ذكريات تاريخية مع التلفزيونزمن الدنيا كانت اسود وابيض والناس ما اكتشفت الالوان ... القلوب بيضاء والشعر اسود والقمر يطلع بالليل فقط ..
اذكر اول مرة اشاهد تلفزيون في حياتي كانت هي اول مرة ازور فيها الخرطوم العاصمة
التلفزيون لم يكن انتشر في كل اقاليم السودان
وخاصة بلدنا كسلا تكاد تكون من آخر المدن التي وصلها ارسال ...
في عطلة مدرسية عند عمي بالخرطوم
ونحن نجري ونلعب في بيوت الاهل التي تربط بينها نفاجات ( ابواب صغيرة لجيل اليوم ) مريت عند ناس ملتمين امام صندوق مضئ وانا جاري غير مكترث ..
فجأة لاحظت لشئ يتحرك في الصندوق .. توقفت وسألت ....هي ....دا شنو دا ؟؟؟؟
دا ما التلفزيون
والتلفزويون هو شنو ؟؟؟؟
التلفزيون ما يا هو دا
شبه الماء بعد الجهد بالماء ..
وانا حتى اجد اجابة شافية تقدمت الصفوف وجلست متفرجخا في الارض
القعدة اللا يوم الليلة ..
ولسع ما عرفت الداهي دا بيشتغل كيف
نحن انشغلنا بالفيه عنه ..
سنين مرت ومرت سنين كما يقول الكابلي
بدأت عملية تركيب محطة الاستقبال قي كسلا
كان رمزا لها برجا عاليا من الحديد يرى من كل انحاء المدينة انحاء المدينة وينافس جبال التاكا
وبعد ان تم تجهيز الطبق الضخم والبرج العالي
تأخر استقبال الارسال فترة طويلة رغما عن ان معظم الناس اشترت تلفزيوناتها وانتظرت الفرج .
ولان معظمنا لم يكن يعرف ماذا تعني كلمة تلفزيون الا من حظى بزيارة العاصمة من امثالنا ( بلا فخر)
واستلمنا المجالس نحكي عن السحر الذي-فيه ..
وعن اسباب التأخير نستسلم للشائعات ..
كان من ابناء الحي من اشتهر بنسج الاخبار وبثها كمعلومات ..
قال ان سبب تأخير الاستقبال انه هنالك (مراية ) عملاقة تم شحنها من الخرطوم لتصل كسلا ..
ولخوفهم من كسرها نقلوها ببطأ ..
وظلينا شهورا ننتظر وصول المراية العملاقة التي ستنقل لنا صورة التلفزيون من الخرطوم حتى كسلا ..
والحمد لله وصلت وبدأ الارسال أخيرا ...
لكن لسر لا يعلمه الا الله وحتى الآن انا شخصيا لم أقف عليه ..
كان بيتنا من آخر البيوت التي دخلها تلفزيون في الحي
لا ندري ما الحكمة من الوالد اذ اننا نوقن تماما انه السبب لم يكن استطاعة ..
وفي الحي ايضا لم يكن سوى بيتين او ثلاثة من اكرمها الله بهذا الجهاز العجيب ..
كان احد الجيران كريما لدرجة انه افترش برشين طويلين في حوش بيته لاستقبالنا
.. ولطالما نمنا فيهما وجرونا اهلنا جرا الى البيت ..
ولكنه مع كرمه كان يمارس علينا نوعا من السادية والامبريالية ..
وذلك بقفل التلفزيون في نصف حلقة المسلسل بحجة انه المكنة سخنت ..
الغريبة كان يتخير اللحظات الساخنة فعلا في المسلسل والتي تشد الاعصاب مثل الاعلانات في زمننا الحالي ..لكن الاعانات لا تحرم الناس من مشاهد يحيث تعود الحلقة من مكان قطعها .
فيقوم متوجها ناحية التلفزيون ..
يتحسسه اولا كما تتحسس المرضعة فطيهما ..
ويهز راسه حتى ينقل الينا حسرته قبل ان يقفل التلفزيون ..
والذي عادة لا يبرد الا بعد انتهاء الحلقة ..
في السينما كنا عادة نلتفت ناحية الشبابيك التي يخرج منها الشعاع الذي ينقل الينا الفلم ..
ونكيل السباب والصفير لمشغل السينما ..
لكن هنا الرجل في بيته فضلا عن اننا لم ندفع له ..
فنكتفي ببلغ ريقنا واكمال الحلقة في الخيال ..
شرف التلفزيون بيتنا بدون مقدمات
كنا انا واخوتي في حوش البيت نتونس ذات مساء
فجأه سمعنا صوت تلفزيون قريب ينبعث من الحوش الآخر
وبدأنا في غلاط أحدنا يقول انه تلفزيون لكنه من الجيران ..
ويقول آخر بل هو صوت راديو الوالد
الى ان تطوع احدنا ونظر متلصصا ناحية الحوش الآخر
وكانت صرخة النصر واكتمال الهلال ... فدا لك العمر ..
تلفزيون في بيتنا ؟
احضره الوالد وفتحه وجلس يتفرج وحده بعد ان رفع الصوت عاليا
ليصنع لنا المفاجأة
وكانت مفاجأة فعلا بل فرحة عريس أكمل عاما و يتلقى نبأ ولادة طفله الاول ..
نشرة الاخبار كانت تشكل لنا الفاصل المداري بين السهرة وباقي البرامج
كنا نكرهها ونادرا ما نتجاوزها ونحضر السهرة ..
لانه تحس انه مزيعي الاخبار يحملون اشعة منومة ...
وخاصة عندما يكون الخبر يتعلق بالرئيس نميري ويقابل ضباط وضباط صف وجنود
وهذا يعني ان على الكاميرا التعيسه ان تصور كل الذين سيصافحهم الرئيس في هذا الخبر ..
وعلينا نحن ان نشاهد هذه المصافحة ضمن الخبر دون ان ننام ..
ولانه نادرا ما نتجاوز نشرة الاخبار كان على من يستطع ذلك من حقه ان يتباهى امام اقرانه بانه تجاوز الاخبار ..
واثقل من نشرة الاخبار كانت النشرة الجوية ..
ودائما ما يختارون لها مزيع صارم متجهم يتحلى بالدمامة والصوت الاجش ,,
ويقول كلام لانفهم معناه وانا حتى قريب كنت لا افهم ماذا يعني مزيع النشرة الجوية بالصغرى والكبرى .. هل الخرطوم عندها أخوات ؟
الخرطوم الصغرى عشرين والكبرى خمسة واربعين ..
ولا اذكر اي واحد منا سأل عمن تكون هذه الخرطوم الصغرى ومن هي الكبرى ..
كان كل همنا ان نسمع مزيع النشرة الجوية يقول لنا تصبحوا على خير ..