مقالات دكتور النور حمد في صحيفة التيار

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 12-03-2020, 02:08 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-29-2020, 01:59 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حزب البعث متمسك باللاءات الثلاث!!
    النور حمد
    صحيفة التيار 29 أكتوبر 2020

    شاهدت فيديو مبثوث على شبكة الإنترنت للسيد، علي الريح السنهوري أمين سر قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، القطر السوداني. في هذا الفيديو رد السيد السنهوري على ما ذكره السيد رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان في اللقاء الذي أجراه معه الأستاذ لقمان أحمد، مفندًا الزعم بأنه قد جرت مشاورته في قضية التطبيع مع إسرائيل. وأضاف السنهوري انهم يرفضون بصورةٍ مبدئيةٍ أي اتصال أو حوار يجري مع "الكيان الصهيوني". مؤكدا أنهم في حزب البعث لا يزالون متمسكين باللاءات الثلاث، التي أقرها مؤتمر القمة العربية الرابع، الذي انعقد في الخرطوم في 29 أغسطس 1967، بعد ما يقارب الثلاثة أشهر من هزيمة يونيو.

    أكثر ما لفت نظري في البيان ذي الطبيعة الإنشائية الصدَّامية، إعلان السيد، علي الريح السنهوري، تمسُّك حزب البعث العربي الاشتراكي في القطر السوداني بـ "لاءات الخرطوم الثلاث": "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف مع دولة إسرائيل". ولم يشر السيد السنهوري إلى أن هذه اللاءات قد نسفتها دولة المواجهة الرئيسية، مصر، باتفاقية كامب ديفيد بينها وبين إسرائيل في عام 1978. ووجه لها الفلسطينيون، أهل القضية أنفسهم، أكبر صفعة بتوقيعهم اتفاقية أوسلوا مع إسرائيل في عام 1993. ثم تلت ذلك الأردن بتوقيعها اتفاقية وادي عربة مع إسرائيل في عام 1994. وأخيرًا باتفاقيتين حديثتين، جرى توقيعهما بين دولة الامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين مع إسرائيل في شهر أكتوبر الجاري. ودعنا لا نذكر اتفاق السودان، موضوع الجدل الثائر حاليًا، حتى تكتمل فصولها.

    مع تجاهل السيد على الريح السنهوري لكل هذه الاتفاقيات، تجاهل أيضًا أن العراق قد وقع، بسبب التَّخبُّط الصدَّامي البعثي، والتخبُّط الأمريكي، في قبضة إيران منذ 2003. وها هي سوريا قد تحوَّلت على يد البعث إلى خرائب ترزح تحت قبضةٍ حديديةٍ لأوليغاركية أسرية يسيطر على مجريات الأمور فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. إن المرء ليعجب أن يمارس سياسيٌّ مخضرمٌ متمرِّسٌ في العمل السياسي كالسيد علي الريح السنهوري، الهروب إلى الأمام من صدمة تحطم الحلم البعثي القومي عبر ما يقارب الخمسة عقود، بهذه الصورة العاطفية التي تستدر الشفقة والرثاء. لكنها الأيديولوجيا التي تجعل المرء يتجاهل الواقع الموضوعي الحي ليعيش في السرديات النافقة. لقد تحدث السيد علي الريح السنهوري، وكأن كل تلك الأحداث وكل تلك الاتفاقيات التي نسفت لاءات الخرطوم الثلاث، لم تحدث قط.

    لقد نازعني عدد من المؤدلجين في حديثي عن "التكلس اليساروي". لكن، ها هو السيد على الريح يقدم لنا أسطع الأمثلة لما أسميته "التكلس اليساروي". لقد خرجنا بثورتنا من حفرة جعل السودان منصةً لمشروع إخواني، إسلاموي، أممي، عابر للأقطار، لنُفاجأ أن في حاضنتنا السياسية، وفي مجلس السيادة، وفي عديد المواقع الرسمية من تنفيذية وإعلامية، أشخاصٌ يعملون في خدمة مشروع قومي عربي عابر للأقطار، يستخدمون فيه السودان مجرَّد منصةٍ للانطلاق نحو الخارج، شأنهم شأن الإسلامويين. يقتضي التمسك باللاءات الثلاث أن يكون الرافضون للصلح والاعتراف في حالة حرب مع إسرائيل. فأين هي هذه الحرب الآن، بل أين هي دول المواجهة التي تحارب؟ لم أر في حياتي انفصالاً عن الواقع كالذي رأيته وأنا أشاهد هذا الفيديو للسيد، علي الريح السنهوري. على جماعة البعث، إن كانوا صادقين، أن يستقيلوا من جميع المواقع السيادية والتنفيذية وغيرها، التي تسربوا إليها في غفلة من أصحاب الثورة، وأن يعودوا إلى جماهيرهم المزعومة، لوضع الثورة، من جديد، في الطريق الصحيح الذي يرونه.
                  

10-31-2020, 04:07 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    والشيوعي الإسرائيلي كمان!!
    النور حمد
    صحيفة التيار 31 أكتوبر 2020
    لا يختلف الفلسطيني عن أخيه الفلسطيني في ممارسة ازدواج المعايير. كما لا يختلفون في ممارسة هذه الازدواجية دون أي شعور بالاستخذاء أو حتى القليل من الازعاج، بل، يمارسونها مع قدر مدهش من الطمأنينة وراحة الضمير. الأسوأ من ذلك، أنهم حين ينزعجون من أي موقف يقفه السودانيون تجاه القضية الفلسطينية يخرجون بسرعة البرق ما يخفونه من عنصرية تجاه السودانيين. فيمدون أيديهم إلى ترسانة الشتائم مما يحويه قاموسهم المعد لمثل هذه "النوائب". وهو قاموس معد خصيصا لتأديب أهل أقطار الهامش العربي الذين تختلط فيهم الدماء الحامية والزنجية والسامية. وكما لاحظ الجميع فقد حفلت وسائط التواصل الاجتماعي بكيل الفلسطينيين هذه الأيام سيلا من السباب العنصري للسودانيين. وهذه ليست المرة الأولى، لكني أظنها ستكون الأخيرة. فلعل من أهم فوائد ما جرى مؤخرا من سيرنا في وجهة التطبيع، أننا قد قفلنا الباب، وإلى الأبد، أمام هذا النوع الوضيع من الابتزاز. فالآن حصحص الحق، ووقفنا الموقف الذي كان ينبغي علينا وقوفه منذ عقود. ولسوف لن يضيرنا منذ هذه اللحظة إن شتمنا الفلسطينيون وكالوا لنا النعوت العنصرية بسبب لون بشرتنا وأصولنا العرقية المختلطة؛ من الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بأسودها وأسمرها وأصفرها وأسودها.

    لقد استطاع الفلسطينيون وقطاع عريض من العرب المشرقيين ابتزاز النخب السودانية على مدى عقود. وهذا عيب نخبنا بطبيعة الحال. فقد ارتدفونا على السرج العربي المشرقي في نزال في قضية لا تهمنا، إلا كما تهم بقية أحرار العالم. بل أراد لنا الفلسطينيون أن نظل على ذلك السرج شاهرين اسلحتنا بعد أن ترجلوا هم عنه. ولربما أعرج في مقالات قادمة، بشيء من الإيجار، لأسباب خضوع النخب السودانية للابتزاز الفلسطيني والعربي المشرقي. لقد بقيت نخبناعلى مدى عقود تتبنى خطابا فلسطينيا نافقا، لم يعد أهله أنفسهم يتبنونه. الطريف أن الفلسطينيين يصمتون صمت القبور حين يخرج العرب الخليجيون على توقعاتهم المرسومة لما ينبغي أن تتصرف وفقه الدول العربية تجاه قضيتهم. وكأني بهم يتمثلون الأغنية السودانية التي تقول: "تغلطوا إنتو يا الحلوين، نجيكم نحن بالأعذار"

    لكن، دعونا نعود لازدواجية المعايير لدى الفلسطينيين ونعرض نموذجا صارخا من نماذجها، وهو ما ورد على لسان نائبة سابقة في الكنيست الإسرائيلي من أصل عربي، تنتمي إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي. فقد انتقدت النائبة عايدة توما سليمان، الاتفاق السوداني الإسرائيلي قائلة: إنه لن يؤدي إلى تعزيز السلام أو الرفاهية لشعوب المنطقة. فالسلام الدائم في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.كما أبرز بيان للحزب الشيوعي الإسرائيلي نُشر على صفحته مساء الإثنين الماضي موقف نظيره السوداني الرافض للتطبيع مع إسرائيل: "حتى يتوصل الفلسطينيون إلى حل عادل لقضيتهم". وقال: "يعتمد الحزب الشيوعي السوداني على موقفه الرافض للتطبيع مع إسرائيل، على التضامن مع الشعوب التي تتعرض للاضطهاد من أجل الحرية والديمقراطية". فإذا كان مقاطعة إسرائيل والاستمرار في حالة حرب معها هما ما يؤدي إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، لماذا إذن تجلس هذه النائبة العربية الشيوعية في الكنيست الإسرائيلي، حاملة في جيبها جواز سفر اسرائيلي، وبطاقات إئتمان لبنوك إسرائيلية، وربما تملك منزلا وسيارة تدفع أقساطهما للبنوك الإسرائيلية، ثم تريدنا نحن في السودان أن نبقى رافعين من أجل نيافتها راية العداء والمقاطعة. فإذا كانت هذه النائبة تدافع عن وجودها في الكنيست بأنها إنما تستخدمه لخدمة الحق الفلسطيني، رغم أنها بكونها اسرائليةالجنسية قد طبعت حد الثمالة، فما الذي يمنعنا نحن السودانيين القاطنين جنوب مدار السرطان أن نطبع وندافع من خلال تطبيعنا عن الحق الفلسطيني؟

    إن ازدواجية المعايير لدى نخب الفلسطينيين مقرفة بحق، وتدل على اضطراب أخلاقي مريع. ما يصدر من الفلسطينيين تجاه السودانيين هذه الأيام لا يصدر إلا من عقول ملتاثة، وبنية وجدانية خربة وأفق معرفي بالغ البؤس. وكل هذا، في تقديري هو ما جعل الفلسطينيين ينزلقون باستمرار من خسران إلى خسران أكبر من سابقه.
    ا
                  

11-01-2020, 05:24 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    أدعياء الثورة يخنقونها
    النور حمد
    صحيفة التيار 1 نوفمبر 2020
    كثيرا ما كتبت أن الثورة ليست فعلا شكليا يبدل أشخاصا بأشخاص، وإنما هي فعل إنقلابي، بمعني تجاوزي، يبدل بنية عقلية معتلة ببنية عقلية معافاة. غير أن الذي يحدث لأغلب الثورات أنها لا تنجز هذا الفعل الانقلابي، وإنما تأتي بطاقم قيادي إلى أجهزة الحكم لا يختلف من حيث المفاهيم والبنية الأخلاقية عن الطاقم الذي أزاحته الثورة. فالثوار في تلهفهم لإزاحة النظام القديم، وانحباس أنفسهم خشية أن تفشل ثورتهم، يقبلون بقيادات لم يجر تمحيصها كما ينبغي. بل أن تصورات الجماهير العريضة الثائرة للقيادة المتمناة، يجري إسقاطها على أول من يمدون رقابهم متصدين لقيادة الحراك الثوري. ولكن بمرور الوقت، بعد أن تجرى إزاحة قيادة النظام القديم، ويبدأ الصراع من أجل تفكيك بنيته القاعدية، تبدأ الشروخ بين جمهور الثورة وقيادات الثورة في البروز. السبب في تقديري هو اتضاح أن البنية العقلية للقيادة الجديدة لا تختلف اختلافا بائنا عن البنية العقلية للقيادة القديمة. لذلك فإن الثورة الناجحة هي التي تصنع قياداتها المختلفة فكرا واخلاقا، قبل الاندفاع في الفعل الثوري. غير أن ذلك نادرا ما يحدث. وهذا هو ما يجعل معظم الثورات تمر بمرحلة مخاض عسيرة طويلة.

    ما جرني إلى هذا الحديث لقاء جمعني صدفة ببعض شباب الثورة الذين يصطرعون بلا هوادة مع قواعد النظام القديم، التي لازالت ممسكة بمفاصل البنية الإدارية القاعدية في بعض الأحياء وبعض الأسواق الشعبية، ولا يجدون إلا التعويق من قوى الحرية والتغيير وسائر منظومة السلطة الانتقالية. ذكروا في حديثهم معي أن نظام الإنقاذ لا يزال يتحكم، بقوانين الحكم المحلي التي سنها وبكوادره التي مكنها من مفاصل القرار الإداري القاعدي، في تحصيل الإيرادات وإدارة الخدمات في مجريات الأمور بذات الأساليب الفاسدة القديمة. وحسب قولهم، لا خدمات يجري تقديمها ولا إيرادات يجري تسليمها كاملة لخزينة الدولة. كما ذكروا أن اتصالاتهم بمكونات السلطة الانتقالية فيما يتعلق بصراعهم هذا ظلت بلا فائدة. وأن ما تفعله قوى الحرية والتغيير التي سيطرت على تصرفاتها الدوافع الحزبية هو احالتهم للمسارات البيروقراطية الروتينية، وإرسال أفراد حزبيين ليديروا هذا الصراع نيابة عن الثائرين الذين يعرفون مكامن العلل والألاعيب الإنقاذية. ومما جرت ملاحظته على هؤلاء الذين يجري إرسالهم من عل أنهم بلا كفاءة وبلا معرفة بمجريات الأمور على مستوى القواعد. وقد قاد ذلك لأن يتوقف صراع هولاء الشباب الثائرين مع كوادر المؤتمر الوطني التي تعمل على حجب المعلومات ومواصلة الخط القديم، ليصبح صراعا مع هؤلاء المرسلين من عل، الذين لا مؤهل لهم سوى انتمائهم الحزبي. الخلاصة، أن تمكينا جديدا يجري فرضه من عل ليحل محل التمكين الإنقاذي، وبلا نجاح يذكر.

    الشاهد فيما تقدم، أن قوانا الحزبية لا تختلف في لاديموقراطيتها عن الإنقاذ. فهي تمارس الآن إنزال القرارات من فوق على الجماهير الثائرة المكتوية بنيران القبضة الإنقاذية على القواعد الإدارية في منظومة الحكم المحلي. فالوضع الصحيح هو جعل هذه القواعد تنتخب من عندها من يتصدون لعملية تفكيك البنية الإنقاذية، لا إرسال حزبيين من فوق غرضهم الأساسي زرع خلايا حزبية في الأحياء والأسواق وجعل أهل المصلحة العارفين بالخبايا مجرد متفرجين. ما يجري باختصار شديد هو ذات النهج الشمولي الفوقي الذي لا يختلف عن نهج الإنقاذ. فهو يشترك معه في خدمة الغرض الحزبي وليس خدمة الصالح العام. ما يجري الآن هو أن الأجندة الحزبية لأحزاب لاديموقراطية تخنق الثورة خنقا لا هوادة فيه وتعطل تفكيك التمكين لتتمكن هي. لكن، كل عمل باطل مصيره أن يحبط مثلما حبط عمل الإنقاذ، فالله من ورائهم محيط.
                  

11-04-2020, 04:52 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تحطيم الدولة للكسب السياسي
    النور حمد
    صحيفة التيار 4 نوفمبر 2020
    عانت الدولة السودانية منذ الاستقلال من انعدام الثوابت الوطنية. فكل ضابط للفعل السياسي السوداني بقي مرتكزا على رمال متحركة. فما يهم القوى السياسية في السودان هو الكسب الآني. ولا يهم إن قاد هذا الكسب الى هدم ثوابت الدولة وركائزها. شهدت ديموقراطياتنا الثلاث الكثير من الائتلافات. يحدث الائتلاف حين لا تمكن النتائج الانتخابية أي حزب الحكم بمفرده فيضطر من أجل احراز أغلبية في البرلمان إلى أن يأتلف مع حزب آخر. وقد قاد الحرص على المناصب إلى أن تأتلف أحزاب لا يجمع بينها جامع. بل إن بعض أركان الائتلاف في فترة بعينها يتحولون إلى حالة عداء حادة في فترة جديدة لاحقة، تكون فيها الخريطة السياسية قد أخذت شكلا آخر. والأمثلة لهذا من تجاربنا البرلمانية "على قفا من يشيل". لقد تفننت بعض الأحزاب في إثارة الاضرابات المطلبية، لا تعاطفا مع حقوق العاملين وإنما لإرباك من هم في السلطة وافقادهم الاستقرار والقدرة على الإنجاز ليكون فشلهم هو مركب المعارضة الذي يأتي بها إلى مقاعد الحكم. لا تتردد قوانا السياسية في إنتهاج أي أسلوب يمكن أن يمنحها كسبا سياسيا آنيا. ولقد ذكرت في مقالات سابقة كيف تفننت الجبهة الوطنية (حزب الأمة والاتحاديون والإسلاميون) في خلق الندرة في السلع في فترة حكم نميري. وكيف تفنن الشيوعيون في تحريك نقابة عمال السكة حديد لزعزعة حكم نميري ما قاد إلى انشاء ما سميت الكتيبة الاستراتيجية العسكرية التي تدير حركة السكة حديد في حالات الإضراب. وقد قاد كل ذلك إلى تكسير المرفق نفسه على يد نميري ثم على يد الاسلاميين في نهاية الأمر. وهذه هي نتيجة العبث بثوابت الدولة واستحلال هدم ركائزها.

    شاهدت بالأمس فيديو مصور من نافذة سيارة تسير على واحد من الطرق السريعة. وقد قطعت تلك السيارة التي جرى منها تصوير ذلك الفيديو قرابة الكيلومترين. وقد كانت تمتد على طول تلك المسافة مئات وربما الآلاف من براميل الوقود المنتشرة بمحاذاة الطريق، إضافة إلى الشاحنات المتوقفة، ما يدل على أن سوقا مفتوحا للمواد البترولية يجري هناك، (على عينك يا تاجر). إن أول ما يعكسه هذا الشريط هو أن ما تسمى الدولة السودانية لم يعد لها وجود. فنحن نعلم أن هناك شرطة للمرور السريع وهناك ولاة ومحليات وحكم محلي ومسؤلون تنفذيون فأين هم من هذا الانحلال الدولتي المقرف؟ هل هذه بلاد يرجى لها أن ينصلح حالها؟ والأنكأ من هذا أن المواطنين هم من يصورون هذه العورات ويبثونها على وسائط التواصل الاجتماعي، في حين ينشغل الإعلام الرسمي بالتفاهات وسفساف الأمور. أيضا، أين صحافتنا وتقاريرها الاستقصائية من هذا الانحلال الدولتي المريع؟ أين يقع هذا السوق؟ وتحت إدارة من تقع هذه المنطقة؟ إن أعتياد قبول مثل هذه الممارسات يعني أن نقرأ الفاتحة على روح الدولة السودانية وحكم القانون فيها.

    لا شك عندي أبدا أن هناك تحالفا غير مكتوب بين قوى مختلفة من عسكرية ومدنية غرضه إفشال الفترة الانتقالية. ويبدو أن هذا العمل قد حقق حتى الآن نجاحا كبيرا. فالأزمات بمختلف صورها لا تزال ترواح مكانها. وقد أصبحت ما سميت الحاضنة السياسية وحكومتها مجرد "هنبول"، "لا يهش ولا ينش". وحين نقول إن أزمتنا أزمة بناء نفسي قويم وأزمة أخلاق وأزمة ثوابت دولتية، يخرج علينا حفظة الألفاظ الفارغة ليصرفونا إلى ما اعتادوه من نمط الاستعاضة بالكلمات الرنانة عن الدلالات. من يريدون إفشال الفترة الانتقالية قد ينجحون، لكنهم حتما سيفشلون في ترميم ما خربوه. ولسوف يشربون من نفس الكأس التي سقوا منها شعبهم. فتخريب النظم قابل للإصلاح، لكن تخريب الإنسان يصعب إصلاحه. ما عكسه ذلك الفيديو يدل على أن تخريب الإنسان في بلادنا قد بلغ شأوا بعيدا.
                  

11-04-2020, 04:52 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تحطيم الدولة للكسب السياسي
    النور حمد
    صحيفة التيار 4 نوفمبر 2020
    عانت الدولة السودانية منذ الاستقلال من انعدام الثوابت الوطنية. فكل ضابط للفعل السياسي السوداني بقي مرتكزا على رمال متحركة. فما يهم القوى السياسية في السودان هو الكسب الآني. ولا يهم إن قاد هذا الكسب الى هدم ثوابت الدولة وركائزها. شهدت ديموقراطياتنا الثلاث الكثير من الائتلافات. يحدث الائتلاف حين لا تمكن النتائج الانتخابية أي حزب الحكم بمفرده فيضطر من أجل احراز أغلبية في البرلمان إلى أن يأتلف مع حزب آخر. وقد قاد الحرص على المناصب إلى أن تأتلف أحزاب لا يجمع بينها جامع. بل إن بعض أركان الائتلاف في فترة بعينها يتحولون إلى حالة عداء حادة في فترة جديدة لاحقة، تكون فيها الخريطة السياسية قد أخذت شكلا آخر. والأمثلة لهذا من تجاربنا البرلمانية "على قفا من يشيل". لقد تفننت بعض الأحزاب في إثارة الاضرابات المطلبية، لا تعاطفا مع حقوق العاملين وإنما لإرباك من هم في السلطة وافقادهم الاستقرار والقدرة على الإنجاز ليكون فشلهم هو مركب المعارضة الذي يأتي بها إلى مقاعد الحكم. لا تتردد قوانا السياسية في إنتهاج أي أسلوب يمكن أن يمنحها كسبا سياسيا آنيا. ولقد ذكرت في مقالات سابقة كيف تفننت الجبهة الوطنية (حزب الأمة والاتحاديون والإسلاميون) في خلق الندرة في السلع في فترة حكم نميري. وكيف تفنن الشيوعيون في تحريك نقابة عمال السكة حديد لزعزعة حكم نميري ما قاد إلى انشاء ما سميت الكتيبة الاستراتيجية العسكرية التي تدير حركة السكة حديد في حالات الإضراب. وقد قاد كل ذلك إلى تكسير المرفق نفسه على يد نميري ثم على يد الاسلاميين في نهاية الأمر. وهذه هي نتيجة العبث بثوابت الدولة واستحلال هدم ركائزها.

    شاهدت بالأمس فيديو مصور من نافذة سيارة تسير على واحد من الطرق السريعة. وقد قطعت تلك السيارة التي جرى منها تصوير ذلك الفيديو قرابة الكيلومترين. وقد كانت تمتد على طول تلك المسافة مئات وربما الآلاف من براميل الوقود المنتشرة بمحاذاة الطريق، إضافة إلى الشاحنات المتوقفة، ما يدل على أن سوقا مفتوحا للمواد البترولية يجري هناك، (على عينك يا تاجر). إن أول ما يعكسه هذا الشريط هو أن ما تسمى الدولة السودانية لم يعد لها وجود. فنحن نعلم أن هناك شرطة للمرور السريع وهناك ولاة ومحليات وحكم محلي ومسؤلون تنفذيون فأين هم من هذا الانحلال الدولتي المقرف؟ هل هذه بلاد يرجى لها أن ينصلح حالها؟ والأنكأ من هذا أن المواطنين هم من يصورون هذه العورات ويبثونها على وسائط التواصل الاجتماعي، في حين ينشغل الإعلام الرسمي بالتفاهات وسفساف الأمور. أيضا، أين صحافتنا وتقاريرها الاستقصائية من هذا الانحلال الدولتي المريع؟ أين يقع هذا السوق؟ وتحت إدارة من تقع هذه المنطقة؟ إن أعتياد قبول مثل هذه الممارسات يعني أن نقرأ الفاتحة على روح الدولة السودانية وحكم القانون فيها.

    لا شك عندي أبدا أن هناك تحالفا غير مكتوب بين قوى مختلفة من عسكرية ومدنية غرضه إفشال الفترة الانتقالية. ويبدو أن هذا العمل قد حقق حتى الآن نجاحا كبيرا. فالأزمات بمختلف صورها لا تزال ترواح مكانها. وقد أصبحت ما سميت الحاضنة السياسية وحكومتها مجرد "هنبول"، "لا يهش ولا ينش". وحين نقول إن أزمتنا أزمة بناء نفسي قويم وأزمة أخلاق وأزمة ثوابت دولتية، يخرج علينا حفظة الألفاظ الفارغة ليصرفونا إلى ما اعتادوه من نمط الاستعاضة بالكلمات الرنانة عن الدلالات. من يريدون إفشال الفترة الانتقالية قد ينجحون، لكنهم حتما سيفشلون في ترميم ما خربوه. ولسوف يشربون من نفس الكأس التي سقوا منها شعبهم. فتخريب النظم قابل للإصلاح، لكن تخريب الإنسان يصعب إصلاحه. ما عكسه ذلك الفيديو يدل على أن تخريب الإنسان في بلادنا قد بلغ شأوا بعيدا.
                  

11-04-2020, 04:52 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تحطيم الدولة للكسب السياسي
    النور حمد
    صحيفة التيار 4 نوفمبر 2020
    عانت الدولة السودانية منذ الاستقلال من انعدام الثوابت الوطنية. فكل ضابط للفعل السياسي السوداني بقي مرتكزا على رمال متحركة. فما يهم القوى السياسية في السودان هو الكسب الآني. ولا يهم إن قاد هذا الكسب الى هدم ثوابت الدولة وركائزها. شهدت ديموقراطياتنا الثلاث الكثير من الائتلافات. يحدث الائتلاف حين لا تمكن النتائج الانتخابية أي حزب الحكم بمفرده فيضطر من أجل احراز أغلبية في البرلمان إلى أن يأتلف مع حزب آخر. وقد قاد الحرص على المناصب إلى أن تأتلف أحزاب لا يجمع بينها جامع. بل إن بعض أركان الائتلاف في فترة بعينها يتحولون إلى حالة عداء حادة في فترة جديدة لاحقة، تكون فيها الخريطة السياسية قد أخذت شكلا آخر. والأمثلة لهذا من تجاربنا البرلمانية "على قفا من يشيل". لقد تفننت بعض الأحزاب في إثارة الاضرابات المطلبية، لا تعاطفا مع حقوق العاملين وإنما لإرباك من هم في السلطة وافقادهم الاستقرار والقدرة على الإنجاز ليكون فشلهم هو مركب المعارضة الذي يأتي بها إلى مقاعد الحكم. لا تتردد قوانا السياسية في إنتهاج أي أسلوب يمكن أن يمنحها كسبا سياسيا آنيا. ولقد ذكرت في مقالات سابقة كيف تفننت الجبهة الوطنية (حزب الأمة والاتحاديون والإسلاميون) في خلق الندرة في السلع في فترة حكم نميري. وكيف تفنن الشيوعيون في تحريك نقابة عمال السكة حديد لزعزعة حكم نميري ما قاد إلى انشاء ما سميت الكتيبة الاستراتيجية العسكرية التي تدير حركة السكة حديد في حالات الإضراب. وقد قاد كل ذلك إلى تكسير المرفق نفسه على يد نميري ثم على يد الاسلاميين في نهاية الأمر. وهذه هي نتيجة العبث بثوابت الدولة واستحلال هدم ركائزها.

    شاهدت بالأمس فيديو مصور من نافذة سيارة تسير على واحد من الطرق السريعة. وقد قطعت تلك السيارة التي جرى منها تصوير ذلك الفيديو قرابة الكيلومترين. وقد كانت تمتد على طول تلك المسافة مئات وربما الآلاف من براميل الوقود المنتشرة بمحاذاة الطريق، إضافة إلى الشاحنات المتوقفة، ما يدل على أن سوقا مفتوحا للمواد البترولية يجري هناك، (على عينك يا تاجر). إن أول ما يعكسه هذا الشريط هو أن ما تسمى الدولة السودانية لم يعد لها وجود. فنحن نعلم أن هناك شرطة للمرور السريع وهناك ولاة ومحليات وحكم محلي ومسؤلون تنفذيون فأين هم من هذا الانحلال الدولتي المقرف؟ هل هذه بلاد يرجى لها أن ينصلح حالها؟ والأنكأ من هذا أن المواطنين هم من يصورون هذه العورات ويبثونها على وسائط التواصل الاجتماعي، في حين ينشغل الإعلام الرسمي بالتفاهات وسفساف الأمور. أيضا، أين صحافتنا وتقاريرها الاستقصائية من هذا الانحلال الدولتي المريع؟ أين يقع هذا السوق؟ وتحت إدارة من تقع هذه المنطقة؟ إن أعتياد قبول مثل هذه الممارسات يعني أن نقرأ الفاتحة على روح الدولة السودانية وحكم القانون فيها.

    لا شك عندي أبدا أن هناك تحالفا غير مكتوب بين قوى مختلفة من عسكرية ومدنية غرضه إفشال الفترة الانتقالية. ويبدو أن هذا العمل قد حقق حتى الآن نجاحا كبيرا. فالأزمات بمختلف صورها لا تزال ترواح مكانها. وقد أصبحت ما سميت الحاضنة السياسية وحكومتها مجرد "هنبول"، "لا يهش ولا ينش". وحين نقول إن أزمتنا أزمة بناء نفسي قويم وأزمة أخلاق وأزمة ثوابت دولتية، يخرج علينا حفظة الألفاظ الفارغة ليصرفونا إلى ما اعتادوه من نمط الاستعاضة بالكلمات الرنانة عن الدلالات. من يريدون إفشال الفترة الانتقالية قد ينجحون، لكنهم حتما سيفشلون في ترميم ما خربوه. ولسوف يشربون من نفس الكأس التي سقوا منها شعبهم. فتخريب النظم قابل للإصلاح، لكن تخريب الإنسان يصعب إصلاحه. ما عكسه ذلك الفيديو يدل على أن تخريب الإنسان في بلادنا قد بلغ شأوا بعيدا.
                  

11-04-2020, 04:52 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تحطيم الدولة للكسب السياسي
    النور حمد
    صحيفة التيار 4 نوفمبر 2020
    عانت الدولة السودانية منذ الاستقلال من انعدام الثوابت الوطنية. فكل ضابط للفعل السياسي السوداني بقي مرتكزا على رمال متحركة. فما يهم القوى السياسية في السودان هو الكسب الآني. ولا يهم إن قاد هذا الكسب الى هدم ثوابت الدولة وركائزها. شهدت ديموقراطياتنا الثلاث الكثير من الائتلافات. يحدث الائتلاف حين لا تمكن النتائج الانتخابية أي حزب الحكم بمفرده فيضطر من أجل احراز أغلبية في البرلمان إلى أن يأتلف مع حزب آخر. وقد قاد الحرص على المناصب إلى أن تأتلف أحزاب لا يجمع بينها جامع. بل إن بعض أركان الائتلاف في فترة بعينها يتحولون إلى حالة عداء حادة في فترة جديدة لاحقة، تكون فيها الخريطة السياسية قد أخذت شكلا آخر. والأمثلة لهذا من تجاربنا البرلمانية "على قفا من يشيل". لقد تفننت بعض الأحزاب في إثارة الاضرابات المطلبية، لا تعاطفا مع حقوق العاملين وإنما لإرباك من هم في السلطة وافقادهم الاستقرار والقدرة على الإنجاز ليكون فشلهم هو مركب المعارضة الذي يأتي بها إلى مقاعد الحكم. لا تتردد قوانا السياسية في إنتهاج أي أسلوب يمكن أن يمنحها كسبا سياسيا آنيا. ولقد ذكرت في مقالات سابقة كيف تفننت الجبهة الوطنية (حزب الأمة والاتحاديون والإسلاميون) في خلق الندرة في السلع في فترة حكم نميري. وكيف تفنن الشيوعيون في تحريك نقابة عمال السكة حديد لزعزعة حكم نميري ما قاد إلى انشاء ما سميت الكتيبة الاستراتيجية العسكرية التي تدير حركة السكة حديد في حالات الإضراب. وقد قاد كل ذلك إلى تكسير المرفق نفسه على يد نميري ثم على يد الاسلاميين في نهاية الأمر. وهذه هي نتيجة العبث بثوابت الدولة واستحلال هدم ركائزها.

    شاهدت بالأمس فيديو مصور من نافذة سيارة تسير على واحد من الطرق السريعة. وقد قطعت تلك السيارة التي جرى منها تصوير ذلك الفيديو قرابة الكيلومترين. وقد كانت تمتد على طول تلك المسافة مئات وربما الآلاف من براميل الوقود المنتشرة بمحاذاة الطريق، إضافة إلى الشاحنات المتوقفة، ما يدل على أن سوقا مفتوحا للمواد البترولية يجري هناك، (على عينك يا تاجر). إن أول ما يعكسه هذا الشريط هو أن ما تسمى الدولة السودانية لم يعد لها وجود. فنحن نعلم أن هناك شرطة للمرور السريع وهناك ولاة ومحليات وحكم محلي ومسؤلون تنفذيون فأين هم من هذا الانحلال الدولتي المقرف؟ هل هذه بلاد يرجى لها أن ينصلح حالها؟ والأنكأ من هذا أن المواطنين هم من يصورون هذه العورات ويبثونها على وسائط التواصل الاجتماعي، في حين ينشغل الإعلام الرسمي بالتفاهات وسفساف الأمور. أيضا، أين صحافتنا وتقاريرها الاستقصائية من هذا الانحلال الدولتي المريع؟ أين يقع هذا السوق؟ وتحت إدارة من تقع هذه المنطقة؟ إن أعتياد قبول مثل هذه الممارسات يعني أن نقرأ الفاتحة على روح الدولة السودانية وحكم القانون فيها.

    لا شك عندي أبدا أن هناك تحالفا غير مكتوب بين قوى مختلفة من عسكرية ومدنية غرضه إفشال الفترة الانتقالية. ويبدو أن هذا العمل قد حقق حتى الآن نجاحا كبيرا. فالأزمات بمختلف صورها لا تزال ترواح مكانها. وقد أصبحت ما سميت الحاضنة السياسية وحكومتها مجرد "هنبول"، "لا يهش ولا ينش". وحين نقول إن أزمتنا أزمة بناء نفسي قويم وأزمة أخلاق وأزمة ثوابت دولتية، يخرج علينا حفظة الألفاظ الفارغة ليصرفونا إلى ما اعتادوه من نمط الاستعاضة بالكلمات الرنانة عن الدلالات. من يريدون إفشال الفترة الانتقالية قد ينجحون، لكنهم حتما سيفشلون في ترميم ما خربوه. ولسوف يشربون من نفس الكأس التي سقوا منها شعبهم. فتخريب النظم قابل للإصلاح، لكن تخريب الإنسان يصعب إصلاحه. ما عكسه ذلك الفيديو يدل على أن تخريب الإنسان في بلادنا قد بلغ شأوا بعيدا.
                  

11-08-2020, 10:16 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الأفول السريع لظاهرة ترمب
    النور حمد
    صحيفة التيار 9 نوفمبر 2020
    مثل فوز ترمب في انتخابات عام 2016 ظاهرة استثنائية بكل المقاييس. فرغم استهزاء الميديا الأمريكيةالداعمة للحزب الديموقراطي بفكرته ترشيح نفسه، ورغم نبشها كل تاريخه الشخصي بالغ السوء، وجهله وضحالة ثقافته العامة وعدم خبرته السياسية، استطاع ترمب بخطاب شعبوي بسيط أن يحرك ساكن أهل الريف الأمريكي من البيض، فالتفوا حوله. وانهزمت الصفوة المثقفة الداعمة للحزب الديموقراطي بآلتها الإعلامية الضخمة ومحلليها السياسيين وأكاديمييها، أمام زعيم شعبوي لا يحسن الحديث، ولا يملك سوى قاموس لغوي محدود. لكنه كان يرسل رسائل شعبوية قصيرة مؤثرة ضد صفوة واشنطن وضد المهاجرين وضد الإسلام والمسلمين وضد الصين وضد قوانين حماية البيئة، وضد برنامج أوباما للرعاية الصحية، فوصل إلى البيت الأبيض وسط دهشة الجميع.

    لقد ظل بيض أمريكا خاصة جمهور الريف من مناصري الحزب الجمهوري يحبسون أنفاسهم لعقود وهم يرقبون الاحصاءات التي تشير باضطراد إلى تنامي أعداد الأقليات، خاصة القادمين من أمريكا اللاتينية، وتأكيد تلك الاحصاءات أن البيض سوف يصبحون، في بضع عقود، أقلية في أمريكا. فالملونون سوف يصبحون قوة انتخابية ضاربة، لن تلبث أن تقلب موازين القوة في الحياة السياسية الأمريكية التي كانت على الدوام في صالح فئة البيض. ويزعج هذا، أكثر ما يزعج، الداعمين لسياسات الجمهوريين. في ظل هذا الوضع من المخاوف، خاصة وسط البسطاء من سكان الأرياف المعزولين يصبح للخطاب العنصري تأثير بالغ. وقد ساعد في ذلك أن صفوة المدن تجاهلت هذه الشرائح الريفية العريضة. وكان خطابها المكثف يمر دائما من فوق رؤوس أهل الريف. فالإكثار من الحديث عن حقوق المثليين وزواج المثليين وحق الإجهاض والحديث عن ضرورة تقييد امتلاك السلاح الناري كانت كلها مما يثير مخاوف القطاع الريفي المحافظ الذي وجد في ترمب بطلا منقذا.

    أمضى ترمب أربع سنوات عاصفات في البيت الأبيض وكان كالثور في مستودع الخزف. فلم يسنده خطابه الشعبوي الذي أوصله إلى البيت الأبيض. وأصبح وهو رئيس أقوى دولة على وجه الأرض، مثارا للسخرية في كل أرجاء العالم. وجاءت جائحة كورونا فقابلها بالتهريج وبنفس الرعونة ولغة الخطاب الشعبوية واللامبالاة. فكانت أمريكا الأضعف من بين دول العالم في التصدي للجائحة. ولذلك لم يكن غريبا أن يفقد ترمب الرئاسة عقب سنواته الأربع الأولى. وهو أمر لم يحدث لرئيس جالس على سدة الرئاسة منذ 1992.
    لقد وجهت القوى الأمريكية الجديدة صفعة بالغة القوة للوثة الترمبية العابرة. فقد كان وصول ترمب للرئاسة هو "فجة الموت" للمقاومة الكتيمة لمشروع الحرية والعدل والمساواة في أمريكا.

    حقق جو بايدن نصرا ساحقا على دونالد ترمب. وقد تغيرت الخارطة الانتخابية الأمريكية تغيرا كبيرا إذ تحولت عدة ولايات من حمراء إلى زرقاء. كما أن حجم المشاركة في هذه الانتخابات لم يحدث في تاريخ أمريكا. لقد انتفض الأمريكيون لكرامة وطنهم وقاموا بتطهير مقعد الرئاسة مما لوثه به دونالد ترمب. فهذا النصر، في تقديري، هو نصر الشعب الأمريكي بأكثر مما هو نصر الحزب الديموقراطي. فالحزب الديموقراطي حزب معتل تسيطر عليه مثل رصيفه الجمهوري مجموعات المصالح. ولسوف تظهر الأيام ما اذا سوف ينتهز الديموقراطيون هذه الفرصة العظيمة فيصلحوا من حال حزبهم، أم انهم سينغمسون فيما كانوا فيه أصلا فتضيع هذه الثورة ذات الدلالات العميقة التي فجرتها صناديق الانتخابات.
                  

11-10-2020, 04:17 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ترمب يضمد جرح نرجسيته بالغولف
    النور حمد
    صحيفة التيار 10نوفمبر 2020
    في الوقت الذي منحت أجهزة الإعلام الأمريكية صباح السبت المرشح الرئاسي جوزيف بايدن لقب الرئيس المنتخب، وكمالا هاريس لقب نائب الرئيس المنتخب، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يلعب الغولف في ضاحية إستيرلنغ بولاية فرجينيا. وتقع ضاحية إستيرلينغ قريبا من منطقة واشنطن الكبرى. وهو مسلك يدل، في تقديري، على مدى غرابة شخصية ترمب. فبدلا أن يبقى وسط فريقه في البيت الأبيض يناقش حال مجده الذي أخذ ينهار أمام ناظريه، هرب إلى ملعب الغولف. وأخذ يبدد مرارة الهزيمة بقذف الكرات على مدى يومين، مبتعدا عن أعين أعضاء فريقه التي تحيط به في البيت الأبيض، وترمقه في إشفاق ورثاء. لم يحتمل ترمب نزع هيبته الزائفة. ولم يحتمل أن يراه المحيطون به والهزيمة تجلله من شعر رأسه إلى أخمص قدميه. فهو شخص تعود أن ينتصر، بأي طريقة، منذ أن دخل عالم المال والأعمال. ظل ترمب يعيش وهم "المنتصر الدائم"، غض النظر عن أخلاقية أو لا أخلاقية الكيفية التي ينتصر بها. وعموما كلما أوغلت الشخصية في هذه النوع من النرجسية والعجب بالذات، كلما كان جرحها عند الهزيمة أكثر غورا.

    كتبت صحيفة لوس أنجلز تايمز واصفة اعتياد ترمب على الفوز قائلة: "إن الهزيمة التي تلقاها ترمب يوم السبت هي المحصلة الحاسمة التي نادرا ما تلقى مثلها طيلة حياته. فقد بقيت البنوك تقدم له القروض حتى بعد أن أعلنت أعماله التفليس. كما بقي الناخبون الجمهوريون أوفياء له، رغم سلاسل الفضائح. أما سيطرة حزبه على مجلس الشيوخ فقد أبقته في مقعده رغم إجراءات خلعه التي قام بها الكونغرس". لقد صعد ترمب إلى سدة الرئاسة من حيث لم يحتسب أحد. فترمب ورث الثروة عن أبيه وعمل في مجال التطوير العقاري لعقود. أنشأ ترمب في عام 1995 شركة للفنادق والضيافة والتسلية، تضمنت كازينوهات للقمار. ولمع نجم ترمب أكثر عندما ظهر في عام 2004 ببرنامجه التلفزيوني الشهير The Apprentice ويقع البرنامج ضمن الفئة المسماة "تلفزيون الواقع" Reality TV ويبدو أن شهرة البرنامج هي التي دفعت بترمب إلى التفكير بالترشح للرئاسة في عام 2016، فظهر ضمن قائمة المرشحين الجمهوريين، رغم أنه لم يكن من السياسيين الجمهوريين المرموقين الذين يأتون لموقع الترشح للرئاسة من مقاعد الكونغرس ومجلس الشيوخ.

    استطاع ترمب بخطابه الشعبوي وجسارته وتنمره أن يقصي كل منافسيه من الجمهوريين، في الانتخابات التمهيدية، وأن ينفرد بتمثيل الحزب الجمهوري. وقد وجه ترمب وهو يصعد إلى موقع تمثيل الحزب الجمهوري إهانات بالغة لمنافسيه من كبار قادة الحزب، فلعقوا جراحهم وأحنوا له رؤوسهم وتقبلوا زعامته صاغرين. قبلوا رئاسته ودافعوا عنه حتى انهزم مؤخرا، وهكذا هي البراغماتية الأمريكية. لقد لقي ترمب من الشهرة عبر برنامج "ذي أبرينتس" فوق ما كان يتصور، وفوق ما تؤهله له قدراته المتواضعة. لكن ذلك النجاح جعله يطمع في أن يكون الشخص الأول في أمريكا، ففكر في خوض انتخابات الرئاسة.

    يحاول ترمب حاليا إنكار أنه هزم. وقد أخذ من قبل الإنتخابات يشكك في نزاهة الانتخابات ويمهد لعدم الاعتراف بنتائجها. وحتى بعد أن اتضح فوز منافسه بايدن، ظل يردد أنه هو الفائز. فوجهت إليه وسائل الإعلام الصفعة تلو الأخرى، بما في ذلك داعمته قناة فوكس. بهذا المسلك الشاذ يكون دونالد ترمب الرئيس الوحيد الذي عز عليه الاعتراف بالهزيمة. كما عازه نبل القادة الكبار الذين يهنئون منافسيهم بالفوز. لم يكن ترمب بحاجة إلى رئاسة أمريكا، فقد وجد من الشهرة والثروة ما يكفي ويزيد. لكن نرجسيتة وغروره وجهله بالعواقب وعماه عن خطاياه الكثيرة، وتاريخه الشخصي بالغ السوء، دفعت به إلى الحفرة التي ستنطمر فيها، مرة وإلى الأبد، نرجسيته ورعونته وغروره. فالآن انكشف غطاء الحصانة الذي كان يتدثر به، بذهاب الرئاسة عنه. وأتوقع أن تجري ملاحقته بالعديد من القضايا والفضائح "المتلتلة"، التي ربما قادته إلى السجن. فالنهم الذي لا يعرف الحدود مهلكة، و"التسوي إيدك يغلب أجاويدك".
                  

11-10-2020, 11:05 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الفوضى الخلاقة السودانية
    النور حمد
    صحيفة التيار 11 نوفمبر 2020
    لا يمكن وصف المشهد السياسي السوداني الراهن سوى بأنه مشهد أضحت تتجاذبه الفوضى من جميع أقطاره. فبانسحاب الحزب الشيوعي السوداني من قوى الإجماع الوطني ومن قوى الحرية والتغيير، وانسحاب شريحة من البعثيين، أيضا، يصل المشهد السياسي السوداني الراهن إلى أعلى درجات التشقق. ولتصوير المدى الذي بلغه التشرذم، يكفي أن أن نشير إلى أن البعثيين، وهم بضع أحزاب صغيرة، قد دخل فصيل منها في دائرة الانسحابات الجارية حاليا. يشير المشهد المأزوم الراهن إلى أن طبختين رئيسيتين يجري إعدادهما على جبهتين كبيرتين متعارضتين. وربما تكون هناك أكثر من جبهتين، لكثرة اللاعبين في المشهد السياسي السوداني بالغ التعقيد. لكن، يمكن القول إن هناك جبهتين رئسيتين، وهما: (1) جبهة العسكر المكونة من الجيش وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة المنضوية تحت مظلة الجبهة الثورية. (2) جبهة القوى السياسية التي شكلت فيما مضى قوى الحرية والتغيير، وأخذ يصيبها القلق مع اقتراب قدوم قادة الجبهة الثورية الى الخرطوم، بعد أيام. حيث سيأخذون مواقعهم داخل بنية الشراكة العسكرية المدنية المعتلة التي تدير الفترة الانتقالية. فيصبح لهم حضور مقدر في المجلس التشريعي وفي المجلس السيادي وفي مجلس الوزراء. وتبقى حكومة حمدوك في برزخ، سمته الرئيسة كراهية الجهتين لها.

    في هذا التوقيت يخرج على الملأ، بعد صمت طويل، السيد علي كرتي، متحدثا باسم الحركة الإسلامية بتسجيل صوتي تتطابق لغته، وللغرابة الشديدة، مع لغة اليسار. انتقد كرتي إجراءات رفع الدعم والانصياع لسياسات المؤسسات المالية الدولية، متناسيا إجراءات الخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام التي انخرطت فيها الإنقاذ منذ أيام عبد الرحيم حمدي. ومتناسيا أيضا، سرقة ريع البترول والذهب وخلق الدولة الموازية وبيع أراضي البلاد وضرب منصات الإنتاج وطباعة العملة بلا غطاء حتى أصبح الدولار الواحد يساوي عشرات الآلاف، ثم مئات الآلاف من الجنيهات السودانية. ولا يدري المرء أين يصب خطاب كرتي هذا. هل أصبح الإسلاميون يساريين كما يبدو من ظاهر خطاب كرتي؟ أم هو تحريك للقواعد الإسلاميين لتثير غضب الشارع بسبب حالة الغلاء الطاحنة الراهنة، وخلق بلبلة عامة تمهد المسرح لقوى الإسلاميين داخل الجيش، إن كانوا لا يزالون يملكون وجودا فاعلا هناك.

    يحاول الحزب الشيوعي حاليا، ومعه من يسيرون على خطه "دك" أوراق اللعبة القديمة للثورة التي ارتضمت بجدار صلد، وإعادة "شك" ورق لعبة الثورة من جديد. غير أن هناك أسئلة مهمة تطرح نفسها، وهي: ما الذي سيجعل التحالف الذي يزمع الحزب الشيوعي بناءه الآن مختلفا عن تحالف "قحت"؟ وما الذي سوف يعصمه من التشقق والتشرذم هو الآخر، خاصة أن تجربة التحالف القديم لم تتجاوز العامين؟ أيضا هل الشارع الآن بنفس قوة تماسكه التي أوصلت الثورة نقطة انهيار نظام الإنقاذ، أم أن التشققات قد اعترت جسده، هو الآخر؟ من المهم جدا في تقديري ألا يتجاهل بناة التحالف الجديد أن للجبهة الثورية جمهورا عريضا، خاصة في العاصمة، ولسوف يقف هذا الجمهور حيث تقف. يضاف إلى ذلك أن الحزبين الكبيرين لهما ارتباطاتهما مع القوى الإقليمية التي لا تخفى على أحد، إضافة إلى تقاطعات هذه المنظومة مع كتلة الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة.

    لو ترك الجميع التدابر وتعاونوا على ترك الفترة الإنتقالية تمضي بهدوء، إلى حال سبيلها المرسوم، مع كل عللها الظاهرة، حتى تبلغ نقطة الانتخابات، لكان خيرا. وهذا ما دعا إليه بيان المؤتمر الشعبي الأخير، غير أنه ذكر باقتراحة بتقصير الفترة الانتقالية. خلاصة القول، لو أثمرت لنا هذه الفوضى كتلتين رئيسيتين كبيرتين لخوض الانتخابات، نكون قد وضعنا أقدامنا على الأرض السودانية الصلدة الجديدة. أما الحلم بأن من الممكن استعادة زمام الشرعية الثورية، عبر إعادة اصطفاف جديدة للجماهير، والظن بأن ذلك سوف يحقق على أرض الواقع ما ظلت تتصوره الأقليات السياسية اليسارية، في أدبياتها الكلاسيكية، فحلم بلا سيقان.
                  

11-12-2020, 09:32 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مع الشيوعي في البحث عن بندقية
    النور حمد
    صحيفة التيار 13 نوفمبر 2020
    الميزة الرئيسة لثورة ديسمبر 2018 أنها تجاوزت كل أفق خطه ابن أنثى سوداني للكيفية التي سوف تجبر نظام الإنقاذ، المدجج بالسلاح والمحروس بجيوش من القوى الأمنية الشرسة، على الجثو على ركبتيه والتسليم لإرادة الشعب. لقد كانت ثورة ديسمبر من أنصع الثورات في تاريخ العالم، من حيث الالتزام بالسلمية بصرامة مدهشة. وكان ذلك هو ما خلب ألباب العالم، فطفق قادته وشعوبه يتغنون بها في كل مكان. لم تكن القوى الحزبية السودانية مؤمنة تمام الإيمان بالشعب في أي يوم من الأيام. ولو نظرنا إلى تاريخ مقاومة الأنظمة العسكرية الثلاثة التي حكمت السودان على مدى 52 عاما، لوجدنا أن استنفار الجماهير إلى الثورة ضد تلك الأنظمة قد ظل مصحوبا على الدوام، إما بمحاولات انقلابية، وإما بغزو أجنبي ينطلق من واحدة من دول الجوار. ويمكن القول بكل اطمئنان أنه لا يوجد جسم حزبي واحد، من الأحزاب الفاعلة، التي أدخلت نوابا إلى البرلمانات المختلفة، بقيت بلا تغلغل من نوع ما داخل المؤسسة العسكرية. خلاصة القول هنا، أن الثورة السلمية "كاملة الدسم" ، لم تكن مبدأ رأسخا لدى أي من أحزابنا الفاعلة. فهي أحزاب ذرائعية لا تعرف الالتزام بمبدأ، ولا تعرف اتساق المواقف.

    لعلنا جميعا نذكر أيام التجمع الوطني الديموقراطي المستضاف في أسمرا، والحديث عن الانتفاضة المحمية بالسلاح. حينها، اصطفت الأحزاب السودانية الفاعلة، بلا استثناء، وراء بندقية جون قرنق. لكن ما لبث جون قرنق أن انزلها من ظهره بهدوء وانخرط في التفاوض مع نظام الإنقاذ بمعزل عنها. ثم دخل في شراكة ثنائية للحكم مع الإنقاذ، حبست كل القوى السياسية خارج السور. انتهت تلك الشراكة الثنائية، بعد ستة سنين من اتفاقية نيفاشا، بانفصال الجنوب. وحاليا لا تمر مدة الا ونسمع بمذكرة للتفاهم جرى توقيعها بين حزب ما وفصيل مسلح. من ذلك، على سبيل المثال، التفاهم حول علمانية الدولة الذي جرى في أديس أبابا، بين الحزب الشيوعي السوداني ومجموعة عبد العزيز الحلو المسلحة. ومنها مذكرة التفاهم التي جرى توقيعها في القاهرة بين الاتحادي الأصل ومجموعة مني أركو مناوي المسلحة. وأخيرا كانت مذكرة التفاهم بين الحزب الشيوعي السوداني ومجموعة موسى هلال المسلحة. وهي، في تقديري، الأغرب بين كل رصيفاتها.

    يمكن للمرء أن يقفز مباشرة للسؤل الذي يفرض نفسه بصورة تلقائية، وهو: لماذا لم يوقع الحزب الشيوعي مذكرة تفاهم مع قوات الدعم السريع، ما دام لديه ما يسوغ به توقيع مذكرة تفاهم مع مجموعة موسى هلال؟ فلو نحن نظرنا إلى بدايات التطهير العرقي في دارفور، ابتداء من عام 2003 لوجدنا أن المجتمع الدولي لم يكن يتحدث، ولم تكن أصابعه تشير إلى شخص غير السيد، موسى هلال. الغريب أن السكرتير العام للحزب الشيوعي فتح النار بصورة محددة، في مؤتمره الصحفي الذي أعقب مذكرة التفاهم مع مجموعة موسى هلال، بيوم واحد، على قوات الدعم السريع. وكأنه يريد بذلك الهجوم دعم مذكرة التفاهم التي وقعها وإرضاء حليفه الجديد. كما كان من الملاحظ، أيضا، تجنب السكرتير العام للحزب الشيوعي التحدث عن القوات المسلحة، رغم أنها هي التي تدير الصناعات الحربية ومنظومة شركاتها التي قال رئيس الوزراء عنها: إنها تستحوذ على 80٪ من مداخيل الدولة، وإنها خارج رقابة ومراجعة جهاز الدولة . يضاف إلى ذلك، أن القوات المسلحة، باعتراف الفريق أول، شمس الدين الكباشي، كانت هي التي أمرت مع بقية شركائها بفض الاعتصام، على النحو الوحشي الذي جرى. لابد والحال كذلك أن نقول للحزب الشيوعي إن هذا النوع من الانتقائية في المواقف، الذي تفرضه التكتيكات السياسية الوقتية، لن يجد الاحترام من أحد.

    السيد موسى هلال متهم من جانب المحكمة الجنائية الدولية، وعليه عقوبات من جانب الأمم المتحدة. وعموما، المتهم برئ حتى تثبت إدانته. لكن، ينبغي أن ننتظر حتى تثبت براءته. لماذا يريد الحزب الشيوعي، قبل أن يجري إخلاء ساحة السيد موسى هلال تماما، أن يدخل معه في تفاهمات يدخل بها نفسه في مدار خارجي معقد، تدور في مساراته المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة؟ هذه في تقديري ذرائعيةٌ بلا ضفاف وفقدان للبوصلة ومجافاة لما يقتضيه الموقف الأخلاقي ونسف كامل للاتساق في المواقف السياسية. يضاف إلى كل ما تقدم، فإن الحركات المسلحة تدافع عن قضايا الهامش، وهي، بهذا الوصف، لا تقع ضمن إطار تحليلات الحزب الشيوعي وتنميطاته. لقد خرج الحزب الشيوعي ليحرك الشارع ضد الحكومة التي أتى بها، رغم وجود كوادره داخلها. لكنه سرعان ما قام بهذه القفزة الهائلة في الظلام ليوقع تفاهما مع مليشيا لا تزال مطاردة قانونيا من قبل المجتمع الدولي.
                  

11-15-2020, 02:19 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الأدوية والعبث بأرواح الناس
    النور حمد
    صحيفة التيار 15 نوفمبر 2020
    إن أسوأ ما يصيب أمة من الأمم هو تخريب الضمائر حد إماتتها تماما، وقتل الحساسية وسط الصفوة المتنفذة تجاه معاناة عامة الناس. وهذا ليس جديدا، وإنما هو قديم قدم التاريخ. فقد جاء في القصص القرآني: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا". وتحتاج هذه الآية إلى شرح كثير ليس هذا محله. الشاهد، أن نهج تدمير ضمائر الصفوة وإماتتها ظل يتنامى منذ نيل الاستقلال، وقد بلغ أوجه في فترة حكم الإنقاذ. ولا يوجد ما هو أكثر إنامة للضمائر، وإماتة لها، من المفاهيم الدينية الخاطئة. والمفاهيم الدينية الخاطئة هي ما روجت لها الإنقاذ طيلة سنوات حكمها الثلاثين، فانتهى الأمر بها إلى تحويل الحزب الحاكم وذيوله إلى أكبر سارق للمال العام في العالم. والآن، ما أكثر تمظهرات موت الضمير في حياتنا اليومية. فكل أزماتنا المتعلقة بأساسيات العيش؛ كالخبز والدواء والوقود، يمثل موت الضمير واحدا من أهم مكوناتها. ولا ينحصر موت الضمير وفقدان الحساسية تجاه معاناة الناس في حالتنا الراهنة، في كارهي الثورة وجيوشهم الناشطة بكل سبيل في العمل على إفشال الفترة الانتقالية، وإنما يمتد فقدان الحساسية وموت الضمير إلى التنفيذيين الذين أتت بهم الثورة. فالداء منقسم بين الفريقين. فلولا غفلة السلطات وقلة حساسيتها وعجزها الإداري، ما وجد المستهترون مجالا للاستهتار والعبث بحيوات الناس.

    لقد انشغلت وسائط التواصل الاجتماعي والأوساط الصحفية منذ قرابة الأسبوعين بالفيديو الذي صوره سائقو الشاحنات المحملة بالأدوية التي ظلت تنتظر التفريغ جنوب الخرطوم، لما يزيد عن عشرة أيام. غير أن المسؤولين لم يتحركوا سوى قبل بضعة أيام. فقام السيد عمر مانيس بزيارة الصندوق القومي للإمدادات الطبية، كما قام الدكتور عبدالله حمدوك بإقالة مديرة الصندوق. وما دام أن تقصير المديرة قد ثبت بما برر إقالتها، فلماذا لا تقدم ضدها وربما بعضا ممن حولها من مرؤوسيها تهما جنائية؟ فالذي جرى فيه تلاعب صراح بأرواح الناس.

    تعللت إدارة الصندوق القومي للإمدادات الطبية بأنها غير قادرة على استيعاب الشحنات الجديدة لنفاد السعة التخزينية لديها. فإذا كانت أرفف الصيدليات فارغة والناس في طول البلاد وعرضها يشكون لطوب الأرض من انعدام الأدوية، بما في ذلك الأدوية المنقذة للحياة، فما الذي يجعل مخازن الإمدادات ممتلئة؟ هل يحجزون الأدوية في المخازن لتستفحل الأزمة؟ ولماذا لم تحدث مشكلة التخزين هذه طيلة السنوات الماضية؟ لماذا حدثت الآن بالذات؟ ونحب أن نذكر الصندوق القومي للإمدادات الطبية أنه سبق أن تفاخر في سنة 2017 أنه زاد السعة التخزينية بمقدار 46 ألف متر مكعب بتكلفة بلغت 174مليون جنيه. والسؤال الأخير: ألا يعلم الصندوق أن هذه الأدوية قد تحركت من البلاد التي أتت منها، ثم تحركت بالشاحنات من بورتسودان متجهة إلى الخرطوم، وأن من واجب الصندوق أن يكون جاهزا لتفريغها من حمولتها؟ وأن من واجبه أيضا أن تكون له خطط احتياطية كاستئجار مخازن مبردة؟ فإما أن أمور البلاد وحياة الناس تدار بعبث واستهتار ولا مسؤولية تفوقان التصور، أو أن هناك قصدا مبيتا لاستمرار أزمة الدواء وهلاك المواطنين، لكي تكسب من ذلك جهات سياسية او تجارية بعينها.

    أما إعلامنا؛ الحكومي وغير الحكومي، فأمره عجب. حاولت أن أجد تحقيقا شافيا حول هذه القضية، وهي قضية رأي عام من الدرجة الأولى، فلم أجد ما يشفي الغليل. وشكرا لوسائط التواصل الاجتماعي، فقد أثار هذه القضية سائقو الشاحنات الذين تضرروا من طول الانتظار وتعطل عملهم، وإلا ربما لم نسمع بهذه المشكلة أصلا. وبعد أن سمعنا بها توقعت أن تتسابق محطات التلفزيون والصحف إلى الموقع لتنقل تقارير حية وتسأل هل هذه الأدوية في شاحنات مبردة أم في حاويات قابعة تحت شواظ الشمس. فدرجة الحرارة داخل حاوية مغلقة يمكن أن تصل منتصف النهار إلى أكثر من 50 درجة مئوية. وإذا كانت الأدوية في حاويات وليس في شاحنات مبردة فهل تصلح هذه الأدوية بعد أن بقيت عشرة أيام تحت درجة حرارة عالية؟ ينبغي على مجلس الوزراء أن يأمر المسؤولين في مثل هذه الحالات بإقامة مؤتمرات صحفية يسألهم فيها الإعلام. بل يجب أن يلزموا من قبل الحكومة بقبول دعوات الفضائيات لهم والحضور إلى الأستديو والإجابة على أسئلة حارقة يقدمها محاورون مقتدرون. بغير هذا سيبقى المسؤولون على هذه الحالة الكارثية؛ يرتكبون كل الموبقات ويستهترون بحياة الناس، ويندسون وراء وظائفهم، رافضين الحديث للإعلام.
                  

11-15-2020, 08:39 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التخبط الجيواستراتيجي
    النور حمد
    صحيفة التيار 16 نوفمبر 2020
    التخبط الجيواستراتيجي في سياسية السودان الخارجية شأن قديم يعود إلى مرحلة العمل الوطني المنادي بالاستقلال، منذ الربع الثاني من القرن العشرين. وقد كان لحالة الشد والجذب التي نتجت عن الصراع بين تيار الاستقلاليين والاتحاديين تأثيرها السالب على توجه السودان الجيواستراتيجي. ورغم أن الاتحاديين، دعاة الوحدة مع مصر، انحازوا في اللحظات الأخيرة التي سبقت الاستقلال إلى الخط الاستقلالي، إلا أن الانجرار وراء مصر ودعوة القومية العربية استمر حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970. حين وصل العقيد جعفر نميري إلى السلطة بالانقلاب العسكري عام 1969، بدأ حكمه يساريا متماهيا مع الخط القومي العربي، ودار السودان تبعا لذلك في فلك الناصرية والاتحاد السوفيتي. لكن تغير الوضع عقب محاولة الانقلاب التي قام بها الشيوعيون، وإبعاد السادات الخبراء الروس والتوجه نحو الغرب.

    في بداية تسعينات القرن الماضي، أخذ التوجه الجيواستراتيجي خطا راديكاليا، بسبب وصول الإسلاميين إلى السلطة، خاصة في العشرية الأولى التي سيطرت فيها رؤى الدكتور حسن الترابي العامدة إلى تصدير الثورة إلى ما وراء الحدود. فنشأت التوترات مع دول القرن الإفريقي وبلغت حد قطع العلاقات. وازدادت التوترات مع دول الخليج نتيجة لموقف الإسلاميين في السودان من غزو صدام حسين للكويت. كما أنجر السودان إلى المحور الإيراني نتيجة لإعجاب إسلاميي السودان بالثورة الإيرانية، وتصورهم لإمكانية نشوء حلف بين الإسلام السياسي وإيران، يعيد رسم خريطة المشرق العربي على نحو جديد. الشاهد، أن السودان بقي بلا بوصلة جيواستراتيجية منذ استقلاله وإلى يومنا هذا.

    بلغ التخبط الجيواستراتيجي في السنوات الأخيرة لحكم الرئيس المخلوع عمر البشير، مبلغا لا يصدق. فبعد أن تغلغل الإيرانيون في السودان سياسيا وعسكري وعقديا في السودان، قلب لهم الرئيس البشير ظهر المجن وقطع علاقاته معهم. بل، وأرسل الجنود السودانيين إلى اليمن ليحاربوا ضد الحوثيين حلفاء إيران. حدث هذا بعد أن كانت إيران تهرب السلاح إلى حماس عبر الأراضي السودانية بتنسيق كامل مع حكومة الرئيس البشير، وبعد أن أصبحت البحرية الإيرانية ضيفا معتادا على ميناء بورتسودان، الأمر الذي أقلق السعودية ومصر ودول الخليج. وبلغ البشير في التخبط الجيواستراتيجي درجة العبط، حين طلب من بوتين بحضور أجهزة الإعلام حماية نظامه من خطر الأمريكيين، وعرض على روسيا إنشاء قاعدة عسكرية في السودان.

    في عام 2017 قال المدير الأسبق لإدارة الإعلام بوزارة الدفاع السودانية، اللواء متقاعد محمد عجيب، في مقابلة مع وكالة "سبوتينك": "أعتقد أن بلادنا بحاجة لتعاون عسكري مع روسيا إلى جانب التعاون السياسي والاقتصادي المستمر، مشيرا إلى أن بناء قواعد عسكرية روسية في البحر الأحمر سيؤدي إلى خلق توازن في المنطقة ويعيد للسودان الكثير من الأدوار التي كان يلعبها في محيطه العربي". ويبدو أن ما تحدث عنه اللواء المتقاعد محمد عجيب في عام 2017 حول ما يراه ضرورة لوجود قاعدة روسية في السودان، أصبح في طريقه إلى التحقق حاليا. فقد أوردت سكاي نيوز عربية، قبل بضعة أيام، أن روسيا ستنشئ قاعدة بحرية شمال بورتسودان. وأن مسودة الاتفاق تنص على أنه يحق لروسيا أن تنقل عبر مطارات ومرافئ السودان أسلحة وذخائر ومعدات تعد ضرورية لتشغيل القاعدة البحرية.

    من جانب آخر بدأت في الأيام القليلة الماضية مناورات مشتركة بين السودان ومصر يشترك فيها سلاح الجو المصري، منطلقة من مطار مروي. يجري هذا في ظل تلويح مصر المستمر بضرب سد النهضة، ما يجعل إثيوبيا تنظر إليها، وبالضرورة، بادرة عداء سودانية. خاصة بعد أن انخرطت الحكومة الأثيوبية في حرب مع إقليم التقراي الذي أخذ يخرج عن طوعها. وأيضا، في وقت لا تزال فيه قضية سد النهضة عالقة، ولا تزال فيه حلايب السودانية محتلة من جانب مصر. يجري كل ذلك في وقت تعود فيه العلاقات السودانية الأمريكية إلى طبيعتها السابقة لفترة فرض العقوبات، وأيضا، في وقت تجري فيه خطوات التطبيع مع إسرائيل. يشير كل ما تقدم إلى أن السياسة الخارجية السودانية لا تزال تعيش في ظل تخبط وتقلبات فترة حكم البشير. كما أنها، فيما يبدو، لا تنطلق من مركز حكم واحد، وإنما من مركزين، وربما أكثر. ولهذا التخبط ثمنه الذي ستدفعه البلاد عاجلا أو آجلا.
                  

11-17-2020, 10:37 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    خطر اللامبالاة تجاه الكورونا
    النور حمد
    صحيفة التيار 18 نوفمبر 2020
    أصبت بفيروس كورونا قبل ثلاثة أسابيع، وتأكدت إصابتي بالفحص المعملي بعد حوالي أسبوع من بداية الأعراض. وبحمد الله تجاوزت المرحلة الحرجة وأخذت أتعافى بصورة مضطردة، لكنها بطيئة. وأود أن أقول إن هذا المرض لا يشبه أي مرض آخر. لقد أصبت منذ طفولتي، وإلى الآن، بكل أمراض المناطق الحارة، ربما بلا استثناء، لكني لم أجد مرضا ممضا وهادما للقوى البدنية ومسببا لأقصى درجات الوهن واعتلال المزاج مثل هذا المرض العجيب. ويبدو لي أنه يعبث بكل كيمياء الجسد الطبيعية. فهو يطالعك كل صبح جديد بأعراض جديدة. ومن غرائبه التي حدثت لي، ارتفاع غير طبيعي في سكر الدم، رغم أنني لست مصابا بمرض السكري. فحتى في الأيام التي لم أكن قادرا فيها على تناول الطعام، يتعدي سكر الدم لدي، بعد ساعتين من تناول كوب شاي بالحليب من غير سكر 300. الشيء اللافت في مرحلة التعافي الشعور بالوهن الشديد واضمحلال القوى البدنية. ويبدو أن هذه المرحلة تستمر لدى بعض الناس لفترة قد تمتد لشهرين، وربما أكثر، حسب ما قرأت في العديد من التقارير الطبية المتخصصة. خلاصة هذه المقدمة، واستنادا على تجربتي، أنصح بأن نتجنب، بكل سبيل ممكن، الإصابة بهذا المرض.

    قادتني حالة الوهن البدني لأن أفكر في من يكسبون عيشهم بقواهم البدنية، كالحمالين والبناءين والحفارين والميكانيكية والحدادين والسمكرية والسباكين، وغير ذلك من المهن التي تعتمد على الجهد البدني، وعلى تحصيل رزق اليوم باليوم. فبالإضافة إلى خطر هذا المرض الذي يتسبب في الوفاة، لدى نسبة من المصابين، تزيد وتنقص وفقا لمختلف العوامل، فإنه يمكن أن يتسبب، أيضا، في ضيق بالغ في العيش للأسر التي تعتمد على عائل واحد يكسب قوته بالجهد البدني. الشاهد أن لهذا المرض آثارا اقتصادية مدمرة على الأسر. خاصة، أن الإصابة به يمكن أن تتكرر بعد بضعة أشهر من تلاشي المناعة المؤقتة المكتسبة. ورغم البشريات بالتوصل إلى لقاح، إلا أن وصول اللقاحات إلى دول العالم النامي سيأخذ وقتا، لأن هناك الكثير من العوائق التي تعترض وصوله بالسرعة المطلوبة. لذلك، تقتضي الفترة الحالية منا جميعا أخذ أقصى درجات التحوط و التعامل مع الأخطار الجمة لهذا المرض بالجدية اللازمة، والالتزام الصارم بالموجهات.

    لقد بدأت الآن الموجة الثانية لهذا الفيروس. ويبدو انها أكثر شراسة وأكثر انتشارا من الموجة الأولى. فقد ازدادت الإصابات في الولايات المتحدة، في شهر واحد، من 7 ملايين إلى 11مليون. وبلغ عدد الوفيات ربع مليون شخص. وقد كان لاستهتار الرئيس ترمب بالجائحة وتشجيعه على عدم لبس الكمامات وسط مناصريه، الدور الرئيس في هذا الانتشار المخيف. ويجري هذا الانتشار الآن بدرجات متفاوتة في مختلف دول العالم. المزعج في الأمر أننا هنا في السودان شرعنا في التعامل مع الموجة الثانية، بحذر أقل، بكثير، مما تعاملنا به مع الموجة الأولى. وقد ضربت حكومتنا مثلا في السلوك اللامبالي، حين سمحت بالاحتفال بتوقيع السلام على النحو الذي شاهدناه في ساحة الحرية. وأتوقع أن تظهر الآثار الكارثية لذلك التجمع الكبير في الأسابيع المقبلة، و"ربنا يكضب الشينة".

    لكي نتجنب حدوث وضع كارثي نعجز عن التعامل معه، ينبغي أن نتجنب التجمعات في صالات الأفراح وصيونات الأتراح. وأقترح أن يدخل المصلون المساجد بالكمامات، وان يقفوا متباعدين. وكذلك أن يخفف الإئمة الصلاة. وكذلك أن تفرض المحليات على المتاجر والمولات توفير المعقمات وأن تفرض لبس الكمامات داخلها. وهناك الكثير من الإجراءات الاحترازية التي يمكن أن نشرع فيها الآن، حتى لا تقع الفأس على الرأس. وأن نوسع من الإجراءات ونتشدد في تنفيذها كلما زادت الإصابات، بل قبل أن تتفاقم الأوضاع . لكن، ما أراه الآن أن حكومتنا ووزارة الصحة تغطان في نوم عميق. أما إعلامنا فلا زال على ماهو عليه من عدم المعرفة بأخذ زمام المبادرة. فجائحة الموجة الثانية لا تزال لا تحتل موقعا متقدما في سلم أولوياته. وعموما كان إعلامنا الرسمي، على الدوام، "عبد المأمور"، ويبدو أنه سيظل كذلك.
                  

11-20-2020, 08:51 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    لابد من إجراءات قبل الإغلاق الكلي
    النور حمد
    صحيفة التيار 21 نوفمبر 2020
    أوضحت اللجنة العليا للطوارئ الصحية يوم الخميس أنه ليس لديها اتجاه لفرض إغلاق كامل وتقييد للحركة. وذكر وزير الصحة المكلف فيما نسبته إليه صحيفة السوداني: "أن الإغلاق يتوقف على مدى انتشار المرض وقدرة المجتمع على التعامل مع كورونا". لكن، يمكن القول، وبثقة تامة، أن المرض ينتشر وبوتيرة متسارعة، وأن الإحصاءات الرسمية لا تعكس حقيقة ما يجري في الواقع. أما قدرة المجتمع على التعامل مع الكورونا بالانضباط الذاتي، فمتدنية للغاية، ولا ينبغي أن نعول عليها. وقد شاهدنا جميعا لامبالاة المجتمع بالاحترازات الصحية في تجربتنا مع الموجة الأولى. فتجربة الإغلاق الفائتة لم تفعل شيئا سوى أنها قيدت الحركة بين المدن الثلاث، وبقي سكان كل مدينة يتحركون داخلها طولا وعرضا بحرية تامة. ومع ذلك كانت لذلك الإغلاق على علاته فوائده. كما أن منع الحركة بين العاصمة والأقاليم لم يكن محكما، بل كان فاشلا بكل المقاييس.

    لا أدعو هنا إلى القفز إلى فرض الإغلاق الكلي الذي له آثاره المعيشية الضارة على كثيرين، وإنما أدعو إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الممكنة التي تقلل من الانتشار. ويقتضي ذلك شن حملة إعلامية وإدارية، ضخمة وفاعلة لفرض إجراءات محددة لمنع الانتشار. فالناس ليسوا أحرارا في الإضرار بالآخرين. عدت من الولايات المتحدة قبل شهر ورأيت كيف أن مؤسسات الدولة تفرض على المواطنين إجراءات بعينها. وكيف أن مؤسسات القطاع الخاص تلتزم بتطبيق تلك الإجراءات بحرفية. ومما يمكن فرضه حاليا على سبيل المثال، إيقاف حفلات الزواج في الصالات وجعل الزواج قاصرا على إجراءات العقد بين فئة قليلة من أهل الزوج وأهل الزوجة مع الاحترازات الأساسية كلبس الكمامة والتباعد في الجلوس. ومن لا يقبل بذلك عليه تأجيل الزواج حتى تتغير الأوضاع الصحية. أيضا لابد من حث الناس على لبس الكمامة عند دخول المساجد وأن يقوم الأئمة بالتنبيه المستمر والتحدث مباشرة مع المخالفين . أيضا، من الضروري أن يقف الناس في صفوف الصلاة متباعدين، بصورة تمنع اختلاط الأنفاس. ويشمل ذلك صلاة الجنازة مع قصر الدفن على فئة قليلة من الناس، مع أخذ كافة الاحتياطات. كما ينبغي تنبيه المصلين في المساجد إلى ضرورة أن يحتفظ المصلي بمنديل أو فوطة صغيرة ليضعها مكان وضع الرأس في السجود. فلربما وضع مصاب رأسه في نفس هذا المكان في الصلاة الفائتة واحتفظ بساط المسجد بالفيروس من أنفاس ذلك الشخص المصاب او الحامل للفيروس.

    أيضا، لابد للإعلام أن يخرج من غفوته ويجعل من التحذير من خطر الموجة الثانية هذه على رأس أولوياته. فالناس لا يحذرون إلا إذا أدركوا جدية الخطر وخافوا من العواقب. فعلى الإعلام أن يكثر من الحديث عن الكورونا وأخطارها الماحقة. ومن الملاحظ أن وسائط التواصل الاجتماعي تمتلئ بتحذيرات من مختصين، تصور مبلغ الخطر وتحذر منه بشدة، لكننا لا نجد تلك التحذيرات في الإعلام الرسمي. أيضا، للقطاع الخاص دورا هاما ينبغي أن يلعبه، ويقتضي ذلك أن تفرض الجهات الإدارية موجهات للمتاجر الكبيرة التي ترتادها أعداد كبيرة من الناس. من ذلك توفير معقمات الأيدي وتوفير الكمامات لمن يأتي من غير كمامة، وإذا لم يوفر المتجر الكمامة عليه منع من لا يأتي بكمامة من الدخول. وعلى المتاجر أن تضع مواجهات لضمان التباعد بين المتسوقين داخل المتجر.

    أيضا لابد أن تلعب الشرطة دورا في تنظيم صفوف المخابز وفقا للموجهات الصحية. ولابد للمحليات من مراقبة عمال المخابز وتجمعات بائعات الشاي والكافتيريات والمطاعم وفرض غرامات على من لايرتدون قفازات ولا يلبسون كمامات، خاصة عمال المخابز والجزارات والفواكه والخضروات الذين يعبئون السلع للزبائن في الأكياس. الشاهد أن هناك عدم احساس بالخطر من جانب السلطة ومن جانب الشعب، وهناك ما يمكن أن نسميه تراخيا عاما. عموما إن ما أقترحه هنا مجرد أمثلة وليس استقصاء لما يمكن فرضه بقوة القانون من إجراءات. وإذا لم تتخذ الإجراءات وتجري متابعة تنفيذها بصرامة، فإن هذه الموجة الثانية ستكون مدمرة، خاصة أن بلادنا لا تملك الإمكانيات الضرورية لمواجهة هذا النوع من الجوائح المدمرة.
                  

11-24-2020, 09:15 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حرب التقراي: هل ينجح الحسم العسكري؟
    النور حمد
    صحيفة التيار 25 نوفمبر 2020
    حدثت الكثير من الحركات الانفصالية عن الدولة المركزية، في كثير من الأقاليم، في مختلف القارات، في التاريخ الحديث والمعاصر. وقد انقسم التعاطي مع النزعات الانفصالية، بصورة عامة، بطريقتين: تتمثل الأولى في قبول الدولة المركزية الانفصال عبر استفتاء قد يأتي غالبا بعد الفشل في الحسم العسكري. أما الطريقة الثانية فهي رفض التفاوض مع الإنفصاليين والاتجاه إلى الحسم العسكري واستئصال شأفتهم نهائيا، وتوحيد البلاد بالقوة العسكرية. من التجارب البارزة التي اختارت طريق الحسم العسكري، تجربة الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، التي اشتعلت بعد فترة قصيرة من تنصيب الرئيس أبراهام لينكلن. وقد كان قرار تحرير الرقيق سببا مباشرا في أن تعلن الولايات الجنوبية الانفصال عن الاتحاد الأمريكي لتشكل فيما بينها كونفدرالية تضمها معا، في انفصال كامل عن الدولة المركزية. اختار الرئيس أبراهام لينكلن محاربة الولايات الجنوبية وتمكن من هزيمة جيوشها وأخضعها بالقوة لسلطة المركز. ومن التجارب الآسيوية تجربة توحيد فيتنام بهزيمة أمريكا التي كانت معسكرة في الشطر الجنوبي، بواسطة قوات الفيتكونغ المدعومة، حينها، من الاتحاد السوفيتي والصين. ومن تجارب الحسم العسكري الإفريقية البارزة تجربة نيجيريا. فقد اندلعت الحرب الأهلية النيجيرية بين الحكومة المركزية وبين إقليم بيافرا الذي كان يسعى للانفصال في 6 يوليو 1967 وانتهت بهزيمة الإنفصاليين في 15 يناير 1970. وقتها كان يحكم نيجيريا الجنرال يعقوب قوون، في حين كان يتزعم الحركة الانفصالية الكولونيل أودوميقوو أوجوكو. وهناك حرب اليمن التي وحدت شطري اليمن في عام 1994 في عهد الرئيس الراحل، علي عبد الله صالح. انهزمت قوات الشطر الجنوبي هزيمة ساحقة أمام قوات الشطر الشمالي، وسقطت مدينة عدن، وفرت قيادات الشطر الجنوبي الشيوعية إلى خارج البلاد. ومن التجارب المتأخرة تجربة سريلانكا في هزيمة نمور التاميل في عام 2009 واستئصال شأفتهم بعد عقود من النزاع المسلح بدأ منذ عام 1983. وهذا مجرد أمثلة من نماذج فرض الوحدة بالقوة.

    يجري فرض الوحدة بالقوة العسكرية حين تكون الحكومة المركزية قادرة على هزيمة الإنفصاليين عسكريا هزيمة ساحقة. ويقتضي هذا أن تكون الدولة المركزية تملك من القدرات العسكرية ما يمكنها من الحسم العسكري. يضاف إلى ذلك، أن تكون مصممة ومؤمنة بحقها في فرض الوحدة، ومستقلة تماما في قرارها السياسي، وكذلك تقف وراءها وحدة وطنية صلدة. ويمكن القول أن أغلب الحروب التي انتهت بالانفصال وقف وراءها عجز الدولة عن الحسم العسكري. وتمثل التجربة السودانية واحدة من أوضح الأمثلة في العجز عن الحسم العسكري. فالحرب الأهلية السودانية تعد من أطول الحروب الأهلية. وقد كان من الممكن تجنب تلك الحرب تماما وتجنب الانفصال، لولا غطرسة النخب المركزية وقلة حكومتها ووعيها السياسي. فالجنوبيون لم يطالبوا سوى بحكم فيدرالي داخل إطار الدولة الموحدة. فجرى رفض طلبهم وجرى التشنيع بالطلب وبطالبيه، وحدث التمرد، وانتهت الحرب بعد عقود طويلة بانفصال الجنوب عن طريق الاستفتاء.

    والآن تسير حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في طريق الحسم العسكري. فقد رفض أبي أحمد كل الوساطات والدعوات للمفاوضات التي جاءت من المجتمعين الإقليمي والدولي. وأصر على الزحف على مدينة ميكللي عاصمة إقليم التقراي والاستيلاء عليها وفرض سلطة الدولة المركزية على الإقليم بقوة السلاح. وكما أشرت في مقدمة هذه المقالة فإن طريق الحسم العسكري نجح في تجارب عديدة. بل إن تجارب نجاح خيار الحسم العسكري أكثر بكثير من تجارب تحقيق الانفصال. لكن شرط نجاح خيار الحسم العسكري هو، بطبيعة الحال، امتلاك القوة العسكرية الحاسمة وكذلك المهارات العسكرية المتفوقة على الخصم. ولذلك فإن حكومة أبي أحمد أمام امتحان عسير. فإذا تعقدت الأمور واستعصى الحسم العسكري في وقت وجيز، فإن لذلك خطره الكبير على الدولة الإثيوبية. لأن ذلك سوف يظهر ضعف الحكومة المركزية عسكريا. ولربما يغري هذا بعض الأقاليم المتململة لتبدأ صراعا مسلحا مع الدولة المركزية. وهذا سيزيد من عدم قدرة الحكومة المركزية على الحسم، أذ تجد نفسها تحارب في أكثر من جبهة. كما أن الحكومة الإثيوبية سبق أن تلقت تهديدات عسكرية مصرية بسبب سد النهضة. عموما سيتضح في الأسبوع، أو الأسبوعين المقبلين، ما إذا كان إصرار حكومة أبي أحمد مستند على تفوق عسكري حقيقي وإرادة إثيوبية شعبية داعمة، أو ما أذا كان الأمر مجرد "ركوب رأس".
                  

11-28-2020, 09:38 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    بين سلطة مهملة وجمهور لا يتقيد
    النور حمد
    صحيفة التيار 29 نوفمبر 2020
    ورد في بيتين من الشعر منسوبين إلى الإمام الشافعي، قوله: "جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي/ وما حمدي لها شكرا ولكن عرفت بها عدوي من صديقي". وأود في سياق ما أود الحديث عنه في هذه المقالة أن أستخدم هذين البيتين في وجهة ما أظهرته جائحة كورونا من مثالب المسلك لدى نخبنا القائدة ولدى عامة الشعب. فمقدار حصيلتنا من التمدن والتحضر لم يسبق أن اختبرت بمثل ما اختبرت به في هذه الجائحة الهوجاء. كما لم تنفضح ضآلة محصولنا من التحضر والتمدن بمثل ما انفضحت به في هذه الجائحة، أيضا. لقد أهدتنا هذه الجائحة عيوبنا كأوضح ما يكون وليتنا عملنا بجد على التخلص منها. وتتمثل بداية التخلص منها في الاعتراف بها وترك المكابرة بشأنها.

    منذ نهايات أكتوبر بدأ الحديث على مستوى العالم عن الموجة الثانية من جائحة كورونا. وقد بدأت الإصابات بها تتكاثر في نصف الكرة الأرضية الشمالي بصورة تنذر بخطر داهم. الأمر الذي حدا بالسلطات في عديد الأقطار للتفكير في الإغلاق الجزئي، وفي شن حملات التوعية الواسعة، وفي التشديد على ضرورة اتباع التوجيهات. وقد حدثت تفلتات في المجتمعات الغربية تمثلت في تظاهرات جماهيرية جرت هنا وهناك. وهذا طبيعي، فليس هناك مجتمع كامل التمدن. لكن، مع ذلك، لا مقارنة البتة بيننا وبين الغربيين في احترام القوانين وفي الانصياع لتوجيهات السلطات. الشاهد أن السلطات لدينا أظهرت افتقارا فاضحا للصفات القيادية وللقدرة على اتخاذ المبادرات التي تدرأ الأخطار.

    في 15 نوفمبر أقامت الحكومة احتفالا جماهيريا جرى فيه استقبال قادة الحركات المسلحة العائدين بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام. وقد جرى حشد الجماهير لهذا اللقاء الجماهيري، فتوافد الآلاف إلى ساحة الحرية بالخرطوم رغم نذر الجائحة التي جعلت العالم بأجمعه يقف على أمشاط أصابعه. بعد خمسة أيام من الحشد الذي جرى في ساحة الحرية أقام فنان الطمبور محمد النصري حفلا غنائيا حاشدا بنادي ضباط القوات المسلحة أمه الآلاف من الشباب، الذين جلسوا متلاصقين بلا احتراز لساعات. ثم جاءت وفاة الإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة والمغفرة والرضوان، ليتدافع الآلاف من الأنصار وغيرهم لتشييعه في جامع الخليفة. هذه الحشود الجماهيرية الضخمة حدثت كلها في مدة لم تتجاوز 12 يوما. فقد جرت في 15و 20 و 27 من نوفمبر الجاري. ويحمد لهيئة شؤون الأنصار أنها طلبت من الأنصار في الأقاليم تلقي العزاء في أماكنهم. غير أن الحشد الذي حضر التشييع كان صخما جدا وينذر بخطر كبير في الأسبوعين المقبلين. وأعتقد أننا نجني حاليا خطأ إقامة احتفال الساحة الخضراء وحفل نادي الضباط في هذا الاستشراء الكبير. ونسأل الله اللطف فيما هو مقبل.

    نحن نعاني من أزمة تاريخية في القيادة، ومن ثم في القدرة على الأخذ بزمام المبادرة بإصدار التوجيهات وفرضها بقوة القانون على المواطنين. لقد جرت حشود نوفمبر بمباركة السلطات، بإستثناء تشييع الإمام الصادق المهدي، الذي لم يكن بمقدور السلطات التحكم المطلق فيه. لكن، كان من الممكن التحكم الجزئي فيه، وهو ما لم تقم به السلطات. أما الإعلام الحكومي فهو، كعادته، "صوت سيده". فهو لا يتحدث إلا بعد أن تتحدث السلطات، التي بدورها قليلا ما تتحدث حديثا مفيدا.

    نحن في أزمة بنيوية مزمنة ومزدوجة، تتمثل في نخب متنفذة بلا صفات قيادية. فهي مشغولة بنفسها بأكثر مما هي مشغولة بالشأن العام وبالصالح العام. كما تتمثل، أيضا، في جمهور تدفعه عاداته التي أضحت أصناما معبودة، للانقياد الأعمى لتلك العادات، بأكثر مما ينصاع للعقل وللحكمة. فهو لا يعرف الانصياع للتوجيهات والتحذيرات التي تملأ وسائط الإعلام العالمية ولا يحترم شيئا مما تقوله السلطات هنا في السودان، إن هي خرجت وقالت شيئا. ولسوف يحصحص الحق فيما يتعلق بفداحة هذه الجائحة الثانية في الأسبوعين المقبلين. فهلا وضعنا خيار الإغلاق التام على الطاولة؟ وهلا استبقنا ذلك بإعلان الطوارئ الصحية وشرعنا في فرض إجراءات صارمة ووقفنا جميعا على أمشاط أصابعنا لدرأ خطر الموت الزؤآم الذي أخذ يدق على الأبواب؟
    .
                  

12-01-2020, 08:46 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 816

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ماذا أعددنا لعودتنا المتوقعة إلى العالم؟
    النور حمد
    صحيفة التيار 2 ديسمبر 2020
    بدأت أشائر انفتاح الفرص لبلادنا في وصل ما انفصم من صلاتها بالعالم، تتبدى مع اقتراب أوان رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ورغم أن الرفع ليس مؤكدا 100٪، إلا أن زيارة وفد شركة بوينغ، عملاق صناعة الطيران الأمريكية، للبلاد يعد مؤشرا قويا، أن رفع اسم السودان قد أصبح في حكم الأمر الأمر الواقع. خاصة، إذا أضفنا إلى ذلك مهاتفة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، قبل يومين، للسيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك. ويبدو أن شركة بوينغ قد سارعت بالوصول إلى السودان لتستعيد موقعا قديما فقدته بسبب التراجع المستمر في أداء الخطوط الجوية السودانية، ثم بسبب العقوبات التي استمرت لأمد طويل. فموقع السودان في خريطة الطيران في الإقليم، موقع بالغ الأهمية. يضاف إلى ذلك أن بوينغ قد فقدت لأسباب مختلفة، جزءا كبيرا من حصتها من السوق في هذه المنطقة الحيوية الواعدة بسبب المنافسة التي تسببت فيها عملاقة صناعة الطيران الأوروبية آيربص. ويمكن القول هنا إن المنافسة بين بوينغ وآيربص تمنح السودان نقطة قوة في أي اتفاق يجري إبرامه مع بوينغ. وقد كانت للسودان صلة قوية بشركة بوينغ. فأول نقلة كبيرة حدثت في أداء شركة الخطوط الجوية السودانية، إنما حدثت بعد استيراد الشركة طائرات بوينغ 707 وبوينغ 737 في بداية سبعينات القرن الماضي. ولقد كانت تلك الطائرات هي الأحدث والأكفأ في وقتها.

    أيضا تردد في الأنباء أن وفدا تجاريا أمريكيا في طريقه إلى السودان، وأن وفدا إسرائيليا استثماريا، هو الآخر، في طريقه إلى السودان. ولن يكون هذا الإقبال المبدئي على السودان، في تقديري سوى مقدمة لهجمة استثمارية كبيرة ستتوالى بقوة بعد أن يصبح رفع ايم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حقيقة واقعة. فالعالم كله يعرف ما يملكه السودان من موارد، إضافة إلى ما يؤهله له موقعه الجغرافي ليصبح منصة انطلاق، متعددة الوجهات لكبرى الاستثمارات العالمية. لكن يبقى كل ذلك رهين بإصلاح جهاز الدولة ومنظومة الخدمة المدنية واستئصال بؤر الفساد في المؤسسات الحكومية. فرؤوس الأموال الدولية متعطشة لفتح أسواق جديدة، خاصة في أفريقيا. لكن تبقى فرصة اغتنام هذه الفرصة الجديدة التي ربما لا تتكرر في وقت قريب، رهينة بما نقوم به نحن من إصلاحات إدارية، ومن جاهزية تخطيطية، ومن فهم مكتمل لما يعنيه ويتطلبه إدماج السودان مرة أخرى في المنظومة الدولية.

    إن مشكلة السودان مشكلة سياسية وإدارية. وهي مشكلة تفردت بها بلادنا، من حيث الحدة والاستدامة، عن غيرها من دول العالم والإقليم. هذه المشكلة جعلت من البلاد، على مدى عقود، أشبه ما تكون ب "قربة مقدودة"، لا يحدث النفخ فيها أي أثر. فالعلة كانت ولا تزال كامنة في النخب السياسية وفي النخب العسكرية. وكذلك في بؤر الفساد في الجهاز البيروقراطي الإداري. باختصار شديد، بدأت تلوح أمام بلادنا فرص جديدة واعدة. غير أن اهتبال هذه الفرص وجني ثمارها يتطلب وعيا جديدا ونوايا صادقة وجاهزية. كما أن رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للأرهاب له متطلباته. وكما ذكر الكاتب والمحل السياسي شوقي عبد العظيم، أول أمس، في القناة السودانية، أن الحرب ضد الإرهاب أنتجت قوانين جديدة فيما يتعلق بالتحويلات المالية وبغسيل الأموال. ولسوف يصبح السودان مطالبا بالشفافية، وبتطبيق هذه القوانين في منظومته المالية والإدارية. يضاف إلى ذلك، أن نظام الإنقاذ الذي بسببه فرضت العقوبات لا يزال ممسكا بمفاصل الدولة. فالدولة الموازية لا تزال قائمة، ولا يزال الاصرار على استمرارها على أشده. ولا شفافية مع الدولة الموازية التي ستكون هي فضيحتنا الأكبر بين العالمين، والقوة المبددة للثقة الدولية، والمانعة لردم الهوة بين السعر الرسمي والموازي، والطاردة للاستثمار. باختصار، أمامنا فرصة جديدة . لكن سيكون احتمال ضياعها هو الأكبر، إن لم تكن نخبنا قد وعت الدرس بعد، كما ينبغي.
                  


[رد على الموضوع] صفحة 3 „‰ 3:   <<  1 2 3  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de