما سبق أن لصفة الحق ظهور تكويني يتمثل في الحقوق التي جعلها الحق تعالى للإنسان بحكم تكوينه، كما أن لها ظهور تكليفي يتمثل في الحقوق التي قررها الحق تعالى للإنسان في شرعه ،وعلى هذا فإن تحديد الحقوق الأصلية في الإسلام يكون بالعودة إلى سنن الله في حركة الإنسان فرداً وجماعة والشرع وقد بينا سابقاً أن الشورى هي سنة إلهية تحكم حركة الفرد والجماعة وأن لها ثلاث خطوات:
    70أميل ميدو ، فلسفة الليبرالية ، 1950 ـ عن الترجمة العربية لعصمت سيف الدولة ، عن العربية والإسلام ، ص 445.
    71 عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ، ص 445
    1. معرفة المشاكل التي يطرحها الواقع المعين.
    2. التعبير عن الرأي بما هو حل لهذه المشاكل.
    3. العمل الجماعي لتنفيذ الحل الذي رآه الجمهور في الواقع
    وأن حياة الإنسان ( فرد أو جماعة) سابقة على حركته وعلى هذا فإن الحقوق الأصلية التي قررها الإسلام للإنسان تنقسم إلى أربعة حقوق هي:
    (ا)حق الحياة.
    (ب)حق التعبير
    (ج)حق المعرفة.
    (د)حق العمل
    ونتناول هنا كلا منها بالتفصيل:
    أولاً: حق الحياة:
    الحقوق التي قررها الإسلام للإنسان حق الحياة و الحفاظ عليها ، لهذا عد القرآن القتل جريمة ليس ضد الفرد فقط بل الإنسانية كلها. ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ
    فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ( المائدة : 32)
    وشرع القصص تأكيداً لهذا الحق وحماية له . " ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب" بل قرر الإسلام هذا الحق للإنسان قبل أن يولد فحرم الإجهاض يقول الغزالي " الإجهاض جناية على وجود حاصل ، فأول مراتب الوجود النطفة في الرحم فتختلط بماء الرجل فإفسادها جناية"72،ويتصل بحق الحياة حق توفير الدولة الإسلامية الحاجات الضرورية للناس من ملبس ومأكل ومسكن وحق تكوين الأسرة ،وقد فصلنا القول فيها فيما سبق ويكفينا هنا قول الإمام ابن حزم الظاهري " وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين لهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف و بمثل ذلك بمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة73 ويتصل بحق الحياة تحريم الإسلام تعذيب الإنسان لقول الرسول (ص) أن الله يعذب الذين يعذبون
    72 الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج2 – ص 65
    73 أبن حزم ، المحلي ، ج1- ص 156

    الناس في الدنيا" ( رواه مسلم) كما حرم الضرب بغير الحق أي العقوبة المقدرة شرعاً" ظهر المسلم حمى إلا بحقه" ( الطبراني) كما حرم التخويف " لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً ( أبو داود).
    ثانياً: حق المعرفة:
    -ثاني الحقوق التي قررها الإسلام للإنسان هو حق المعرفة، لذا قرر الإسلام إلزامية التعليم الاساسى التي نستدل عليها بقول الرسول (ص)( طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وكذلك مجانية التعليم الاساسى والتي تستدل عليها بقوله تعالى على لسان صاحب الشرع (ص) " قال لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله" ، يقول الغزالي " على المعلم أن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب على إفادته العلم أجراً ولا يقصد به جزاءاً ولا شكراً"، 74كما روى أبن داود عن أبي شيبه قال لرسول الله (ص) : يا رسول الله رجل أهدى لي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليس بمال عليها في سبيل الله فقال: أن كنت تحب أن تكون طوقاً من النار فأقبلها.
    ثالثاً: حق التعبير:
    وثالث الحقوق التي أقرها الإسلام للإنسان هو حق التعبير عن الرأي بما هو حل نظري للمشاكل الاجتماعية وقد فصلناه فيما سبق.
    رابعاً: حق العمل:وآخر الحقوق هو حق العمل لذا حث القرآن على العمل ﴿ .... فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ( الملك : 15) وجعل العمل أساساً للجزاء ﴿ أن ليس للإنسان إلا ما سعي
    وأن سعيه سوف يري ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ وعظمت السنة العمل" ما أكل طعاماً قط خير من عمل يده وأن نبي الله داود يأكل من عمل يده"( رواه البخاري)،ولحماية هذا الحق سن الإسلام حق الحصول على الأجر المناسب للعمل المناسب لقوله تعالى في الحديث القدسي " ثلاثة أما خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته... رجل أعطي بي ثم غدر ،رجل باع حراً فأكل ثمنه ،رجل استأجر فاستوفي منه العمل ولم يعطه حقه ( رواه البخاري).كما قرر الإسلام وجوب اختيار الشخص المؤهل للقيام بالعمل المعين وعدم جواز تنحيته وتوليه غيره لهوى أو رشوة أو قرابة 75 قال الرسول (ص) من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من أرضى الله منه فقد خان الله ورسوله ، وقال (ص) من أولى من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحد محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم".وهذه الحقوق الأصلية التي قررها الإسلام أما الحقوق الفرعية التي تجدد زماناً ومكاناً فقد ترك الإسلام للمسلمين الاجتهاد فيها وأباح لهم الأخذ بإسهامات غيرهم من الأمم بشرط
    أن لا تناقض أصلاً في الشرع.
    الممكن الحقوقي: أن ما سبق من حديث هو عما ينبغي أن يكون في مجال حقوق الإنسان ،أما ما هو كائن فهو أما انتهاك حقوق الإنسان بأشكالها المختلفة( مع التفاوت في مدى هذا الانتهاك) أو 74 الغزالي – حقوق الإنسان بين الإسلام وتعاليم الأمم المتحدة ،ص 72
    الأخذ بالمفهوم الليبرالي لحقوق الإنسان الذي يؤكد على الحقوق السياسية ويتجاهل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ويؤكد على حقوق للفرد ويتجاهل حقوق المجتمع، فضلا عن دعوته لحقوق تتناقض مع أصول الشرع، وما هو ممكن فيأخذ أشكال عديدة كإنشاء مؤسسات مستقلة
    للدفاع عن حقوق الإنسان، تفعيل الاجتهاد في حقوق الإنسان، الأخذ بإسهامات المجتمعات الأخرى في هذا المحال مادامت لا تناقض أصلا من أصول الدين، اتخاذ موقف نقدي من المفهوم الليبرالي لحقوق الإنسان يأخذ ما يوافق أصول الدين ورفض ما يخالفها...








    المبحث الخامس: العلاقات الدولية
    تمهيد:نتناول في هذا المبحث الرؤية الإسلامية للعلاقات الدولية من خلال تحديد مصطلح الاستكبار العالمي.ثم تناول دور الإسلام في مقاومة الاستكبار العالمي القديم و الجديد.
    تحديد مصطلح الاستكبار:الاستخلاف يتضمن إظهار ربوبية الله بإفراد العبودية له وحده ﴿ولا يتخذ بعضنا أرباباً من دون الله﴾، وهذه العبودية هي ضمان موضوعي مطلق لتحرير الناس من أشكال العبودية ،لأنها لا شك مناقضة لكون العبودية لله وحده، وكذلك لتحقيق المساواة بين الناس. والاستكبار يتضمن كتمان ربوبية الله تعالى بإسناد العبودية لغير الله سواء كان فرد أو فئة أو أمة، وهو بذلك نقض المساواة بين الناس ،لذا نجد هنا علاقة طرفها المستكبر وهو الذي أسند الربوبية لنفسه، والمستضعف الذي رضي بالعبودية لغير الله.وللاستكبار قسمان:
    الاستكبار الداخلي: وهو عبودية الجماعة المعينة (الأمة أو الشعب أو القبيلة … الخ) لفرد أو فئة منها، كما في حالة استكبار فرعون على شعب مصر، ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ﴾ (المؤمنين: 46).
    الاستكبار الخارجي أو العالمي: وهو عبودية جماعة أو جماعات لجماعة أخرى بالاستيلاء على إمكانياتها وتسخيرها لخدمة مصالحها كما في قوله تعال ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾...
    الرسل وتحرير المستضعفين: وقد جاء الرسل بالدعوة إلى إقرار العبودية لله وحده "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله …." وبالتالي الدعوة لتحرير المستضعفين من العبودية للمستكبرين كما قرر القرآن ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ ،غير أن هذه الدعوة كانت مقصورة على قوم معينين ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ….﴾ سواء كان عشيرة كما عند نوح وإبراهيم أو قبيلة كما عند أنبياء بني إسرائيل أو شعباً كما عند صالح، فجاء الإسلام دعوة عالمية ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ (سبأ: 22)، فهو بذلك غايته الارتقاء بالبشرية إلى طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي كما دلت عليه الآية ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾، فامتاز الإسلام عن الأديان السابقة له أنه دعوة لإفراد لله وحده في الأرض، بالتالي لتحرير الأمم والشعوب من العبودية لفرد أو لفئة داخلها أو العبودية للأمم أو شعوب أخرى. غير أن الاستخلاف الاجتماعي العالمي – كسائر الأطوار- إنما يتكون بأن يتضمن الطور السابق له تضمن الكل في الجزء، وعندما جاء الإسلام كانت البشرية بين طوري الشعب والقبيلة "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…" غير أن هذه الأطوار لم تكن تصلح أن تكون روافد طور العالمية فكان لابد من ظهور أرقى طور من طوري الشعب والقبيلة وهو طور الأمة ويمتاز عن الأطوار السابقة الآتي:
    • الاستقرار على أرض معينة، أي الديار بتعبير القرآن ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾.
    • فكانت الخلافة هي شكل الدولة الذي يجسد الاستخلاف الاجتماعي العالمي بما هي دولة مشتركة بين الأمم المسلمة عليها واجب نصرة المسلمين الذين لم يختصوا بديار فلم يصيروا أمماً في العقيدة ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام في كل مكان.
    أسباب مشروعية القتال في الإسلام:
    نصرة المسلمين في الدين وإقرار حرية الاعتقاد:على ضوء ما سبق نجد أن الإسلام أوجب القتال في حالتين :الأولى مرتبطة نصرة المسلمين غير الخاضعين لولايتهم السياسية في الدين ،ودعوة الناس للإسلام ، وهوما يقتضي قتالهم لغير المسلمين في حالة إكراههم على الردة عن دينهم وفتنته عنه " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله". وهذا يعني عدم إكراه المسلمين على ترك دينهم والدخول في الإسلام إذ أن هذا يعني إسناد صفة الهداية لغير الله ،فهو شرك في الربوبية نهى عنه الإسلام ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (القصص: 56)، ومن هنا كانت قاعدة حرية الاعتقاد في الإسلام ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾.وعلى هذا فإن قتال المسلمين كان إقرار حرية الاعتقاد في الأرض سواء، بعدم إكراه المسلمين على الردة عن دينهم أو عدم إكراه غير المسلمين ترك دينهم والدخول في الإسلام، وهذا الأمر واضح في آية القتال عند الحديث عن البيع والصلوات مع المساجد﴿ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد
    يذكر فيها اسم الله كثيرا"﴾،
    إخراج المسلمين من ديارهم وإقرار حق الأمم في تقرير مصيرها:إن الإسلام دعا للارتقاء إلى طور الأمة الذي تميز بالاستقرار على أرض معينة (ديار) ،وهنا نجد أن الإسلام أوجب القتال في حالة إخراج المسلمين من ديارهم ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾،وهذا يعني عدم إخراج غير المسلمين من ديارهم، كما يدل عليه النهي عن الاعتداء﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (البقرة: 190) وعلى
    هذا فإن قتال المسلمين كان لإقرار حق الأمم في تقرير مصيرها في لغة عصرنا.
    الإسلام ومقاومة الاستكبار العالمي القديم:
    الاستكبار الإمبراطوري:عندما جاء الإسلام كان الاستكبار العالمي السائد هو الاستكبار الإمبراطوري، والإمبراطورية هي دولة مكونة من شعوب وقبائل عديدة، ولكنها لم تكن دولة مشتركة بين الشعوب والقبائل المكونة لها بل كانت دولة أحد هذه الشعوب يفرض بها عبوديته على الشعوب والقبائل الأخرى، بتسخيرها لخدمة مصالحه منها: الإمبراطورية الهيلينية التي بدأت بغزو الإسكندر الأكبر آسيا الصغرى في عام 343 ق م ثم غرب آسيا وفارس والهند ومصر، ومنها الإمبراطورية الرومانية التي كانت مؤلفة من نحو مائة شعب والتي تأسست على يد أغسطس 27- 14 ق م، وشملت كل أوربا تقريباً وغرب آسيا وشمال إفريقيا، واستمرت 500 سنة، ثم فرقتها القبائل، ولتعود تحت حكم الباباوات فعلياً والأباطرة اسمياً منذ شارلمان 805 م، حتى قضى عليها نابليون 1806م ومنها الإمبراطورية الفارسية التي شملت كل الأرض من اليونان حتى الهند، وبقيت إلى أن ظهر الإسلام، ومنها الإمبراطورية الصينية تحت حكم أسرة ألهان التي استمرت 400 سنة من 202 ق م إلى 221 م، ثم مزقتها القبائل الغازية لتعود إمبراطورية مرة أخرى تحت حكم أسرة التانج 300 من 618م – 906م، ثم مزقتها جحافل المغول ليقيم على رفاتها أحد قادتهم قابلاي خان إمبراطورية جديدة، وبقيت الإمبراطورية الصينية تحت أسرة المانشو تأخذ الجزية من منغوليا ومنشوريا وتركستان وبورما ونيبال وكوريا حتى أواخر القرن الثامن عشر.
    الخلافة والمساواة بين الأمم:انفردت الخلافة عن سائر الدول بأنها مشتركة تضمن المساواة بين الشعوب والقبائل المكونة لها، أي كانت الخلافة دولة المسلمين كلهم ودولة كل أمة أو شعب أو قبيلة على حده، وكان كون الخليفة أموياً أو عباسياً أو عثمانياً لم يكن يعني أنه ينتمي إلى عشيرته أو أو قبيلته أو شعبه بأن يفرض عبوديتها وسيطرتها على ما يحكم من الأمم والشعوب والقبائل.
    الفتح الإسلامي:وعندما جاء الإسلام كانت البشرية بين طوري الشعب والقبيلة، وهي أطوار لم تتميز بالاستقرار في أرض معينة أو ديار، لذا كان شكل الدولة غير ثابتة الحدود المكونة من خليط من الشعوب والقبائل فنهى الناس عن إخراج الناس عن ديارهم، غير أن هذا لم يكن متوقفاً على الطرف العربي الإسلامي وحده، ولم يكن من قوانين الإمبراطوريات منها الفارسية والرومانية الكف عن القتال. ولهذا لم يكن في استطاعة المسلمين أن يقيموا في الجزيرة دولة ثابتة الحدود، بل لابد من أن يقاتلوا في الحدود الشمالية للجزيرة العربية حتى لا تذهب الجزيرة ضحية الإمبراطورية الفارسية أو الرومانية، لذا لم يكف العرب المسلمون عن الفتح طالما كانوا قادرين ،وحين عجزت الدولة العثمانية عن الفتح توقفت ثم بدأ الدفاع ثم الاقتطاع.
    القتال في عهد اكتمال الأمم:
    ثم أن دولة الخلافة أتاحت للعديد من الشعوب والقبائل أن تصير أمماً مكتملة كالأمة العربية والإيرانية والتركية، وعلى مستوى العالم دخلت العديد من الشعوب طور أمة وكاد أن ينتهي طور القبيلة ،فأصبح شكل الدولة هو شكل الدولة ذات الحدود الثابتة والشعب الواحد، وألغى حق الفتح ،وحل محله حق الأمم في تقرير مصيرها ،مؤداه أن من حق كل أمة أن تستقل عن غيرها من الأمم الأخرى بالأرض التي تقيم عليها، أصبحت الحرب أما مشروعة إذا كانت دفاع أمة عن أرضها وإما غير مشروعة إذا كانت اعتداء على أرض تخص أمة، وقاعدة حق تقرير المصير ما هي إلا شكل جديد لقاعدة النهي عن إخراج الناس من ديارهم.
    نقد لرأي:غير أننا نجد أن هناك من رأى أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً)، وغزو العالم لنشر الدعوة ،وإلى هذا ذهب سيد قطب في تفسير سورة التوبة "إن السورة بهذه الاعتبارات ذات أهمية خاصة في بيان طبيعة المنهج الحركي للإسلام ومراحله وخطواته حيث تراجع الأحكام النهائية التي تضمنتها مع الأحكام المرحلية التي جاءت في السور قبلها وهذه المراجعة تكشف مدى مرونة ذلك المنهج، وعن حسمه كذلك" فيرى أن السورة تتضمن "تحديداً للعلاقة بين المعسكر الإسلامي والمشركين عامة في شبه الجزيرة العربية" في المقطع الأول منها كما أن المقطع الثاني
    "تضمن تحديداً للعلاقات النهائية كذلك بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب عامة….، وعن انحراف أهل الكتاب عن دين الله الصحيح عقيدة وسلوكاً بما يجعلهم في اعتبار الإسلام ليسوا على دين الله الذي أنزله لهم والذي به صاروا أهل الكتاب".76.كما ذهب تقي الدين النبهاني إلى ذلك في قوله (إن قول رسول الله عليه الصلاة والسلام وفعله يدل دلالة واضحة على أن الجهاد هو بدء الكفار بالقتال لإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام).
    • هذا الرأي مبني على أخذ مذاهب الفقهاء الذين بنوا اجتهادهم على واقعهم وهو واقع الدولة غير ثابتة الحدود متعددة الشعوب والقبائل دون مراعاة واقعنا، واقع اكتمال تكوين الأمم وانتهاء طور القبيلة، وما أفرزه من الدولة ثابتة الحدود والشعب الواحد، يقول محمد الغزالي "إن مبدأ المعاملة بالمثل كان وراء أحكام فقهية وصفت بأنها شرعية والواقع أنها لم تقم اعتماداً على نص، وإنما على القصاص مما ينزل بالمسلمين"77
    وقال الشيخ محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن آراء الفقهاء في عدم جواز الصلح الدائم" ولقد أثاروا تحت تأثير حكم الواقع الكلام في جواز إيجاد معاهدات لصلح دائم وإن المعاهدات لا تكون إلا بصلح مؤقت لوجود مقتضيات هذا الصلح، إذ أنهم لم يجدوا إلا حروباً مستمرة مشبوبة موصولة غير مقطوعة إلا بصلح مؤقت وقد قرر الكثيرون منهم أن الصلح لا يقع إلا مؤقتاً إذ ما كان يرى إلا ما أيدته الوقائع المستمرة ثم يقول "والحق أن أقوال الفقهاء لا تعتبر وحدها حجة في الإسلام ولا حجة عليه إلا بمقدار قربها من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والوقائع الزمنية لا تحكم على القرآن بل القرآن هو الحاكم عليها78ويدل على هذا أن هناك علماء خالفوا ما قرره هؤلاء الفقهاء، فنجد ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد الكفر "وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصودة أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة- كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم- فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله. وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"وفي السنة عن النبي (ص) أنه مر 76سيد قطب، في ظلال القرآن، ج10، ص1564.
    77محمد الغزالي، جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج، الجزائر، ص87. 78
    78محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام "الدار القومية، القاهرة، 1384م، ص78-79.
    على امرأة مقتولة في بعض مغازية قد وقف الناس عليها فقال "ما كانت هذه لتقاتل"، وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً "وفيها أيضاً عنه (ص) يقول: لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا إمرأة. وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى "والفتنة أشد من القتل"، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم يكن كفره إلا على نفسه79واسند أصحاب مذهب قتال المسلمين إطلاقاً إلى القول بأن آية السيف ناسخة لكل الآيات التي تدعو للسلم
    وهي الآيات:
    ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن
    تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 5). ﴿ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ
    بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ
    عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29).
    غير أن هذه الآيات لا تفيد قتال غير المسلمين إطلاقاً، وبالتالي تنسخ الآيات الداعية للسلم، بل هي مقيدة بالحالات التي أباح الإسلام فيها قتال غير المسلمين التي أوضحناها، وهي إخراج المسلمين من ديارهم ،أو إكراههم على الردة على دينهم ،يقول الشيخ محمد الغزالي "يشيع بين المفسرين أن آية السيف نسخت ما جاء قبلها، وعند التحقيق لا يوجد ما يسمى آية السيف، وإنما هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الإسلام أو في مقاتلتهم أحياناً لأسباب لا يختلف المشرعون قديماً وحديثاً على وجاهتها وعلى أنها لا تنافي الحرية الدينية في أرقى المجتمعات80. ويقول " إن الاضطراب الفكري انتقل إلى نصوص الكتاب والسنة فإذا بتيار الفوضى يلغي باسم النسخ نحو 120 آية قرآنية
    ، ويعوج بمفهوم آيات أخرى ويخرج الإسلام للناس في صورة دميمة.81ويرى الشيخ رشيد رضا "أن آية السيف تتراوح الآية الخامسة من سورة التوبة الداعية إلى قتال المشركين كافة كيفما يقاتلون المسلمين كافة، وإنها غير ناسخة لغيرها من الآيات ويستشهد بما قاله السيوطي من أن أياً من الآيتين ليس ناسخاً لغيرها من الآيات التي تتناول علاقة المسلمين بالمشركين ولكن لكل منها حكماً يسري في ظرف معين، ويرى أن الدعوة إلى مقاتلة المشركين هو رد على مبادأة المشركين 79 ابن تيمية، السياسة الشرعية.ص51. 80 محمد الغزالي، جهاد الدعوة ،ص24.
    81 المرجع السابق،نفس المكان.

    القتال، وأن المقصود بالآيتين مشاركي جزيرة العرب وليس مشركين الأرض، أما الآية 29 الخاصة بأهل الكتاب فإن نزولها جاء تمهيداً للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ فضلاً عن أن المقصود بها ليس أهل الكتاب ولكن فريقاً منهم له شروط أربعة معينة ذكرتها الآية الكريمة82 وهنا نتناول تفسير كل آية على حده.
    قال تعالى ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾. يقول محمد الغزالي "سبب البراءة من عهدهم والدعوة إلى قتالهم ليس كونهم مشركين لكن كونهم معتدين وناكثين بعهودهم وهؤلاء على
    وجه الخصوص من نزل فيهم قوله تعالى "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم …. (التوبة: 5) ثم يضيف " يأتي عقل مفسر فيقول أن المقصود بهذه الآية كل كافر على وجه الأرض أساء أم أحسن، وفي أمر غدر ظلم أم أنصف، ثم يطلق على الآية المحددة آية السيف، ويلغي بها مائة آية في العرض الهادي والجدال الحسن والوعظ البليغ قال تعالى "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى تعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" يقول الشيخ رشيد رضا "قاتلوا – هذا الفريق من أهل الكتاب – عند وجودها يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم كما فعل الروم فكان سبباً لغزوة تبوك"83 يقول الشيخ عبد المتعال الصعيدي " هذه الآية واردة فيمن قاتل المسلمين من الروم ويهود الحجاز قال تعالى "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" (التوبة: 36).84
    يقول الشيخ عبد المتعال الصعيدي "المراد بهم مشركي العرب جميعاً لا قريش وحدهم لأنهم كانوا قد انضموا إلى قريش85قال الشيخ الغزالي يقول: سمعت من يحتج بالآية وقاتلوا المشركين كافة" فقلت له ألا تكملها؟ أليس بعدها .. كما يقاتلونكم كافة.فأين في الآية الدعوة إلى الهجوم وإعمال السيف في الناس قوله تعالى "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" الدين الجزاء لا الدين الإسلام"86
    82رشيد رضا، تفسير المنار، ج10، ص255.
    83. رشيد رضا، تفسير المنار، ج10، ص255
    84-85 عبد المتعال الصعيدي، حرية الفكر في الإسلام، ص76
    86 محمد الغزالي، ص189
    الإسلام ومقاومة الاستكبار العالمي الحديث:
    الاستكبار الاستعماري:بقيام الثورة الفرنسية ولد النظام الرأسمالي الذي تطور من المنافسة الحرة إلى الاحتكار، ومن رأسمالية احتكارية داخل حدود الأمة إلى احتكارية أممية أي من فرض عبودية الأمم الأوربية للطبقة البرجوازية إلى فرض عبودية سائر أمم الأرض لهذه الأمم الأوربية، وهو ما يسمى بالاستكبار الاستعماري، ويقوم على الاستيلاء بالقوة على إمكانيات الأمم المستضعفة وتسخيرها لخدمة الإنتاج في الأمم المستكبرة.وقد استهدف ضمن من استهدف، الأمم والشعوب المنضوية تحت الخلافة فعمل عليها بإلغاء وحدتها ،وكانت إيران مستقلة فعمق تناقضها مع دولة الخلافة وسائر ثورات شعوب البلقان المسيحية ،وتحالف مع الحركة القومية التركية العلمانية ،واختار تجزئة الأمة العربية ،لأن تجزئتها ضمان لعدم اتحادها مع غيرها من الأمم المسلمة، كما أقام إسرائيل كحارس لهذه التجزئة.
    الاستكبار الإمبريالي:وفي النصف الأخير من القرن العشرين ظهرت حركات التحرر من الاستكبار الاستعماري ،فجلت الجيوش عن الكثير من الشعوب المستضعفة، لتفسح المجال إلى أسلوب جديد للاستكبار العالمي قائم على الاستيلاء بالإكراه الاقتصادي، بدل القوة العسكرية على إمكانيات الأمم المستضعفة وتسخيرها لخدمة الإنتاج في الأمم المستكبرة.
    علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في العصر الحديث:طبقا لما سبق فان علاقة الدولة الاسلاميه بغيرها من الدول في العصر الحديث فهي:
    علاقة حرب في حالة الاعتداء على ديار المسلمين أو فتنة المسلمين عن دينهم ،أو دار حرب في اصطلاح الفقهاء.علاقة سلم مع الأمم مادامت لم تعتد على ديار المسلمين أو تفتنهم عم دينهم، أو دار عهد في اصطلاح الفقهاء. وهذا يعني أن الإسلام لا يعارض قيام منظمات عالمية مثل هيئة الأمم المتحدة "مع العمل على تحريرها من سيطرة القوى الاستكبارية كي لا تجسد عبودية الأمم والشعوب لأمة معينه أو أمم معينه"، إذ هي شكل جديد لدار العهد التي أوضحها الفقهاء في مرحلة اكتمال الأمم وانتهاء طور القبلية، وكما في قوله تعالى ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ
    أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾( النحل: 93).
    يقول الشيخ أبو زهرة ( أن تكون أمة أكثر عدداً ونماءً وسعة في الأرض من أمة أخرى فإن القوة التي تكون من نقض العهود مآلها الزوال) 87
    هناك من يرى عدم جواز انضمام الدولة الإسلامية إلى منظمات دولية بحجة أن الإسلام لا يبيح الحلف مع الكفار، وهذا غير صحيح على إطلاقه بل مقيد بشروط.87قال (ص) "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به من حمر النعم، ولو دعي به قبل الإسلام لأجبت" (رواه أحمد رقم 1655 و 1676)، وهو عن حلف الفضول وسببه أن رجلا قدم إلى قوم مكة ببضاعة وباعها على العاص بن وائل من الأشراف، فحبس عنه حقه، فطلب النصرة فاجتمعت زهرة وهاشم.
    وتميم بن مرة في دار ابن جدعان تعاهدوا أن يكونوا يداً واحدة مع المظلوم على الظالم، وانتزعوا الحق من العاص وكان ذلك في الجاهلية (قول الرسول (ص) صريح لو عرض إليه في الإسلام لأجاب، أي يقبل التحالف مع غير المسلمين لنصرة المظلوم .كذلك ما ورد في السيرة من تحالف بني هاشم وبني عبد المطلب مسلمهم ومشركهم لحماية النبي (ص) ولم ينقضوا عهدهم للنبي رغم الحصار من قريش الذي ظل أكثر من عامين88وكذلك ما ورد في السيرة أن النبي (ص) بعث المطعم بن عدي يستجيره فقبل وتسلح ودعا أولاده وقومه، فلبسوا السلاح وانتشروا عند الكعبة وأعلن لهم ذلك، فأرسل إلى النبي (ص) ليدخل الكعبة في جوارهم فدخل الكعبة وأعلن المطعم لقريش أن محمد في جواره فصلى النبي (ص) ركعتين وعاد إلى بيته لذا قال (ص) في أسرى بدر "لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني فيهم لتركتهم له.89 وكذلك ما ورد في الوثيقة بالمدينة من التحالف بين المسلمين وغيرهم لمحاربة من يحارب أهل الصحيفة.
    مفهوم الإرهاب: ربط بعض الغربيين بين مفهومي الجهاد والإرهاب لذا وجب تعريف مفهوم الإرهاب وبيان موقف الإسلام منه ووجه الاختلاف بينه وبين مفهوم الجهاد
    تعريف الإرهاب:
    1. فعل ( العنف: فهو استخدام القوه أو العنف)
    ذو طبيعة معينه:
    ا/عدم الشرعية: بشكل غير شرعي قانونيا وأخلاقيا ودينيا.

    87 محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، ص40
    88السيرة النبوية، محمد بن عبد الوهاب، ص93
    89.السيرة النبوية، مرجع سابق، ص50

    ب/عدم شخصيه المستهدف: ولا ينم فيه اختيار المستهدف يشكل شخصي بحيث يمكن استبداله بأخر( بخلاف الاغتيال السياسي)
    2. نتائج( الضرر:يؤدى إلي إحداث ضرر مادي أو جسدي أو نفسي)
    3. هدف: ( تغيير السياسات:ويهدف إلي في تغيير في سلوك فرد أو جماعه أو مؤسسه أو دوله تجاه الفاعل)
    وطبقا للتعريف السابق للإرهاب نجد أن الإسلام يرفض الإرهاب للاتي:
    1- شرعيه استخدام القوه: يرفض الإسلام اى استخدام للقوه خارج إطار الشرعية الدينية والقانونية
    والاخلاقيه التي تتمثل في الإسلام كدين ومصدر للأخلاق والقانون" من قتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناي جميعا"
    2- شخصيه العقاب: كما يرفض عدم الشخصية المستهدف بالعقاب ﴿ ولا تزر وآزره وزر أخرى" " وان ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وحدد شخصيه المستهدف في الحرب بالمحارب ينقل ابن تيميه( وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة- كالنساء والصبيان
    والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم- فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله).
    3- النهى عن الإفساد في الأرض: كما يرفض إحداث الضرر بأشكاله المختلفة إلا في إطار الشرعية وهو ما عبر عنه القران بالإفساد في الأرض﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾.﴿ وإذا تولى يسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يجب الفساد﴾ كما أوجب عقاب المفسدين في الأرض﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا.. ﴾.
    وبناء على ما سبق نجد انه لا وجه لصحة اتهام بعض الغربيين لمفهوم الجهاد بأنه شكل من أشكال الإرهاب الديني . كما انه لا يجوز نسبه بعض إعمال العنف التي تقوم بها بعض الجماعات المغالية إلي الجهاد وذلك للاتي: .
    مفهوم التترس: هذه الأعمال قد يترتب عليها قتل المسلمين، وقد برروا ذلك بالاستناد إلي مفهوم التترس اى جواز قتل المسلم إذا تترس به الكافر وهذا التبرير غير صحيح للاتي:
    - أن التترس لا يكون إلا في حاله الحرب( الاشتباك العسكري)
    - أن من أباحه جعل له شروط لا تنطبق على هذه الأعمال هذه الشروط هي: أن تكون المصلحة منه1- ضرورية( اىلا يحصل الوصول إلي الكفار إلا بقتل الترس)2- كليه( اى أن عدم قتل الترس يترتب عليه أن يستولى الكفار على كل آلامه)3- القطعية( أن تكون المصلحة حاصله قطعا)( 90)
    - هناك من الفقهاء من حرم الترس كالإمام مالك استنادا إلي الايه﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطاوهم فتصيبكم منهم معرة دون علم.. ليدخل الله في رحمته من يشاء.. لو تزايلو لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما﴾ فالايه تفيد وجوب مراعاة الكافر في حرمه المسلم
    الممكن الدولي: إذا كان الحديث السابق عن ما ينبغي أن يكون، فان ماهو كائن هو واقع انتهاء
    النظام العالمي ثنائي الأقطاب، ومحاوله فرض نظام عالمي أحادى القطب( الولايات المتحدة
    الامريكيه)( اى واقع الاستضعاف- الاستكبار العالمي الامبريالى) ، الانتقال مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون لا يتم إلا بما هو ممكن ، وما هو ممكن في مجال العلاقات الدولية يأخذ أشكال عديدة كالعمل مع الدول والمؤسسات الدولية والجماعات السياسية المختلفة من اجل إيجاد نظام عالمي متعدد الأقطاب، التحرر من التبعية السياسية حسب قدره الدول الساسيه والاقتصادية، تفعيل دور المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة كأدوات للتعاون الدولي لا التبعية الساسيه، جعل معيار التعامل مع الدول الأخرى المصلحة الوطنية القومية و الدينية...













    90قرطبى ، الجامع لأحكام الفران، ج16، ص285
    المبحث السادس:حقوق الأقليات الدينية
    يمكن تناول مشكله الأقليات الدينية بناءا على تقرير الإسلام لمبادئ،الحرية، المساواة. الجمع بين الوحدة والتعدد
    الجمع بين الوحدة التعددية: التصور الاسلامي استنادا إلي مفهوم الوسطية يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد، فهو يؤكد على وحده المجتمع( بتقريره المساواة) وكما يؤكد على التعددية وحرية الإفراد المكونين له( بتقريره الحرية) وقد تناول كلاهما على المستويين التكليفى والتكويني:
    أولا:الوحدة :
    المستوى التكويني : يتمثل في تقرير الإسلام وحده الكون ووحده البشر ، بمعنى وحده الأصل البشرى، المساواة بين إفراده ، بخضوع كل الناس لذات السنن الالهيه الكلية والنوعية التي هي ظهور لأراده الله ﴿ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم ﴾
    المستوى ألتكليفي : يتمثل في تقرير مفهوم وحده الدين بمعنى وحده مصدر كل الأديان السماوية (الله تعالى) ، وان الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وانه ليس نفي أو إلغاء لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها، فهو أكثر اكتمالا باعتباره أخر وارقي مراحل الوحي فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغني ولكن لا يلغيه ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، ﴾ ( المائدة:48)
    بخلاف نظريه وحده الأديان التي رفضها علماء أهل ألسنه، والتي ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي، وبالتالي فان علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق، مما يؤدى إلي انتفاء الموضوعية .
    ثانيا: التعددية:
    المستوى التكويني : يتمثل في تقرير القران التعدد كسنه إلهيه﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً )المائدة:48) ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم:22).
    المستوى التكليفى: ويتمثل في تقرير تعدد الشرائع.
    بناءا على ما سبق اقر الإسلام تعدد الانتماء الديني في الامه الواحدة دون أن يمس هذا التعدد وحده الامه لذا نجد في القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة بين المنتمين إلي أديان متعددة في أمه واحده،فهو يدعو أهل الكتاب إلي ما هو مشترك في الأديان السماوية لا التخلي عن دينهم والانتماء إليه فهو يدعوهم معه لا يدعوهم إليه﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ﴾ وفى هذه الحياة المشتركة يكون الحوار حول أيهم اصح عقيدة دون أن يمس أو يهدد الحوار هذه الحياة المشتركة ولا ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾. وهنا نتناول جمله من الحقوق التي قررها الإسلام للمنتمين إلي الأديان الأخرى:
    إسناد الأعمال لغير المسلم:إذا كان هناك من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد فان هناك من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء حيث يرى ابن العربي" أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به(ابن العربي، 16،268) كما جوز الماوردي وأبو يعلى للرئيس أن يتولى وزاره التنفيذ دون ولاية التفويض وتاريخيا استعان بهم الخلفاء.والذي نراه وجوب التمييز بين غير المسلم المواطن وغير المسلم الاجنبى، فالأول يحق له إسناد الأعمال له مادام شرط الكفائه متوفر له، لأنه جزء من حق المواطنة أما الثاني فيتوقف على مصلحه الدولة.
    الشورى:كما يحق له الأخذ برأيه في الشورى لان مجال الشورى هو الفروع لا الأصول يقول ابن كثير في تفسير الايه اسألوا أهل الذكر( اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف)(3/215).
    الحرية الدينية:قرر الإسلام الحرية الدينية ممثله في حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر والأحوال الشخصية، بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي لا إكراه في الدين.
    مفهوم أهل الذمة:الذمة لغة العهد والكفالة والضمان والأمان(91) أما اصطلاحا ( التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم)(92)هو تقرير حقوق المواطنة لغير المسلم في الدولة الاسلامي(اليهود أمه مع المؤمنين) مع احتفاظه بحريته الدينية على المستوى الدستوري( في ذمه الله ورسوله) ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الاغلبيه المسلمة مادام قائما بواجباتها.
    التمييز:أما التمييز بين الذميين والمسلمين فلم يقل به احد من المتقدمين وقال به بن تيميه وابن القيم في مرحله تاريخية لاحقه لوقوف بعض الذميين مع التتار ضد المسلمين من باب الاحتراس فهو ليس قاعدة بل حكم تاريخي مربوط بظروف معينه(93)
    (91)الفيروز ابادى، القاموس المحيط، 4/115.
    (92) أبو زهره المجتمع الانسانى، ص 194 .
    (93) عبد العزيز كامل، معامله غير المسلمين ج1، ص199.

    مفهوم الجزية:
    أما الجزية فهي حكم من أحكام الحرب كبدل للإعفاء من الجندية ورد في الصلح مع نصارى نجران( ليس على أهل الذمة مباشره قتال وإنما أعطوا الذمة على أن لا يكلفوا ذلك) لذا لا تؤخذ في حاله أداء الخدمة العسكرية كما في الدولة الحديثة إلي هذا ذهب رشيد رضا ووهبه الزحيلى وعبد الكريم زيدان( 94)(95) وهناك سوابق تاريخية تؤيد ذلك ففي صلح حبيب بن مسلم للجراحجه( أنهم طلبوا الأمان والصلح فصالحوه على أن يكونوا أعوانا للمسلمين وان لا يؤخذوا بالجزية)(96) ومع أهل ارمينه( أن ينفروا لكل غاره... على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلي ذلك)(97).















    (94)وهبه الزحيلى، أثار الحرب،ص698 .
    (95)عبد الكريم زيدان الفرد والدولة،ص98.
    (96)البلاذردى، فتوح البلدان،ج1/ ص217.
    (97)الطبري، تاريخ الأمم، ج 5،ص 257.
    المبحث السابع: القضية الفلسطينية
    تمهيد:سبق بيان إن الاستخلاف الاجتماعي هو إبدال وتغيير قوم بآخرين كما في قوله تعالى ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ وهو يتم عبر أطوار هي:الأسرة ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة …﴾ " فالعشيرة ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾فالقبيلة فالشعب ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا …."﴾ فالأمة ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة أربى من أمة﴾ فالعالمية﴿ وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين﴾.وكل طور يتكون بأن يتضمن الطور السابق له تضمن الكل لأجزائه وأن الأنبياء عليهم السلام لم ينكروا هذه الأطوار وإنما أنكروا اتخاذها غاية مطلقة (الطاغوتية) ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، كما أنكروا فرض عبودية جماعة على جماعة (الاستكبار)، فهم بذلك تضمنت دعوتهم الارتقاء بقومهم إلى طور أرقى من أطوار الاستخلاف الاجتماعي.
    تاريخ بني إسرائيل في القرآن:وكانت بداية بني إسرائيل (عشيرة) إبراهيم في العراق ويورد لنا القرآن محاورته للذي آتاه الله الملك وتحطيمه لأصنام قومه ومحاولتهم حرقه، وأن الله أنجاه ﴿يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾، ثم بدأت جولتهم إلى فلسطين ثم مصر ثم الحجاز ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادي غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة﴾ ثم العودة إلى فلسطين.ثم يعود بني إسرائيل إلى مصر مرة أخرى بدعوة من يوسف بن يعقوب عليهما السلام الذي تولى منصب في حكم مصر ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾، وفي عهد موسى عليه السلام ذهبوا إلى سيناء من اضطهاد فرعون ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (إبراهيم: 6)
    وفي هذه المرحلة كانوا قد دخلوا طور القبيلة بكل خصائصه، ثم عادوا إلى فلسطين تحت حكم أنبياء﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا

    وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ (البقرة: 246) وهذا يعني محاولة الاستقرار في الأرض (كشعب)، وفي هذه المرحلة كان حكم سليمان وداود عليهما السلام.
    إتاحة الفرصة لاستخلافهم كأمة وانتزاعها منهم:لما كان الاستخلاف الاجتماعي قائم على أن الله تعالى يتيح لجماعة معينة الفرصة لتحقيق الاستخلاف فإن التزموا شروطه تحقق لهم وإن لم يلتزموا بها انتزع منها، وأتيحت الفرصة لجماعة أخرى ﴿إن يشأ الله يذهبكم ويستخلف من بعدكم من يشاء﴾ ، فقد أتاح الله لبني إسرائيل الفرصة ليرتقوا إلى طور الأمة، لا كغاية في ذاتها ولكن لتكون نواة طور العالمية الذي تكون الأمم وروافده ﴿قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ ويتضح لنا هذا من دعوتهم للاستقرار في الأرض ليخضعوا بها فتكون ديارهم ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة: 83).
    أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يتجاوز لدعوته محيط قبيلته بأن يدعوا فرعون مصر ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ فكان ذلك بشرى بعالمية الدعوة. غير أن بني إسرائيل لم يلتزموا بشروط الاستخلاف كأمة – نواة، ويتضح لنا هذا من تحريفهم الدين بما يكرس خصائص الطور القبلي الذي يحيل القبيلة إلى كل مغلق.
    فمن خصائص الطور القبلي أن لكل قبيلة إلهها أو آلهتها المقصورة عليها، والمعترف به من القبيلة المعنية ومن القبائل الأخرى وقد جاءهم الرسل بالتوحيد لكنهم حرفوا العقيدة إلى القبلي (يهوه) ونجد مقدمات ذلك الانحراف في قولهم لموسى ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم على أصنام لهم عاكفون قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون﴾.ومن خصائص الطور القبلي التضامن الداخلي بين أفراد القبيلة والعدوان الخارجي وقد جاءهم الرسل بقيم أخلاقية عامة كتحريم الربا والأمانة …. فأحالوها إلى قيم قبلية مقصورة على أفراد القبيلة لا تسري على من سواهم ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 75).
    كما أن خصائص الطور القبلي الهجرة من مكان إلى آخر وعدم الاستقرار في أرض معينة، ورغم أن الرسل دعوهم إلى الاستقرار في الأرض لتكون ديارهم ويرتقوا بذلك إلى طور الأمة إلا أن بني إسرائيل لم يلتزموا بذلك فتخاذلوا عن الدفاع عن ديارهم، والأرض في تلك المرحلة لم تكن تخص الشعب الذي يقيم عليها إلى المدى الذي يستطيع أن يدافع عنها﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 246)،
    كما دار صراع قبلي بينهم ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (البقرة: 85).
    وهنا نزع الله تعالى من بني إسرائيل الفرصة التي أتاحها لهم ليرتقوا إلى طور أمة مستقرة في أرض معينة فهي ديارها كنواة لطور الاستخلاف الاجتماعي العالمي وقضى عليهم أن يكونوا أشتاتاً قبلية تنتمي إلى سائر أمم الأرض ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ (البقرة). قال المفسرون المراد بحبل من الناس عهد الذمة والأمان وهو ما يعني انتمائهم إلى أمم أخرى يقيمون في أرضها دون أن تكون خاصة بهم. ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: 61).﴿ل لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ (المائدة: 78). وأخذ انتزاع فرصة استخلاف بني إسرائيل كأمة في التاريخ شكل استيلاء الغير على الأرض التي كانوا مقيمين فيها فلا تكون لهم أرض خاصة وما صاحب ذلك من الأسر والإبادة، فيحدثنا التاريخ أنهم سيقوا إلى العراق أسرى على دفعتين دفعة ساقها ملك أشور، ودفعة ساقها ملك بابل، وفي 935 ق. استولى دار ملك الفرس على كل الأرض التي كانوا يجولون فيها ثم من بعد الفرس استولى عليها الرومان عام 85 ثم انتهى تاريخهم عام 70 بعد الميلاد حين أبادهم الرومان جملة، ودكوا مواقع إقامتهم وأحالوا هيكلهم المقدس رماداً. وإلى هذه الحقائق أشار القرآن﴿ جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباد لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً …… فإذا وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تدبيراً﴾ أورد المفسرين في المراد بوعد أولاها قال الطبري "كان أول الفساد، قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط ... وأورد رواية ثانية في أن "صاحب المرة الأولى هو يختصر ملك بابل وأورد عن مجاهد أنهم – أولي باس الشديد – من فارس".
    أما ابن كثير فقال " اي سلطنا عليهم جندا من خلقنا أولي باس شديد ثم يقول ثم اختلف السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم،إلى أن قال: وقد اخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط لله عليهم عدوهم ثم ذكر روية عن سعيد بن المسبب بأنه بختصر.
    أما الفخر الرازي "قال (فإذا جاء وعد أولاهما) معناها أولي المرتين واختلفوا في هؤلاء العباد فقيل سلط اله عليهم بختصر فقتل منهم أربعين إلفا ممن يقر التوراة،وذهب بالبقية إلى بابل ...والقول الثاني ان الله تعالى عليهم جالوت، والقول الثالث هم المجوس فقد قصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم".
    أما المراد بوعد الآخرة وأصحابه فقال المفسرين أن المراد به تيطس الروماني كما عند الطبري ابن كثير وغيرهما. وهناك من يرى ان المراد بأولى المرتين فتح عم بن الخطاب القدس، وان أخراهما لم يأت وعدها بعد، غير ن هذا التأويل مخالف لما ذهب إليه الأئمة والتابعين وكبار المفسرين، ومراجع التاريخ الاسلامي تدل على ان عمر بن الخطاب دخل القدس سلما لا حربا،وان هيكل اليهود المقدس كان مدكوكا كما عند ابن الأثير والطبري وابن كثير في فتح القدس.وأورد الحسن بن احمد ألمهلبي "ولما وصلت هيلانة إلى القدس بنت كنيسة القيامة على القبر الذي زعم النصارى أن عيسى قد دفن به، وضربت بيت المقدس إلى الأرض،وأمرت أن تلقي في موضعه قمامات وزبيلة، وبقى الحال على ذلك حتى قدم عمر وفتح القدس فدله بعضهم على موضع الهيكل، فنظفه عمر من الزبايل و بني به مسجدا.أما استدلالهم على صحة تأويلهم بان قوله تعالى ((عبادا لنا)) لا تنطبق إلا على المؤمنين، وهؤلاء وثنيين فغير صحيح ان ورود إطلاق اللفظ على المؤمن والكافر كما في قوله تعالى ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول: أأنتم أضللتم عبدي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كنا ن نتخذ من دونك من أولياء) ﴾، وقوله تعالى ﴿ إن تعذبهم فنهم عبدك﴾، وقوله تعالى ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾. وهنا يتضح لنا خطا تأويل الاخره بيوم القيامة حيث لم يقل بذلك احد من المفسرين.وإذا كان الله قد قضى بانتزاع فرصة بني إسرائيل بالارتقاء إلى طور الأمة – النواة، فقد أراد سبحانه وتعالى أن يستخلف العرب كأمة مسلمه مستقرة في ارض معينة تكون ديارهم لا كغاية في ذاتها وإنما لتكون نواة طور الاستخلاف العالمي، وكانوا قبائل متصارعة في قلب الجزيرة العربية، فيوحدهم الإسلام في المدينة ليكونوا شعب يلتحم مع غيره من الشعوب بعد تحريرها من عبودية الفرس والروم ليكونوا معا امة واحدة تتوحد مع غيره من الأمم والشعوب المسلمة من خلال حمل الدعوة في شكل تتوافر فيه مكانية تكوين نواة طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي وهي دولة الخلافة.وكانت بداية البشرى بذلك في قول عيسى ﴿يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ومبشرا بنبي يأتي من بعدي اسمه احمد﴾. كما كانت البشرى للرسول (ص) وأصحابه قبل الهجرة إلى المدينة ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم .. ﴾. وهذا يعني ان الفتح العربي الاسلامي قد حرر فلسطين من عبودية الرومان واتاح له فرصة التفاعل مع الشعوب الأخرى تحت ظل الإسلام لتكون معا امة عربية وتكون بذلك فلسطين جزء من ديار العرب ودار الإسلام. ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (الأحزاب : 27).
    قال تعالى ﴿ وان عدتم عدنا ﴾، أورد الفخر الرازي (ثم قال "وان عدتم عدنا" أي أنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي،وهو التكذيب لمحمد وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب فجرى على بني النضير وبنى قريظه وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية ولا ملك لهم ولا سلطان)
    دور الاستعمار:ولد في أوربا بعد الثورة الفرنسية لنظم الرأسمالي الذي تطور من فرض عبودية كل امة أوربية على حدي لطبقتها المترفة (برجوازية) إلى فرض عبودية سائر أمم وشعوب الأرض للأمم الأوروبية باستغلال إمكانياتها لخدمة مصالحها، ليولد بهذا الاستكبار العالمي الاستعماري وقد استهدف ضمن من استهدف الأمم والشعوب المسلمة المنضوية تحت الخلافة فعمل على القضاء إلى الخلافة بإلغاء وحدة أممها وشعوبها فساند ثورات شعوب البلقان وتحالف مع الحركة القومية التركية العلمانية للقضاء على دولة الخلافة من الداخل بعد ان أصابها الضعف لعوامل كثيرة، واختار تجزئة الأمة العربية (كنواة لدوله الخلافة)، وأراد إقامة إسرائيل كحارس للتجزئة،وورد في تقرير مقدم إلى احد قادة الحركة الصهيونية د. ف. فايست" ان خلاصة الأسباب الجدية للكفاح من اجل الأرض المقدسة هو موقعها الاستراتيجي وتأثيره في المستقبل فلو عادت فلسطين إلى دولة وحدة عربية تشمل مصر، لقامت هناك قوة 52 مليونا من المسلمين، تتحكم في قناة السويس وفي الطريق إلى الهند إما إذا بقيت فلسطين مستقلة أو أصبحت دولة يهودية، فإنها ستكون عقبة في سبيل قيام تلك لدولة الكبرى" .وبعد قيام الحرب الأوروبية الثانية تولت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة الاستكبار العالمي في شكله الإمبريالي فتولت أمر إنشاء دولة عازلة صهيونية في فلسطين تحت اسم إسرائيل، واعترفت بها فور إعلان قيامها 1948م.
    الصهيونية هي استكبار سياسي لبعض اليهود:الصهيونية هي حركة نشأت في أوربا نتيجة عوامل دينية واقتصادية وسياسية متفاعلة، تهدف الى تحويل الجماعات القبلية اليهودية التي تنتمي الى أمم مختلفة إلى امة واحده، بالاستيلاء على ارض فلسطين. فالصهيونية هي استكبار جزء من اليهود المعاصرين لأنها تتضمن إخراج العرب من ديارهم ويترتب على هذا:
    وجوب التمييز – لا الفصل – بين الصهيونية واليهودية، فالصهيونية مقصورة على من استكبر من اليهود، وهناك من اليهود من رضي بانتمائه إلى أممه وهناك من الجماعات الدينية اليهودية من تعارض قيام إسرائيل لان الله قد قدر لليهود الشتات كالجماعة الحر دانيه وهناك صهاينة لا ينتمون إلى الدين اليهودي، كما أن هناك من الصهاينة من هم ملحدون، فالمسالة ليست صراع ديني بين الإسلام واليهودية لان الله لم يأذن للمسلمين بقتال غير المسلمين إلا في حالتي إكراههم على الردة أو إخراجهم من ديارهم فالإسلام يحرم الاعتداء ولو كان من مسلم ويوجب قتاله ﴿ وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾. وإنما هي مسالة حقوق وطنيه وقوميه ودينيه أمرنا الاسلامي وسائر الأديان والأعراف والقوانين الدولية بالحفاظ عليها والدفاع عنها
    أما الاحتجاج بكون الصراع ديني بلعن الله اليهود، فان الله تعالى قد حكم على اليهود بان لا يكونوا امة تختص بديار لأنه حكم تاريخي ينصب على سائر اليهود، أما لعنة الله لليهود فتنصب على من استكبر منهم بدليل تمييز القرآن بينهم. ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾. (آل عمران : 75).
    وتحريفهم العقيدة الصحيحة لم يحول دون ان يقبل الرسول ان يكونوا مواطنين في دولة المدينة "ان اليهود من بني عوف امة مع المؤمنين".
    غير أن هذا لا يعني استبعاد الإسلام عن حل المشكلة كما يرى العلمانيين إذ آن تعرب فلسطين أرضا وبشرا، إنما تم تحت راية الإسلام. كما أن قضية الصرع حول ارض فلسطين قضية المسلمين في جميع إنحاء الأرض لأنه صراع يتصل بمشروعية الفتح الاسلامي وحق المسلمين في العيش على الأرض التي اسلموا فيها أو حملهم إليها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا. كما أن الإسلام أوجب على جميع المسلمين الجهاد إذا حدث اعتداء على ديار المسلمين.
    عدم شرعية التنازل عن ارض فلسطين:منذ 1979 اعتراف اغلب قادة العرب دولا وأحزابا بإسرائيل علنا أو خفية.وعلى ضوء ما ذكرنا عن طور الاستخلاف الاجتماعي امة نجد أن ملكية الأرض العربية – كما ملكية سائر الأراضي – لله تعالى وحده ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ وان الله استخلف العرب في فهي ديارهم، كما استخلف غيرهم من الأمم في رضهم – فليس من حق كل العرب وليس من حق كل الفلسطينيين إن يتنازلوا عن ارض فلسطين – كما انه ليس من حق الأمم الأخرى إن تتنازل عن أرضها – لأنهم بهذا يتصرفون فيما لا يملكون، لذلك نهي الله تعالى عن إخراج الناس من دياهم ﴿انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم... ﴾ فكل اتفاق يتضمن التنازل عن ارض فلسطين باطل شرعا.
    الجهاد لاسترداد الحقوق الفلسطينية فرض عين( ما ينبغي ان يكون) :وأدلة ذلك:
    في الفقه المالكي " ان دخل الكفار دار الإسلام تعين على كل من أمكنه النصرة حتى العبد والمرأة ولا مانع للسيد والزوج والوالد". * في الفقه الشافعي " الجهاد الذي هو فرض عين فإذا وطئ الكفار بلدة للمسلمين او اطلوا عليها ونزلوا بابا اصدين ولم يدخلوا، صار الجهاد فرض عين" *
    وفي الفقه الحنبلي "إذا نزل الكفر ببلد ، تعين على أهله قتالهم ودفعهم".
    الوحدة شرط استرداد الكامل للحقوق:سبق بين دور الاستكبار العالمي الاستعماري في تمزيق دولة الخلافة بما هي دولة واحدة مشتركة بين الأمم المسلمة ،وانه اختار تجزئة الأمة العربية المسلمة كنواة لدوله الخلافة لان في تجزئتها ضمان لعدم اتحادها مع غيرها من الأمم المسلمة، و انه أقام إسرائيل في قلبها كحارس للتجزئة ولعبت هذه لتجزئة دورها في هزائم العرب أمام إسرائيل .
    وعلى هذا فان النصر النهائي والمتمثل فى استعاده كل الحقوق الوطنية والقومية والدينية للشعب الفلسطيني العربي المسلم لن يتم إلا عند بتوحد العرب والمسلمين تحت راية الإسلام وأدلة ذلك: قال تعالى﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فإلف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.. ﴾. قال (ص) فيما روه عنه عرفجة "من آتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم آو يفرق جماعتكم فاقتلوه " ورد عن عمر بن عبد العزيز ... فبعث الله محمد (ص) حيث بعثه ونزل عليه الكتاب حين انزله وانتم معشر العرب فيما قد علمتم من الضلالة والجهالة والجهد وضنك العيش وتفرق الديار والفناء بينكم عام والناس لكم حافزون" فربط رضي الله عنه بين تفرق الديار وتحفز الناس لهم وسيطرتهم عليهم من روم وفرس.
    أما الأدلة على ذلك في التاريخ الاسلامي فنجد ان سوريا قد انفصلت عن مصر على اثر وفاة السلطان نور الدين، فحاول صلاح الدين بمصر وحدها (اي في ظل التجزئة) أن يحارب الصليبيين مرتين فانهزم في المرتين ، الأولى 1171 الثنية 1174 أمام حاكم إمارة مونتريال الصليبية الصغيرة، فأدرك صلاح الدين ارتباط لنصر بالوحدة ، فظل يجهز أربعة عشر عاما، فانطلق ناولا إلى دمشق وهناك هزم الملك الصالح بالقرب من حماة في 13 ابريل 1175 وصفى قلاع الحشاشين وأعادها إلى الوحدة، بعد هذا استطاع الانتصار على الصليبيين في معركة حطين بجيش واحد فحرر القدس في 2 أكتوبر 1187 ومن بعده يقود قطر جيش عربيا موحدا فيهزم المغول في عين جالوت سبتمبر 1261م.
    عدم موالاه الصهيونية:لما كان مضمون الصهيونية هو محاولة تحويل الجماعات القبلية اليهودية المنتمية إلى أمم شتى إلى امة واحده، بان تستولي على ارض فلسطين لتكون ديارها ، ولابد لكي تم ذلك من أن تستقر على الأرض وتختص بها،وهذا الاستقرار يقتضي توافر أمران هما الأمن والاعتراف. لذا فان الجهاد الممكن فى هذه المرحلة يجب ان يأخذ شكل حرمان إسرائيل من الأمن والاعتراف حتى لا يتحول الصهاينة إلى امة بناءا على قاعده النهى عن موالاة الذين أخرجونا من ديارنا: ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ان تولوهم ﴾ هذه القاعدة تأخذ أشكال كثيرة منها: عدم التنازل عن الحقوق الوطنية والقومية والدينية للشعب الفلسطيني، عدم الاعتراف بإسرائيل كدوله ومؤسسه سياسية تقوم على اغتصاب هذه الحقوق، ورفض مشاريع التسوية التي لا تقود إلى الاعتراف بهذه الحقوق ، مقاطعه دوله إسرائيل والدول والشركات والمؤسسات التي تدعمها. هذه القاعدة تمثل ما هو ممكن سلبيا.
    الجهاد الممكن: أما ما هو ممكن ايجابيا فى هذه المرحلة فيأخذ أشكال عديدة كدعم المقاومة الفلسطينية، إتباع كل الوسائل التي تؤدى إلى الحصول على حقوق جزئيه بشرط عدم استبدالها بالحقوق الكاملة.، العمل على إلغاء الحواجز بين فلسطين وأمتها العربية المسلمة، الدفاع عن الحقوق الفلسطينية أمام المجتمع الدولي، إقرار ودعم حقوق الشعب الفلسطيني...





    المراجع
    1

    ابن تيميه اقتضاء الصراط المستقيم، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة 1369.
    2 ،، منهاج السنة النبوية، طبعة القاهرة 1965.
    3 ،، الفتاوىـ طبعة القاهرة 1965_.
    4 ،، مقدمة في أصول التفسير، تحقيق د. عدنان زرزور.
    5 ،، كتاب التوحيد تحقيق د. الجليند.طبعه مصر، 1980
    6 ابن القيم الطرق الحكمية مطبعة الآداب والمؤيد، القاهرة 1317.
    7 ،، اعلام الموقعين- تحقيق طه عبد الرءوف سعد- بيروت 1973.
    8 ،، بدائع الفوائد- دار الكتب العلمية 1973.
    9 ،، مفتاح السعادة- دار العهد الجديد مصر.
    10 ،، طريق الهجرتين وباب السعادتين- المطبعة الحسينية- مصر ( بدون تاريخ).
    11 ،، مدارج السالكين- مطبعة المنار- القاهرة الطبعة الأولى بدون تاريخ.
    12 ،، زاد المعاد- مطبعة صبيح- طبعة أولى 1353- 1354هـ.
    13 ابن الجوزي صيد المخاطر تحقيق محمد وناجي الطنطاوي- دار الفكر- دمشق 1380هـ.
    14 ،، دفع شبه التشبيه.طبعه القاهرة، بدون تاريخ.
    15 ابن حزم المحلى- المطبعة المنيرية- القاهرة
    16 ،، الفصل في الملل والأهواء والنحل- مكتبة خايط- بيروت بدون تاريخ
    17 أبو يعلى الأحكام السلطانية- مطبعة البابي الحلبي- القاهرة 1356.
    18 ابن خلدون المقدمة- طبعة القاهرة 1322هـ
    19 ابن عبد البر الدرر في اختصار المغازي والسير- تحقيق د. شوقي ضيف- القاهرة 1966
    20 الاشعري مقالات الاسلاميين- طبعة اولى- استانبول 1929
    21 ابن رجب القواعد- القاهرة 1933
    22 أبو يوسف الخراج- مطبعة السلفية- طبعة ثانية- القاهرة 1352
    23 ابن الأثير أسد الغابة في معرفة الصحابة- طبعة دار الشعب- القاهرة
    24 ابن هشام السيرة- مصطفى ألبابي الحلبي- القاهرة 1355هـ
    25 ابن أسعد كتاب الطبقات الكبير- طبعة دار التحرير- القاهرة
    26 أبو نعيم حلية الأولياء
    27 الالوسي روح المعاني- المطبعة الأميرية- القاهرة- بدون تاريخ
    28 ابن حنبل المسند- طبعة القاهرة 1312هـ
    29 أبو داؤد السن- طبعة القاهرة 1952هـ
    30 ابن ماجه السنن- طبعة القاهرة 1972
    31 البلاذردي فتوح البلدان- مطبعة الموسوعات 1319
    32 البنا مجموعة الرسائل- مطبعة بيروت مؤسسة الرسالة 1965
    33 البيضاوي تفسير البيضاوي- طبعة القاهرة 1927
    34 البخاري صحيح البخاري- طبعة دار الشعب- القاهرة
    35 الباجي شرح الموطأ- مطبعة دار السعادة- القاهرة 1313
    36 الباقلاني التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة- الرافضة والخوارج والمعتزلة
    37 بيتر ديستريا من السويس إلى العقبة 1986
    38 البغدادي الفرق بين الفرق- مطبعة المعارف- مصر
    39 ،، أصول الدين
    40 باستير القانون الدستوري
    41 التهانوي كشاف الاصطلاحات والفنون
    42 الترمذي السنن الجامع والصحيح- طبعة القاهرة 1937
    43 الجصاص أحكام القرآن- طبعة ثانية- بيروت- دار الفكر بدون تاريخ
    44 جلال الدين
    السيوطي والمحلى تفسير الجلالين
    45 الجاحظ التاج في أخلاق الملوك- بيروت 1955
    46 جون لولا رسالتان في الحكم
    47 جورج بوردو الديمقراطية
    48 الحافظ بن حجر فتح الباري لشرح صحيح البخاري
    49 الحافظ بن كثير تفسير القرآن الكريم- دار إحياء العربية بدون تاريخ
    50 حسن البنا نظرات في القرآن- مكتبة الاعتصام- القاهرة طبعة 1979
    51 الحصني دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الأمام أحمد
    52 الحجاوي الإقناع- تعليق عبد اللطيف السبكي
    53 القرافى الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي الإمام- تحقيق عبد الفتاح أبو غده- طبعة حلب 1967
    54 الكاساني بدائع الصنائع شركة المطبوعات العلمية- القاهرة 1327
    55 الكيالي( عبد الوهاب) موسوعة السياسة- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 1983
    56 كنز العمال الجزء الاول
    57 باديه ملبرج مجلة القانون العام الفرنسي
    58 لسان العرب طبعه مصر
    59 موجز القانون الدستوري
    60 لينين الأعمال المختارة
    61 محمد المهدي الحجوي المراة بين الشرع والقانون طبعة دار الكتاب- الدار البيضاء 1967
    62 معجم مقاييس اللغة مجلد 4- دار الفكر- بيروت
    63 الماوردي أدب الدنيا والدين تحقيق مصطفى السقا- طبعة القاهرة 1973
    64 ،، الأحكام السلطانية
    65 الماتريدي تأويلات أهل السنة
    66 محمد الغزالي حقوق الأنسان بين الإسلام وتعاليم الأمم المتحدة
    67 د. محمد الشيخ عمر المدخل للعلوم القانونية- مطبعة جامعة النيلين- الخرطوم
    68 المودودي نظرية الاسلام وهدية في السياسة دار الفكر- 1960
    69 ،، القانون الاسلامي وطرق تنفيذه مؤسسة الرسالة 1978
    70 محمد بن حامد الحسني الطريق إلى الخلافة اختصار غايات في الظلم للجويني
    71 موريس ديفرجيه المؤسسات السياسية في القانون الدستوري
    72 ماركس وانجلز نقد الايدولوجيه الالمانيه
    73 محمد فؤاد عبد الباقي المعجم المفهرس لألفاظ القرآن
    74 النسفي مدارك التنزيل وحقائق التأويل طبعة القاهرة1344هـ
    75 النويري نهاية الآرب في فنون الآد ب- دار الكتب المصرية- القاهرة
    76 النووي روضة الطالبين، طبعه القاهرة.
    77 الهيثمي مجمع الزوائد مكتبة القدسي القاهرة 1352هـ
    78 يحي بن آدم الخراج- المطبعة السلفية القاهرة 1352هـ

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de