Post

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 12-12-2018, 10:13 PM الصفحة الرئيسية
اراء حرة و مقالاتPost A Reply
Your Message - Re: الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف /د. صب
اسمك:
كلمة السر:
مسجل ادخل كلمة السر
غير مسجل ادخل اسمك بدون اى كلمة السر
Subject:
Message:
HTML is allowed
اكواد جاهزة للاستعمال

Smilies are enabled

Smilies Library
Code
Icon: Default   Default   mtlob   poetry   ad   Smile   Frown   Wink   Angry   Exclamation   Question   Thumb Up   Thumb Right   Balloons   Point   Relax   Idea   Flag   Info   Info.gif130 Info   News   ham   news   rai   tran   icon82   4e   mamaiz   pic   nagash   letter   article   help   voice   urgent   exc2   nobi   Mangoole1   help   want   clap   heard   MaBrOk   akhbaar   arabchathearts   i66ic (2)   br2   tnbeeh   tq   tr  
تنبيه
*فقط للاعضاء المسجلين
ارسل رسالة بريدية اذا رد على هذا الموضوع*
   

الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف /د. صبري محمد خليل
Author: بكرى ابوبكر
بسم الله الرحمن الرحيم







الأبعاد السياسية لمفهوم الاستخلاف








د. صبري محمد خليل











بسم الله الرحمن الرحيم
مدخل:تعريف الاستخلاف وأقسامه وشروطه
الاستخلاف لغة واصطلاحا: الاستخلاف لغة النيابة والوكالة (1) أما الاستخلاف اصطلاحا فهو إظهار الإنسان لربوبيه الله تعالى وألوهيته في الأرض، بالعبودية والعبادة، ، يقول الماتريدى فى تاويلات أهل السنةج1 (وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه) (1) وهو ما يكون على مستوى الصفات لا الذات، يقول الالوسى فى روح المعاني ص223 ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي).
وقد أنكر البعض أن يكون الاستخلاف عن الله تعالى استنادا إلى نفي ابن تيميه قول الشيعة أن الإمام هو خليفة الله في أرضه(.... لان الله تعالى لا يخلفه غيره, فان الخلافة تكون عن غائب وهو سبحانه تعالى شهيد مدبر لخلقه....)(2).كما أيد هذا المذهب عدداً من المفسرين، وعلى هذا صرفوا استخلاف آدم (ع) إلى افتراض مخلوقات قبله على الأرض، واختلفوا فيها (الملائكة عند القرطبي والجن عند الرازي) .إما استخلاف ذرية آدم ( ع) فصرفوه إلى معنى الإبدال والتغيير من قوم إلى قوم.وبهذا فقد قصر ابن تيميه علل الاستخلاف في عله واحدة هي غياب المستخلف. والصواب أن للاستخلاف علل عديدة ،ومن علل الاستخلاف عن الله تعالى تنزيه الله تعالى عن أن يكون محدوداً بالزمان والمكان خاضعاً للتغير والتطور فيهما. وكذلك تكريم الإنسان يقول الاصفهانى في المفردات في غريب القران ص156(الخلافة النيابة عن الغير أما لغيبه المنوب عنه... وأما لتشريف المستخلف (. والواقع أن ابن تيميه أراد نفى انفراد الائمه بالاستخلاف عن الله ، و نفى أن يكون معنى الاستخلاف عن الله المشاركة في الالوهيه والربوبيه(تقديس ألائمه)، كما يلزم من بعض المذاهب الشيعية المتطرفة لا نفى الاستخلاف عن الله بإطلاق بدليل قوله في سياق أخر من فتاويه" ...فهذا عمر بن عبد العزيز وهو خليفة الله في الأرض قد أوكل أعوانا ينهون الداخل عن تقبيل الأرض..."، كما أن القول باستخلاف آدم (عليه السلام ) للجن الذين تقدموه في سكن الأرض هو من الإسرائيليات، ويكون التعامل معها على القاعدة التي ذكرها ابن تيميه ( ولكن هذه الأحاديث الاسرائيليه تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فأنها على ثلاثة أقسام: احدهم ما علمنا صحته مما عندنا مما يشهد له بالصدق, والثاني ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه, والثالث ما هو مسكوت عنه ... فلا نؤمن به ولا نكذبه)(3).
لذا نجد ابن كثير تلميذ ابن تيميه لم يورده في تفسيره، و أورده تحت عنوان أقوال المفسرين إي أنه اعتبره مما هو مسكوت عنه.
غير أننا نرى أنه من القسم الثاني أي الذي يخالف ظاهر القرآن ،أن الله تعالى يقرر في الآية السابقة لأية الخلافة أن الله تعالى خلق الأرض للبشر لا للجن ولا للملائكة.﴿ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إلى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ( البقرة: 29). كما أن استخلاف آدم (ع) لمن تقدمه من الجن أو الملائكة، أو استخلاف بني آدم بعضهم لبعض، لا يستلزم إخبار الملائكة به، وتساؤلهم عنه، ولا يقضي سجود الملائكة له ، ولا يفضي إلى تمرد إبليس. كما يستند هذا المذهب إلى وجوب فهم ألفاظ القرآن والسنة على المعنى الأصلي إي المعنى الظاهر المشتق من الحس. غير أنه يستحيل تفسير كل ألفاظ القرآن بالمعنى الظاهر وبالتالي يجب في بعض الحالات اللجوء إلى المجاز بدليل أن الحديث الذي أورده أبن تيميه لا يجوز حمله على ظاهره لان الخليفة في المعنى الأصلي الحسي أدنى مرتبة من المستخلف، وهو ما لا يجوز في حقه تعالى ، فيكون المراد المعنى المجازي البعيد وهو رعاية الله تعالى للأهل.
أدلة جواز القول بالاستخلاف عن الله تعالى:في السيرة: قول الصحابي للرسول (ص): " تأذن لي يا خليفة الله أضرب عنقه" ( أبي داؤد, حدود,3ك).وعن القثوبان قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)" من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر هو خليفة الله في الأرض وخليفة كتابه وخليفة رسوله"( السيوطى، الفتح الكبير، ج1، ص 751).
وعن السلف الصالح: قال المغيرة لعمر: (يا خليفة الله فقال ذاك نبي الله داؤد)(4).وعن علي أبن أبي طالب" إلا أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة, ومن مؤتمن يصلح لحمل الحق حتى يؤديه لأشباهه من الناس فيزرعه في قلوبهم: قلوب تحمل ذلك العلم ظاهراً وباطناً تحقيقاً له... أؤلئك خلفاء الله في أرضه بما استلا نوه مما استرعاه المترفون, وانسوا مما استوحش منه الجاهلون, قد صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة معلقة بالملأ إلا على, واؤلئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه فآه لهم وواه شوقاً إلى رؤيتهم"(5).وعن الحسن أخرج وضاح في كتاب القطعان وحديث الاوزاعي انه بلغه عنه انه قال: لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتأب الله فان وافقوه حمدوا الله وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل وهدى من اهتدى فاؤلئك خلفاء الله)(6).
وعن علماء أهل السنة قال ابن الجوزي( فكلما جد العباد صاح بهم لسان الحال عبادتكم لا. يتعداكم نفعها, وإنما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض)(7).
وقال الإمام الغزالي( فتعليم العلم من وجه عبادة الله ومن وجه خلافة الله تعالى ومن اجل خلافة الله فان الله قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو اخص صفاته, فهو كالخازن لأنفس خزائنه)(8.)
وقال سيد قطب في تفسير أية الخلافة( لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا في بناء هذه الأرض وعمارتها وتنويعها وتحقيق إرادة الخالق وقاموس الوجود في تطويرها ورقيتها وتعديلها على يد خليفة الله في أرضه)( 9). ويقول أبو الأعلى المودودي(إن الله قد وعد جميع المؤمنين بالاستخلاف ولم يقل انه استخلف احد منهم, فالظاهر من هذا أن المؤمنين كلهم خلفاء الله, وهذه الخلافة التي أوتيها المؤمنون خلافة عمومية لا يستبد بها فرد أو طبقة أو أسرة)(10).
أقسام الاستخلاف:
1- الاستخلاف الخاص:هو استخلاف فرد معين، فهو مقصور على الأنبياء والرسل:﴿ يا داؤد إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق﴾، وبختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف . غير أن بعض العلماء قال باختصاص الحاكم بخلافة الله في الأرض، ذهب إلى هذا الزجاج ،وحكاه الماوردي عن بعض العلماء(11), (12). وقال به معاوية أبن أبي سفيان" الأرض لله وأنا خليفة الله في أرضه فما أخذته فلي وما تركته للناس فالفضل مني".كذلك قال به الشيعة في حق أئمتهم. غير أن هذا القول يفضي إلى مساواة الحاكم و الإمام و النبي في المرتبة، ويخالف رأي اغلب علماء أهل السنة في أن المستخلف هو الجماعة ( الاستخلاف العام)، إما الحاكم فهو نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه و محاسبته وعزله.
2-الاستخلاف العام: وهو استخلاف الجماعة، ولا ينفرد به إي فرد أو فئة، و أدلته:﴿ وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالت جمهرة من المفسرين المراد بالخليفة ذرية آدم بدليل قوله على لسان الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾يقول أبن كثير( الظاهر أنه لم يرد آدم عليه ولو كان ذلك لما حسن قول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها) (13). و الذي نرجحه هو أن الآية تضمن الاستخلاف الخاص وهو لآدم (ع) باعتبار نبوته، كما تتضمن الاستخلاف العام وهو ذرية آدم﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾ في تفسير الأمام أبن جزئ ال######ي( .....إي يخلف بعضكم بعضاً أو خلائف عن الله والخطاب في هذا لجميع الناس)(14).قوله تعالى ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره﴾في تفسير النسفي( .... والمعنى انه جعلكم خلفاء في أرضه وقد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد و الطاعة )(15).
وفي السنة قال(ص) " إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" ( مسلم: ذكر, 99, الترمذي فتن36).
أقسام الاستخلاف العام: ا_ الاستخلاف التكويني :مضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان( من حيث هو إنسان) إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض، وذلك بتوافر امكانيه معرفه والتزام السنن إلا لهيه التي تضبط حركة الوجود، وفي القرآن العديد من الآيات تشير إلى هذا النوع من الاستخلاف:﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ب-الاستخلاف التكليفي:مضمونه تحقيق الإنسان للاستخلاف في الأرض ،وذلك بمعرفة والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود ، و القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي، والتي ينبغي أن تضبط حركة الإنسان ، و بالتالي فإن هذا النوع من أنواع الاستخلاف مقصور على الذين يلتزمون بالوحي ، فهو يحد النوع السابق ولا يلغيه فيكمله ، وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاستخلاف أيضا ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾.
شروط الاستخلاف : تشير الايه﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ إلى الوعد الالهى بالاستخلاف، كما تشير إلى أن تحقيق هذا الوعد الالهى معلق بمعرفه والتزام شروطه الذاتية" والتي عبر القران عن جملتها بالإيمان، " والموضوعية" والتي عبر القران عن جملتها بالعمل الصالح" ، وقد تولى القران بيان الشروط المطلقة للاستخلاف, وترك للناس أمر الاجتهاد في شروطه المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما, على أن يكون هذا الاجتهاد محدود بالشروط المطلقة للاستخلاف . وبناءا على هذا فان هذه الدراسة هي اجتهاد لمعرفه شروط الاستخلاف في مكان معين( الامه العربية المسلمة) وزمان معين(القرن الحادي والعشرين للميلاد), وبالتالي سيكون حديثنا هنا عن الاستخلاف كمذهب في الفكر الاسلامي اى كمجموعه من الحلول للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا.
وهنا يجب التمييز بين الأنواع المختلفة للمشاكل:فمن حيث مصدر معرفتها نميز بين نوعين من أنواعها: مشاكل التقدم أو النمو الحضاري: ومصدر معرفتها الناس أنفسهم ،ومشاكل التخلف الحضاري : ومصدر معرفتها القوانين أو السنن الالهيه التي تضبط حركه المجتمع الانسانى . ومن حيث الشمول نميز بين نوعين من أنواعها:المشاكل العامة أو المشتركة بين الناس في الامه المعينة، والمشاكل الخاصة بالناس في جزء معين من أجزاء هذه الامه. وحديثنا هنا ينصب على مشاكل التخلف الحضاري المشتركة أو العامة للامه حيث يطرح الواقع عددا من المشاكل هي: مشكله التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي (الاستضعاف- الاستكبار الاقتصادي). مشاكل الاستبداد والتبعية السياسية (الاستعمار بشكله الجديد والقديم) ( الاستضعاف -الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي). والتجزئة ) الاستكبار الاجتماعي ).مشكله الهوية أو الجمود والتغريب الحضاري ( الاستضعاف- الاستكبار الحضاري)وهنا نطرح الاستخلاف كمفهوم شامل اى كمفهوم حضاري ونقصد بمفهوم حضاري هنا الحضارة كنسق معرفي شامل يتضمن الدين والقيم و المعارف...كحل لهذه المشاكل، حيث نطرح العدالة الاجتماعية ( الاستخلاف الاقتصادي) والوحدة( الاستخلاف الاجتماعي) والحرية ( الاستخلاف السياسي الداخلي والخارجي) والاصاله والمعاصرة( الاستخلاف الحضاري)كحلول لهذه المشاكل على أن تكون هذه الحلول مقيده بالقواعد الأصول المطلقة عن قيود الزمان والمكان ،والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.
البعد الفلسفي والمنهجي للاستخلاف:
تقوم الاستخلاف كفلسفة اسلاميه على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف(الله تعالى) والمستخلف(الإنسان) والمستخلف عليه( الأرض)، باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى لها، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم ،متخذه من اجتهادات أهل السنة الكلامية نقطه بداية لا نقطه نهاية.
و يقوم الاستخلاف كمنهج للمعرفة على أن صفات الربوبيه (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
شكل تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ،وهى على نوعين:
السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف:
الحركة: "والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من ماء فأحيى به الأٌرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".
التغير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
التأثير المتبادل: وهى ما يمكن استخلاصها من مفهومي الغنى والفقر، فالله تعالى غني وكل ما سواه فقير، وهذا الفقر نوعان: فقر إلي الله تعالى، وفقر إلي غيره من المخلوقات، والنوع الأخير هو ما يعبر عنه علميا بالتأثير المتبادل.
السنن الالهيه النوعية: وهى التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى .
كسنه "الكدح إلى الله " ( اى الترقي الروحي المادي من خلال صراع المتناقضات في ذات الإنسان) المقصورة على الإنسان).
شكل تكليفي : يتمثل في القواعد التي مصدرها الوحي والتي تحدد جانبه التكويني ولا تلغيه.
يترتب على هذا أن هناك أيضا بعدان لهذا الترقي أو الكدح إلى الله:
بعد تكويني: النقيضان فيه الواقع والغاية ومضمونه أن حركة الإنسان تتم عبر ثلاثة خطوات: المشكلة:اى التناقض بين الواقع وغاية في الذهن، وقد عبر القرآن عن هذه الخطوات بمصطلح المسألة:"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس"."يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"
الحل:اى إلغاء التناقض بينهما في الذهن ، وقد عبر الفقهاء عن هذه الخطوة بمصطلح الحكم . كما عبر القرآن عن الحل الرافض للوقوف إلي أحد النقيضين ويؤلف بينهما بالوسطية والقوامة:"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً". "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواماً"..
العمل:اى إلغاء التناقض بينهما في الواقع بتنفيذ الحل في الواقع، وقد أشار القرآن إلي هذه الخطوة." إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات... "
بعد تكليفي: النقيضان فيه المطلق في مستواه الصفاتى لا مستواه الذاتي ، اى صفات الالوهيه (لا صفات الربوبيه) كمثل عليا مطلقه يسعى الإنسان لتحقيقها دون أن تتوافر له امكانبه التحقق النهائي لها) والمحدود(اى الواقع المحدود بالزمان والمكان) ، لذا قرر القرآن والسنة أن هذا الوجود الإنساني قائم على صراع المطلق والمحدود وهو ما عبر عنه القران والسنة بالجهاد في الله أو جهاد النفس: فيروون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال :"رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر". وأورد أبن تيمية الحديث " المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله"كما قرر علماء أهل السنة أن الوجود الإنساني هو سير لا ينقطع إلي الله ، يقول ابن القيم (فإن السالك لا يزال سائراً إلي الله تعالى حتى يموت ولا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي) .
وهذا البعد يحدد البعد التكويني ولا يلغيه فيكمله ويغنيه فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته ، فيحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها وطرق العلم بها ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها وأسلوب العمل اللازم لعملها.









الفصل الأول
البعد الاجتماعي لمفهوم الاستخلاف
تمهيد:نركز في هذا الفصل على مذهب الأخذ بالمعنى الظاهر للفظ الاستخلاف الذي أوضحناه في المدخل، ونوضح أن هذا المذهب يثمر لنا ما أسميناه ( الاستخلاف الاجتماعي)، ونتتبع أطوار هذا الاستخلاف الاجتماعي في القرآن والسنة من أسرة إلى عشيرة إلى قبيلة إلى شعب إلى أمة إلى طور العالمية.
الاستخلاف الاجتماعي:هو أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين: إما أدلته ﴿ قَالُواْ أُوذِينَامِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون ﴾ ( الأعراف: 119)﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ( الأعراف:74)
وفي تفسير الطبري ( خلف فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه بعده كما قال جل ثناؤه﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض لننظر كيف تعملون﴾ يعني بذلك انه أبدلكم في الأرض منهم خلفاء بعدهم من بعد ذلك).
،وفي تفسير أبن كثير ( إي قوماً يخلف بعضهم قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾، وقال ﴿ وجعلكم خلفاء الأرض﴾ فالاستخلاف الاجتماعي هو تحقق لسنة التغيير الكلية في المجتمعات كما يدل على هذه الآيات﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم من يشاء ﴾ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ( هود: 57).
فالاستخلاف الاجتماعي بما هو تغيير قوم بقوم لا يتم للناس جملة، بل خلال وحدات اجتماعية متعددة ( قوم أو أمة بتعبير القرآن) وهي سنة التعدد التي أشار إليها القرآن﴿ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ﴾ ( الشورى: 8), ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ ( النحل: 97) , وهذا التعدد مضطرد خلال الزمان ﴿ولقد أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها الأمم ﴾ ( الرعد: 30) ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء﴾ ( الأنعام: 42) , كما أنه مضطرد في المكان﴿ وقطعناهم في الأرض أمما﴾ ( الأعراف: 168) ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ ( هود: 48).
وكل السنن إلا لهيه قائمة على السببية، بمعنى تحقق المسبب بتحقق السبب، وتخلفه بتخلف السبب. وبينما حركة كل المخلوقات عبارة عن انتقال ميكانيكي من السبب إلى المسبب، نجد إن حركة الإنسان قائمة على أن الله أودع فيه حرية الإرادة التي تتيح له أن يلتزم السبب, فيتحقق السبب، أو أن لا يلتزم فيتخلف السبب, يقول ابن القيم ( هو سبحانه فرغ من الأشياء وقررها بأسبابها المفضية إليها فكما أن المسببات من قدره الذي فرغ منه فأسبابها أيضا من قدره الذي فرغ منه فتقديره المقادير وأسبابها لا ينافي القيام بتلك الأسباب التي يتوقف حصولها عليها)
فالاستخلاف قائم على السببية، وقد حدد القرآن أسبابه أو شروطه ،وهي إما ذاتية يتضمنها إلايمان ، أو موضوعية يتضمنها العمل الصالح ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم﴾ ( النور: 55). فالجماعة التي تلتزم شروط الاستخلاف يتحقق لها الاستخلاف. إما الجماعة التي لا تلتزم شروطه فينزع منها وتتاح الفرصة لجماعة جديدة وهكذا, قال الله تعالى﴿ وجعلناهم خلائف في الأرض وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾ ( يونس:73) ﴿وقال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض﴾ هذا هو الاستخلاف التكويني لا الاستخلاف التكليفي.
أطوار الاستخلاف الاجتماعي:إن الخلق يتم خلال درجات، فدرجة التكوين لا تتم في زمان و مكان ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ لأنه إنزال الشئ من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. إما درجة التقدير فهو إيجاده تعالى للشئ من عالم الشهادة فلا يكون جملة واحدة بل خلال أطوار ومراحل يكون كل واحد شرط لوجود التالي ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَاخَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ( الحجر: 21) ومنه جاء قوله تعالى في خلق الإنسان ( وخلقناكم أطواراً ) ومن هنا نجد أن الاستخلاف الاجتماعي لا يتم جملة واحدة ، بل خلال أطوار هي ذات الوحدات الاجتماعية التي يتم خلالها الاستخلاف الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان وهي الاسره، فالعشيرة،فالقبيلة، فالشعب، فالامه فالإنسانية.
وسنبين أدلتها بعد قليل,غير أن الارتقاء من طور إلى طور ليس انتقالا تلقائيا(كما في الأنواع الأخرى)، بل يتوقف على الناس ،فهناك إمكانية أن يظل قوم في طور معين لا يتجاوزه إلى غيره ،أو أن ينتقلوا إلى طور أعلى، لذا نجد في زمان معين قوم من طور، وآخرين من طور أعلى أو أدنى. وإن كل طور لا ينعدم بالترقي إلى طور آخر ،وإنما يندرج من الطور الأعلى، فيصبح الأخير متضمن له تضمن الكل لجزئه.
وقد انتبه ابن القيم لهذه السنة الإلهية وطبقها في المقامات ( فأن المقام الأول لا ينعدم بالترقي إلى آخر ولو عدم لخلفه ضده, وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة, وإنما يندرج حكمه في المقام الذي هو أعلى منه فيصبح الحكم له...أن أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدم متضمن له تضمن الكل لجزئه ومستلزم له استلزام الملزوم لازمه, لا ينفك عنه أبداً ،ولكن لاندراجه فيه، وانطواء حكمه تحته، يصير المشهد والحكم للعالي).
فالأسر لا تنعدم بالترقي إلى طور العشيرة، فهو متضمن للأسر تضمن الكل لجزئه، كما أن الأسر لازمه لوجود العشيرة وهكذا....
الرسل وأطوار الاستخلاف الاجتماعي:إن الرسل عليهم السلام لم تنكر هذه الأطوار أو الوحدات الاجتماعية أو الانتماء إليها ، إذ أن هذا هو محاولة الخروج عن سنن الله في المجتمعات, قال ( ص) ( ... فما بعث الله نبيا إلا في ذروة قومه وإلا في منعة قومه)( رواه أحمد) وهذا هو موقف الرسول ( ص):
و رد قوله (ص) عن مكة:( إنك أحب أرض الله إلى ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت).
وقال (ص) ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد) ( رواه البخاري ومالك في الموطأ والإمام أحمد)سأل واثلة قال: وفى الحديث ( يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه قال ( لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) ( رواه أبن ماجه والإمام أحمد)
وقال فيما رواه سراقة بن مالك ( خطبنا رسول الله (ص) خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم) ( رواه أبن داؤد)غير أن الرسل بالتزامهم شروط الاستخلاف الذاتية والموضوعية أنكروا موقفين:
الطاغوتية: وهي هنا اتخاذ الطور المعين غاية مطلقة إذ أن ذلك طاغوتيه مناقضه لكون الله هو الغاية المطلقة﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾.
الاستكبار: وهو هنا فرض عبودية قوم على قوم، إذ أن ذلك مناقض لكون العبودية لله وحده.وبهذا فأن كل الرسل تضمنت دعوتهم الدعوة للارتقاء إلى أطوار استخلاف اجتماعي أعلى من الأطوار التي كان فيها قومهم, إما معارضيهم من المستكبرين فدعوا إلى لإبقاء الواقع على ما هو عليه بما في ذلك طور الاستخلاف الاجتماعي المعين.
أ-إلاسرة:يقرر القرآن أن الأسرة هي أول أطوار الاستخلاف الاجتماعي:
﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾، كما أنها وحدة التكوين الاجتماعي الأساسية لكل الأطوار التالية﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.
ب- العشيرة:ويستمر انتشار البشر ﴿ ومن آياته أن خلقكم من ترأب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ ، فتصبح الأسرة كطور قيداً على الاستخلاف فيرتقي الناس إلى طور العشيرة، ولكن لا تنعدم به الأسرة بل تتضمنها تضمن الكل لجزئه ،وفي هذه الأطوار أرسل الله تعالى نوح ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين ﴾ و إبراهيم ولوط ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ ( هود: 80) وعن أبو هريرة عن النبي ( ص) أنه قال ( قال: قد يأوي إلى ركن شديد – الملائكة التي نصرته- لكنه عنى عشيرته) ( رواه أحمد).
وفي تفسير القرطبي ( لو أن لي بكم قوة, إي أنصاراً وأعوانا) .... ومراد لوط بالركن العشيرة و المنعة والكثرة.كما عرض القرآن للعشيرة كوحدة اجتماعية لا كطور في عهد الرسول (ص) ﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ ترْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ( التوبة:24) ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أبائهم أو أبنائهم أو أخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ﴾ ( البراءة:24).
ج- القبيلة:ثم يستمر انتشار البشر فتصبح العشيرة كطور قيد على الاستخلاف الاجتماعي ، فيرتقي الناس إلى طور القبيلة ،ولكن لا تنعدم به العشائر بل تتضمنها القبيلة تضمن الكل لجزئه( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) وقال (ص) (إن الله خلق الخلق ثم جعلهم قبائل فجعلني خيرهم قبيلة) ( رواه الترمذي). وفي هذا الطور بعث الله موسى
﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ﴾ ( إلا سراء:2) ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون إني رسول الله إليكم﴾ ( الصف:5).
وتتميز القبيلة بالأصل الواحد ،فكان مقياس الانتماء إليها هو النسب ولا تتميز عن غيرها بالأرض المعينة إي الديار، لحركتها من مكان إلى مكان كما جاء في القرآن في وصفه لبني إسرائيل ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ *ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخراجهم أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ ببَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }( البقرة: 84-85).
غير أنه نلاحظ أن موسى عليه السلام كان بداية التبشير بعالمية الدعوة ، إذ أمره الله أن يتجاوز برسالته محيط قبيلته بني إسرائيل وأن يذهب إلى فرعون مصر﴿ اذهب إلى فرعون أنه طغى﴾ ،كما أنه دعا قومه إلى الاستقرار في الأرض إي تجاوز الطور القبلي المتميز بالهجرة الدائمة ﴿ قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ .إما عيسى علية السلام فقد كان رسولا إلى بني إسرائيل ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم﴾ (الصف:6) ،غير أن رسالته تضمن البشرى بالانتقال إلى عالمية الدعوة ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد﴾(الصف :6)، فلما كذبوه صارت علاقة الانتماء الديني في الله ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بانا مسلمون﴾.
د- الشعب:ثم كان طور الشعب وفيه أرسل الله صالح عليه السلام ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ
ُ مفْسِدِينَ﴾ ( الأعراف:74).وعندما جاء الإسلام كانت المجتمعات إما في طور الشعب أو طور القبيلة " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " ،اما أدلة أن الشعوب طور متقدم على القبيلة أنه متميز بالاستقرار على الأرض وان لم يكن دائماً- كما في الآية السابقة في وصف ثمود.
قال التهانوي ( الشعب الجماعة الكبيرة كعدنان ودونه القبيلة).
وفي تفسير الجلالين (أن معنى ذكر وأنثى آدم وحواء وأن الشعب مثل حزيمة ويليه القبيلة مثل كنانة ثم عمارة مثل قريش ثم بطن مثل قصي ثم فخذ مثل هاشم ثم فصيلة مثل العباس...).
هـ الأمة:بعد أن كانت الأديان السابقة تتميز بأن الدعوة فيها مقصورة على جماعة معينة ،ولكل أمة رسول، جاء الإسلام كدعوة عالمية ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ ،وأن عالمية الدعوة كانت بشرى بالعالمية كطور من أطوار الاستخلاف الاجتماعي
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم كما استخلف الذين من قبلكم ﴾. وعندما جاء إلا سلام كانت بين طوري القبيلة والشعب ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾، غير أن هذه الأطوار لم تكن تصلح أن تكون وحدات طور العالمية، إذ أن كل طور استخلاف اجتماعي لا ينشأ من العدم بل يكون بمثابة كل يتخذ الطور السابق له أجزاء له.
* أن علاقة الانتماء في القبيلة النسب، ورغم أن الأنساب تاهت في طور الشعب، فان آثارها باقية فيه.
* أن طور القبيلة لم يتميز بالاستقرار في الأرض، ورغم أن طور الشعب يتميز بالاستقرار إلا أنه استقرار غير دائم.
فكان السائد على البشرية خصائص الطور القبلي من عصبيه وإخراج الناس من ديارهم ،فكان لأبد من ظهور طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي فكان ظهور الأمة الذي يتميز بالاتي:
مناط الانتماء اللّسان لا النسب:إذا كان مناط الانتماء إلى قبيلة النسب، فكان الإسلام دعوة لتجاوز الطور القبلي لدعوته إلى التخلي عن العصبية:
* قال (ص)( دعوها فإنها منتنة) ( رواه البخاري والترمذي)
* قال (ص)( ليس منا من دعي بدعوة الجاهلية) ( رواه البخاري ومسلم و الترمذي) وبين أن مناط الانتماء لطور الاستخلاف الاجتماعي- الأمة- هو اللسان قال ( ص) (إلا أن العربية اللسان.. إلا أن العربية اللسان) وقال(ص)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي). لذا قرر (ص) أن من تحدث العربية فهو عربي وأن كان غير عربي النسب والأصل ( مولى القوم منهم.. ) ( رواه البخاري) ( الولاء لحمة كلحمة النسب...) (رواه أبو داؤد والدرامي) وهذا الأمر لا ينطبق على أمة العرب وحدها بل سائر الأمم لذا جعل القرآن تعدد الألسنة آية من آيات الله ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم و ألوانكم ﴾.
الديــار:كما أن الأمة تتميز عن الأطوار السابقة باستقرار الجماعات في الأرض فتكون ديارها. لذا جاء الإسلام بالنهي عن إخراج الناس من ديارهم﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8) ﴿ أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ ( الممتحنة:9).
و- العالمية:إن عالمية الدعوة في الإسلام كانت تعني أن غاية الإسلام الارتقاء بالبشرية إلى طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي ﴿وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم﴾، لما كان كل طور الاستخلاف الاجتماعي لا يتكون من العدم، بل يتخذ الطور السابق له وحدات لتكوينه، فيتضمنها تضمن الكل لجزئه، فأن الأمم هي وحدات تكوين طور العالمية و روافده.. وقد كان العرب في طور القبيلة والشعب فنقلهم إلى طور أمه وكان الفرس في طور الشعب فارتقى بهم إلى طور الامه، كما سينقل القبائل التركية لاحقاً إلى أمه ... وكانت الخلافة بما هي دولة واحدة مشتركة بين الأمم والشعوب المسلمة تقوم بدعوة كل الناس إلى الإسلام هي شكل الدولة الذي يتيح تكوين نواة طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي، ثم جاء الاستكبار الاستعماري فعمل على تمزيق وحدة الأمم المسلمة المتمثلة في الخلافة ،كما عمل على تجزئة الأمة العربية المسلمة كضمان لعدم توحدها مع غيرها من الأمم المسلمة، وبالتالي الحيلولة دون قيام نواة طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي لأنه متناقض للاستكبار العالمي الاستعماري.
الشعوبية:لما كانت سنة الله في المجتمعات أن تكون في ترقي مستمر من طور إلى آخر ، فان محاولة العودة إلى طور سابق هو محاولة فاشلة للخروج عن سنة الله. فإذا كانت الجماعة المعنية في طور الشعب، فان محاولة العودة إلى قبائل فاشلة ،والشعوبية هي محاولة الارتداد بالجماعة التي دخلت طور أمة إلى طور الشعوب السابق، فالشعوبية موجودة في كل أمم الأرض، غير أنها في الأمم المسلمة ذات طابع خاص، إذ أن إلا سلام هو الذي ارتقى بها إلى طور الأمم، الشعوبية إذا في الأمم المسلمة لأبد أن تكون مناهضة للإسلام. وقد كان الفرس في طور الشعب، بينما كان العرب في قلب الجزيرة في طور القبائل فارتقى الإسلام بالعرب إلى طور أمة، ثم حمل العرب الإسلام إلى الفرس ليرتقي بهم إلى أمة مسلمة، غير أن هناك من رفض هذا الارتقاء، كما كان يستعلى على العرب حملة الإسلام فكانت الشعوبية الفارسية مناهضة للإسلام والعرب معا.
قال أبن قتيبه "وبلغني أن رجلا من العجم .. احتج بقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، وقال الشعوب من العجم والقبائل من العرب والمقدم أفضل من المؤخر وكنت أرى أهل التسوية يحتجون بهذه الآية(16وقال "إن الشعوبية يفرط الحسد ... تدفع العرب عن كل فضيلة وتلحق بهم كل رذيلة وتغلوا في القول في الذم وتبهت بالكذب وتكابر العيان وتكاد تكفر، ثم يمنعها خوف السيف(17) وقال البغدادي "الشعوبية الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عودة الملك إلى العجم وقال أبن منظور "الشعوبية فرقة لا تفضل العرب على العجم وإنما تنتقض العرب ولا ترى لهم فضلا على غيرهم".
وقد طعن الشعوبية في العرب، فعابوا حضور بديهتهم وفصاحة خطبهم وبلاغتهم... ######روا من ألهتهم وأساليبهم في العيش وخططهم في القتال ######فوا عيشهم ومطاعمهم ومآكلهم"، "ووصفوهم بالتأخر في العلم والصناعة والإدارة والسياسة"، كما ألفوا كتبا فيونس أبي فروه كتب كتابا في مثالب العرب وعيوب الإسلام وعلان الشعوبي صنف كتاب الميدان في المثالب هتك فيه العرب واظهر مثالبها، و أبو عبيده ألف كتاب أدعياء العرب، وكتأب لصوص العرب غير أن الشعوبية لم تكن مقصورة على بعض الفرس بل كان منها بعض من ينتمون إلى الشعوب العريقة التي ارتقى بها إلا سلام إلى طور أمة عربية كالنبط والقبط، والزنج من أهل إفريقيا(18)،غير أن الشعوبية خفت وأخذت في التلاشي، فلما جاء الاستكبار الاستعماري وعمل على تجزئة الأمة العربية كضمان لعدم توحدها مع غيرها من الأمم المسلمة كان ظهور الشعوبية قائمة على دعوى إلغاء ثلاثة عشر قرنا من التاريخ ،أوجد فيه الإسلام للعرب أمة ، ليعودوا إلى الشعوب العريقة كالفراعنة في مصر والأكراد في العراق والفينيقيين في الشام والنوبة في السودان ... الخ، ويعتبرون أن العرب ما يزالوا منذ ثلاثة عشر قرنا من التاريخ أو أكثر مغتصبا لما كان أجدادهم يملكون، فصارت الشعوبية الأساس الفكري لتجزئة الأمة العربية المسلمة.
القومية:أوضحنا أن التعدد هو سنة إلهية ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ (النحل: 97) مضمونها انتماء الناس لوحدات اجتماعية متعددة (في المكان) هي أطوار الاستخلاف الاجتماعي ( بتتابعها خلال الزمان) مثل الأسرة، القبيلة، العشيرة، القبيلة، الشعب، الأمة ... فالقومية هي علاقة انتماء إلى احد أطوار الاستخلاف الاجتماعي (الامه)، كما أن القبلية هي علاقة انتماء إلى قبيلة والعشائر هي علاقة انتماء إلى عشيرة ... ويمكن تحديد موقف الإسلام منها (فيما نرى) وبناءا على ما أوضحنا سابقا في نقطتين:
أولا: أن الإسلام لا ينكر القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه معينة، إذ ذلك إنكار لسنة الله في التعدد ( فهو بالتالي شكل من الاستكبار)، سأل واثله الرسول (ص) قال: يا رسول الله امن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم". (رواه بن ماجه واحمد).
هذا الموقف نجده عند المفكرين إلاسلاميين المحدثين، فأبو الأعلى المودودي يقول "إما القومية فمن أريد بها الجنسية فهي أمر فطري لا نعارضه، وكذلك أن أريد به انتصار الفرد لشعبه فنحن لا نعارضها، كذلك إذا كان هذا الحب لا يعني معنى العصبية القومية العمياء التي تجعل الفرد يحتقر الشعوب الأخرى وينحاز إلى شعبه في الحق والباطل على السوء وأن أريد بها مبدأ الاستقلال القومي فهو هدف سليم كذلك من حق كل شعب أن يقوم بلاده ويتولى تدبير شئون بلاده(19) ...اما عن القومية العربية بمعنى الانتماء إلى الأمة العربية فيقول الإمام البنا "من أول يوم ارتفع صوت الإخوان هاتفا بتحية الجامعة الإسلامية أن الإخوة الإسلامية إلى جانب الرابطة القومية والحقوق الوطنية وكان الأخوان يرون أن الدنيا إلى التكتل والتجمع ون عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال وأوشك وكان الأخوان يشعرون بأنه ليس في الدنيا جامعة اقوي ولا اقرب من جامعة تجمع العرب بالعربي فاللغة واحدة والأرض واحدة والآمال واحدة والتاريخ واحد"(20) ويقول "أن تمسكنا بالقومية العربية يجعلنا أمة تمتد حدودها من المحيط للخليج بل لأبعد من ذلك ... أن من يحاول سلخ قطر عربي من الجسم العام للأمة العربية فإنه يعين الخصوم الغاصبين على خفض شوكة وطنية وإضعاف قوة بلاده ويصوب معهم رصاصة إلى مقتل هذه الأوطان المتحدة في قوميته ولغتها ودينه وآدابها ومشعرها ومطامحها ويقول حسن عشماوي تأكيدا لذلك "إن القومية رابطة أوجدتها وحدة المشعر والمشاكل والأمل والمصالح بين أهل هذه المنطقة الذين يتكلمون لغة واحدة ويؤمنون إيمانا واحدا والقومية العربية بهذا المعنى لا تعني تعصبا لجنس بل هي إقرار أهل المنطقة"(21) وعلى هذا يخطئ من يظن أن موقف الإسلام يشبه موقف الماركسية الذي ينكر سنة الله في تعدد الناس إلى أمم.
ثانياً: الإسلام ينكر التصورالليبرالى العلماني الغربي للقومية الذي يستند إلى المنهج الليبرالي القائم على فكرة "القانون الطبيعي" الخالد المستقر في ضمير الناس ،وبالتالي فالأمة طبقاً له هي المجتمع الطبيعي، ويترتب على ذلك أنها خالدة خلود لطبيعة ذاتها"(22) لان هذا التصور يترتب عليه:
أولا: اتخاذ القومية أو الأمة المعينة غاية مطلقة، إي طاغوتا يعبد من دون الله ،وهو منهي عنه. "و لقد بعثنا في كل أمة أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" ويأخذ أشكال عدة منه:
* تحويل القومية من انتماء لأمة معينة إلى عقيدة كالنازية (القومية الألمانية) والفاشية (القومية الايطالية) .. الخ ، بينما عبادة الله تعني اتخاذ إلا سلام عقيدة تكون بمثابة الفلسفة لأي مذهب(نظرية) لتغيير إي وقع.
* كما يأخذ في التصور العلماني للقومية العربية شكل اتخاذ الأمة العربية غاية في ذاتها ،واعتبار الوحدة العربية غاية في ذاتها، بينما أوجد الإسلام الأمة العربية لا كغاية في ذاتها ،بل لتكون إحدى روافد طور الاستخلاف العالمي مع غيرها من الأمم المسلمة لتحقيق للوحدة الإسلامية كما أوضحنا سابقا ،يقول الإمام البنا" بدأنا بالجامعة العربية وهي وأن لم تستقر بعد الاستقرار الكامل إلا أنها خطوه مباركة على كل حال، فعلينا أن ندعمها ونقويها وعلينا بعد ذلك أن نوسع الدائرة حتى تتحقق رابطة شعوب الإسلام عربية وغير عربية فتكون نواة لهيئة أمم إسلامية"(23).
ثانياً: تحويل الأمة من وجود محدود زمانا ومكانا إلى وجود مطلق من قيود الزمان والمكان فتصبح به الأمة وجود خالد وهو الاستكبار القومي ( إذ أن الاستكبار هو إسناد صفة الإطلاق إلى غير الله تعالى) ويأخذ إشكالا عدة منها:
* فرض عبودية الأمم الضعيفة للأمم القوية كما حدث في أوربا عندما اكتمل تكوين أممها، بينما التصور الإسلامي قائم على العبودية لله وحده والمساواة بين الأمم" ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
* جعل مناط انتماء إلى الأمة الجنس (العصبية) بدلا" من الهوية اللسانية والحضارية وهي من مخلفات الطور القبلي وقد تقدم نقد الإسلام للعصبية.
الوحدة الاسلاميه:
دعا الإسلام المسلمين إلى الوحدة:﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾
وقال(ص)" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"
التمييز بين الوحدة التكليفيه والوحدة التكوينية:
غير انه يجب التمييز بين الوحدة التكليفيه( الدينية) والوحدة التكوينية( السياسية)، ومصدر هذا التمييز هو التمييز بين أمه التكليف التي تقوم عليها الأولى ،وأمه التكوين التي تقوم عليها الثانية. فقد وردت كلمه أمه في القران في أربعه وستين ايه بمعنى مطلق الجماعة إذا تميزت عن غيرها أيا كان المضمون .وعلى هذا دلت على جماعه الناس أو الجن أو الطير أو الحيوان﴿ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس﴾( الأعراف:38) ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم﴾( الأنعام:38)،ثم قرر القران تعدد الأمم: فهي تتعدد في الزمان"وكذلك أرسلناك في أمه قد خلت من قبلها الأمم﴾( الرعد30)، كما تتعدد في المكان"﴿وقطعناهم في الأرض أمما﴾ (الاعراف168( عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1986، ص25)
ثم يمكن التمييز بين نوعين من أنواع الأمم طبقا لمضمون تمييزها عن غيرها:
1- أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92)
2- أمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي( طور الاستخلاف الاجتماعي) ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾(الأعراف:160)، وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة .
فالوحدة التكليفيه تتحقق بالاتفاق على أصول الدين اليقينية الورود القطعية الدلالة ، مع اباحه الاختلاف في فروعه الظنية الورود والدلالة ﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (الشورى:13)
أما الوحدة التكوينية فتتحقق بالوحدة السياسية لامه معينه اكتمل تكوينها.
وهنا نجد من يخلط بين الوحدة التكوينية والوحدة التكليفيه فيفهم الوحدة الاسلاميه على أنها دوله واحده يكون الانتماء إليها مقصورا على المسلمين، وتكون لها وحدها الولاية السياسية على كل المسلمين في الأرض، ولا حتى دوله المدينة، التي ضمت اليهود والمسلمين ، فقد وجد دوما مسلمين خارج الولاية السياسية لكل الدول الاسلاميه.
الوحدة الاسلاميه التكوينية:سبق بيان أن الإسلام وجد هذه المنطقة منقسمة إلى شعوب وقبائل خاضعة للروم والفرس، فحررها من العبودية للروم والفرس، ووحدها كأمه التحمت مع غيرها من الشعوب والأمم المسلمة. وكانت دوله الخلافة تجسيد لشكل الدولة الذي يوفر امكانيه تكوين نواه طور الاستخلاف العالمي، اى دوله واحده مشتركه بين الأمم والشعوب المسلمة. فلما جاء الاستعمار القديم عمل على تقسيم دوله الخلافة ليخضع الأمم والشعوب المكونة لها لضمان سيطرته عليها. كما قام بتجزئه الامه العربية المسلمة لان في ذلك ضمان لعدم وحدتها مع الأمم والشعوب المسلمة الأخرى. ثم جاء الاستعمار الجديد الذي عمل على تفتيت هذه الامه إلى كيانات شعوبية وقبليه وطائفية.
أن الوحدة الاسلامبه التكوينية وكيفيه تحقيقها غير منفصلة عن أطوار الاستخلاف الاجتماعي التي بلغتها البشرية. فالوحدة الاسلاميه وشكل الدولة التي تجسدها في مرحله الأمم في طور التكوين أخذت الشكل التالى1-الأرض غير ثابتة الحدود تتبع جيوشها فتقف حيث تقف وتمتد حيث تمتد2- وهى تضم مئات من القبائل والشعوب والامم3- وكانت السلطة فيها مركزيه (الخليفة) الذي له حق تعيين الولاة في الأقاليم.
أما في واقعنا القائم على اكتمال تكوين الأمم وشكل الدولة القائم على 1- الدولة ذات الحدود الثابته2-الشعب الواحد3-السلطة البسيطة أو الاتحادية وانتهى حق الفتح وحل محله حق الأمم في تقرير مصيرها فان الوحدة وشكل الدولة التي تجسدها لابد أن يتسق مع هذه الخصائص.
الممكن الاجتماعي وكيفيه تحقيق الوحدة: أن ما سبق من حديث ينصب على ما ينبغي أن يكون ، أما ما هو كائن فهو التقسيم والتجزئة والتفتيت، و الانتقال مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون لا يتم إلا من خلال الممكن ، والممكن الاجتماعي هو اتخاذ خطوات تقود إلى الوحدة الاسلاميه التكوينية بما هي نواه طور الاستخلاف العالمي عبر مراحل اتساقا مع أطوار الاستخلاف الاجتماعي التي بلغتها البشرية كالاتى:
- أن الوحدة الاسلاميه التكليفيه( الدينية، العقائدية، الفكرية )هي شرط للوحدة الاسلاميه التكوينية( السياسية) وذلك بالتقاء المسلمين على أصول الدين مع اباحه اختلافهم في فروعه.
- لما كانت الوحدة الاسلاميه هي وحده بين أمم مسلمه فان الخطوة الأولى لها هي توحيد كل أمه منها في شكل دوله بسيطة أو إتحاديه( فيدرالية) بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي(عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل المشترك،كإنشاء السوق المشتركة،اتفاق الدفاع المشترك، البرلمان المشترك ، إلغاء أو تخفيف القيود على حركه العمالة والتجارة، ...) فوحده كل أمه مسلمه هي خطوه تجاه الوحدة الاسلاميه فالامه العربية المسلمة مثلا عمل الاستعمار على تجزئتها وحماية هذه التجزئة كضمان لعدم اتحادها مع غيرها من الأمم المسلمة يقول الغنوشى( والجهل بهذه السنة( التدرج) يجعل الأهداف الكبيرة مجرد سراب طالما لم تبدأ بوحدة الأوطان في داخلها وتوحيد الأوطان المجاورة توصلا إلى وحده العرب ثم من يليهم من المسلمين) (حول العروبة والإسلام،معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، الخرطوم ،25،ص1990)
وبنفس المستوى فان تحقيق الوحدة الوطنية في كل جزء من أجزاء الامه هو شرط لتحقيق الوحدة القومية للامه ككل .
- إنشاء هيئات مشتركه بين الأمم المسلمة تنوب عنها في ممارسه بعض السلطات الداخلية والخارجية وهذا الشكل يسمح أن يصل الاتفاق إلى حد أن يكون للهيئات حق التمثيل الدبلوماسي و إعلان الحرب وإبرام الصلح ، وهو ما عبر عنه في الفكر السياسي الحديث بالدولة التعاهديه( كونفدراليه)
- والأشكال والمراحل السابقة تتيح لهذه الأمم الانتقال إلى طور العالمية وبالتالي الانتقال إلى دوله إتحاديه ثم بسيطة بمقدار ما يتيحه من تفاعل حر بين هذه الأمم خلال وحده الدين( الإسلام) والنظام القانوني( الشريعة الاسلاميه) واللغة( اللغه العربية كلغة مشتركه مع احتفاظ كل أمه بلغتها الخاصة) يقول ابن تيميه( لا سبيل لضبط الدين وفهمه إلا باللسان العربي)(اقتضاء الصراط المستقيم، ط2، 1369،ص162)
أما المسلمون الذين ينتمون إلى أمم تكوين غير مسلمه، فهم جزء من أمه التكليف، وللدولة التي تجسد الوحدة الاسلاميه التكوينية حق النصرة في العقيدة دون الولاية السياسية﴿والذين امنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعيكم النصر الأعلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾.













الفصل الثاني
البعد الاقتصادي لمفهوم الاستخلاف
الملكية في الإسلام:
إسناد ملكية المال لله تعالى وحده:أول ما يقابلنا في هذا التصور هو التمييز بين ملكية المال و الانتفاع به. ففيما يتعلق بالملكية نجد أن القرآن يقرر أن الملكية صفة من صفات ربوبية الله تعالى﴿ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (المائدة: 17). ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33).
وعن علي أبن أبي طالب "فانتم عباد الله والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على احد". وعلى هذا فان الفلسفة الاقتصادية الإسلامية قائمة على إسناد ملكية كل شئ لله تعالى وحده. وإسناد الملكية إلى غيره سواء كان فرد أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية يقول تعالى﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ (إلا سراء: 111) وهو شكل من أشكال الاستكبار إذ الاستكبار صفة من صفات ربوبيته تعالى إلى غيره. وقد عرض القرآن النماذج له:.ففرعون اسند ملكية مصادر الثروة في مصر إلى نفسه ﴿اوليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ وقارون بدلا من إسناد ملكية المال "الذي أتاه الله إلى مالكه الأصلي (الله تعالى) أسنده إلى نفسه وعلمه فكان جزاءه الخسف﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
... * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ } (القصص: 76-81).
التمييز بين الملكية الخاصة والملكية الفردية:هنا يرد سؤال اعتراضي وهو: ما هو إذا موقف الإسلام من الملكية الخاصة؟ وضح لنا فيما سبق أن اسند الملكية لفرد أو فئة أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية فالملكية الخاصة للمال لا تمثل التصور الإسلامي، غير أن الملكية المقصودة هنا هي ما تسمى (بملكية الرقبة) الملكية التي تخول للفرد التصرف المطلق في الملك دون التقيد بالقواعد التي وضعها الله تعالى مالك المال ودون اعتبار مصلحة الجماعة المستخلفة أصلا عن مالك المال في الانتفاع به. أما الملكية الفردية بمعنى انتفاع الفرد بالمال مقيدا في التصرف فيه على الوجه الذي حدده الشارع وعلى وجه لا يتناقض مع مصلحة الجماعة فقد اقرها إلا سلام على الوجه الذي سنوضحه بعد قليل.
فالقول أن إلا سلام قائم على الملكية الخاصة غير صحيح، أدلة ذلك:
* وضع الإسلام حد السرقة وجعل عقوبتها قطع اليد ، واتخذ البعض هذا دليل على إقرار الملكية الخاصة ،وهو غير صحيح، إذ أن الحدود هي "محظورات شرعية زجر الله عنها بعقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى(24)،وما كان حق الله يعنيان وضعه كان لحماية مصلحة الجماعة لا مصلحة الفرد يقول الكاساني (والمقصود بحق لله كل فعل أو امتناع ترجع علة إيجابه أو النهي عنه إلى الجماعة".
وهذا دليل على أن حد السرقة إنما وضعه الشارع تعالى لحماية مصلحة الجماعة التي لها حق الانتفاع أصلا، وأن كان الانتفاع بيد الفرد، إذ لو كان المراد إقرار الملكية الخاصة لكانت عقوبة السرقة قصاص لا حد، إذ المقصود بالقصاص" ما وجب إتيانه أو الامتناع عنه لحق الفرد"(25).
إي أن القصاص وضع لحماية حق الفرد ولذا يجوز العفو في القصاص ولا يجوز في الحد.
* إن كلمة ملكية في القرآن تسند إلى الله تعالى إذ الملكية من صفات الربوبية على الوجه الذي أوضحنا. وأسندها القرآن مرة إلى سواه وهو الجماعة لا الفرد في معرض الحديث عن الأنعام... فهم لها مالكون" بمعنى منتفعون.
* إن القرآن أضاف كلمة المال إلى ضمير الفرد سبع مرات فقط (26)غلب عليها صفة الذم منها:
﴿ويل لكل همزة لمزه * الذي جمع مالا وعدده * أيحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة﴾ (الهمزة: 1-4).
﴿تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب﴾ (المسد: 1-3).
﴿ وإما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم ادر ما حسابية * يا ليتها كانت القاضية * ما اغني عني مالية * هلك عني سلطانية﴾ (الحاقة : 25-29).
وفي السنة قوله (ص) "يقول ابن آدم مالي هل لك من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت" (رواه مسلم وأبن حنبل والترمذي).
بينما أضيفت كلمة المال إلى ضمير الجمع في القرآن 47 مره منها: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا.. ﴾ (التوبة : 103). ﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ ( النساء 2) .
ملكية الأرض: وامتدادا للتصور الإسلامي للملكية نجد أن الإسلام يقرر أن ملكية الأرض له تعالى وحده﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾(الشورى 49). و أن الله تعالى استخلف الناس في لانتفاع بها ،فملكية الأرض في التصور الإسلامي إذا مقصورة على ملكية الانتفاع دون ملكية الرقبة (خلافا للرأسمالية).
ويترتب على هذا:أولا: إن ملكية الأرض يكون بمقدار العمل على الانتفاع ،بها فقد صح عن الرسول (ص) انه قال "من أحيا أرضا ميتة فهي له وما أكلت العافية منها فهي له صدقة" (روه احمد والنسائي وأبن حبان).و في رواية من عمر أرض ليست لأحد فهو أحق بها" (رواه البخاري واحمد)
ثانياً: إذا لم يعمل الفرد على الانتفاع بالأرض نزعت منه ملكيتها، وأدلة ذلك قل (ص) "من أحيا أرض ميتة فهي له وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين" وقال (ص) "من عطل أرضا ثلاثة سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له".وكان الرسول (ص) قد أعطى بلال بن الحارث أرض العقيق فلما كان زمان عمر قال لبلال( إن رسول الله لم يقطعك لتحتجزه عن الناس إنما أقطعك لتعمل فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي)
استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال:إذا كانت ملكية المال لله وحده كما بينا فإنه تعالى منزه عن الانتفاع به، ومن هنا كانت حكمة استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال على الوجه الذي يحدده ملك المال تعالى يقول تعالى: ﴿وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7).
في تفسير النسفي "يعني إن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها وإنما مولكم إياها للاستمتاع به وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما انتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى وليكن عليكم إلا نفاق منها كما يهون على الرجل إلا نفاق من مال غيره إذا أذن له فيه –أو جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم"
إما كيفية ذلك:
أولا: إذا كان المالك الأصلي سبحانه قد استخلف الجماعة في الانتفاع بالمال، فان للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد وأدلة ذلك قال (ص) الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلاء والنار (روه احمد وأبو داود) وفي حديث أخر الملح وفي رواية "المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلاء والنار ومنعه حرام" (روه أبن ماجة وأبن حنبل).
إن الشرع جاء بالحمى وهو (الأرض المحمية من الانتفاع الفردي لتكون لانتفاع المسلمين جميعا)
ومن المتفق عليه أن الرسول (ص) حمى أرض بالمدينة يقال لها النقيع لترعى فيها خيل المسلمين (رواه احمد)(27)
وحمى عمر أيضا أرضا بالربدة وجعلها مرعى لجميع المسلمين"(28) وقال لهني عاملة عليها "يا هني اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وادخل بالضريمة الغنيمة، ودعني من نعم ابن عفان ونعم أبن عوف ،فإنهما إذا هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وان هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاءني يصرخ "يا أمير المؤمنين افتاركهم أنا لا أبا لك" (رواه البخاري).
وثانياً: أن انتفاع الجماعة بمصادر الثروة الرئيسية يكون بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها.
وقال تعالى ﴿يأيها الذين امنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾
دلت الآية على وجوب طاعة أولي الأمر ونستخلص من هذا الأمر إن يكون لأولياء الأمر (إي الدولة) إدارة الإنتاج بما يحقق مصلحة الجماعة.
قال (ص) "من ترك مالا فلورثته ومن ترك دين أو ضياعا فليأتني فانا مولاه اقروا إن شئتم قوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم).
* وتطبيقا لذلك ما ورد عن الحسن البصري "أربعة من إلا سلام إلى السلطان: الحكم و الفئ والجمعة والجهاد".
* وعن عمر بن الخطاب "لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة".
* و أورد الماوردي "والذي يلزم سلطان الأمة من أمور سبعة أشياء: حفظ دين الأمة من عدو للدين أو باعث نفس أو مال، عمارة البلدان باعتماد مصالحها غير تحريف في أخذه وعطائه، معاملة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد الشدة في فصلها، إقامة الحدود على مستحقيها من غير تجاوز فيها ولا تقصير عنها اختيار خلفائه في الأمور على أن يكونوا من أهل الكفاءة فيه و الأمانة عليها(29).
ثالثاً: أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد (القطاع الخاص)بشرط أن يكون ذلك محققا لمصالحها المتغيرة مكانا والمتطورة زمنا. وإذا ناقض ذلك مصلحة الجماعة كان للجماعة أن تأخذ من مال الأفراد ما يحقق مصلحة الجماعة بواسطة الدولة كنائب ووكيل لها.
وقال البعض أن لا يجوز للدولة أن تأخذ من مال الفرد سوى الزكاة وهو رأي خاطئ، وأدلة ذلك:
قال تعالى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ والملائكة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والسائلين وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177) وفي تفسير القرطبي "استدل بها من ذهب إلى إن في المال حق سوى الزكاة وقيل الزكاة المفروضة و الأول أصبح لما أخرجه الدار عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول اله (ص) إن في المال حقا سوى الزكاة ثم تلي الآية.
* يذكر ابن حزم "انه صح عن الشعبي ومجاهد وطاووس وغيره قول الرسول (ص) في المال حق سوى الزكاة "قال فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة لا مخالف لهم منهم".
* قال عمر لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على الفقراء المهاجرين".
* وقال علي "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم".
كما قال البعض انه لا يجوز للدولة أن تأخذ مال الفرد جبراً بل على الفرد أن يعطي باختياره وهو رأي خاطئ والأدلة:
* وعندما احي عمر أرضا بالربدة وكانت لقوم فجاءؤا وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في إلا سلام علام تحميها،فاطرق عمر ثم قال: المال مال الله والعباد عباد الله والله لو لا ما احمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبر في شبر".
* ويقول الإمام ابن حزم "وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم يجبرهم السلطان على ذلك أن لم تقم الزكوات ولا في سائر أموال المسلمين فيقم لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة".
* وعلي بن أبي طالب عندما صادر أموال بني أميه قال "والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به إلا ماء لرددته"
المساوه في الإسلام:يستلزم من كون الجماعة مستخلفة عن الله في الانتفاع بالمال إن الناس متساوون في الانتفاع به، وأدلة ذلك قال (ص) " إن الاشعريين إذا أرملوا في الغزو قل زادهم أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم ( رواة البخاري ومسلم)
وعن عمر بن الخطاب قال" والله ما احد أحق بهذا المال من احد وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته فالرجل وبلاؤه في الإسلام والرجل وعناوة وحاجته والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى"
فالمساواة في الإسلام تعني أن تحكم العلاقات بين الناس في المجتمع قواعد عامة مجدره سابقه علي نشأة تلك العلاقات ،هي الحدود التي وضعها مالك المال تعالي لتنظيم انتفاع المستخلف فيه ( الجماعة)، علي الوجه الذي يحقق مصالحها ككل وليس مصلحه فرد أو فئة دون إنكار ما يكون بين الناس من تفاوت في المواهب والمقدرات الذاتية :
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ( الزخرف: 32)
اخذ الدولة بالمصالح المرسلة( إشباع حاجات الجماعة):أوضحنا في مقدمة المبحث أن إسناد ملكية المال لله تعالى هي ضمان موضوعي ( أي أن الشريعة لم يضعها البشر بل هي وضع إلهي سابق علي العلاقات بينهم ) مطلق ( أي قواعد الشريعة العامة التي تنظم الانتفاع بالمال لا تخضع للتغير في المكان والتطور في الزمان) لتحقيق مصلحة الجماعة.
فشريعة الله تعالى قائمة علي أصول ما يحقق للناس مصالحهم في كل زمان ، أما ما دون ذلك من مصالح مرسلة ، أي التي ترك للجماعة أمر وضعها بما لا يتناقص أصول الشريعة، يقول الامدي عن المصالح الاصوليه " إن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد "( أي مصالحهم).
كما يقول الشاطبي عن المصالح المرسلة " إنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد و الأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشئ الواحد يمنع في حال لا تكون فية مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز"
يترتب علي هذا أن الدولة الإسلامية هي نائب ووكيل عن الجماعة المسلمة (المستخلفة أصلا من الله تعالى في الانتفاع بالمال) في تحقيق مصلحتها، وبلغة علم الاقتصاد أن احد الغايات الأساسية للدولة الإسلامية هي إشباع الحاجات المادية والروحية المتجددة للجماعة كوكيل ونائب عنها ،وأدلة ذلك في القران قوله تعالى ﴿ ...وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ( البقرة: 219).
جمهرة من المفسدين قالوا العفو هو ما فضل عن العيال فالمعني ( انفقوا ما زاد عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عاله ) منهم عبد الله ابن عباس والحسن البصري وقتادة بن دعامة.
أما في السنة فروى أبو سعيد الخدري عن الرسول (ص) (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به علي من لا زاد له ... قال أن الرسول قد ذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا انه لا حق لأحد منا في الفضل) ( رواة مسلم وابن سبيل).
ومما يدل علي إن غاية النشاط الاقتصادي في الإسلام هو إشباع الحاجات ما ورد من اعتبار ما زاد عن الحاجة كنز(30).
فقد روي عن الرسول(ص) (من جمع دينار أو درهما أو تبرا أو فضة ولا يعده لعز ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوي به يوم القيامة )
ومذهب أبو ذر الغفاري هو أن ما زاد عن حاجة الإنسان فهو كنز يكوي ويعذب به يوم القيامة حتى وان اخرج زكاته.
أما مذهب علي ابن أبى طالب فهو أن الحد الأقصى لنفقة الإنسان أربعه ألاف درهم وما كثر عنه فهو كنز وان أديت زكاته".
والذي نراه أنه كما اشبع حاجة للإنسان نشأت له حاجه جديدة، وأن حاجات الناس المادية والروحية متزايدة أبدا، وان ذلك سر التقدم الاقتصادي من الندرة إلى الوفرة، لهذا لا يمكن وضع قاعدة ثابتة صالحة لكل زمان ومكان لتحديد الحاجة ،فهي خاضعة لاجتهاد المسلمين علي التغير في المكان والتطور في الزمان، ودليل ذلك ما روي أن عمر أمر بجربين به طعام ثم ذلك فقال يكفي للرجل والمرأة والمملوك جربين كل شهر ( فدل علي إن عمر اجتهد في تحديد حاجة الجماعة في زمانه).
غير أن اخذ العفو ليس سلوكا فرديا بل مهمة الدولة وذلك بان يصبح إشباع الحاجات المادية والروحية للجماعة هو قانون اقتصادي رئيسي في الدولة كوكيل للجماعة فاخذ العفو أو ما زاد عن الحاجة يكون تبعا لمدى تمكن الدولة من إشباع حاجات الجماعة ليس غاية بل وسيلة والغاية هي إشباع حاجات الجماعة المتجددة.
روي الواقد باسنادة " أمر عمر فكتب إلى عمال أهل العوالي، فكان يجري عليهم القوت ثم كان عثمان فوسع عليهم في القوت والكسوة، وكان عمر يفرض للمنفوس مائه درهم فإذا بلغ زادة مائتي درهم، وكان إذا أتي بلقيط فرض له مائه له رزقا ياخذة وله كل شهر بقدر ما يصلحه ثم ينقله من سنة إلى سنة وكان يوصي بهم خيرا أو يجعل أرضهم أو نفقتهم من بيت المال وروى البلاذري عن عمر " أن عمر كان لا يفرض للمولود في الإسلام، وقد مر رجل على الخليفة عثمان فسأله عن عياله فاخبره فقال عثمان قد فرضنا لك وفرضنا لعيالك مائة " وكان عمر يفرض ذلك للجميع فلما كان عبد الملك بن مروان قطع ذلك كله إلا عمن شاء(31).
وإشباع الحاجات المتجددة للجماعة يتجسد في كون وظيفة الدولة في مجال الاقتصاد هو توفير الحاجات الأساسية من ملبس مأكل ومسكن وتكوين الاسره ... روى أحمد عن الرسول" من ولي لنا عملا وليس له منزلاً فليتخذ منزلا أو ليس له زوجه فليتزوج أو ليس له خادم فليتخذ خادم أو ليس له دابة فليتخذ دابة ومن أصاب شيئا سوي ذلك فهو غالي " فهذا الحديث وان انطبق علي موظفي الدولة إلا أن هناك ما يدل على عمومة فالإمام ابن حزم يقول" وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان علي ذلك أن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك بمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"(32).
وعلي سبيل المثال تقوم الدولة الاسلاميه بتوفير العمل المناسب لكل فرد حسب مقدرته، فقد روى البخاري وغيرة أن رجلا جاء إلى النبي( ص) يطلب إليه أن يدبر حاله لأنه خال من الكسب وان الرسول دعا بقدوم وسواة بيدة وجعل له يدا خشبية وضعها فيه ثم دفعه لرجل وكلفة بالعمل لكسب قوته في مكان اختاره له.وهو ما يعني توظيف أولي الأمر( الدولة) للناس حسب مقدرتهم ،وأوجب الإمام الغزالي في الإحياء أخذا بهذا الحديث علي ولي الأمر إن يزود العامل بالة العمل
وعلي الدولة الاسلاميه أن تراعي في الأجور إن تفي في إشباع الحاجات الضرورية فقد روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر في استخدام الصحابة في العمل فقال" أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة " قال أبو يوسف في تفسيره" إذا استعملتم علي شيء فابذل لهم العطاء والرزق لا يحتاجون".
وأورد المارودي عن عطاء الجند( انه معتبر بالكفاية حيث يستغني بها عن التماس مادة تقطعه عن حماية البيضة، والكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه، احدهما: عدد من يعول من الذرارى والممالك والثاني: ما يرتبطه من الخير والظهر، والثالث: الموضع الذي يحلة في الغلا والرخص فتقدر كفايته في نفقته وكسوته العام كله فيكون هذا المقدار في عطائه ثم تعرض حاله في كل عام فان زادت حاجته الماسة زيد وان نقصت ونقص وجوز أبو حنيفة زيادته علي الكفاية).
وعلي الدولة الإسلامية توفير السلع الضرورية بأسعار مناسبة، وهناك رأي يقوم علي أن لا تتدخل الدولة في التسعير استناداً إلى الحديث" إن الله هو القابض الرازق الباسط المسعر... " ،وان نترك الأسعار في الدولة الإسلامية طبقا لقانون (العرض والطلب) ،وهذا لا يمثل في رأينا التصور الإسلامي الكامل ،فان شريعة الإسلام كما بينا قائمة على تحقيق مصالح المسلمين ،فالتسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة ،فان كان التسعير في سلعة معينة في ظرف معين لا يحقق مصالحها ويلحق بها الضرر كان حراماً، فالرسول(ص) في هذه الواقعة المعينة رأي إن التسعير ينزل الظلم بالناس بدليل ما ورد في باقي نص الحديث... إني لأرجو أن القي الله ولا يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال ( رواة أبو داود والترمذي وصححه )، أما إذا كان التسعير يحقق مصلحة الجماعة كان واجباً يقول ابن القيم(وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز فان تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق علي البيع بثمن لا يرضونه ومنعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل ومنهم مما يحرم عليهم من اخذ الزيادة علي عوض المثل فهو جائز بل واجب) ثم يقول( أما الأول فمثل ما روي انس ( الحديث السابق))، فمضمون كلام ابن القيم هو جواز التسعير آذ وضعت الدولة السعر الذي لا يتضمن الضرر للبائع والمشتري بل الوجوب كما دل النص( فهو جائر بل واجب).
والرأي الذي نرجحه هو وجوب تسعير السلع الضرورية حتى لا يقع الناس في عبودية فئة تحتكر أرزاقهم لان ذلك مناقض لروح التصور الإسلامي للمال، و نستأنس في ذلك برأي ابن القيم السابق الذكر، بالإضافة إلى ما نقل عن جواز تحديد الأسعار عن سعيد بن المسيب وربيعة ابن عبد الرحمن ويحي بن سعيد الأنصاري"
وتقوم الدولة بتوفير العلاج بأسعار مناسبة وأدلة ذلك ما ورد في السيرة إن نفرا من عيينة قدموا على الرسول(ص) فاسلموا واستوباؤا المدينة و شكوا الم الطحال فأمر بهم الرسول(ص) إلى لقاحة وكان سرح المسلمين بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير ترعي هنالك فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا وكانوا استاذنوة أن يشربوا من ألبانها و ابوالها ( علي عادة القوم في التداوي في زمنهم) فأذن لهم وكان عمر يسأل عن واليه وأحواله مع رعيته وكان مما يسأل عنه عيادته المرض جميعا أحرارهم وعبيدهم فان أجاب رعية الوالي عن خصلة من الخصال بانتفائها من واليهم عزل الوالي لعدم قيامه بحق رعايته).
ومر عمر عند مجزئيه الشام علي قوم من المجزومين ففرض لهم شيئا من بيت المال.
كما تقوم الدولة الإسلامية بتوفير التعليم الضروري (الاساسى) بالمجان الفعلي وذلك قياساً علي قولة تعالى " قال لا أسالكم علية من اجر إن اجري إلا علي الله"
قال الإمام الغزالي في الإحياء" علي المعلم إن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب على افاده العلم أجرا و لا يقصد به جزاءاً ولا شكوراً.
كما روى أبى داود عن أبى شيبة قال لرسول الله( ص) يا رسول الله رجل اهدي لي قوسا ممن كنت اعلمه الكتاب والقران وليس بمال وارمي عليهما في سبيل الله فقال: إن كنت تحب إن تكون طوقا من النار فاقبلها. قال بن حزم" وفرض على الإمام أن يأخذ بذلك وان يرتب أقواما لتعليم الجهال" فالنصوص السابقة تدل على العلم الدنيوي كما تدل علي العلم الديني.
أما كيفيه إشباع الدولة لهذه الحاجات الضرورية فهو مسالة اجتهادية تختلف باختلاف الزمان والمكان. أما الحاجات غير الضرورية فمتروكة للأفراد( القطاع الخاص بالمصطلح المعاصر) تحت رقابه الدولة.
مع ملاحظه أن هذه الوظيفة من وظائف الدولة قد قررتها اغلب النظم الاقتصادية المعاصرة، مع اختلافها في مدى أهميتها وكيفيه تحقيقها، فالنظم الاشتراكية جعلتها وظيفة أساسيه للدولة تحققها من خلال تدخل الدولة المباشر ( الدعم الحكومي ، القطاع العام...)، أما النظم الراسماليه فقد قررتها (تحت ضغط الحركات العمالية و النقابية ولسحب البساط من تحت أرجل الأحزاب اليسارية) ولكن جعلتها وظيفة ثانوية للدولة( إذ الأصل عندها عدم تدخل الدولة) وتحققها من خلال الضمان الاجتماعي بأشكاله المختلف ، الدعم الحكومي غير المباشر...)
التخطيط الاقتصادي:ظهر في عصرنا الأخذ بالتخطيط الاقتصادي نتيجة عوامل عدة منها الثورة العلمية في أوربا والحرب العالمية الثانية ، وبعد الحرب بقي التخطيط في أكثر الجماعات مسلما به كمبدأ اقتصادي وأن اختلف في مداه وغايته.
وهنا نطرح سؤال هو ما هو موقف الإسلام من التخطيط الاقتصادي ؟ نرى إن التخطيط بما هو تحديد مسيرة الإنتاج من مصادرة حتى استهلاكه على الوجة الذي يحقق به غاية محدودة من قبل يمكن اعتبارة تطبيق معاصر لمفهوم تسخير الكون للإنسان الذي قرره القران﴿الم ترى إن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره﴾، لأن مضمون التسخير أن الطبيعة هي موضوع فعل الإنسان من اجل إشباع حاجته، ويتم ذلك بان يحول الإنسان دون الامتداد التلقائي للظروف المادية ويفرض عليها أن تتجه حيث يريد، كما أن في القرآن سابقة للتخطيط الاقتصادي في قصة يوسف عليه السلام وملك مصر. حيث تبدأ القصة برؤيا الملك ﴿ إني أري سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم بالرؤي تعبرون﴾ فهنا نجد أن رؤية الملك تعبر عن مشكلة هي إن الامتداد التلقائي للظروف المادية ( الجغرافية) في مصر ستؤدي إلى مجاعة ثم يتذكر ساقي الملك صحبة السجن فاخبر الملك بأمر يوسف علية السلام ويفسر الرؤية تفسيرا يكون بمثابة حل للمشكلة وذلك بتعبير السير التلقائي للظروف ( بالتخطيط) بحيث انه في الموعد الذي كان ( متوقعا) للمجاعة يجد الناس كفايتهم من الغذاء ويقسم الخطة إلى ثلاث مراحل: ﴿ تزرعون سبعة سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبلة إلا قليلا مما تأكلون﴾.ثم يأتي بعد ذلك ﴿ سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصدون﴾.ثم يأتي بعد ذلك "﴿ عام فيه يغاث الناس ﴾.
أما كيفيه تحقيق التخطيط فهذه مسالة اجتهادية تخضع للتغير زمانا ومكانا في إطار الفلسفة الاقتصادية الكلية.
الممكن الاقتصادي:إن ما سبق من حديث ينصب على ما ينبغي أن يكون، أما ما هو كائن في واقع المجتمعات المسلمة فهو اقتصاد متخلف، تابع ( العولمة في شكلها الليبرالي)، يكرس للظلم الاجتماعي ، اى واقع قائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار الاقتصادي ،و الانتقال مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون اى التقدم الاقتصادي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية( الاستخلاف الاقتصادي) لا يتم إلا من خلال ما هو ممكن، وما هو ممكن اقتصاديا يأخذ أشكال عديدة كاتخاذ موقف من الخصخصة( ال