عرض كتاب الوجود بين الإسلام والحضارة الغربية للأستاذ خالد الحاج عبدالمحمود الحلقة العاشرة

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل معاوية التوم محمد طه فى رحمه الله
الاستاذ معاوية التوم في ذمة الله
رابطة الاعلاميين بالسعودية تحتسب الاعلامي معاوية التوم محمد طه
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 11-12-2018, 10:55 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-10-2018, 06:37 PM

محمد الفاتح عبدالرزاق
<aمحمد الفاتح عبدالرزاق
تاريخ التسجيل: 14-09-2018
مجموع المشاركات: 25

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


عرض كتاب الوجود بين الإسلام والحضارة الغربية للأستاذ خالد الحاج عبدالمحمود الحلقة العاشرة

    07:37 PM October, 09 2018

    سودانيز اون لاين
    محمد الفاتح عبدالرزاق-Sudan
    مكتبتى
    رابط مختصر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحلقة العاشرة
    (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
    الوجود في الحضارة الغربية
    الفصل السابع والأخير
    الوجود الإنساني
    نحن بالطبع يعنينا، في المكان الأول، الوجود الإنساني.. والوجود الإنساني لا ينفصل عن الوجود العام: وجود الكون، ولذلك، على التصور العام للوجود، تتوقف صحة فهم الوجود الإنساني.. والمرجعية في الحضارة الغربية، التي يقوم عليها فهم الوجود الإنساني، هي بالطبع، نفس المرجعية التي يقوم عليها فهم الوجود العام، وهي العلمانية.. وكما رأينا، هي تقوم على الفلسفة، والعلوم الطبيعة.. وكلاهما يعتمد، اعتماداً كلياً على العقل المجرد.
    وفق هذه المرجعية، الإنسان جزء من الطبيعة ومختلف عنها.. وهو آخر كائنات الطبيعة ظهوراً.. ويقدر أنه قد ظهر قبل حوالي مائتي ألف سنة..
    لسنا معنيين، بنشأة الإنسان، في تفاصيلها، والنظريات المختلفة حولها.. المهم أن علماء الأنثربولوجيا، يذكرون ثلاثة أنواع للجنس البشري، هي: هوموهابلس homo-habilis وتعني (الإنسان مستخدم الأدوات)، وهومو-اريكتس Homo-Erictus، وتعني الإنسان منتصب القامة، وهومو سابينس Homo-Sapiens وتعني (الإنسان العاقل).. والنوع الثالث هذا هو الذي تنتمي إليه السلالات البشرية الحديثة، والتي مازالت تعمر الأرض حتى اليوم.. ويرجح علماء الأنثربولوجيا أن هذا النوع قد تطور بطريقة ما عن هومو إريكتس، وهم على خلاف حول كيفية هذا التطور، انحصر في نظريتين: نظرية النشأة المتعددة المناطق، ونظرية ثانية، وهي الأهم، تختلف عن نظرية النشأة متعددة المناطق، اختلافاً يكاد يصل إلى حد التضاد، إذ أنها مبنية على افتراض أن سلالة من هومو-اريكتس عاشت في منطقة شبه صحراوية من أفريقيا (قريبة من مكان هذا النوع المؤسس)، وتحت ضغط التغير في ظروف الطقس تطورت هذه السلالة إلى النوع الجديد (هومو سابينس) والذي استقر في المكان الجديد، وتناسل لمدة خمسين ألف سنة إلى أن نشأ من ذريته نوع جديد أسموه: (هومو سابينس سابينس) أي الإنسان العاقل العاقل.. وقد تفرقت عشائر هذا النوع الجديد وانتشرت خارج أفريقيا.. حيث استقرت كل عشيرة في موطنها الجديد. وهكذا تكونت السلالات البشرية المختلفة التي مازالت باقية حتى يومنا هذا، ويؤيد هذا الرأي العثور على أحافير من هذا النوع مختلفة الأعمار في بقاع مختلفة.. (10 ص 260) أرنست ماير..
    ويرى علماء الأنثربولوجيا، أن تتابع اكتساب الصفات البشرية، قد تم على ثلاث مراحل هي:
    الاعتماد التام على الطرفين الخلفيين في المشي.
    استخدام اليدين بعد تحررهما في صنع الأدوات واستعمالها.
    نمو الدماغ ليطلع بالمهام الجديدة (اختراع الآلات واكتساب المهارة في استعمالها).
    وقد ظل العلماء لوقت طويل على هذا الرأي، ولكنهم فيما بعد أعادوا النظر فيه.. وقد ظهر لهم أن القدرة على استعمال الأدوات قد أصبحت صفة قائمة قبل ظهور القدرة على المشي المنتصب.. كما ذهبوا إلى أن الأثر المباشر لتحرر الذراعين كان منصباً على سلوكيات الأمومة (احتضان الصغار والصيد)، وليس على تعرف الإنسان على الأدوات.
    ويركز العلماء، في تصورهم لظهور الإنسان من الرئيسيات، على كبر حجم الدماغ وتبدل قياسات سعة جماجم أسلاف الإنسان الحديث إلى حجمه الحالي، وقد تم التحول خلال حوالي المائة وخمسين ألف سنة الأخيرة، أي بعد انفصال الخط التطوري للإنسان الحديث عن خط تطور الشمبانزي، فما هي العوامل التي أدت إلى هذا التطور المذهل في الدماغ البشري خلال هذه الفترة الوجيزة؟
    بالإضافة إلى ما أشرنا إليه منذ قليل (احتضان الصغار والصيد)، هناك عامل مهم ثالث قد رفع زيارة حجم الدماغ البشري، ذلك هو اكتساب القدرة على الكلام، وما أتاحه للإنسان من تحصيل ثقافي تتوارثه الأجيال، فليس من الإنصاف أن نرجح كفة أيٍ من هذه العوامل الثلاثة، لأنها جميعاً كانت متضامنة بالتساوي في تحقيق التطور)..(10 ص 266).. ويقول أرنست ماير: (لم يتوصلوا إلى وجود علاقة محددة بين مرتبة الحيوان ومستوى نشاطه الذهني. وهذا يؤكد وجود فرق بين الدماغ والعقل. هذا الاستنتاج ينسحب أيضاً على ما ينسب للدماغ من أدائه لوظائف ذهنية أخرى كالتفكير والوعي الذين لا يمكن بحالٍ أن نعتبر أحدهما أو كليهما مقتصراً على الإنسان، أو مميزاً له على سائر الحيوانات)..(10ص 268)..
    ويذكر أرنست ماير أهمية المجتمع في تطور الإنسان ونشؤ الحضارة، التي بدأت عنده بانتقال الإنسان من مرحلة (الجمع إلى مرحلة فلاحة الأرض وتربية الحيوانات.. وكان ذلك منذ ما لا يزيد على عشرة آلف سنة).. (وعلى الرغم من قصر هذه المدة فإن ما حدث فيها كان نقلة حضارية أعمق أثراً في النوع البشري، ودوره في إعمار الأرض من كل ما حدث على امتداد ملايين السنين التي سبقتها. وكانت هذه النقلة إيذاناً بميلاد المدنية التي كان أول مظاهرها الاستقرار المعيشي بما يتطلبه من بناء المساكن.. ومن التجمعات السكانية تكونت القرى، ومع زيادة الكثافة السكانية نشأت المدن. وعندما تعددت هذه الوحدات الاستيطانية وانتشرت، ظهرت الحاجة إلى وسائل التواصل، وتبادل المنافع، وهكذا نشأت التجارة، واخترعت وسائل النقل والمواصلات، وكان هذا هو مولد التكنلوجيا في صورتها البدائية التي تطورت بعد ذلك حتى بلغت ما نراها اليوم)..(10 ص 271).. وحسب توينبي، استطاع الجنس البشري أن يتطور عبر خمس حضارات كبيرة، إلى أن وصل إلى وضعه الحالي، في الحضارة الغربية السائدة.
    بحكم وجود العقل عند الإنسان، من الطبيعي أن يشغله موضوع وجوده، كما يقول إريك فروم: (الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعد وجوده مشكلة بالنسبة إليه، مشكلة عليه أن يحلها، ولا يستطيع منها فكاكاً).. ويقول: (عليه أن يقدم لنفسه حسابا عن نفسه، وعن معنى وجوده وهو مسوق من التغلب على هذا التصدع الداخلي يعذبه الشوق إلى (المطلق)، وإلى ضربٍ آخر من الانسجام يستطيع أن يرفع به اللعنة التي فصلته عن الطبيعة، وعن إخوانه البشر، وعن نفسه).. ويقول: (وينشئ التنافر وعدم الانسجام، في وجود الإنسان حاجات تتجاوز حاجات أصله الحيواني تجاوزاً بعيداً وينتج من هذه الحاجات دافع قاهر لاستعادة الوحدة والتوازن بينه وبين بقية الطبيعة، ويحاول استعادة هذه الوحدة والتوازن في الفكر، بادي الأمر، وذلك بتشييد صورة ذهنية جامعة للعالم، تكون بمثابة إطار للإشارة يستطيع منه أن يستمد الإجابة على السؤال الخاص بموقفه وما ينبغي عليه أن يفعله، بيد أن هذه المذاهب الفكرية ليست كافية، ولو كان الإنسان عقلاً مجرداً من الجسم لبلغ غايته بمذهب فكري شامل، ولكن مادام الإنسان كياناً له جسم وعقل فلا مناص من أن يواجه ثنائية وجوده لا بالتفكير فحسب، بل بعملية الحياة أيضاً، وبمشاعره، وأفعاله، عليه أن يسعى جاهداً إلى تجربة الإتحاد، والوحدة في كل مجالات وجوده لكي يصل إلى توازن جديد). راجع كتابنا العصر الذهبي للإسلام أمامنا..
    ما نحب أن نؤكد هنا، هو أن معرفة طبيعة الوجود الإنساني حاجة أساسية، من حاجات الانسان، لا تستقيم حياته إلا بإشباعها.
    إن نظرة الحضارة الغربية للوجود الإنساني، هي مثل نظرتها للوجود العام، ووجود الكون، يغلب عليها الجانب المادي، وتقوم على ظاهر الأشياء، ولا تملك أي مقومات للذهاب، بعيداً وراء هذا الظاهر.. كما تغلب عليها التعددية، التي يقوم عليها الإدراك العقلي، ويصعب عليها تصور الوحدة.. والى جانب كل ذلك، تغيب عن هذه النظرة الغائية الكونية.
    أهم الفلاسفة، الذين تناولوا قضية الوجود الإنساني، في الغرب، الوجوديون، الذين اتخذوا من الوجود اسماً لفلسفتهم.. والوجودية مدارس، مختلفة في رؤيتها الفلسفية، ولكن ما يجمع بين فلاسفتها هو أنهم يركزون في فلسفتهم على تناول قضية الوجود الإنساني، وينطلقون، بصورة عامة، من مبدأ واحد، هو أسبقية الوجود على الماهية، وهو أمر يلحق بالبداهة، فلا شيء، بالنسبة لأي موجود، يمكن أن يسبق وجوده، لا من حيث الأهمية، ولا من حيث الأسبقية الزمنية.. وقد أثار الوجوديون القضايا الأساسية التي تتعلق بالوجود الإنساني.. ومن القضايا التي أثاروها قضية (الوجود في العالم).. فهيدجر مثلاً، يرى، مثل هوسرل، أن الوعي هو دائماً شعور بشيء، فهو يرفض تصور الوجود البشري على أنه (ذاتية) منغلقة على نفسها، ويتصور أنه وجود منذ البداية، نحو العالم الخارجي (فالوجود البشري حقيقة متفتحة على الوجود العام، وهو _بكل عواطفه وميوله ومقاصده_ موجه نحو العالم الخارجي. والوقع أن (الوجود) لا ينكشف للإنسان على صورة (موضوع) يتأمله، بل هو ينكشف من البداية على صورة (توتر) يثير في نفسه الاهتمام.. وهذا هو السبب في أن الانسان هو الموجود الوحيد الذي لا ينفصل وجوده عن الاهتمام بهذا الوجود، والتساؤل عنه والقلق عليه).. (11 ص 420)، زكريا إبراهيم.. وحينما يقول هيدجر أن الإنسان (موجود في العالم) لا يعني بذلك انه موجود وجوداً مكانياً، مثلما توجد الأشياء في الغرفة مثلاً، وإنما يعني أنه توجد بين الإنسان والعالم علاقة وثيقة ورابطة عميقة تجعل من المستحيل علينا أن نتصور إنسانا بدون عالم، أو عالماً بدون إنسان.. فمجرد ارتباط الوجود البشري بالعالم هو الذي يجعل منه موجوداً (مهموماً)، يحمل دائماً عبء وجوده.. ويتصور هيدجر (الوجود في العالم) على أنه وجود ديناميكي، لا مجال فيه لأي انفصال بين الانسان والكون.. والوجود الإنساني في العالم هو وجود إمكانيات بها يكون الانسان دائما في تجاوز لذاته.. فالإنسان هو (موجود الممكنات الذي هو باستمرار فيما وراء ذاته، وهكذا نرى أن وجود الإنسان في العالم إنما هو علاقة وجودية تربطه بإمكانياته، بحيث يحق لنا أن نقول أن الإمكان أعلى من الواقعية، بالنسبة إلى ذلك الوجود الذي يتصور (وجوده) دائماً على أنه (مشروع) وجود)..(11 ص405)..
    وكما أن الوجود في العالم، من مقومات الوجود الإنساني، عند هيدجر، فكذلك (الوجود مع الآخرين) هو أيضاً من مقومات هذا الوجود.. ويقسم هيدجر الوجود الإنساني إلى قسمين: وجود حقيقي، ووجود زائف.. الوجود الحقيقي (هو الوجود الذي تشعر معه الذات بأنها قائمة بنفسها، مسئولة عن ذاتها، وأنه قد خلي بينها وبين حريتها، وأنه لابد لها من أن تأخذ على عاتقها تبعة وجودها).. (11 ص 406).. أما الوجود الزائف (فهو ذلك الوجود الذي تهبط فيه الذات بنفسها إلى مستوى (الموضوع)، إلى الانغماس في المجموع، آملة من وراء ذلك التهرب من حريتها، والتنصل من مسؤوليتها، والتخلص من شعورها بالقلق).. (11 ص 407)..
    الوجود من أجل الموت:
    من أهم القضايا التي أثارها الوجوديون، قضية الموت.. وهي بالطبع قضية مثارة في عموم الفلسفة الغربية، بل إنها قضية مرتبطة بوجود كل إنسان، ولكن الوجوديين أعطوها، موضعاً هاماً في فلسفتهم، وجعلوا من الوجود الإنساني عامة (وجود للموت)، كما يعبر هيدجر.. وارتبط مع قضية الموت عندهم، موضوع القلق الوجودي.. يقول د. زكريا إبراهيم: (يمهد هيدجر لدراسته الأنطلوجية للزمان بدراسة أنطلوجية أخرى للموت على اعتبار أن (الموت) هو وحده الكفيل بالكشف عن طبيعة المستقبل.. هذا إلى أن (الموت) إنما هو تلك النهاية التي يستطيع الموجود البشري عن طريقها أن يصبح (كلاً).. والقلق هو الذي يكشف لنا عن طابع وجودنا باعتبارنا موجودات متناهية قد جُعلت للموت، وليس الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يعرف أنه فان فحسب، بل الانسان أيضاً هو الموجود الوحيد الذي يدخل الموت في صميم كينونته باعتباره أعلى ما لديه من إمكانيات فهذا الحد الأليم _حد الموت أو الفناء أو التناهي_ إنما هو الذي يحدد الوجود الإنساني ويميزه، بحيث قد يكون من الممكن أن نقول أن الوجود البشري هو في صميمه (وجود نحو الموت) أو (وجود للموت) أو (وجود من أجل الموت)، وما لدى الانسان من قدرة على استباق الموت أو توقعه، إنما هو الأساس الذي تقوم عليه كل محاولة من أجل إدراك وجوده ككل).. (11 ص 411).. والموت المعني، ليس الموت بصورة عامة، وإنما موت الفرد بالذات، كتجربة خاصة بصاحبها (إمكانية موتي إنما هي إمكانيتي الخاصة، فليس في استطاعة أحد أن يموت بدلاً مني أو عوضاً عني.. ومعنى هذا أنني حيثما أتحدث عن (موتي) فإنني أتحدث عن (واقعة) شخصية لن يستطيع أحد أن يعانيها بدلاً مني.. وحينما آخذ على عاتقي هذه (الإمكانية) إنني سرعان ما آخذ نفسي في عزلة وجودية تنقطع معها كل الوشائج التي تربطني بالعالم أو بالآخرين، وليس أمامي سبيل للتهرب من ذلك القلق، الذي يستولى على مجامع قلبي حينما أفكر في الموت.. ومهما أحاول أن أخفي عن نفسي تلك الإمكانية بمختلف طرق المخادعة والمخاتلة، فإن نجاحي في هذه المهمة لابد من أن يظل رهناً ببقائي في مستوى الوجود الزائف، فالاغتراب عن الذات هو الشرط الأوحد للقضاء على كل تفكير في الموت.. والانحدار إلى مستوى (الوجود الزائف) هو الضمان الأوحد لتجاهل حقيقة (وجودنا من أجل الموت)..(11 ص 412).. والوعي بالموت، عند هيدجر، يجعل منه، ليس مجرد خاتمة، وإنما إمكانية معاشة.. يقول د. زكريا إبراهيم عن هيدجر: (ليس موتي واقعة تظهر في خاتمة حياتي، وإنما هو واقعة ماثلة _على صورة إمكانية حادة_ في كل لحظة من لحظات حياتي، ومعنى هذا أن الموت لا يكاد ينفصل عن كينونتي نفسها، ما دام الاندفاع نحو المستقبل لابد أن يكون بمثابة اتجاه نحو الموت.. فليس الموت في نظر هيدجر مجرد فكرة تعبر عن (الخاتمة) أو (النهاية) بل هو إمكانية معاشة، تعبر عن فعل (التناهي) أو (الانتهاء).. وهذا هو السبب في أن هيدجر لا يرى في الموت (عرضاًَ) أو (حدثاً) يأتي إلينا من الخارج، بل هو يرى فيه أعلى إمكانية من إمكانيات الموجود البشري).. (11 ص 412)..
    طالما أن الوجود الإنساني، محكوم عليه بالموت، والإنسان يعي ذلك تماماً، تصبح قضية هذا الوجود محددة بهذا العامل الأساسي.. فإما أن يكون الموت هو صيرورة للعدم، ونهاية الوجود الإنساني، أو أن تكون هنالك استمرارية لهذا الوجود، بعد الموت.. والحضارة الغربية، بحكم إطارها المرجعي، لا تملك غير الخيار الأول، خيار أن الموت هو نهاية الوجود الإنساني، وفي هذه الحالة، يكون هذا الوجود، وجود بائس وبلا معنى.
    أزمة غياب المعنى، هي أكبر، وأخطر، أزمات الحضارة الغربية.. وهي أزمة لا حل لها، في إطار هذه الحضارة، لأنها مرتبطة بطبيعة الإطار المرجعي في الحضارة الغربية، الذي لا يمكن أن يعطي سوى إجابة واحدة، غير قابلة لأي احتمال ثاني، وهذه الإجابة هي: أن الموت، هو نهاية الوجود الإنساني.. فلتجاوز هذه الأزمة الأساسية، لابد من تجاوز الإطار المرجعي للحضارة الغربية _العلمانية.. ولا يوجد أي معنى للبحث المضني الذي يقوم به الكثير من المفكرين الغربيين، عن معنى الوجود الإنساني، والحياة الإنسانية، وهو بحث لا أمل في أن يوصل إلى نتيجة مختلفة ما لم يتم تغيير ظروف البحث نفسه، بالتحول إلى إطار مرجعي غير العلمانية.
    ونفس القول، نقوله عن البحث عن قيم أخلاقية جديدة، تناسب الواقع الحضاري الجديد، فهو الآخر، بحث لا طائل منه، طالما أنه مقيد بإطار مرجعية العلمانية، ومقيد بالتصور المادي الميكانيكي للكون، هذا التصور الذي يسمى علمي!! ففي غياب الغائية الكونية، من المستحيل أن يكون هنالك أساس لأخلاق موضوعية، كما لاحظ والتر استيس، في كتابه المتميز (الدين والعقل الحديث)..
    يقول د. سليم عكيش الشمري: (يرى الفلاسفة الوجوديون أن ما يهم الانسان أولاً ليس فقه الوجود، بمثابة معطى خاص، بل هو البحث عن معنى الوجود والكشف عن ميزات القيمة الفائقة المسماة وجوداً. من هذا المنظار يستخدم فلاسفة الوجود، ومن دون تمييز لفظي (معنى وقيمة)، ويتساءلون: ما الذي يجعل الحياة قيمة.. إن الانسان يسعى إلى إعطاء معنى إجمالي للحياة يبررها بشكل خاص أمام الموت الذي لا يقهر. وعلى هذا النحو يكون المعنى هنا متعلقاً بقيمة الوجود الإنساني، وقيمة حياته التي يعيشها لا شيء آخر)..(12 ص 168)..
    يعرف كولن ويلسون الحرية بأنها (الفكاك من اللاحقيقة).. ولذلك، ليست الحرية عند ويلسون (إنك تفعل ما تريد، وإنما هي إيقاظ الإرادة الإنسانية الخلابة من غفوتها وسكونها نحو استشعار الوجود الإنساني بوجه أكثر معنى وايجابية للتخلص من التوتر الناجم عن انعدام الثقة في الوجود)..(12 ص 63)..
    وهذا قول جميل، ولكن لا ويلسون ولا غيره من الوجوديين، بينوا لنا كيف ينسجم مع رؤيتهم للوجود، ثم هم لا يملكون أي منهج عملي لتحقيقه.. فكل الذي فعلته الوجودية، في مدارسها المختلفة، أنها قدمت تشخيصاً جيداً، لأزمة الوجود الإنساني، دون تقديم أي حل، بل دون أي إمكانية لتقديم هذا الحل.
    9/10/18م
    انتهى الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني – الوجود في الإسلام

                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de