صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 06-21-2024, 07:28 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف النصف الثاني للعام 2006م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-28-2006, 01:34 AM

Emad Abdulla
<aEmad Abdulla
تاريخ التسجيل: 09-18-2005
مجموع المشاركات: 6751

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص

    صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص
    عبد الله ود البيه

    وصلت إلي"موسكو" ..لم تك هذه المرة الأولي التي أزور فيها الاتحاد السوفياتي... فقد مررت به من قبل في طريقي من "زعرب" عاصمة جمهورية كرواتيا لأستقل من "كييف"ماكان يسمى آنذاك بقطار آسيا القاري في رحلة شيقة داخل مقصورة النوم ,تجاوزت في مجمل أيامها الأسبوع الكامل مروراً بأصقاع سيبيريا وعبر هضبة فلادفستك المطلة علي تخوم اليابان وصولاً إلي"بكين"عاصمة الصين . ولا أدري للحين لماذا فضلت وأناأعبيء استمارة طلب تأشيرة الدخول بالسفارة الروسية بالخرطوم الإجابة بالنفى علي مضمون وفحوى السؤال القائل : هل سبق لك وأن زرت الاتحاد السوفياتي من قبل؟
    ها أنذا اليوم في "موسكو" وقد حضرت إليها هذه المرة لأتلقي فيها دروساً مسهبة وتدريبات مكثفة في أكثر علوم العصر الحديث تعقيداً والتواء وغموضاْ, حيث أخذت بمجرد خروجي من طائرة "الايروفلوت" داخل سيارة طويلة سوداء كتلك التي تستعمـل في نقل الموتى, نوافذها محكمة الإغلاق وبداخلها جهاز بث والتقاط لم يكف عن إرسال شفرات لاسلكية متقطعة منذ لحظة مغادرتنا قاعة المطار في رحلة من طولها خلتها ضحي يوم كامل حتي وصولنا للمقر المعد, والذي اعتقد جازما بأنه كان يقع علي مشارف ضاحية قصية خارج نطـاق العاصمة المترامية الأطراف, وهو مبنى مكون من طابقين الأعلي منه مجهز للسكن والأرضي خاص بتلقي الدروس وحوله مساحة أرض شاسعة تحدها أسوار عالية فوقها سلك شائك مكهرب, بها منفذان أحدهما للخروج والآخر للدخول يجلس قبالتهما نهاراً حارسان مدججان وعند حلول المساء تطلق بالساحة مجموعة من الكلاب الشرسة المدربة الي طالما ذكرني نباحهما المبحوح بصوت"هاوند الباسكرفييل" أما العم "فانيا" نادل المطعم العجوز كان كتوشيحة قدماء المغول التي لا تسمع ولاترى ولاتتكلم, فقط كان يبحلق ويدندن أحياناً بلحن أوكراني قديم, يبتسم في لحظات نادرة أكثر ما تتجلى حينما يختلي بالطاهيتين "ماريا وتانيا", بعد انتهاء فترة عملهما ليشاركهما وهو متكوم على التخت الخشبي احتساء قدحين من رحيق الفودكا الأصلية أو أكواب من شراب النبيذ المنزلي المعتق , وكثيراً ماكنت أترجم نظراته الخرساء لي حينما يلقاني بغتة في ردهة القاعة الأرضية كمن يلح في سؤالي هامساً "ما دهاك يا بني؟".

    خرجت من تحت الأرض من قطار المترو عصر ذاك السبت عند محطة مسرح"البولشوي" أمام منحى ساحة "الكرملين" وأنا أمني نفسي بأشياء عديدة,أقلها إختلاس لحظات سارة أزيح في خلالها ما علق بذهني طيلة أيام الأسبوع المنصرم من تكدس رهيب لمعلومات غزيرة ومتنوعة تفوق في كنهها حد الوصف والتقدير , وقادتني قدماي في تلك المرة إلى مطعم فندق "المتروبول" ودلفت علي عجل لا ألوي على شيء سوى الاسترخاء التام علي طاولة منزوية بركن هادئ بعيد أتناول عليها شريحة من لحم الغزال البري المتبل في عجينة الثوم والليمون وامتص جرعات من عصير البرقوق المجفف علي أنغام إحدى مقطوعات "شايكوفسكي" الخالدة.

    "يا إلهي إن بك الكثير من ملامح "بوشكين", هل تسمح لي بالجلوس للحظات معك إن كان هذا لا يضايقك؟" ورفعت راسي بدهشة لأتبين مصدر الصوت الآتي ذاك الناطق بلغة انكليزية رصينة قلما تسمعها في تلك البقاع, كانت أمرأة تبدو في الأربعينات من عمرها, قصيرة نوعاً ممتلئة القد مجدولة الشعر بها مسحة خفيفة من بقايا جمال سابق إلا أن أسنانها كانت علي غير المألوف متراصة وناصعة , واجبتها عن عمد بلهجة روسية دارجة: "تفضلي سيدتي فليس هناك ما يضير", ارتسمت بسمة باهتة علي شفتيها الخاليتين من أي أثر لإصبع الروج وتمتمت: " هذه عبارة طالما درج المراهقون من شبابنا علي ترديدها عندما تسنح اهم الفرصة ويخاطبون النساء ويبدو أنك قديم عهد بموسكو". وقاطعتها دون اكتراث "علي النقيض فإقامتي هنا لم تتعد الأشهر القليلة , ولكنني بطبيعة الحال أجيد اللغات السلافية ككل", وهزت كتفيها معلقة:" وماذا تعمل هنا؟ لا بد أنك أحد الدبلوماسيين؟" وأجبتها وأنا ازدرد قطعة من اللحم: " كلا فأنا ملاح جوي أعمل بطائرات رش المحاصيل وقد بعثت إلي هنا لمزيد من التحصيل والتدريب في كيفية إبادة الآفات الضارة والفاتكة بلوزات القطن ". وصاحت " إذاً فأنت من مصر".

    لم أعلق وعمدت إلي تغيير سير الحوار قائلاً:" هل تفضلين هذا النوع من العصير الذي أمامي أم أطلب لك شيئاً خلافه؟" ردت وقد تأهبت للوقوف : "شكراً ياعزيزي فانا كنت قد طلبت أطباقاً من الفطائر المحشوة لآخذها معي لشقتي لا سيما وأنا احتفل اليوم بعيد زواجي" ونهضت وناولتها علي الفور كوباً من الشراب ورفعت كوبي مهنئاً: "لنشرب نخب هذه المناسبة السعيدة " وأجابت بصوت خامل "ليست هي بالسعيدة كما تظن , فزوجي قد توفي غرقاً قبل عامين داخل غواصة نووية بالقطب الشمالي". وأبديت أسفي عبر تقطيبة لملامح وجهي, بينما استطردت هي قائلة: " لا بأس لو تشاركني احتفالي إن كنت غير مرتبط هذا المساء, فأنا لعلمك أقطن لوحدي لا أحد معي سوى هرتي "لوسي" ومكاني ليس ببعيد عن هنا "وباغتها, "ولكن لابد وأنك قد دعوت بعض أصدقائك المفضلين للاحتفال معك ؟". قالت بفتور: "أبداً فأنا قد درجت علي الاحتفال بهذه المناسبة لوحدي دون دعوة أحد, إلا أن هذا لا يمنع من حضورك إن كنت ترغب حقاً في ذلك".

    وخرجنا صوب شقتها التي تقع في الطابق السابع من عمارة حديثة البناء وتحدثنا ونحن في خلوتنا تلك في أشياء كثيرة, حدثتني هي عن عملها كموظفة استقبال بإحدى الوزارات وكيف أنها لاتأبه بالفلسفة الاشتراكية وتعشق الحياة الصاخبة, وأنها بطبعها ملولة ولا تحب الأطفال ولا تشرب الحليب ومستخرجات الألبان, وتهوى التبغ الكوبي والعشاء بالسمك والكفيار الأسود, وتكره السباحة ومتابعة برامج التلفاز, تميل إلي قراءة الأشعار والتحدث باللغات الأجنبية, تفضل رقصة التاتغو الهادئة وتربية القطط ولبس بنطال الجينز, لا تفكر كثيراً في الممارسة الجنسية ولا تستهويها الأسفار, ثرثرت وأفاضت وأنا استمع إليها بشرود, وفجأة توقفت عن الكلام وتنهدت وزفرت ثم
    واصلت بصوت خافت هامسة: "أنا لا أشك مطلقاً في أن "يوري" زوجي قد مات مسموماً داخل تلك الغواصة, هكذا أرادوا له أن يموت ", وجرعت مشروبها بنهم حتى الثمالة وأجهشت بالبكاء ونامت علي الأريكة بلا وسادة ودون أي غطاء.

    ودرجت من ثم علي لقياها كل سبت, وتوطدت علاقتنا رويداً رويداً, ولاحظت فيما لاحظت أنها تجيد بشكل خاص التحدث باللغة الألمانية إذ كانت لديها صديقة ما انفكت تخابرها مراراً في ساعات متأخرة من الليل من مدينة " كولون" تطول المكالمة وأنا لا أفهم مايدور من حوار, كما أنها كانت ولفترات متفاوتة تختفي بحجة أنها تذهب لمعاودة جدتها التي تعالج بإحدى المنتجعات الصحية في قرية خاملة الذكر علي الحدود الفنلندية.

    وتوالت الأعوام وقد حططت رحالي هذه المرة "بلندن" عاصمة الضباب, وأنا أتجول في صباح يوم مشمس نضير رأيتها فجأة أمامي تعبر شارع "بوند ستريت" هي بلحمها وشحمها لا مراء في ذلك وصرحت فرحاً "نتاشا – نتاشا" ولكنها لم تعرني التفاتة وواصلت سيرها متأبطة ذراع رجل تدل ملامحه دون ريبة بانه سوفياتي الأصل لا محالة, وخببت لألحق بها وعلى مقربة منهما سمعت أطراف حديث باللغة الروسية, حوار فيه غلظة في اللفظ ولا يخلو من ورود بعض الكلمات النابية, وفجأة استدارات نحوي حين بلغت منعطف الطريق ورمتني بابتسامة عريضة لا أدري إن كانت باهتة أو ذات معنى.



    انقضت عدة أيام وأنا أقيم بفندق "بلازا" المواجه لمبنى الأمم المتحدة بنيويورك حيث كنت قد وصلتها لحضور إحدى دورات الجمعية العامة, الفندق مكتظ بأعضاء الوفود المختلفة,وأنا أسلم مفتاح غرفتي لموظف الاستقبال فإذا به يسلمني رسالة مظرفة عليها اسمي كاملاً, وفضضتها بلهفة, يا للعجب رسالة لي ممن ياترى؟ وبهت وأنا التهم كلمانها, (لقد رأيتك بقاعة الجمعية وأنت تصغي بانتباه للمداولات المطروحة وعجبت ماذا يفعل ملاح طائرات الرش في هذا المكان اللهم إلا إذا كان رواده من الحشرات, معذرة لهذه المداعبة السمجة ومعذرة مرة أخرى من عدم تمكني من إيفائك حق السلام في لندن الصيف المنصرم . كم أحن للقياك ولكنني مغادرة اليوم إذ أن غداً هو تاريخ احتفالي بعيد زواجي ولابد من البحث عن أحد ما في مثل لطفك ليشاركني بهجة احتفالي. أتذكر؟ رجاء إحرق الرسالة).

    وتبخرت ذكراها من ثم كلية من مخيلتي, وانشغلت عنها بمشاغل الحياة العديدة, إلا أن مجريات الأحداث كانت تأبى ألا أن تعرضها أمامي بين الفينة والأخرى, فأنا اليوم في رومانيا أجلس عصراً بمقهى "سكانتيا" في كبد بوخارست وعلى مرمى حجر من قصر الرئيس "شاوشيسكو" حرسه يعج بالساحة وعبق النرجس والغاردينيا يعطر الأجواءوحسان الغجر يتمخترن ممشوقات الكشح وفارهات القوام , أردافهن مشدودات وخصورهن ضامرات كخصر "ناديا كومنشي"لا يتورعن عن المبادرة بالحديث مع الغرباء يتلهفن علي طلب سجائر "الكنت كنغ سايز" الناصع البياض, وأنا في خضم ذلك منكب أطالع صحيفة "السياسة" الرومانية أتطلع في عناوينها الرئيسية وأقلب صفحاتها بسأم وملل, وفجأة تسمرت عيناي أمام صورة لفتاة مكبلة, ما هذا.. إنها "نتاشا" وتحت الصورة ثمة خبر بالخط العريض "تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص في موسكو علي الملازم "أولغا ناوموفسكا" بعد إدانتها بتهمة الخيانة العظمى, أذاً فقد كانت تدعى "ألغا وليست "نتاشا" ولكن لا غرو في ذلك فهي نفسها كانت تنادني باسم"سامي" كما أخبرتها, "سامي" القادم من اليمن السعيد ,ولكن ياللملعونة كيف تسنى لها معرفة أسمي الحقيقي ذاك الذي خطته علي ظرف رسالتها لي عندئذ بفندق "بلازا نيويورك" ومن خلال كل ذلك خطرت بذهني جملة كانت قد قالتها لي يوماً ونحن نجلس في أريكة خشبية بحديقة الصفصاف نتناقش في أبعاد فلسفة الموت لدى تشيخوف , عندما رنت لي بوجه كالح وصوت غائر قائلة: "يا عزيزي كم أكره الموت العادي, ذلك الشيء الذي يحدث عادة للآخرين, أنا لا أريد أن أموت في استرخاء, لا أريد أن أموت كالسوام".
                  

العنوان الكاتب Date
صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص Emad Abdulla08-28-06, 01:34 AM
  بتتقري كده tmbis08-28-06, 01:56 AM
  Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص Emad Abdulla08-28-06, 01:56 AM
    Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص tmbis08-28-06, 02:17 AM
      Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص Emad Abdulla08-28-06, 02:43 AM
        Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص tmbis08-28-06, 02:59 AM
      Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص ترهاقا08-28-06, 02:57 AM
  Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص أبو ساندرا08-28-06, 02:36 AM
    Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص nadus200008-28-06, 05:57 AM
    Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص فضيلي جماع08-28-06, 06:16 AM
  Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص Mohammed Tirab08-28-06, 07:53 AM
    Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص Emad Abdulla08-28-06, 08:23 AM
      Re: صديقتى "نتاشا" التي أعدمت رمياً بالرصاص tmbis08-28-06, 04:01 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de