في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر

اللاجئين السودانيين بين مطرقة الكورونا وسندان المفوضية
أكثر من أربع سنوات من المعاناة المتصلة عطبرة ... من يصنع أزماتها؟
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-07-2020, 07:52 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف الربع الثانى للعام 2013م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-29-2013, 06:44 AM

mustafa mudathir
<amustafa mudathir
تاريخ التسجيل: 10-11-2002
مجموع المشاركات: 3464

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر


    الاربعاء 29/05/2013

    في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر
    --------------------

    رواية (فركة) للأديب الشاب طه جعفر الصادرة عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي في طبعتها الأولى يناير 2011
    رواية خيالية توثق لبعض تفاصيل واقع الرق في حقبة معينة من تاريخ السودان. وبفوزها بجائزة الطيب صالح للإبداع
    الروائي عام 2011، تجد هذه الرواية (فركة) مكاناً مستحقاً بين الأدوات التي نحتاجها في سبر أغوار أزمتنا الثقافية
    المتحوّلة يوماً بعد يوم إلى تعقيد تبدو أمامه أمنيات السلام تحت ظل مواطنة حقة ومنصفة حلماً عصياً.
    ففي واقع الاستقطاب الذي تفرضه الحروب المفتعلة و في ظل نظام غير ديمقراطي قائم على نظرة أحادية للأمور، ترتفع
    الأصوات السالبة المدفوعة باستخدام نفعي للعقائد لتضيع وسطها حقائق الوجدان المشترك ويتراجع الناس نحو حِمى القبيلة
    والعشيرة آخذين معهم التاريخ إلى مكامن البدايات الرطبة المعتمة.
    فالرواية هي عودة بالذاكرة لبعض هذه البدايات وتذكير مرير بما درجنا نلتف حوله ونصم آذاننا عنه وكان الأجدر أن نتطهر
    من المسكوت عنه بالمجاهرة بوقائعه ونبذ ما يفرقنا من أوهام التميز والعصبية حتى نلتفت لبناء وطن شامخ يسعنا كلنا بلا
    تغوّل من جهة على غيرها ولا علو لعرق على آخر.
    تستهل الرواية أحداثها بمشاهد بانورامية نتعرف فيها على مكان ذي بيئة مماثلة لبيئة جنوب كردفان تزدهر فيها حيوات سكان
    قرية كاسي المحروسة بطبيعة رءوم وشديدة العطاء وذات طابع جبلي يطرح مشقة عظيمة أمام العداة الذين نتعرف عليهم باكراً
    وهم يتدبرون خطتهم بحذر وخوف متقمصين هيئات التجار الجلابة ليصعدوا للقرية على ظهور الحمير العالية وتتبدى ملامحهم
    العربية وأثوابهم المميزة لشيخ القرية من بين فرجات الصخور وهو جالس يرقبهم كما ينبغي لزعيم هو في نفس الوقت كجور
    وسليل كجرة. وسرعان ما تتبدد نوايا هذا النفر المعتدي في نيله مراده بالقوة فيما يسمونه بالخرت فللقرية فتيانها الأشداء ومنهم
    من يحمل سلاحاً، فيعرض الغزاة المستترون ما تصنّعوا أنهم أتوا لبيعه من السلع ويركنون إلى خطة في القنص والخداع.
    هؤلاء النفر غاصبون بتكوينهم. أفظاظ على غيرهم. يمتهنون صيد الرقيق والتكسب من وراء سلب الانسان عزته وكرامته
    وتستوي عندهم الفرائس فيأخذون بالشدة من يقع تحت بأسهم غير عابئين بمدى عزته في نظر أهله، إذ هم لا يتصورون أن سكان
    هذه الجبال يعرفون العزة أو ينبغي لهم وينكرون عليهم معنى لحياتهم كذلك الذي يستمدون منه هم بأسهمن غير عابئين بألم فراق
    الأنسان لأهله ولا بحرقة الحشا التي يخلفها أخذهم الأبناء و البنات من أهليهم.
    فركة، الصبية التي سيأخذونها بالمكيدة ومعها صويحباتها، هي الإبنة الوحيدة لشيخ القرية وكجورها سلطان ود شريف. صبية
    عزيزة عند أهلها فرحة بحياة الرغد وباللقمة اللذيذة من الخالات والعمات. صبية ناهد وفرعاء مقبلة على حياة ناعمة ورائقة وسط
    أهلها ذوي العز وأصحاب الحكاوي المستلهمة من أجداد احتفظوا بحضور خرافي في حياة العشيرة تكاد لا تميز بينهم وبين آلهتهم
    التي يعبدون. اختطف هؤلاء النهاضة فركة وبقية الفتيات بفظاظة ووحشية واعتدوا على حارسهن الأمين إبن عم فركة المرافق لهم
    وربطوه وشعّبوه وأعملوا سياطهم الغليظة على ظهور البنات حتى أخرسهن العذاب. ثم هرب هؤلاء الغاصبون بفركة ورفيقاتها
    تحت قيادة الزاكي من أبناء البطانة وعوض الكريم الضبايني وقلة من الرباطاب والجعليين والشايقية يرافقهم من الحرس فتية
    من الغديات والفور. ولعلمهم بأن أهل كاسي لابد خارجون لاسترجاع بناتهم وفيهن فركة بنت سلطان ود شريف وتيّة ابن أخيه كان
    لا بد أن يبتعدوا سريعاً بصيدهم. وفعلاً خرج أهل فركة في طلابهم وتبعوا الآثار في دروب خطرة يتربص في وحشائها نهاضة
    وشذاذ آخرون وبأعداد لن يقوى أهل كاسي على مقارعتها فخافوا وعادوا خاسئين إلى جبلهم الحصين، إلى قريتهم كاسي يكسوهم
    ويكسوها حزن الفراق ومرارة العجز أمام العدوان.
    عادوا بهم ثقيل بإمرة سلطان ود شريف الذي طفق يستدعي أرواح الأجداد طوال الليل مستخدماً الماء في بخسة القرع البري وحين
    دخل عليه أهله طاف عليهم بنظرات كنظرات الميت وقال لهم: "تيّة والبنات جميعهن أحياء، غادروا هذا الصباح دلامي في طريقهم
    إلى كرتالا." ثم وجه حديثه لزوجه كادوقاي وقال لها : "فركة سترجع ولن ينتظرها منا إلاّ انت وستسقط أسنانك الأربعة السفلية
    وعندما تعود فركة سيكون لك في ذلك الحين ولد وبنتان" وحين انتبه أهله لبخسة القرع التي تحتوي على الماء أمامه عرفن جميعاً
    أن ما يقوله سلطان هو ليس إلاّ الحقيقة.
    تقلب الزاكي وعوض الكريم في دروب كثيرة وهم في خشية من اللصوص ولعلها ليست خشية عادية بالنظر لقيمة الصيد الذي لا بد
    سيجلب لهم ثمناً عالياً وبخاصة فركة التي طوّحت بالزاكي بين أحلام وشهوة. قيمة فركة العالية كسلعة يتبدى في الفظاعة التي تناول
    بها الزاكي أحد الحراس عند محاولته النيل من فركة حيث قطع الزاكي رأسه بوحشية فهي صبية وعذراء ولا بد أن تجلب له مالاً
    وفيراً وفي نفس الوقت كان الزاكي يطمع فيها لنفسه وعقله لا يني يرواح بين رنين المال و الشهوة المحضة فالفرخة الخماسية بحوالي
    مائة وخمسين دولار أبو مدفع والسداسية بحوالي المائتين والعبد بمائة .
    في ذات الوقت، في القرية كاسي كان عقل سلطان ود شريف يتقلب من غفوة لصحو يهجس بالحزن وفي كل صحو تتنزل عليه حكاية
    من حكايات الأجداد. حكى لهم ذات صحوٍ أن أحد الكجرة الأجداد حين دنا أجله تحوّل نصفه الأسفل إلى ثعبان يتلوى ويلمع بنور يعمي
    العيون لم يصبر على مرآه سوى ابنيه الصغيرين فأخذا منه الحكمة وعلمهم كيف ينزلان المطر وكيف يجمعان الناس عند الخطر وكيف
    يشكران الآلهة ويصونان نسليهما بالسبر والتمائم. وبعد حديثه انطوى ذلك الكجور في كهف مظلم. وحين انتبه الحضور لتوقف سلطان
    عن سرده انتبهوا أيضاً لكونهم يستمعون لجسد فارقته الروج.
    مضت قافلة العداة بعزم الطمع في المال تحفها أنات البنات المعذبات في قيد وأسر ومشقة وفي جوع وحر وعطش وفراق ممض للأهل
    والأمان والحماية يقودها الزاكي وعوض الكريم بمعرفتهما بالدروب. ساروا شمالاً بغرب النيل متجنبين الشلك ومن بعدهم الغِديات والفور
    في بطون الوديان قاصدين شندي التي عبروا لها بالمراكب من كبنجي وكانت فركة بتواتر مفردات القهر والإزلال على مسامعها من قبيل
    فرخة وخادم وعب وفرخ وتُجم وبَهم توقن في عذابها بأنها مأخوذة غدراً من أهلها ومن لغتها إلى عالم لغته القهر والمهانة.
    واصلت القافلة تحت مجادعات الدوبيت والمسدار بين الزاكي وعوض الكريم:
    الهمباتة نحن أصلنا معروفين
    بلا حق الرجال ما عندنا تعيين
    بنشيلو حمرة عين بي موت
    بي حياة لازم نرضي أم زين
    وفي شندي تم بيع البنات في سوق الثلاثاء. الزاكي في اشتهائه لفركة تمنى أن يمسك ثمنها بيد وقلبها وجسدها باليد الأخرى لكن شندي
    المدينة الانداية ببيوت الدعارة وفيها زريبة الزاكي التي تديرها له مستورة (سمحة النسوان) وتصخب فيها دلوكة باب الله وحلاقيم مرافقاته
    في الغناء كانت قمينة بأن تُنسي من يشتغل في خرت الرقيق ما يعكر صفوه إلى حين غزوة أخرى يستبيح بها بشراً آخرين ويقتلعهم من
    سماحة حياتهم الطبيعية ومن براءة معاشرتهم للحياة. تنتقل فركة لتكون من خدم المك الذي دفع فيها ثمناً باهظاً.
    وبدخولها ديار المك نتعرف على عوالم عجيبة من الترف القائم في أهم مفاصله على استغلال العبيد ونسمع بآذان فركة حكايات من النساء
    المطايا، اللاتي تم استلابهن بالكامل لحياة العبودية الكاملة والمستسلمة.
    وفي هذه الأثناء، في كاسي، يتوالي تحقق نبوءات سلطان ود رحال.
    الرواية مكتوبة بشهيق يهفو لأن يعقبه زفير، أو نصف نَفَس يودي بك لمقاربة جديدة للعادي والمألوف والموروث. فهي تبدأ بالدخول
    في موضوعها بلا تمحك وتطرح لك منذ الصفحات الأولى حمولتها من الإثارة وتُعْلمك باكراً بفظاعة الوقائع والمآلات بحيث ترى الدم
    والعرق وتشتم رائحة الأفواه القذرة والشهوات الرخيصة تتقاطع مع براءة أصيلة هي في نُسُك البساطة وأصداء البكارة وهي في ذات
    الوقت، الرواية، عودة إلى التاريخ الذي لم نمتحنه ولم نسبر أعماقه قبل أن نبتلع ما طفح منها من شاكلة نحن جند الله غيرها من الترديدات.
    هذا النوع من الابتلاع أو الازدراد في القاموس الراهن للشاعرة روزمين الصياد يتنكر لأي صلة بينه وبين عسر الهضم فيبقى عسر الهضم
    عصياً على الفهم ولا نود أو نستطيع أن نرى الأمر على وجهه!
    ومهما اختلف الناس مع رؤية المؤلف فإن أمر الاختلاف لن يعدو كونه اعادة التفاف حول أفكار تؤسس للتابو أو تعيد انتاج الازمة الثقافية
    بالإعراض عن أي توصيف جديد لها لا يخضع لضمير رقابي لم نُجمع على تنصيبه. فالرواية هي في مقام التوصيف الجديد للواقع ولتاريخنا
    القريب المهجوس بالتعرية. ولربما كان حرص المؤلف على مثل هذا التوصيف الجديد هو السبب وراء صياغات في سرده تبدو فيها صورته
    هو نفسه! ولا أرى في هذا غضاضة طالما أنه لا يكتب مجرد تداعيات بل يكتب بعضاً من مشروع متكامل للحياة حسب تصورات لا يمكن نفي
    قيمتها أو انكار وجودها ضمن منظومات الايدولوجيا في نسيج مجتمعنا السوداني بخاصة تلك التي برزت في لحظات تاريخية معينة ملّوحة
    بمشروعها من قبيل الاسهام ليس في فهم واقعنا بل في تغييره لصالح الانسان متجرداً من أطماع الحوزة وبطش الجشع. و لا أتصّور أن العبارات
    القليلة التي تشي بتدخل المؤلف وبسط رأيه تنال من عفاء السرد وصعوده السديد نحو اكتماله. وبنفس هذه الرؤية فان الأسفار الروحية العديدة التي قامت بها فركة لقريتها بل وما دار عند اقتراب الرواية من نهايتها يجيئ معززاً لبنية السرد طالما قام على تأكيد القبول بفعالية الطقوس كآلية تتوسل بها الأرواح
    لطلب العون من الأسلاف. وفي اعتقادي أن اعطاء الاسطورة نصيبها الوافر هو من الوسائل المتاحة للمؤلف في إظهار وعيه بوجود الآخَر الثقافي
    كجزء من مشروعه وفي تأكيد قوة جذور الانسان الذي يظن مستلبوه أنه لا ينتمي، مثلهم، لمنظومة قيم وموروثات ولا لتاريخ يرفد العشيرة بالمجد
    والشمم.
    بالرغم من هذا التصوّر المناصر لتلاحم الواقع الموضوعي مع الأسطوري، فإن الرواية لا تتغاضى عن التحولات التاريخية في موضوعيتها ولا تدعي
    تفسيراً لها فمصير فركة كغيرها من ضحايا الاستعلاء يكون دائماً في كف عفريت لا قبل لأحد به ولسنوات طوال وفي ظني أن طه جعفر يكتفي منك
    كقارئ بتأمل ما كان يحدث حقيقةّ للأفراد وما يشاع من أنه كان يحدث بما يرضي الله ورسوله من شاكلة الرفق بالأرقاء دون الحديث عن لماذا هم أرقاء
    في الأصل.
    والرواية نفسها تقع أحداثها قُبيل التفاقم الذي أحدثه الفتح التركي المصري ويفلح المؤلف في استضافة بدايات التحول في الواقع الموضوعي لسرده.
    إن رواية (فِركة) بما هي أول عمل روائي للمؤلف هي رواية جديرة بالقراءة، كتبها صاحبها بلغة جميلة وفي جمل قصار مبتكرات. ومن الواضح أن
    المؤلف توفر على مراجع عدة تعينه في وصف الأماكن والبيئات في نبضها الحي وظرفها التاريخي، في توهيط القارئ في واقع السرد وكذلك في وصف
    ما تماسك ورسخ من المجتمع المديني في نسيجه القيمي ودوره في رسم مآلات الأفراد. وحقيقة لم يحدث أن وقعتُ من قبل على توصيف لمدينة شندي
    أواخر القرن التاسع عشر كالذي حاكه طه جعفر. ولا أرى في صورة الواقع التي تكشفها لنا روايته، والتي ربما كانت أقوى نبضاً بالحياة من ما عليه
    شندي اليوم، لا أرى فيها ما يثير عليه غضب الجعليين هذا مع التذكير بأننا إزاء عمل روائي خيالي!
    تستدعي رواية (فركة) التداعي لاعداد فهرس كامل للروايات التي تتناول فكرة الاستعلاء والعنصرية وتجليات الهيمنة وفي المكتبة السودانية الآن العديد
    من الروايات القائمة على تناول هذه أو تلك من القضايا المشار إليها وبدرجات متفاوتة مثل رواية عاطف ع الله، مروان حامد الرشيد، الحسن البكري،
    أبكر آدم اسمعيل وآخرين(ربما منصور الصويم؟)
    إن اكثر ما تعلمنا الرواية هو أن الانسان البسيط الأقرب منا للطبيعة وللتراب تصلح حياته هو أيضاً عند فحصها في كشف قضايا انسان المدينة لأن
    قضايا الانسان متجذرة في ميول الانسان وفي نزوعه نحو مكوّنات رفاهيته هو وحده!
    انتهى
    مصطفى مدثر

    28/05/2013



    (عدل بواسطة mustafa mudathir on 05-29-2013, 03:41 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-29-2013, 12:37 PM

mustafa mudathir
<amustafa mudathir
تاريخ التسجيل: 10-11-2002
مجموع المشاركات: 3464

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: mustafa mudathir)


    سلام يا قراء
    آسف على انكسار الاسطر وأقوم باصلاحها الآن.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-29-2013, 05:57 PM

طه جعفر
<aطه جعفر
تاريخ التسجيل: 09-14-2009
مجموع المشاركات: 7139

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: mustafa mudathir)

    شكرا يا مصطفي


    طه جعفر
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-30-2013, 01:49 PM

mustafa mudathir
<amustafa mudathir
تاريخ التسجيل: 10-11-2002
مجموع المشاركات: 3464

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: طه جعفر)


    استدعى نشري لهذا المقال الذي كتبته من موقع الإعزاز
    والمؤازرة لمؤلف كتاب (فركة) ردود فعل غير متوقعة ا!
    أولاً الإعزاز للرجل من حيث تماسك أفكاره عن كيف نبني
    سوداناً ديمقراطياً نعيش فيه بسلام ونتطهر من خلال التبادل
    المحترم والتثاقف بندية. فهذه هي أفكار الكتاب، أن نفهم ما
    حدث ونربطه مع العنف الحاضر وكذلك الآتي.
    هذه الأفكار هي محور أحاديث مطوّلة نجريها كلما التقينا
    ونلتقي كثيراً. بيني وبينه حوالي 60 كيلومتر وعرفته هنا
    في كندا مكان اقامتي.
    ثانياً المؤازرة كونه أول عمل روائي للكاتب. لئن لم نشجع
    الكّتاب وبخاصة من ستكون كتاباتهم إما تفسيراً للحاضر
    أو تعييناً لعذابات سابقة لإنسان السودان وفك طلاسمها.
    للأسف أعقب نشر مقالي ردود فعل عجيبة من أشخاص
    في نفس موقعه من الحريات ومحو مظاهر الاستعلاء.
    تركوا موضوع الكتاب ليتحدثوا عن أن لغة المؤلف (كعبة)!
    أو الكتاب بايخ!
    تيار من هواء المشاعر السلبية الساخن!
    أحد المواقع سحب مقالي و(قطع) من رأسه حجة لسحبه!
    كل هذه المشاعر السالبة، كل هذه الكراهية؟
    ولا أقول إلاً ما قال النبي بوب مارلي فهو من قال:
    You try to accumulate
    but the world is full of hate




                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-30-2013, 02:57 PM

هشام آدم
<aهشام آدم
تاريخ التسجيل: 11-06-2005
مجموع المشاركات: 12249

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: mustafa mudathir)

    العزيز مصطفى مُدثر
    أشكرك على نشر هذه المقالة النقدية لرواية "فركة" لصديقنا العزيز طه جعفر، وهي رواية جميلة وتستحق القراءة وإلقاء الضوء النقدي والتحليلي عليها، ولقد تشرفتُ -من قبل- بكتابة ورقة نقدية عن هذه الرواية، واسمح لي أن أعيد نشرها في هذا البوست للفائدة.


    ---------------
    الأحد، 10 أبريل، 2011

    "فِـرْكَة" الرِّواية الممنوعة مِن النشر مِن قِبَل لجنة المُصنفات السُّودانية، هي روايةٌ للروائي السُّوداني طه جعفر الخليفة الحائزة على جائزة الطيّب صالح للإبداع الروائي في دورتها الثامنة 2009 – 2010 ومن المُفارقات الغريبة أن يتم مُصادرة روايةٍ حائزةٍ على جائزةٍ لها صيتها وسمعتها كجائزة الطيّب صالح، وربما لم تكن "فِـرْكَة" هي الأولى، فقد صادرت لجنة المُصنفات –من قبل- رواية "الجنقو – مسامير الأرض" للروائي السُّوداني عبد العزيز بركة ساكن، وهي الرواية الفائزة بنفس الجائزة مُناصفةً في دورتها السَّابعة 2008 - 2009 وهو ما يُسلّط الضوء على هذه القضية (قضية الرِّقابة على المُصنفاتِ الأدبية الحائزة على جوائزٍ ذات سمعةٍ وتقدير) ويجعلنا نطرح تساؤلاتٍ كثيرةٍ حول المعايير التي تستند إليها لجنة المُصنفات مما تغيب على لجنة الجائزة نفسها، وبالتالي تساؤلاتٌ حول أبعاد هذه الشقة في التقييم وموضوعيته من عدمها، وما يُمكن أن ينتج عن هذه الشقة من وضع لجان التقييم والتحكيم والتصنيف في المحك، طاعنةً في مصداقيتها وموضوعيتها من أساسه؛ إذ لا يُعقل أن تصادَر روايةٌ اجتازت معايير أدبيةٍ شديدة الصرامة والحيادية كالتي تضعها لجان تحكيم الجوائز ذات السُّمعة، إلَّا أن تكون هذه المعايير ليست بذات قيمةٍ تذكر لدى لجنة المُصنفات، وبالتالي الطعن في موضوعية لجنة المُصنفات ودورها ووظيفتها في المُجمل.

    على كُلٍ فهذه الرِّواية التي نحن بصدد التقديم لها، لهي رواية تعج بالتفاصيل المحلية السُّودانية الممهورة بسحر الكجور والأجواء السِّحرية الآسرة. وهي من الروايات التي تُؤكد على استشراء مدرسة الواقعية السَّحرية في الأدب السُّوداني والتي وضع لبنتها الأساسية بكل اقتدار الروائي الكولمبي العالمي "غبريال غارسيا ماركيز" (1972) في تناوله لواقع أمريكا اللاتينية، مُحدثاً بذلك نهجًا سرديًا جديدًا في فن الرِّواية، ثم تبعه على ذات النهج عدد كبير من أدباء أمريكا اللاتينية ثم بعض الأدباء الأوربيين من أصول أفريقية، ثم توغلت هذه التقنية إلى الرِّواية العربية بشكل عام. إلا أنني –في الوقت نفسه- أعتبر "فركة" رواية كلاسيكية بجدارة، فرغم استخدام الكاتب للأجواء السحرية، وتداخل الأزمنة داخل الرِّواية، إلا أن التكنيك الذي استخدمه في السرد تكنيك كلاسيكي يعمد إلى محاولة فصل مشهدين مكانيين (أو أكثر) والسير بهما بشكل متوازٍ في وتيرة زمانية واحدة، بحيث تقدم بعض المشاهد ما يحدث لفركة ورفيقاتها في الأسر، وتقدم مشاهد أخرى ما يحدث لأبيها وأمها في القرية، وعلى الرغم من اختلاف المشهدين مكانياً إلا أننا نجد رابطاً موحداً يجمع بينهما ألا وهو اختطاف فركة، وهي الوحدة الشعورية التي تجمع بين المشهدين، ويجعنا قادرين على تصوّر ما يحدث في كل مشهد مكاني على حدة، وربما يلجأ بعض الروائيين في الإيحاء بانفصال المشهدين المكانيين شعورياً، حتى يُفاجئنا أخيراً بروابط وعلاقات خفية بين شخصيات كل مشهد مكاني، ومن ثم دمج المشهدين في مشهد واحد متكامل. وهنا نقف على بعض الخوروقات في هذا التكنيك، وسوف نناقشها فيما سيأتي من هذه القراءة النقدية.

    التكنيك الذي استخدمه الكاتب في هذه الرِّواية هو الفصل بين المشهدين الروائيين مكانياً والربط بينهما موضوعياً، بحيث يُمكنه الانتقال –بين كل فترة وأخرى أو فصلٍ وآخر- بين المشهدين، دافعاً بأحداث المشهدين زمانياً إلى نقطة واحدة مشتركة؛ بأن ما يحدث في المشهد المكاني الأول يحدث (تزامناً) مع ما يحدث في المشهد المكاني الثاني، وهو أسلوب كلاسيكي، هجره عدد كبير من الكتاب الشباب، وانتقلوا إلى أبعاد سردية موغلة في التداخل والغموض، ولقد كانت لدى الكاتب هنا فرصة لاستغلال الغموض الذي تم تخليقه في النص بسبب الأجواء السحرية والكجور، لتخليق نمط فنتازيا يُساعده على كسر هذه الكلاسيكية، ولكنه لم يفعل وسوف نتطرق إلى ذلك لاحقاً.

    تدور أحداث رواية "فركة" في مدينتين: "كاسي" الواقعة على جبل التروج والتي تقطنها قبائل الكواليب، و"شندي" في الوسط العربي، وليس في إمكاننا أن نجزم بكون الفضائين المكانين للرواية فضائين جغرافيين بالضرورة بقدر ما يمثلان إشارات لفضاء ثقافي يتناول أحد الأمور التي تجاوز عنها التاريخ السُّوداني الحديث، وغض الطرف عنها إلا فيما خلا إشارات خجولة كانت الحاجة (وليس التوثيق) هي الداعية إليها. وهذه واحدة من النقاط المثيرة للجدل في فن الرِّواية؛ إذ أن الرِّواية كفن سردي هو واقع مجازي يستمد قوته من الواقع الفعلي، ولكن يختلف البعض في مدى قدرة الرِّواية أو إمكانية أن تكون الرِّواية مرآة حقيقية لنقل الواقع كما هو، وهم بذلك يخلطون بين فن الرِّواية وفن التاريخ أو السيرة الذاتية واللتان ترتبطان بالواقع الفعلي ارتباطاً كاملاً وغير منفصل. أما الرِّواية فهي لا تهتم بنقل الواقع (الحدث-الأحداث) وإنما بنقل تداعياتها وتتبع مآلاتها عبر خلق وقائع موازية للواقع الفعلي، وهذا ما يجعلنا نفرّق بين التاريخ كعمل مهني احترافي موضوعي، والرِّواية كعمل أدبي ذاتي إلى حد بعيد، أو على الأقل في جانب من جوانبه، وفي حين بالإمكان محاكمة المؤرخ عندما لا يتحرى الصدق والدقة في نقل التاريخ، فإنه لا يُمكننا محاكمة الروائي عندما لا يتحرى الأمانة في نقل الواقع، لأنه –في الحقيقة- لا ينقل الواقع من حيث هو سرد تاريخي، وإنما من حيث هو تأثير ثقافي وفلسفي يرمي بثقله في مخيلة الكاتب في المقام الأول، وعندها قد نتفق معه حول ذلك أو لا نتفق، هذا أمر آخر.

    تناولت الرِّواية قصة صيد الأرقاء الزنوج وبيعهم في أسواق الجلابة العرب من قبائل الرباطاب والجعل والشوايقة وبعض قبائل البطانة التي مارست عادة الاسترقاق لسنوات طويلة واشتهروا بها في حقبة زمانية محددة، هي حقبة السلطنة الزرقاء "الفونج". وذكرتنا قصة "فركة" قصة "كونتا كنتي" التي رواها الكاتب الأمريكي من أصول أفريقية (أليكس هايلي) (1921 - 1992) في روايته العبقرية "الجذور" والتي تناولت طرائق صيد العبيد وكيفية ترويضهم والتعامل معهم وإعدادهم ليصبحوا –فيما بعد- عبيداً "صالحين". لا أحاول القول بحدوث تناص أدبي ما، بين قصة كونتا كنتي وفركة، ولكن مما لاشك فيه أن أيّ نص روائي يتطرق إلى قضية الرق والرقيق لابد أن يتقاطع ويتشابه بطريقة أو بأخرى مع القصص الأخرى المشابهة، ففي غالب الأحوال تكون الأحداث هي نفسها، والعذابات التي يواجهها العبيد عند اصطيادهم وترويضهم والمعاملة السيئة التي يجدونها على أيادي أسيادهم هي نفسها، ولكن تختلف مآلات كل قصة وتفاصيلها الداخلية، ففي حين نجحت فركة في العودة إلى ديارها، بعد محاولة واحدة يتيمة وفاشلة للهرب كما جاء في الرِّواية [ص87] كانت العودة في "الجذور" ليست سوى حلم راود بطلها "كونتا كنتي" بعد أن أظنته المحاولات العديدة والجادة للهرب، والتي كان من جرائها أن بترت قدمه، ثم نسي فكرة الهروب واقتنع بواقعه الجديد حتى تزوّج وأنجب ونجح أحفاده –فيما بعد- في نيل حريتهم أخيراً دون أن يفكروا في العودة إلى ديار أسلافهم مُجدداً.

    وإن نحن نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، فإننا نجد أن "فركة" رواية انهزامية، أو في أفضل حالاتها رواية تعبّر عن مفهوم الثورية السلبية، ففيها الكثير من الركون إلى الحلول الميتافيزيقية والسحرية والتي تسلب الإرادة الحربة، ففركة لم يصدر عنها خلال سنوات اختطافها أيّ سلوك ثوري يرمي إلى تغيير واقعها في الأسر؛ بل نجدها في الرِّواية مستجيبة لعمليات التجميل وتعلّم الخدمة والذهاب إلى السوق، على أن الأمر لا يخلو من لمحات سريعة وغير واثقة تجدد في بعض الأحيان، فنراها حاولة الهرب مرة واحدة، كما أنها رفضت الانصياع لسيّدها حسان ود المك ولم تستسلم لرغباته الرعناء، كما أنها رفضت الاستسلام لسيّدها المك نفسه، وهو ما سوف نأتي على ذكره باستفاضة، ولكنها في المجمل الأعم كانت لا تحاول مقاومة الواقع نفسه، وإنما كانت تحاول فرض سياج يجعلها سريعة التأقلم على الواقع بالطريقة التي تراها مناسبة وأخلاقية، وهو ما يجعلنا نسمّي ما كانت تقوم فركة بالثورة السلبية، فلم تشهد الرِّواية أية مشاهد صدامية من الممكن توقعها في قصة كهذه، ففركة في الحقيقة لم تلجأ إلى إحداث التغيير في واقعها، بل ظلت محافظة على فعل المقاومة، دون أن تكون لهذه المقاومة أية مآلات أخرى غير المقاومة نفسها، لتكون –بذلك- المقاومة السلبية نسقاً ثورياً بحد ذاتها، ثم إن اعتمادها على الكجور والحلول الميتافيزيقية يُعزز هذه السلبية بصرف النظر عن مدى وثوقيتها في هذا الكجور واعتباره كمُعتقد مُقدس لا يُمكن المساس به.

    ومن ناحية أخرى فرواية "الجذور" تتناول عمليات تشويه عرقية متمثلة في خلق نسل هجين وأخلاط تمت عبر وطأ الأسياد البيض للإماء السوداوات والإنجاب منهن، وكيف أن هؤلاء المواليد الجدد ينخرطون في تلك الديار ولا يرون لهم دياراً أخرى غيرها، بل إن كثيرين منهم لم يكونوا يعترفون بأصولهم الأفريقية، فكانوا لا يعرفون شيئاً عن أفريقيا غير أنها بلد أجدادهم فقط، وهي بذلك تتناول عمليات الرق العابرة للقارات والتي كانت تتم بين أفريقيا وأوربا أو أمريكا، بينما تتناول فركة عوالم الرق الداخلي، واستعلاء الجنس العربي على الجنس الزنجي في بلد واحد، ولهذا فإن هؤلاء الأرقاء كانت لديهم معضلات أكبر من تلك التي كانت لدى الأغيار، فالرق هنا ليس مُبرراً باللون والسحنة فقط بل وباللغة أيضاً، فهو رق ثقافي أكثر منه رقاً تجارياً أو عرقياً حتى؛ إذ أشارت الرِّواية إلى رق غير عرقي كما في قوله: "الحمّالون والمراكبية خليط من الأرقاء والعرب، جميعهم يتكلمون بلسان واحد ولهجة واحدة، إذ آخى بينهم العمل. الأرقاء ينحدرون من أصول مختلفة، وكذلك الأحرار"[الرِّواية: ص55]

    وربما كان ذلك سبب منع رقابة المصنفات من نشر رواية "فركة" داخل السُّودان؛ فهي تشير إلى هذا الجانب إضافة إلى تسليطها الضوء على جانب معتم من تاريخ الدولة السُّودانية في العهود الإسلامية التي من المفترض أنها جاءت لتعلي شأن الإنسان ومساواة العربي بالآخر حتى وإن تكلّم العربية، وهذا ما ألمح إليه الكاتب في عدد من المواطن، منها على سبيل المثال: "اللغة التي علّمها إياها أبوها، كانت كلاماً عن الدين والجنة والنار، وكلاماً عن أناس مثل النبي الكريم وزوجاته وأصحابه، وكلاماً عن الصلاة والصوم ومكارم الأخلاق. فركة زاوجت بين نوعين من كلام العرب؛ كلام العرب الذي علّمها إياه أبوها، وكلام النهاضة الذين يقتلون ويخطفون ويُقيدون ويعذبون ويصلون على موتاهم ويلقون بابن عمها المقتول في التراب لتأكله السباع وهوام الأرض"[الرِّواية: ص42-43] وهنالك إشارات كثيرة في الرِّواية لمثل هذه المقابلات التي تؤدي إلى نفس المعنى تقريباً. وإن نحن وضعنا الروايتين: "فركة" و "الجنقو" الممنوعتين من النشر من قبل لجنة المصنفات، لمحاولة تخمين أسباب المصادرة من التشابهات الموجودة بين الروايتين، نجد أن كلتا الروايتين تناولاتا المسكوت عنه في التاريخ السُّوداني، وأنهما سلطتا الأضواء على طبقة المهمشين والأغيار في الثقافة السُّودانية، ففي حين تناولت "الجنقو" حياة عمّال الحصاد المهمشين ومآسيهم، تناولت "فركة" حياة العبيد والأرقاء ومعاناتهم مع الرق والاستعباد. كذلك فإننا نجد أن كلتا الروايتين تعاملتا مع الثقافة السُّودانية وأنزلتاها كما هي دون محاولات التجميل والتحايل، لاسيما فيما يأتي على لسان الشخصيات الروائية من كلمات يتم تداولها في الذاكرة السرية لرجل الشارع البسيط مثل كلمة "############" وغيرها، مما قد تراه لجنة المصنفات على أنه كلام خادش للحياء العام. وكذلك فإن كلتا الروايتين تقدمان نماذج مغايرة لتلك النماذج الافتراضية لدولة المشروع الحضاري، ولاشك أن أيّ محاولة لتشويه هذا النموذج أو الطعن فيه سوف يمس –مباشرة- بسياسات الدولة العليا، وفي هذا الحال فإن دور لجنة المصنفات لا يخرج عن كونه دوراً سياسياً أكثر منه أدبياً أو ثقافياً.

    جاءت الرِّواية في 154 صفحة من القطع المتوسط، وهي بذلك تدخل ضمن فئة الروايات القصيرة، وهو ما يغلب على الروايات المعاصرة، حيث بدأت الروايات الطويلة بالاختفاء شيئاً فشيئاً، ولم يعد بمقدورنا قراءة رواية من 500 صفحة أو أكثر كما في بعض الروايات الطويلة في يوم واحد أو جلسة واحدة، كما فعلت بنا رواية "فركة" وبعض الروايات القصيرة الأخرى. الأمر الذي يجعلنا نقول -بشيء من التحفظ- إن الرِّواية العربية استفادت من الإيقاع المتسارع للعصر الذي نعيشه، وهو عصر يفرض علينا هذا الإيقاع السريع، ويفرض هذا الإيقاع سطوته على كل ما حولنا، بما في ذلك الآداب والفنون بكافة أشكالها وأنواعها.

    جاءت رواية "فركة" مليئة بالتفاصيل الموغلة في المحلية، وهو ما يكشف لنا تمتع الروائي بحصيلة معرفية وافرة وواعية من ثقافة الأجواء التي تناولها في روايته، وهي ثقافة الوسط المركزي: ثقافة أهل البطان والقبائل المستعربة، المتحدثة بلسان عربي وبعضها الذي يعتقد أن له جذوراً راسخة في الثقافة العربية، أو أن لهم أسلافاً قادمين من الجزيرة العربية. وللوهلة الأولى قد يُخيّل للقارئ عند قراءة اسم الرِّواية أن كلمة "فركة" في الرِّواية هي المُرادف اللغوي للقرمصيص السُّوداني المعروف والمُستخدم في المناسبات الخاصة كالزواج والختان، كما قد خطر لي شخصياً، ولكن "فركة" في الحقيقة ما هي إلا شخصية روائية ربما أخذت اسمها من الأيقونة الثقافية المعروفة، وهو أمر شائع عند بعض القبائل السُّودانية التي تستخدم بعض الكلمات المعروفة كأسماء مثل: "نفرين" و "قرشين" وغيرهما من الأسماء ذات الدلالات المادية الأخرى، وغير المادية مثل: "اشتراكية" و "تعبان" وغيرهما.

    شخصيات الرِّواية:
    تزخر الرِّواية بالأحداث والتفاصيل والشخصيات، ولكن الملاحظ أن قلة من الشخصيات الروائية في هذه الرِّواية هي من يُمكن اعتبارها شخصيات محورية، على الرغم من التعمّق في ذكر بعض الشخصيات التي لا يُمكن عدّها من الشخصيات المحورية، فشخصية مثل شخصية سلطان ود شريف ود رحال (والد فركة) لا يُمكن اعتبارها شخصية محورية، ورغم ذلك فإننا نجد الكاتب قد استفاض في الحديث عنه وعن تاريخه، وكذلك عدد لا بأس بهم من الشخصيات الأخرى التي تناولها الكاتب بالشرح والإيضاح، رغم أنها لم يكن لها تأثيرات واضحة على مجريات الأحداث داخل الرِّواية، فنراه يسهب في توصيف "كادوقاي – والدة فركة" فيقول: "كادوقاي فاتنة وجميلة رغم امتلاء جسدها فهي طويلة أصاب صدرها قليل من الترهل، فسالت الأثداء على صدرها كقطرات الماء على الزجاج، حول فمها تنبت نونات جميلة عندما تبتسم. ابتسامتها تفرح الحاضرين، امتلاء جسدها جميل يجعل جسمها القوي يتربرب بغنج ودلال"[الرِّواية: ص5] رغم أن شخصية كادوقاي لم تكن من الشخصيات الأساسية في الرِّواية، هذا إن لم نصنفها على أنها من الشخصيات السلبية في الرِّواية، مستندين في حكمنا هذا على ما جاء على لسان الراوي نفسه: "وهناك في كاسي كادوقاي ربطت على يدها اليمنى عصابة من الدمور، وأعلنت الصوم عن الطعام (...) كادوقاي لم تسمع كلام أحد"[الرِّواية: ص21] ولها مشاهد تتضح فيها سلبيتها بأشكال أكثر وضوحاً. وحسب قراءتي الشخصية للرواية فإن الشخصيات المحورية في الرِّواية كانت "فركة" وحدها لا غير، وأن بقية الشخصيات الأخرى كانت شخصيات هامشية، إلا إذا استثنينا شخصية: الزاكي وعوض الكريم (النخاسين) على اعتبار أن وجودهما في الرِّواية كان مؤثراً في إحداث عقدة الحكي والأحداث ورفع وتيرتهما، وهنالك شخصيات كان لها تأثير نفسي جوهري للغاية كشخصية "ست فضيل" التي احتضنت "فركة" وتولت تعليمها الخدمة وتزيينها وإعدادها لسيّدها المك.

    ومما يُمكن ملاحظته في هذه الرِّواية: فقر التوصيفات الجسمانية لبعض الشخصيات الأساسية في الرِّواية، بحيث يصعب على القارئ وضع تصوّرات ذهنية كاملة لهذه الشخصيات رغم تأثيرها الكبير داخل الرِّواية وفي مجريات الأحداث، فشخصية مثل شخصية الزاكي وعوض الكريم باعتبارهما شخصيات محورية، من حيث أنهما النخاسة اللذان تمكنا من صيد فركة وبعض العبيد، لم يفرد الكاتب لهما توصيفاً جسمانياً يُمكن الاعتماد عليه في رسم تصوّر خيالي لهما، وكذلك شخصية المك الذي قام بشراء فركة، وكان من المتوقع أن يُسهب الكاتب في سرد تفاصيل وصفية وافية عن المك، وبالتالي تم تهميش دور هذه الشخصية التي كان يُتوقع منها الكثير، لكننا وجدناه يُسهب في الحديث عن زوجاته (زوجات المك) واللواتي لم يكنّ شخصيات ذات تأثير ملحوظ وفاعل في الرِّواية، كما نجد في قوله: "أهل ستنا (زوجة المك الكبرى) من العبدلاب في قرّي"[الرِّواية: ص77] وكذلك في قوله: "ستنا؛ زوجة المك، من بنات الشيخ عجيب المانجلك، وهي امرأة غارقة في العز وريّانة"[الرِّواية: ص104] وكذلك في قوله: "ستنا؛ زوجة المك الأولى، امرأة هادئة، وجمالها عريق، أنجبت للمك بناته: زنوبة ونورا وابنه حسان"[الرِّواية: ص107] كذلك وصفه لستنا في قوله: "في جولاتها هذه عادة ما تلبس جلباباً مصنوعاً من القطن يتدلى حتى منتصف الساقين (...) شعر رأسها ممشط في حوالي الاثنتي عشرة ضفيرة غزيرة تنشر على عنقها لتغطي حتى منتصف الظهر، على صدرها ينبسط عقد الشبيكي المنظوم على أسلاك ذهبية (...) على ساعديها سواران من ذهب مزيّن بفاروزات العقيق الأحمر التي تلمع بدلال على ساعديها المملتلئين بالعز والنعومة، على ساقيها حجول ذهبية مزينة بنقوش متنوعة، عادة ما تنتعل كركباً أبنوسياً رقيقاً أو حذاءً جلدياً بسيور متخالفة (...) كان وجهها مدوّراً وممتلئاً وجميلاً، وفمها واسع على نحو ما، وشفتاها حمراوان وممتلئتان، وأسنانها بيضاء، وفي عيونها جمال مًدخر منذ آماد بعيدة، تضع ستنا فوق أنفها نمشة صغيرة من الكحل بأربعة أركان، ونمشة طويلة على منتصف الأنف، وثالثة على منتصف الذقن. النمشات السوداء وهدوء الشفاه، وضمور الخصر، وانشطاف البطن، تجعل من الصعب على أي إنسان تقدير عمرها، ويحس الجميع إن شبابها دائم"[الرِّواية: ص108-109]

    الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن سر الاهتمام بتوصيف الشخصيات غير المحورية وترك الشخصيات المحورية تبدو كأشباح وخيالات أو أطياف (على حد تعبير القاصة رانيا مأمون) وما سر هذا الزهد في الوصف الجسماني، حتى على مستوى الشخصية المحورية نفسها (فركة) فالوصف الذي جاء عن فركة كان –دائماً- في معرض التغزل بجمالها الأنثوي لإبانة ما تحمله من إغراء وفتنة، وهو ما يُمكن أخذه على الكاتب حيث لم يتمكن من التخلّص من ثقافة الجلابة حتى في معرض نقدهم تاريخياً، وهو في وصفه لفركة (حتى على لسانها) إنما يُركز على النواحي الجنسية لديها: أفخاذها، عجيزتها، صدرها، حلمتي صدرها ... إلخ. وهو ما يجعلنا لا ننظر إلى فركة كإنسان يجب أن ننتبه إلى معاناتها، بل كأنثى مثيرة لا يحفز النظر إليها إلا فعل الاشتهاء حتى ولو كان الناظر إليها أنثى أخرى، كما في قوله على لسان حال إحدى زوجات المك: "علمت ستنا إنها أمام شابة قوية الشكيمة ومكمّلة بجمال جسدها وعز أهلها"[الرِّواية: ص106] وكذلك في قوله: "فخطت (أي فركة) خطوتين مقتربة من قدمي ستنا التي لم تقل شيئاً وظلت تنظر إلى فركة بدهشة وإعجاب، وتتأمل اكتمال أنوثتها وشبابها، لدرجة أنها عندما طافت بنظراتها على أثداء فركة النافرة، قالت بسهوم: "ما شاء الله". الخجل والارتباك جعلا الدوائر داكنة اللون حول حلمتي نهدي فركة تتكرمشان برفض. أمرتها بالوقوف، فوقفت فركة، ستنا لم تقل شيئاً غير: "ما شاء الله، الله يحفظك يا بتي" ...."[الرِّواية: ص106-107] وكذلك في قوله: "فركة لم يكن يُزينها شيء غير جمال أكيد ورثته من أمها كادوقاي، وعز عزيز وشمم أخذته عن أبيها، ولا يستر جسمها غير سيور الرحط. نفور ثدييها المتأهبين للقفز عن صدرها، استواء بطنها، وحسن خصرها المُضمّر المجنون، نعومة فخذييها، وامتلاء ساقيها بدلال وتيه"[الرِّواية: ص90] وربما يلحظ القارئ النفس العروبي في هذا التوصيف، إذ أن تلك هي مواصفات الجمال العربية، وبهذا فقد فضح الكاتب خلفيته الثقافية ولم يستطع التحايل عليها أو التخلص منها، وهو ما ساهم في إفقاده الكثير من المصداقية لدى القارئ.

    وللإنصاف فإن القارئ ربما يلاحظ مما سبق أن الكاتب لديه ملكة مُدهشة في الوصف الحسي المكاني، والذي يجعل القارئ يشعر بإلفة من نوع شديد الخصوصية مع المكان، فهو يستغرق في وصف المكان حتى أن القارئ لا يكاد يجد صعوبة في تخيّل المكان وتصوّره وكأنه ماثل أمامه، ولن أعطي أمثلة على ذلك لأن الرِّواية في أغلبها زخرت بهذا النوع من الوصف التفصيلي، ولكن فقط نشير إلى وصف الرِّواية لبيت "ستنا" زوجة المك الأولى [ص77-79] وغرفتها الخاصة[ص104-105]، وكذلك وصفه لقرية كاسي وبيوتها. [ص6-7]

    من الشخصيات الروائية التي كان لها أثر عميق في نفس القارئ، ولم يكن لها تأثيرها الفاعل في قلب مجريات أحداثها: شخصية "تيّة ود موسى ود شريف ود رحّال" ابن عمّ "فركة" هذا الشاب الفتي الذي أُلقي القبض عليه ضمن مجموعة الفتيات المختطفات، وكان من الواجب عليه حمايتهن، ولمّا لم ينجح في ذلك لكثرة الجلابة وسلطة عتادهم، أقدم على قتل نفسه بشنقها حتى الموت. كانت تلك اللحظة العابرة من تاريخ الرِّواية لحظةً شديدة العمق والتأثير، وربما لم يُغفل الكاتب توصيف هذا الشاب –ولو على حياء- إكراماً لهذه اللحظة بعينها، ورغم ذلك فإنه لم يلجأ إلى إعطائنا توصيفاً جسمانياً كاملاً لهذا الشاب، وإنما توصيفاً مادياً أو ثقافياً كما فعل بكثير من الشخصيات الذين يستغرق في توصيف أرديتهم وزينتهم، دون أن يلج إلى توصيفهم الجسماني؛ فنجده يذكره في قوله: "وقف سلطان ود شريف يُرحب بالجلابة، لم يكن مع سلطان غير ابن أخيه "تيّة"، كان ابن أخ سلطان ود شريف برداء قصير وصدر عارٍ إلا من عقد من أسنان الأسد"[الرِّواية: ص10] وجاء ذكر لحظات موت تيّة (هذا الفتى الشجاع) في بضع أسطر، حيث نقرأ: "هناك، مع الزاكي وعوض الكريم، تيّة كان مربوط القدمين بوثاق من حبل السّلم، ويده اليسرى مثبتة على ظهره بحبلٍ آخر شديد الألم على جسده الذي مزقته الجروح. في غفلة من النهاضة أمسك تيّة بطرف الحبل وربطه ولفه على عنقه كأنشوطة، وظل يسحب طرفها إلى أن انسكرت عنقه ومات."[الرِّواية: ص27] إن قرار الانتحار بالنسبة إلى تيّة كان المرادف الطبيعي للحياة مع الاحتفاظ بأنفة النفس وكرامتها، إذ لا سبيل له إلا الموت إن لم يكن قادراً على حماية فتيات القبيلة، كما أن الموت بالنسبة إليه كان قراراً شجاعاً في مواجهة الرق والعبودية للأغيار.

    إن قرار موت تيّة كان من أجمل وأعمق اللقطات الدرامية التي توقفتُ عندها في الرِّواية، وسبقت ذلك ما لقيه تيّة على يدي الحُراس من ذلة ومهانة وربطه من يديه وجرّه وراء الفرس، مما يُعزز لديه رغبة الموت على الحياة المُذلة والمُهينة، ورغم صغر سنّ هذا الفتى إلا أن الكاتب نجح –ببراعة- خفية أن يوحي لنا بأنه كان أكبر من عمره بكثير تصرفاً وسلوكاً وجسارة، فرغم أنه أصر في أكثر من موضع على تبيان صغر سنّه كما في قوله: "وتيّة صغير لم يُكمل أسبار حياته ولم يتزوّج"[الرِّواية: ص28] إلا أنه يُشير إلى عكس ذلك في قوله: "غادرت القافلة لتترك تيّة هكذا في العراء، بلا قبر يليق برجل عمّهُ سيّد العشيرة"[الرواية: ص28] فهو رجلٌ إذاً بمواقفه وسلوكه وشجاعته وجسارته، وهو ما حاول الكاتب الإشارة إليه بطريقة خفية، لامساً بيد النقد اللاذع معاييرنا المعروفة والمألوفة عن الرجولة، ليقول لنا: "الرجولة شيء آخر لا يتعلق بالجنس ولا بالعمر؛ فقد يكون الطفل رجلاً، بل وتكون الأنثى رجلاً بلا أدنى ريبة" وعلى أية حال، فإن افتراض كلمة "رجل" كتوصيف لما هو خيّر أو أفضل لهو نابع من ثقافتنا الذكورية التي نتمرغ فيها بكل حبور!

    الحبكة السردية:
    "فركة" هي فركة ابنة سلطان ود شريف ود رحال، وأمها كادوقاي من زعماء قبيلة الكواليب وأشرافها، كانت في الثالثة عشر من عمرها عندما بدأت قصتها مع الرق، تدور أحداث الرواية حول جماعة من النخاسة (النهاضة) القادمين إلى منطقة كاسي على جبال التروج، تحت غطاء تجارة التوابل والأقمشة، استطاع هؤلاء النخاسة بالمكر والحيلة صيد عدد من العبيد (مجموعة من الفتيات بالإضافة إلى فتى يُقال له "تيّة" هو ابن عمّ فركة) والسفر بهم إلى شندي لبيعهم هناك. ثم تسترسل الرواية في ذكر مشقة السفر وتداعياته من دلامي وجبل الداير وعبر صحراء باجة أم لماع، وما لقيه العبيد والنخاسة على حد سواء خلال هذه الرحلة من مشقة قام بتصويرها بفنية عالية ودقة مدهشة تجعلنا نعايش هذه الرحلة بأدق تفاصيلها وأن نستشعر المعاناة التي مروا بها. يستقر الأمر بالنخاسة في رواكيب سوق شندي عابرين مًشرع كبوشية حيث يتم بيع فركة إلى المك، ثم تسترسل الرواية في ذكر ما لقيته فركة على يد حسان (ابن المك) ومن زوجاته الثلاث، ثم تنتهي الرواية بعودة فركة إلى قريتها بمساعدة سحرية من "أبو لمبة" الذي ينقلها جواً إلى ########ة العائلة حيث يرقد جثمان والدها سلطان ود شريف ود رحال (الذي توفي بعد خطفها بسبع وعشرين ليلة) ومتعلقاته من أدوات كجور والفأس والعصا والسوط وبخسات القرع وفروة من جلد الجاموس. لتتحقق بذلك نبوءته التي تنبأها لزوجته "كادوقاي" أم فركة: "فركة سترجع، ولن ينتظرها منا إلا أنت، وستسقط أسنانك الأربع السفلية، وعندما تعود فركة سيكون لك في ذلك الحين ولد وبنتان."[الرواية: ص18-19]

    استخدم الكاتب في سرد الرواية تقنية الراوي العليم (Second Person) وهي تقنية مستخدمة بكثرة، ويحبذ كثير من الكُتاب استخدام هذه التقنية لأنها توفر مناخاً سردياً غنياً ومساحة كبيرة للخيال والاقتحام غير المُخل لبعض التفاصيل النفسية والشعورية للشخصيات الروائية، دون أن يكون بإمكاننا الاعتراض على ذلك في كثير من الحالات، وربما كانت واحدة من صعوبات هذا النوع من السرد: إهمال العنصر المتعلق بالقارئ، واجتهاده الشخصي، والتغول على مساحات خياله الخاصة، بحيث يُقدم الكاتب –دون أن يدري- مفاتيح الحلول والأفكار والأحكام القيمية والتفاصيل للقارئ، فيجعل من القارئ عنصراً غير فاعل في عملية القراءة الإبداعية، على الرغم من أن واحدة من مميزات الرواية الحديثة أنها تجعل من القارئ عنصراً مشاركاً وفاعلاً في خلق الأفكار والأحداث داخل الرواية، بل وتتيح له حرية إطلاق الأحكام القيمية على شخوص الرواية كيفما شاء، بحيث تتيح له مساحة هامشية واسعة يُعمل فيها خياله، ويكون لهذا الخيال أثره البالغ في تحديد مسارات الرواية ومآلاتها الختامية، وبالتالي وضع تصوّرات نهائية للعمل الروائي من حيث جودته أو عدمه.

    قدم لنا الكاتب عملاً روائياً مُدهشاً في تفاصيله وأحداثه وشخصياته، ولكنه –على الرغم من الاحتفاء بهذه التفاصيل- إلا أنه تسرّع في وضع خاتمة للرواية بطريقة صادمة ومُحبطة، أو على الأقل لم تكن مرضية للقارئ الذي كان يتوقع الكثير من التفاصيل والأحداث، ففي سردية الكاتب حول مصير فركة في بيت المك جاء الانعطاف المفاجئ نحو النهاية غير المتوقعة اعتباراً من الصفحة (149) والتي حملت فقرة لم تكن متوقعة على الإطلاق، حيث يقول الراوي: "لم تصل فركة إلى منزل ست فضيل المضاف إلى بيت المك الكبير حيث تعيش ستنا، كبرى زوجات المك، عندما غادرت فركة مجلسها أمام المك لتنادي خرت الفارس التي مزقتها المخاوف، هتف من خلف الحائط هاتف بين أنوار مبهرة، قائلاً:
    جيتك من بعيد يا بت الجبال العاتية
    جيتك مرسال نادهاتي ليك الخاوية
    من جبلك تفوت ساعات المذلة الخاتية
    بسيف الترك الحدر رقاباً عاتية

    هكذا ناداها (أبو لمبة) بأنواره التي تخادع من لا تحميه الأسبار، ولا تنظم حياته طقوس الكجرة. فركة ستسافر بها عطورها، نعومتها، هناء زينتها البراقة في أنوار (أبو لمبة) التي تخلب الأبصار وتطشش العقول الراجفة"[الرواية: ص149-150]

    ودون أن نتساءل عن الكيفية التي تعرّفت به فركة على أبو لمبة، حيث أنه كان يهتف إليها من وراء حائط، مما يجعل الرؤية مستحيلة ومتعذرة حتى مع عبارة مثل "هكذا ناداها أبو لمبة بأنواره ...."، فإن هذه الخدعة السحرية التي أوجدها الكاتب (إن لم نقل أُضطر إليها) كحل لعقدة الرواية لم تكن موفقة على الإطلاق، لاسيما وأن هذه الخدعة كان بالإمكان أن تحصل منذ وقت طويل من زمن وأحداث الرواية؛ طالما أنها لا تخضع لمقياس منطقي وزماني، وطالما أننا لم ننس أن أبو لمبة لم يأت إلا بفعل كجور أقامه والد فركة "سلطان ود شريف" منذ الأيام الأولى لغيابها، ثم تبعه كجور أخيه موسى ود شريف ود رحّال مُباشرةً، فكان من الممكن أن يتسارع إيقاع الكجور السحري أسرع من ذلك بدلاً من الانتظار لسنوات حتى حدوثه، تماماً كما حدث مع روح تيّة (ابن عمها الفتي) التي تحوّلت إلى ثعبان انتقم لموته بلدغ حارسين وحصان. فما الذي أخر أبو لمبة طوال هذه المدة، حتى مات والدها، وتزوّجت أمها بآخر وأنجبت منه ثلاثة أطفال!

    وفي هذا الصدد فإنه يجدر بنا تناول ثيمة أساسية في الرواية، متعلقة بالحبكة، فهنالك تداخلات زمنية مُربكة ومُعقدة متعلقة باختطاف فركة وغيابها عن القرية، ففي موطنٍ ما من الرواية نقرأ: "استمر عذاب كادوقاي سنيناً، وكذلك عذاب كاسي بعد هجمة الجلابة الأخيرة"[الرواية: ص26] وفي الصفحة المقابلة مباشرة نقرأ: "هناك؛ مع الزاكي وعوض الكريم، تيّة كان مربوط القدمين بوثاق من حبل السّلم ...."[الرواية: ص27] أي أنه في وقت السرد الحكائي في الجملة الثانية لم يكن تيّة (ابن عم فركة) قد توفي بعد، ورغم ذلك توحي الجملة الأولى باستمرار العذاب لسنوات، هي في الحقيقة ليست سنوات السرد ولكن سنوات واقعية، وكأن الراوي قفز خارج ذهنه، وخارج متن السرد، ليُدلي بشهادة تقييمية سابقة على سياق السرد فيقول بأن عذاب قرية كاسي امتد سنوات من بعد هجمة الجلابة التي اختطفت فيها فركة، ولكن دون أن نعلم ما إذا كان هذا العذاب استمر في كاسي حتى بعد عودة فركة أم لا، لأنه من الواضح أن فركة عادت فعلاً إلى قريتها وأهلها بعد سنوات من اختطافها.

    كذلك إذا حاولنا معرفة المدة الزمنية التي استغرقتها الرحلة من جبل التروج إلى رواكيب شندي فإننا سوف نقف على رأيين: 14 و 15 يوماً، فنقرأ مثلاً: "تسعة أيام منذ أن بارحت القافلة السهول الخضراء في أنحاء جبل الداير، سافروا متسللين ....."[الرواية: ص34] وكذلك: "فركة حسبت المدة، وأحست بطول زمان السفر، هي الأطول في حياتها بهذا النوع من العذاب، تسع شموس أشرقت عليها وظلام الطريق مازال حالكاً...."[الرواية: ص35] فتلك تسعة أيام إذن، ثم نقرأ على لسان إحدى شخصيات الرواية: "ويجب على كل منكم الاقتصاد في شرب الماء، لأنها ستكون خمسة أيام من العطش وعدم الماء" وبإضافة الأيام الخمس إلى الأيام التسع، فإننا سوف نكتشف أن الرحلة استغرقت 14 يوماً من كاسي إلى شندي، ولكننا نجد للراوي رأياً آخر، ففي موطن آخر نقرأ: "تستطيع فركة أن تقول (...) وأن تقول: المسافة بيني وكاسي سفر الألم لا في المكان؛ ألم يستمر خمسة عشر يوماً، خمسة آلاماً منها في باجة أم لمّاع"[الرواية: ص42] ثم يعود ليؤكد أنها أربعة عشر يوماً في موطن آخر، فنقرأ: "... جلب إلى الأذهان ذكريات كل الأهوال التي حدثت منذ أربعة عشر بوماً..."[الرواية: ص44] هذا الأمر مُربك قليلاً، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار ما ذكره الراوي في موطن آخر عن المسافة التي تفصل قافلة العبيد عن سوق شندي عندما قال: "فالمسافة بينهم وسوق شندي أقل من يوم"[الرواية: ص48] وكان ذلك –بالتأكيد بعد أن قطعت القافلة مسافة طويلة من قرية كاسي؛ فهنالك يوم مفقود في الحبكة أو هي في أفضل الأحوال بضع ساعات.
    ثم إننا –كقراء- لم نفهم ما إذا كانت فركة نجحت فعلاً في التعوّد على الأسر والاسترقاق أم أنها كانت طوال سنوات بقائها في بيت المك منفصلة عن واقعها المكاني ومرتبطة بواقع حالم تركته في كاسي حيث أهلها وعشيرتها، لاسيما أننا نقرأ تلميحاً وتصريحاً بالأمرين معاً، فمرة نرى فركة مستسلمة للتبرج والزينة التي كان الغرض منها تجميلها في عيون الباعة والأسياد، كما في قوله: "شرعت ست فضيل بعد ذلك في إجراءات الدلكة والدخان المتناوبة ونتف الشعر وتزيين شعر الرأس"[الرواية: ص86] ومرة نراها في انفصال تام عمّا يجري حولها، ومسافرة بخيالها ووعيها إلى قريتها كاسي، كما نقرأ في قوله: "بعد سبعة أيام من دخولها إلى هذا المكان، صحت فركة من نوم عميق بعد إفطار دسم مع ست فضيل، استيقظت والدمع يملأ وجهها، ولم يكن أمامها في المكان غير عمّتيها وأمها وزوجتي أبيها، كنّ حول فراشها يبكين ويولولن ..."[الرواية: ص86] وربما يغلب طبع التمرّد العنيف على الأرقاء، لاسيما في الأيام الأولى للاسترقاق، ولكننا نجد أن فركة تساهلت كثيراً مع عمليات تنظيفها وتجميلها ومسح جسدها بالدهن والزيوت العطرية التي كان من شأنها منحها امتيازاً في أعين الأسياد، ونجد في الرواية ما يؤكد تصالح فركة مع واقعها الجديد في عدة مواطن:
    "هدأت روح فركة بعد زمان، واستقر صمتها في مصالحة مؤقتة مع المكان الغريب ..."[الرواية: ص114]
    "استلقت فركة على الفراش وتكوّن حولها عالم من الصمت والانتظار والترقب، نامت، واسترخت عضلاتها ووجهها، فأشرقت الابتسامات القديمة بأنوار الرؤى ..."[الرواية: ص117]
    "وهنا في شندي، في بيت المك، بعد أن تدربت فركة على خدمة البيت، وبعد أن اتسعت ذخيرتها من مفردات كلام العرب، أصبحت تخرج مع ست فضيل والأخريات إلى السوق وأحياناً في رفقة زنوبة ونساء بيت المك في زياراتهن إلى بيوت شندي في الحيين، فريق (تحت) وفريق (فوق) جولاتها في السوق كانت محدودة (...) كانت تجد في السوق متعة في مراقبة السحنات لمختلفة لرواد السوق وذلك التنوع العريض في أزيائهم وملامحهم (...) وأصبح صبرها أقل عذاباً من ذي قبل"[الرواية: ص131-133]

    ورغم أننا نقرأ في مكان ما من الرواية: "ولفركة الآن في هذا المكان أكثر من خمسة أسابيع، وأعمال التزيين الإجبارية مازالت مستمرة"[الرواية: ص91] إلا أن هذا لا يعني رفض فركة لعمليات التجميل، فنحن لا نعلم على وجه الدقة على من كانت أعمال التزيين إجبارية؛ فهل كانت إجبارية على فركة نفسها، بحيث تم إجبارها على الخضوع لعمليات التجميل، وهو ما يجعلنا نقرر أنها كانت رافضة للأسر وغير مُتصالحة مع فكرته حتى عودتها إلى القرية، أم أن ست فضيل هي من كانت مُجبرة على تولي مهام تجميل فركة دوناً عن بقية الخادمات الأخريات، وهو ما يجعلنا نقرر أنها بطريقة أو بأخرى كانت قد اعتادت الأسر والرق، وتصالحت مع واقعه ولو بصورة جزئية.

    من الإرباكات المتعلقة بالحبكة ما نجده في بداية الرواية، فيما يتعلق باللحظة التي تم فيها الغدر بفركة وصديقاتها واصطيادهن، فهل كانت فركة ورفيقاتها ذاهباتٍ لشراء الأقمشة من الجلابة، أم كنّ يبحثن عن ثمار القرع البري والدليب؟ وفي هذا الشأن نقرأ في صفحة واحدة ما يلي: "كادوقاي أرسلت فركة ومعها عدد من البنات برفقة تيّة لجلب الأقمشة بعد أن وفر لها سلطان ود شريف ثمنها من الجلود والعاج"[الرواية: ص14] هذا المقطع يُعطينا إشارة إلى أن فركة كانت في طريقها لشراء الأقمشة من الجلابة (الزاكي وعوض الكريم) ولكن وفي نفس الصفحة وفي فقرة أخرى نقرأ شيئاً آخر: "كانت مع فركة سبعة من رفيقاتها، كن يبحثن في الخلاء عما يفيد من ثمار القرع البري والدليب الناضج، ويتوقفن لحصب أشجار الهجليج والتبلديات ..."[الرواية: ص14] الأمر الذي جعل لحظة صيد الفتيات لحظة هلامية وغير واضحة الملامح، لاسيما إذا وضعنا في اعتبارنا ما ذكره الراوي في صفحة سابقة عندما قال: "اتفقوا على خطة، ولكن الحظ وفر لهم الجهد ومنحهم فرصة نادرة، لم يحلموا بها"[الرواية: ص13] فإذا اعتبارنا أن عنصر الحظ تدخل في تلك اللحظة، فإننا –بالتأكيد- سوف نميل إلى تصديق أن فركة ورفيقاتها كُن يبحثن –بالصدفة في تلك الأثناء بالتحديد- في الخلاء عن ثمار القرع البري والدليب ويحطبن أشجار الهجليج، فهذا مما يُدعم عنصر الصدفة المقترن بالحظ كما جاء على لسان الراوي في [ص13] ولكننا في مكان آخر نقرأ: "بجلستهم في السوق أدرك النهاضة ألا سبيل لخرت الرقيق بالقوة، وعلموا ألا سبيل إلى القنص إلا بالخداع؛ لأن فتيان القبيلة كُثر، ومنهم من يتجوّل مُسلحاً"[الرواية: ص11] وفي هذه الحالة فإن اتخاذ بيع الأقمشة والبهارات كغطاء مُخادع يجعل من فرص الصدفة أمراً مُستحيلاً، بل يجعل الأمر يبدو مُدبراً ومخططاً له، وهو ما يتنافى مع نظرية الصدفة التي تحدثت عنها الراوية في مكان آخر، فتُصبح أمامنا رؤيتان للحظة القبض على فركة ورفيقاتها، ولا نعلم جزماً أيّ من هاتين الرؤيتين هي الصحيحة، إلا أن تكون فركة ورفيقاتها قد ذهبن للخلاء بحثاً عن ثمار القرع البري بعد أن فرغن من شراء الأقمشة، وهذا ما لم يذكره الراوي صراحة.

    ثم إننا نلاحظ أن الكاتب تعامل مع الجسد ومفهوم العري بخلفية عروبية، لا يُمكن أن تنطبق على الثقافة التي خرجت منها فركة على الإطلاق، وكذلك الحال في التعبير عن مقاييس الجمال الأنثوي حتى عندما يتكلّم بلسان حال البطلة نفسها، متناسياً الخلفية الثقافية التي جاءت منها فركة والتي –بالتأكيد- تختلف عن ثقافة العربي ومعاييره الخاصة بالجمال والجنس والجسد والعذرية ومفهوم العري، وما يصح منه وما لا يصح. وقد نجد هذا الجنوح الثقافي في وصفه لفركة في قوله: "فركة ناهد وفرعاء، وفي وجهها خفر، وفي طرفها نعاس يوحي بالدلال، جسمها ذو سمت معدول وبناء قوي، عجيزتها تدفع بردائها القصير إلى الأعلى فيبدو أقصر من الخلف، صدرها عارٍ وأثداؤها منتصبة ونافرة ترتعش مع خطوها الرقيق، شفاهها مكتنزة وممتلئة بابتسامات وادعة، وأسنانها في بياض وانتظام مبدع، يحزز عقد الخرز المخاوي الفخم؛ بلونيه الأزرق والأسود، عنقها الجميل، لون بشرتها أبنوسي لامع، مع نعومة رائقة تراها الأعين قبل أن تتحسسها الأكف، شعرها بني بلون الكاكاو، ممشط في حوالي خمسة عشرة ضفيرة غليظة (مكوفت) في نهاية كل ضفيرة خرزة بنية اللون يقسمها خط أبيض مغوبش بصفرة ناعسة، يقسمها إلى نصفين. الخرزة أسطوانية الشكل رقيقة التصميم ومناسبة الحجم، تحزز الخرزة نهاية الضفيرة، فيبدو الشعر أسفلها بسبايب منفوشة بجمال فاتر. بريق شعرها مع لمعان الخرز ينشر ألواناً في النهار، تصيب الشمس بابتسامات مفاجئة، مع كل التفاتة وخطوة، وحتى مع اهتزاز لرأسها أثناء الكلام، تتراقص ضفائرها باهتزازات تسمع موسيقاها نسائم الضحى الهادئة، فتتشبع بعبير الزهور الجبلية"[الرواية: ص12]

    إن هذه الوصوف الحسية لمحاسن فركة، لهي وصوف نابعة من أخيلة عربية وهي قريبة مما نجده في شعر الحقيبة، وحدّ علمي فإن منظر الأثداء العارية لا يُغري الزنوج، ولا يُثير فيهم أيّ شيء، بل إن مفهومهم للعري وثقافة الجسد يختلفان عن مفهوم الأعراب، والمتأثرين بهم ثقافياً بحكم التماس الجغرافي أو الاختلاط المباشر، كما أن اللون الأبنوسي هو لون قد يُثير سكان الوسط، ولكن هل يُثير الزنوج هذا اللون أم أن ما يثيرهم هو السواد الداكن؟ ومما يُلاحظ في الرواية أن فركة نفسها تنسجم نفسياً مع هذا المفهوم الثقافي فتسارع إلى تغطية جسدها حتى لا يراها الأغيار وكأنها على علم مُسبق بما يُثيرهم وما لا يُثيرهم منها، كما أن اتساقها مع كماليات نساء الأعراب في الرواية (زيوت – دهون – عطور - دلكة) هو –أيضاً- مما يثير الدهشة والاستغراب.

    ومن الإرباك الذي تحدثه الرواية كذلك، التناقض حول معرفة سلطان ود شريف باللغة العربية من عدمها؛ إذ نقرأ في إحدى المواطن: "سلطان ود شريف ود رحال له علم بالقرآن ويعرف كلام العرب"[الرواية: ص9] وكذلك قوله على لسان كادولاي: "إن اللعنة التي نزلت بكادوقاي سببها انشغال سلطان ود شريف ود رحال سنيناً بتعليم بنته فركة كلام العرب"[الرواية: ص22] فهو على ذلك عارف باللعربية ومُلم بها لدرجة تعليمها لابنته، ولكن ورغم ذلك نجده يحتاج إلى ترجمان بينه وبين النهاضة القادمين لبيع الأقمشة والتوابل، فنقرأ: "سلّم الزاكي (أحد الجلابة) بلسان المترجم على سلطان ود شريف ..."[الرواية: ص10] وكذلك قوله: "المترجم تكلم مع سلطان ود شريف وابن أخيه، ثم قال للزاكي: (إنهم يطلبون منا الانتظار حتى يرجع الناس من مزارعهم)"[الرواية: ص11] وهو مما يُثير الدهشة، فسلطان ود شريف لم يكن بحاجة إلى ترجمان بينه وبين الجلابة العرب، من حيث هو عارف بالعربية ومتحدث بها، فلم كانت الحاجة للمترجم إذن؟


    اللغة:
    اللغة التي استخدمها الكاتب في روايته لغة عالية وسليمة، رغم عدم خلو الرواية من بعض الأخطاء الإملائية والنحوية والصياغية في مواطن قليلة جداً، تكاد تكون نادرة ومنعدمة، فعلى سبيل المثال نقرأ: "الزاكي أراد الفتيات أن يبدون بملامح جاذة للمشترين"[الرواية: ص48] والصحيح (أن يبدين)، وكذلك في قوله: "وصلت المركب إلى الشاطئ المعاكس"[الرواية: ص57] والصحيح (وصل المركب) أو (وصلت المراكب)، وكذلك قوله: "نزل الجلابة في مكان أخضر ..." والصحيح (في مكان مُخضر)، وكذلك قوله: "وعلى صدر وكتف أيّ منهم توب مخلوف"[الرواية: ص10] والصحيح (كُلٍ منهم)، وكذلك قوله على لسان الزاكي: "علينا إن نقطع البحر عند كبوشية فقط ..."[الرواية: ص19] وكذلك قوله: "نجحت ست فضيل بمساعدة بعض العبيد في الإمسام بها وإعادتها إلى غرفتها"[الرواية: ص87] رغم أن هذا الخطأ هو خطأ طباعي ولاشك، بدليل أن ذات الكلمة كُتبت صحيح في مكانٍ آخر من ذات الفقرة، ولكن لغة الكاتب –بصفة عامة- لغة سليمة، تتسم بالجنوح نحو التقطيع الموسيقي إلى جُمل قصيرة، ومتداعية، ما يُعطي الإحساس بالتكامل والتدفق السلس، مع ملاحظة أنه –غالباً- ما يبدأ جمله السردية الفعلية بتقديم الاسم (الفاعل) على الفعل، وهي منتشرة وكثيرة في الرواية كما في قوله:
    "النهاضة يتراوحون حول جبل التروج"[الرواية: ص5]
    "النهاضة الآن متنكرون في زي جلابة"[الرواية: ص7]
    "سلطان ود شريف ود رحال له علم بالقرآن ويعرف كلام العرب"[الرواية: ص9]
    "سلطان ود شريف ود رحال، في واحدة من أصعب لحظات تيهه عندما نزلت عليه الأرواح، حاول عبور باجة أم لمّاع"[الرواية: ص9]
    "المتنكرون في هيئات الجلابة، الآن في طريقهم إلى كاسي."[الرواية: ص9]
    "الزاكي من مجلسه ذاك رأى فركة، أعجبته وأضمر لها شراً كثيراً"[الرواية: ص11]
    "كادوقاي أرسلت فركة ومعها عدد من البنات برفقة تيّة لجلب الأقمشة"[الرواية: ص14]
    "أولاد شريف ود رحال سلاحهم ليس كثيراً"[الرواية: ص17]
    "كادوقاي لم تنجب غير فركة ..."[الرواية: ص21]
    "كادوقاي فكّت عصابة الدمّور عن يدها"[الرواية: ص25]
    "فركة ورثت جمالها عن كادوقاي"[الرواية: ص26]
    "فركة سمعت الكثير من كلام العرب في هذا السفر المهلك"[الرواية: ص30]
    "فركة تعذبت وكال الغبار رأسها"[الرواية: ص31]
    "فركة بدورها آوت إلى الظل"[الرواية: ص53]
    "فركة كانت هناك مع مستورة"[الرواية: ص71]

    ورغم ذلك فإننا نقف على بعض الحالات التي لم يلتزم فيها الكاتب بهذا المنحى على الدوام فنجده يُقدم الفعل على الاسم كما في:
    "غادرت النساء، أختاه وزوجاته، المكان، وأخرجن كل ممتلكات ومتعلقات سلطان من بيوتهن"[الرواية:ص25]
    "تحاور الأبناء واتفقوا على البقاء أمام الكهفإلى أن يخرج إليهم"[الرواية: ص24]
    "غادرت القافلة لتترك تيّة هكذا في العراء"[الرواية: ص28]
    "أحست فركة بالأمر، وطافت بعيونها المتعبة من على ظهر البيعر، بحثت عن سبب الجلبة والصياح"[الرواية: ص28]
    "يمتلك الزاكي وعوض الكريم زرايب في كل من شندي والمخيرف"[الرواية: ص29]
    "لم تعجب موسى ود رحال حالة كادوقاي"[الرواية: ص97]

    كما أننا نلحظ اهتمام الكاتب بالتشكيل على نحوٍ يُقلل من فرص الخطأ في نطق بعض الكلمات التي ربما يُشكل علينا قراءتها دون تشكيل؛ لاسيما تلك التي تحمل دلالات ثقافية مُحددة، وهذا حرص يُشكر عليه الكاتب، ويندر إيجاده في كثير من الروائيين الشباب (أعني اهتمامهم بالتشكيل)، كما تتميّز لغة الرواية بأنها لغة وصفية (كما تقدم) زاخرة بالنفس الشعري والموسيقى الداخلية المتناغمة في أحيانٍ كثيرة مع الحالة الشعورية للشخصيات الرواية أو الأحداث. ومن إحدى أهم الملاحظات التي خرجت بها من قراءتي لرواية "فركة" هي: خلوها من الحوار إلا في مواطن قليلة، مع توافر الجمل الحوارية مثل:
    "إن ما أرجع سلطان ود شريف هو ثعبان كبير، أب دفان في حجم أصلة، زجره عن محاولة عبور صحراء باجة أم لمّاع القاتلة" [الرواية: ص9]
    "جئنا بالملح والقرنقل والخرز والدمور وأقمشة هندية"[الرواية: ص11]
    "إنهم يطلبون منا الانتظار حتى يرجع الناس من مزارعهم"[الرواية: ص11]
    "أمانة ما فرخة سمحة!"[الرواية: ص13]
    "عليكم بسقي جمالكم وحميركم من الحفير أسفل الجبل عند الصباح"[الرواية: ص14]
    "أنا ما مارق من هنا إلا يوم التلاتا"[الرواية: ص70]

    وحين أقول "ملاحظة" فإنني أرجو ألا يتم تصنيف ذلك ضمن قائمة الأخطاء، ففكرتي عن الحوار داخل النص الروائي ليست توفيقية إلى ذلك الحد الذي يجعلني أشعر بالاستياء أو الاستغراب المتشائم عندما لا أجد جمل حوارية في نص روائي. والحقيقة أنني أؤمن أن الراوية لا يجب أن تهتم بالحوار بذلك القدر الذي يوليه كثير من النقاد، فالحوار –رغم محاسنه الكثيرة والمعلومة- إلا أنه يأخذ كثيراً –حسب رأيي الشخصي- من جماليات السرد، كما يُقلل من قدرة الكاتب على إيصال الأفكار الخاصة بالشخصيات الروائية عبر السرد، وهو ما يُميز الرواية عن أي فن سردي آخر في رأيي. الرواية محاولة لتتبع الأحداث ومآلات هذه الأحداث بصرف النظر عن الشخصيات وعن مقولات هذه الشخصيات، فما يهمني كقارئ للرواية هو الموقف الأخلاقي للشخصيات الروائية من الأحداث والأفكار المبثوثة في الرواية، وهذه بالإمكان التعبير عنها بطرائق أخرى خلاف الحوار؛ فالحوار عنصر أساسي في فنون أخرى كالمسرح مثلاً، ولكن تتضائل الحاجة للحوار عندما يكون سلطان السرد قادراً على الإيفاء بمتطلبات القراءة الإبداعية السردية، وإلا فإنني أرى أن الحوار في الرواية (الاعتماد الدائم عليه) دليل على ضعف قدرات الكاتب السردية بطريقة أو بأخرى، وقد أكون مخطئاً في ذلك.

    ومن الملاحظ كذلك أن أجزاء من الحوار تكون باللغة العربية الفصحى، بينما تكون الأجزاء الأخرى من ذات الجملة الحوارية باللهجة المحلية، وهو ما يزيد من الإرباك، وكان يجدر بالكاتب الالتزام بنسق لغوي واحد في متن الجمل الحوارية نفسها، بحيث لا تكون أجزاء منها بالفصحى، والأجزاء المتبقية بالدارجية كما في الأمثلة التالية: "قالت لهن: "اسمي مستورة" وسألت:"إنتن من وين؟" ردت فركة قائلة:"نحن من كاسي" عقبت المرأة:"أنا كاسي ما بعرفها" ثم أومأت إلى الفتيات وهي تسأل فركة:"هل يعرفن كلام العرب؟" ردّت فركة:"لا" قالت مستورة: "وإنت كلام عرب عرفتيه من وين؟" قالت فركة: "من أبوي""[الرواية: ص61] وقوله: "قالت مستورة بهدوه كامل: "ده رحط وعليكن أن تلبسنه""[الرواية: ص62] وكذلك قوله على لسان "فاطمة" صغرى زوجات المك: "أنا بكلم سيدي المك بأني أريدكِ أن تكوني يا فركة مرافقة لي وخادمة في بيتي"[الرواية: ص91] وقوله على لسان موسى ود شريف ود رحّال: "الولد بيتعوّض، أما الأخ فلا، وأقزل لك يا أختي كادوقاي: فركة سترجع إذا ثبت أنها حيّة"[الرواية: ص93] نماذج أخرى كثيرة، لا مجال لحصرها في هذا المقام.

    لم تخل لغة الرواية من النفس الشعري والخيال المُصاحب والمتوافق تماماً مع الأجواء العامة لفضاء الرواية المكاني، وأوضح لنا الكاتب قدراً كبيراً من المقدرة على مجاراة هذه الأجواء السحرية بنسق خيالي مُوحٍ ومثير، وهو ما أعطى الرواية بُعداً إضافياً لا يُمكن تجاهله. فنقرأ على سبيل المثال: "لم يسمعهن غير الخلاء، وجسد الجبل الأخرس، الذي ردّ عليهن أصواتهن راجعة، بقهقهة الصدى المجنونة"[الرواية: ص15] فصوّر لنا صوت الصدى الذي يُعيده الجبل لأصوات الفتيات بصوت قهقهة شامتة ومجنونة، وكأنه يُريد أن يقول إن الجبل كان نوعاً ما، متواطئاً مع الجلابة، أو ضد الفتيات. وهكذا يبدو كل شيء عندما تحل الكوارث والمصائب على المرء فيرى أن العالم كله متواطئ ومتورط في كربه. وكذلك نقرأ: "بعد قليل من عودتهم تناسل في فضاء القرية العويل والبكاء المُر"[الرواية: ص18] في هذه الجُملة يصف لنا الراوي ما حلّ بالقرية بعد يأسهم من العثور على فركة ورفيقاتها وتيّة الذي كان بصحبتهن، فيصوّر لنا البكاء والعويل ككائنات مجهرية تتناسل بطريقة عشوائية في فضاء القرية، إذ يبدأ بكاءٌ ما في مكانٍ ما من القرية، ثم بعد حين يخرج بكاء آخر من مكان آخر غير بعيد، وهكذا حتى ليبدو الأمر كأنه تناسل لاجنسي للبكاء والعويل، وهو تصوير بليغ ومُؤثر للغاية، وكذلك نقرأ: "دخلوا عليه جميعاً، نظر إليهن بعيون منهكة ونظرات فارغة كنظرات الميّت"[الرواية: ص18] في هذه الجملة يتكلم الراوي عن كادوقاي وبرقي وكادولاي اللآئي بحثن عن سلطان ود شريف في كل مكان ووجدنه أخيراً في بيت زوجته كمكامة. كان ذلك بعد غياب فركة عن القبيلة، وفشل شباب القرية ورجالها في العثور عليها وعلى رفيقاتها، وكذلك ما جاء في الرواية على لسان موسى ود شريف ود رحال موجهاً كلامه لكادوقاي: "فركة ستعود، ولكن عليكِ بالاهتمام بنفسك، وعليك بانتظارها وانتظار سعادة قدومها، عودتها ستفرحنا جميعاً، لكن يجب ألا ننسى أن السعادة لا يتم انتظارها؛ لأن السعادة ليس مصيراً أو مكاناً في المستقبل، السعادة هي الطريق نفسه،"[الرواية: ص97] وهي واحدة من تجليات الكاتب الفلسفية والتي حاول ألا يُكثر منها، ولا أدري إن كان ذلك بقصد أو دون قصدٍ منه، وهو مفهوم متقدّم للسعادة، وهو يُشبه إلى حد بعيد الفلسفة البوذية ورؤيته الفلسفة عن الأخلاق والجمال.

    نجحت الرواية في عرض بروتايب لشريحتين عرقيتين وثقافيتين بكل مكوناتهما الحسّية وغير الحسّية، وكان من المفيد توفير قدر أكبر من المقاربة بين هاتين الشريحتين، ما كان ليعطي للرواية ثراءً وحيوية؛ إلا أن الكاتب استعجل كثيراً في ختم الرواية بتلك الطريقة السحرية المفاجئة؛ إذ كان بالإمكان استغلال وجود فركة في شندي وفي بيت المك لخلق مفارقات مدهشة وخلاقة، يلفت بها الكاتب أنظارنا إلى نقاط اختلاف والتقاء بين هاتين الشريحتين، ومكامن قوة أو ضعف كلٍ من هاتين الثقافتين. لقد كانت فرصة جيّدة ومواتية له للاستفادة من المنحى السحري المتوفرة في الرواية لخلق أجواء أكثر إثارة فقط لو أنه أطال أمد الرواية ولم يتسرّع في ختمها بتلك الطريقة الصادمة. فمن المفارقات الغريبة والمُثيرة للتساؤل أن ست الفضيل (كبرى وصيفات "ستنا" زوجة المك الأولى) قضت أعواماً في تجهيز فركة للمك، وهو ما لا يُمكن اعتباره أمراً منطقياً ثم إن المك ظل طوال هذه السنوات مالكاً لإربه منها رغم إعجابه بها منذ أن رآها في سوق العبيد حتى |أنه دفع قيمتها ألف دولار إسباني مُزايداً بذلك على السعر الذي اقترحه ود الشايقي، كما جاء على لسان الراوي: "قال المك: "السداسية م رحط، تلك الطويلة، كم سعرها؟" وكان يقصد فركة. رد الزاكي: "بكم تريدها؟" قال المك: "بمائتين" هنا قال ود الشايقي: "أنا سآخذها بخمس مئات" المك لم يُرد أن يُطيل في مماحكة غير منتجة مع ود الشايقي، فقال: "أنا بدفع فيها عشر مئات" سأل الزاكي بين مصدق ومكذب قائلاً: "ألف يا سيدي؟" ردّ المك بإيجاز: "بألف" ناول أحد عبيد المك أكياس الدولار الإسباني أبو عمود إلى الزاكي"[الرواية: ص74]

    وإذا عرفنا مكانة المك في شندي ومقدار ما دفعه ثمناً لفركة والاستمتاع بها، نجد أن ما فعله معها بعد سنوات من التجهيز والإعداد لم يكن متوافقاً مع هذه المعطيات، وهو ما يجعلنا نتساءل عن سر إقحام شخصية المك في هذه القصة إذا لم يكن سوف يُغيّر من مجريات الأحداث، أو يُحدث انقلاباً في مسار السرد والحكي، إذ نجده يتصرّف بنبل غير متوقع من أمثاله تجاه رفض فركة لمعاشرته، فنجد الراوي يقول: "هنا أدركت فركة أن المك يُريدها كما أرادها أولئك الأرذال. كان جالساً قبالتها، في ملامحه حزم مترقق تحفه الرغبات من كل جانب. هذا الإدراك دفع فركة إلى ضم فخذيها وحزم عجيزتها واستقرارها في الجلوس. قال المك: "تعالي يا البنية!" علمت فركة أن تحركها عن مكانها سيحل رباط عزم عجيزتها، وأدركت أن خطواتها تجاه المك ستحرك فخذيها، فتتبدى عبر سيور الرحط الذي بالكاد يستر عريّها، فأحجمت عن التحرك واستقرت في جلوسها منتظرة ما سيتم. أحس المك برفض فركة للتحرك، خاف عليها من غضبه. انصرف المك إلى نفح هواء من المنخارين والفم، انداحت معه رائحة المريسة والعسلية وأريج الشواء، تاهت حول المك دوائر من الشك، وانعقدت بالقرب من رأسه عمامة ريبة، وكساه شال التردد. شرع يحدث نفسه ويُمنيها ويزجرها؛ الفتاة جميلة، وجسدها ساحر وأنيق، وتفوح من جنبات جسدها عطور وعطور من اختلاط روائح الدخان وطبقات الدلكة المكشوطة بقشة النال الناعمة التي غيّرت ليونة الدهن لونها، تذكر المك فتيات كثيرات مررن بفراشه، وجمّلن مساءاته الراغبة، وتذكر زوجاته وكل النساء اللائي أعجبنه واشتهاهن سراً أو في العلن ، لم يجد بينهن من تشبه فركة أو تقارب بأفراح جمالها غضب نظرات فركة الرافضة الآن للمجيء للجلوس بجواره. مقام المك لا يسمح له بتكرار الطلب فأحجم!"[الرواية: ص147-148]

    وإن نحن أخذنا إدراك فركة برغبة المك فيها بعين الاعتبار، وكذلك مشاعر المك التي عبّر عنها الراوي بقوله: "خاف عليها من غضبه" وما يُمكن استخلاصه من قصة ست فضيل التي تم اغتصابها قبل بلوغها وإرغامها على شرب المريسة لتحمّل آلام المُعاشرة في مثل تلك السن؛ فإننا سوف نجد إحجامه عنها غير مبرراً على الإطلاق، بل إننا سوف نزداد دهشة إذا عرفنا أن فركة أمضت سنوات طويلة في بيت المك فقط من أجل هذه اللحظة التي انتهت بنبل غير متوقع، وغير منطقي. لتجعلنا نتساءل عن مُراد الكاتب من الإشارة إلى نبل المك، وكذلك نبل ستنا (زوجته الأولى) والتي تعاملت مع فركة منذ اللحظات الأولى بأمومية واضحة لا تشوبها شائبة الرق والعبودية، وموقفها النبيل من قصة تعرّض فركة للتحرّش الجسدي من قبل ولدها (حسّان)، وعلى أية حال فإن "فركة" تظل رواية مُدهشة الأجواء والتفاصيل، وتستحق القراءة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-30-2013, 10:27 PM

طه جعفر
<aطه جعفر
تاريخ التسجيل: 09-14-2009
مجموع المشاركات: 7139

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: هشام آدم)

    و لا تنسي يا هشام آدم أنكم قدمت مساهمة ايضا في امسية القراءة التي نظمها مركز عبد الكريم ميرغني
    و كان بالمنصة معك الدكتور احمد الصادق
    كان الحضور بهيا نوره اخوتنا محمد عبد الخالق
    و الدكتور محمد عبد القادر هلال
    منار الحلو
    و سليمان ابراهيم
    و لفيف من المثقفين
    و المهتمين و الصحفيين و كان بينهم ايضا عضو المنبر اخونا حاتم الياس الذي كتب بدوره قراءة لرواية فركة أعتز بها برغم اختلافي الشديد معها
    فارجو منه شاكرا أن ينور البوست بتلك الإضاءة فالرواية التي

    لم الشكر
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2013, 00:20 AM

طه جعفر
<aطه جعفر
تاريخ التسجيل: 09-14-2009
مجموع المشاركات: 7139

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: طه جعفر)

    مقارنة سودانية ـ أميركية في التطهّر من الاستعباد
    تحولات الرق وسردياته
    الاتحاد الإماراتية: الخميس 28 يوليو 2011
    محمد عبد الخالق بكري

    أفرجت سلطات الرقابة على المطبوعات والمصنفات السودانية في مايو الماضي عن رواية “فركة” للروائي طه جعفر، الصادرة عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بعد حجر حجبها عن جمهور القراء عدة أشهر. وكانت الرواية قد فازت مناصفة مع رواية هشام آدم “قنقليز” بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، دورة 2010، التى ينظمها سنوياً المركز نفسه.
    يرى العديد من المراقبين أن السبب الرئيسي في حجب الرواية يكمن في أن ثيمتها المركزية تتناول موضوعة تكاد تقع في دائرة المحظور والمسكوت عنه في الثقافة والتراث السودانيين، ألا وهي موضوعة الرق والعبودية في تاريخ المجتمع السوداني.
    موضوع الرق موضوع تحيطه حساسية عالية لما يحمل من جراح حية، فمع انحسار مؤسسة الرق وموتها التدريجي إبان الحكم الاستعماري، إلا أن المنشورات الإدارية والقضائية حولها ظلت تصدر حتى النصف الثانى من ثلاثينيات القرن الماضي.

    تتناول الرواية قصة فتاة من جبال النوبة، على وجه التحديد جبل التروج، قرية كاسي، تنتمى لبيت زعامة، تم اقتناصها في حملة لجلب الرقيق. تتابع الرواية بتفاصيل دقيقة رحلتها من الجبال إلى مدينة شندي في الشمال، حاضرة قبيلة الجعليين، أشهر القبائل العربية في السودان. ويقدم السرد تفاصيل مبهرة عن السودان في أواخر القرن الثامن عشر ومطالع القرن التاسع عشر: مناخه وجغرافيته الطبيعية والسياسية، ومواقع البشر وحركتهم، وحدود نفوذ ممالكه وسطوة قبائله وتأثيرها على حركة التجارة بصفة عامة وتأثيرها على تجارة الرق بصفة خاصة. ويركز طه جعفر من خلال سرده، شخوصه، ومنلوجاتها على ثراء ثقافة نوبة جبل التروج المنفتحة على روحانيات مختلفة، من بينها ولكن ليس حصراً التصوف الإسلامي في طبعته السودانية منذ القرن السابع عشر وما يليه.
    يمكن القول وبكل اطمئنان إن الرواية قدمت سردية الرقيق، مشاعرهم وعزتهم المستلبة، حنينهم وضيمهم، وأهم من ذلك التصاقهم بثقافتهم وشعورهم الراسخ بانتمائهم لجذور لايقطعها قيد الأسر. وعلى الرغم من تركز السرد على ثقافة نوبة جبل التروج إلا أن القارئ يلحظ افتناناً لا يخفى في السرد بشكل عام بالثقافة العربية في سودان القرون الوسطى: فنونها وآدابها بل وضروب التدين الإسلامي في بلد لا تزال فيه الثقافة العربية آنذاك تتلمس الطريق إلى أفئدة الناس. يتجلى ذلك في تفرقة فركة الحاسمة بين لغة النخاسين العربية التي تسمعها لأول مرة في الساعات الأولى لأسرها، ولغة القرآن كما سمعتها وهي طفلة من تلاوة والدها. فقد كان والدها، زعيم القبيلة الديني والزمني، في بحثه عن الخلاص لا يتورع عن مصاحبة المتصوفة السائحين في سودان ذاك الزمان والتعلم منهم. ويتجلى ذلك أيضاً في ملاحظتها رخامة وعمق صوت أحد خاطفيها عندما انطلق صوته بالحداء. وأخيراً يظهر ذلك في إيراد السرد لمقاطع عديدة من الأشعار بعربية السودان، بعضها خلدها الدهر وربما يعود أصله لقرون عدة في طبقات الثقافة العربية في السودان. وكأن بذاك الاحتفاء الموازي بالثقافة العربية تقول سردية (فركة) إن إرث الرق لا تجدي معه إدانة ثقافة بأكملها ومحو منجزاتها الإنسانية، وإن الثقافة العربية شأنها شأن الثقافات الأخرى التي شهدت مؤسسة الرق لا يمكن الحكم عليها بالفساد ومعاداة الإنسان جملة وتفصيلاً. ومع هذا صب طه جعفر غضباً أيديولوجياً لا يخفى في وصفه لمعظم الشخصيات المضادة للبطلة، مما أفسد رسمه لشخوصه في بعض الأحيان وانتصبت في أحيان أخرى أحكامه في وجه القارئ، إلا أن ما يهمنا في هذا المقال هو الإطار التأريخي للعمل، أكثر من جماليته، وموقعه على خلفية الثقافات السودانية وما تمور به من تناقضات.
    يبقى سؤال بالغ الحيوية هو: لماذا ظهر عمل كهذا مكرساً كلياً لثيمة الرق بمحاذيرها في أوساط المجتمع السوداني في هذا الوقت على وجه الخصوص؟ لماذا تأخر تكريس ثيمة الرق كثيمة مستقلة في آداب السودانيين طوال العقود الماضية مع كمونه في تلافيف نسيج العلاقات الاجتماعية؟ الإجابة تقتضي الرجوع والمقارنة بمجتمع شهد إلغاء مؤسسة الرق وما أنتجه من كتابة إبداعية وغيرها. الولايات المتحدة الأميركية تقدم نموذجاً في غاية الثراء لغرض هذه المقارنة.
    قبل صدور التعديل الثالث عشر للدستور الأميركي والذي ألغي بموجبه نظام الرق عام 1865، قبل ذلك بنحو عقد ونصف العقد ظهر في سوق الكتاب الأميركي وبصورة كثيفة ما عرف بسرديات العبيد السابقين. ولعل أشهر هذه الكتب كتاب “سرد حياة فريدريك دوغلاس: عبد أميركي” الصادر عام 1845.
    ومن الأمثلة أيضاً “وقائع في حياة بنت مسترقة” لكاتبته هاريت جاكوبس الصادر عام 1861، و”سردية ويليمز براون: عبد آبق) الصادرة 1847. وظهر العشرات مثل هذه الأعمال وكانت مربحة مالياً لحد ظهور أدعياء من المؤلفين البيض الذين لم يتوانوا في انتحال صفة العبيد السابقين من أجل الكسب المادي أو متعة الخلق الأدبي. وبالحق تمتعت بعض هذه الكتابات بدرجة عالية من الجمال والحرفية وعلى وجه الخصوص سردية فردريك دوغلاس. ويلاحظ أن سردية فردريك دوغلاس وويليمز براون قد سبقت رواية “كوخ العم توم” الشهيرة لمؤلفتها هاريت بيتشر ستو الصادرة عام 1852. إذن كان هنالك صوت للرقيق السابقين استبق ظهور الرواية المعبرة عن خبرتهم.
    أما في السودان وبالرغم من أن أبناء الرقيق السابقين كانوا من أوائل المتعلمين السودانيين ومن أوائل ضباط قوة دفاع السودان وغيرها من تخصصات المهنيين من مهندسين وأطباء، إلا أنه لم يبرز صوت واحد يتحدث عن الرق ومؤسسته. ولعل ذلك يعود إلى أن إلغاء الرق في السودان لم يقتض مواجهة دموية أو حرباً أهلية مثلما حدث في أمريكا، ولعل ذلك يعود لانفتاح فرص العمل والتعليم لابناء الرقيق السابقين. وربما يعود أيضاً لعدم تمترس المجتمع السوداني الشمالي في هرم تراتبي تحرسه الأعراف والقوانين مثلما حدث في أمريكا وما ترتب على ذلك فيما بعد من ظهور قوانين جيم كرو التي كرست للفصل العنصري في أمريكا.
    فقد كانت الثكنة العسكرية في السودان لا تفرق بين أبناء العرب وأبناء الأرقاء السابقين وكذلك مؤسسات التعليم والخدمة المدنية وقس على ذلك: الأندية الاجتماعية، الجمعيات الأدبية والسياسية الخ.. لذا انخرطوا في صفوف الحركة الوطنية وقدموا للوطنية السودانية أول قادتها المدنيين والعسكريين. وعلى الرغم من أن قيادتهم شهدت مقاومة شرسة من بعض العناصر العربية إلا أنه في نهاية الأمر استقرت صورة علي عبد اللطيف، سليل أسرة اختبرت الاسترقاق، كرمز وأب للوطنية السودانية معترف به في الشمال والجنوب إلى يومنا هذا.
    ما حدث في السودان أن ميراث التفرقة والاسترقاق أحيلت حمولته الأخلاقية والسياسية إلى ما عرف بالمناطق المهمشة في السودان، تلك التي حرمت من فرص النمو والقسمة العادلة للسلطة والثروة في ظل الانظمة السياسية المتعاقبة. فقد شكلت تلك المناطق وعلى وجه أخص جنوب السودان وجبال النوبة المصدر التقليدي للرقيق تاريخياً فأضيفت المظالم الحديثة إلى ظلامات الماضي وتركته.
    لم تبرز كتابات مكرسة لمقاضاة العنصر العربي على ظلامات الرق، ولكن برز أدب سياسي حديث يطالب بشروط جديدة للمواطنة ويعبر عن هوية ثقافية تتمايز عن الثقافة العربية الإسلامية، وتطالب برد الاعتبار والاحترام لها في حيز التشريع وقضية الحكم واقتسام الموارد. وهذا يمثل المعادل الموضوعي لكتابات الأفارقة الأميركان والذين وإن شغلتهم قضية الحقوق المدنية والسياسية للفرد فإنه لم تشغلهم قضية قوميات مهمشة تسكن جغرافية محددة وتطالب بحقوق تتدرج من حق الحكم الذاتي والاعتبار الثقافي والسياسي إلى حق تقرير المصير. كثافة هذا الأدب السياسي وبروز حركاته ومطالبه منذ مطلع التسعينيات مهد الأرض لتناول ثيمة الرق كثيمة مركزية تنهض من ركام النسيان والتناسي.

    انتقل الى الاعلى



    ..................................
    ما بالاعلي كتبه محمد عبد الخالق


    طه جعفر
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2013, 00:25 AM

طه جعفر
<aطه جعفر
تاريخ التسجيل: 09-14-2009
مجموع المشاركات: 7139

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: طه جعفر)

    Quote: سعد البازعي

    انها خطوط العبودية والاسترقاق تشكل فصلاً طويلاً وكارثياً في تاريخ البشرية، ولا أظن أن ثقافة أو حضارة تستطيع الادعاء أن كتابها خلا من ذلك الفصل، أنها لم تكتبه بل إنها لم تره في فترة من تاريخها إلا عادياً وطبيعياً لا غضاضة فيه. ولكن لا بد من القول أيضاً إن الثقافات والحضارات تفاوتت في مدى تكريسها لذلك الفصل او الحد الذي بلغته في شرعنته واستغلاله والتمادي فيه.

    العبودية أو الرق مجموعة خطوط سوداء تحولت خطوطاً حمراء في تاريخ الإنسان، خطوطاً رسمها البشر بألوانهم المختلفة وليس باللون الأسود أو الأحمر فحسب، وإن كانت الخطوط تلتقي عند الدلالات المجازية للونين الأسود والأحمر، لون الاسترقاق ولون المنع والكبت. رسمت تلك الخطوط بمداد جاء بعضه من مناطق وأعراق مختلفة، وإن جاء مجمله من مكان واحد: إفريقيا. التاريخ العربي الإسلامي مملوء بتقاطعات تلك الخطوط واختراقاتها وظلالها وظلماتها، ومع ذلك يبدو ما قيل في العبودية والاستعباد في ذلك التاريخ ضئيلاً، فمن بحث في عناوين المكتبات العربية والغربية التي تضم كتباً عربية سيخرج بنتيجة مؤلمة حول ذلك الاهتمام. أما المقابل، أي الثقافات الغربية، التي لا يقل تاريخها اسوداداً واحمراراً واصفراراً وازرقاقاً بالعبودية والرق، فإن رفوف مكتباتها تمتلئ بدراسات وتوثيقات لذلك الفصل المخجل في التاريخ الإنساني. حين تبحث في رفوف الكتب العربية ستجد العبودية مرتبطة في المقام الأول بالمعنى الديني الإسلامي، أي العبودية لله، ستجد ذلك في مكتباتنا وفي مكتبات الغرب التي تحفل بالكتب العربية أيضاً، كما في مكتبة جامعة هارفارد التي تضم من الكتب العربية ما يفوق معظم مكتباتنا. وبذكر مكتبة هارفارد تشير قوائم تلك المكتبة إلى حوالى عشرين ألف عنوان حول العبودية بمعنى الرق. أما ضآلة العناوين العربية فلا أرى وراءها سوى عاملين: حال الثقافة العربية على مستوى البحث والتأليف، وهو حال متواضع قياساً لما هي عليه الحال في أوروبا وأميركا. والعامل الثاني هو حساسية الموضوع التي تجعله منطقة مثقلة بالمحاذير. بل إنه حتى الأعمال الإبداعية التي تتمتع بفسحة الخيال ومفارقة الواقع الفعلي هي في عداد النزر اليسير.

    كتاب فريد

    وطالما أنني ذكرت التاريخين، العربي الإسلامي والأوروبي، فلأشير إلى كتاب واحد وأنموذجي في تقديري يتناول الأمر من زاوية تجمع المسلمين إلى المسيحيين أو الشرق إلى الغرب. هو كتاب باللغة الإنكليزية أتيحت لي فرصة ترجمته، عنوانه «المسلمون في التاريخ الأميركي»، ومؤلفه هو الأميركي جيرالد ديركس الذي كان قساً ثم أسلم بينما هو في الحالين أستاذ جامعي. لقد تبين لديركس أن تاريخ المسلمين في أميركا هو في واقع الأمر تاريخ للاسترقاق بالدرجة الأولى، إذ إن معظم السود الأميركيين، إن لم يكن كلهم، جاؤوا أساساً من مناطق على الساحل الغربي لإفريقيا ينتشر فيها الإسلام. أولئك المسلمون السود الذين اختُطفوا أو سُرقوا على يد تجار الرقيق الأوروبيين والأميركيين حملوا معهم دينهم إلى الأرض الجديدة ليحتفظ بها الكثير منهم زمناً طويلاً وليفقدها الكثير أيضاً بعد زمن وإن بقيت منهم أعداد لا تزال على دينها الأصلي. وحين يفصل المؤلف في الدور الذي لعبه أولئك الرقيق في التاريخ الأميركي، يتبين لك أن الخط الأسود في ذلك التاريخ كان أسود بالمعنيين، الحرفي والمجازي، إفريقياً ومؤلماً في آن. فمشاهد المأساة التي يتابعها القارئ تستمر بلا رحمة لتلف معها ضحاياها في أحداث هي الغاية في القسوة التي يتحول فيها الإنسان إلى وحش كاسر يفصل الطفل عن أمه والشاب عن أهله والمجتمع عن أفراده ليحولهم من أناس ينتمون إلى أراض ومجتمعات وتآلفات إلى أرقاء يسومهم الظلم والاضطهاد والسخرة سوء العذاب. وتزداد المفارقة الكارثية حين يكتشف القارئ أن بعض أولئك كانوا سادة وأمراء وقادة مدنيين وعسكريين يلقي بهم الرق في الدرك الأسفل من الحياة بلا هوادة في مزارع ومعامل للبيض يهان فيها الرجال وتستباح النساء حتى أمام أزواجهن ويجبر الكثير على تغيير دينهم.

    موقع وسجل

    بيد أن المفارقة الساخرة والمؤلمة الأخرى تتمثل في أن أولئك الرقيق كانوا عاملاً ضخماً وأساسياً في النهوض بما عرف بالحضارة الأميركية، بنسيجها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري. لكن التاريخ الرئيس والسائد لا يولي ذلك الجهد كبير اهتمام. إننا بمعنى آخر نشاهد دوراً كبيراً لمسلمين استرقوا وفرض عليهم الاندماج في مجتمعات مغايرة مارسوا فيها دورهم البنّاء وإن مرغمين ليتحولوا مع الزمن إلى قادة ومواطنين كباراً من طراز مارتن لوثر كنغ ومالكوم إكس ومحمد علي كلاي. ذلك التاريخ أو ما يشبهه ويوازيه يمكن أن نشاهده في مناطق أخرى من العالم وأظن العالم العربي الإسلامي مؤهلاً لأن يحتل مرتبة عالية في ذلك السجل الذي حفل بالكثير من الاضطهاد والبناء في الوقت نفسه. التاريخ الاجتماعي والثقافي لمنطقتنا وللعالم العربي الإسلامي ككل مملوء بالعبودية بمعنى الاسترقاق، مملوء بجوانبها الكارثية مثلما هو مملوء بجوانبها المبدعة أيضاً، وما زلنا بانتظار دارسين يتوافرون على هذا الجانب فيغنونه بحثاً وتوثيقاً وتحليلاً. لكننا أيضاً ما زلنا بحاجة إلى مبدعين يتناولونه من زوايا رؤيوية وجمالية تستبطن دلالاته العميقة وتشابكاته المجتمعية وما يحفل به من ألوان الألم والتناقض والسخرية. فلست أظن أن المادة المتاحة لأولئك أقل مما أتيح ويتاح للكتاب الغربيين الذين ملأوا أرض الكتابة الإبداعية باللغات الأوروبية أعمالاً تؤصل لرؤى تستجلي جوانب ذلك التاريخ الضخم. صحيح أن من الكتاب العرب قديماً وحديثاً من وقف على تلك الأرض الكارثية وتركوا من جراء ذلك أعمالاً تستحق الوقوف عندها سواء أكانت نثرية أم منظومة، لكن الموضوع أكثر أهمية وثراء مما كتب حوله.

    من القليل الذي كتب على مستوى الوطن العربي رواية للسوداني طه جعفر بعنوان «فركة» قرأت عنها مصادفة في مقالة للناقد السوداني أيضاً محمد عبدالخالق بكري، وهي مقالة مهمة على قصرها، إذ إنه يقارن بين ما يحوط موضوع الرق في الأدب السوداني من حساسية وكتمان وما هو عليه الحال في الأدب الأميركي. ويشير بكري إلى رواية جعفر المشار إليها والتي فازت بجائزة الطيب صالح في السودان عام 2010 حيث منعت من التداول على رغم ذلك فترة من الوقت حتى أفرج عنها أخيراً على ما يقول بكري.

    في تلك الرواية تمر البطلة واسمها «فركة» بتجربة الرق فيتاح للكاتب تسليط الضوء على منطقة لا تزال معتمة وبالغة الحساسية في التاريخ السوداني. يقول بكري: «موضوع الرق موضوع تحيطه حساسية عالية لما يحمل من جراح حية، فمع انحسار مؤسسة الرق وموتها التدريجي إبان الحكم الاستعماري، إلا أن المنشورات الإدارية والقضائية حولها ظلت تصدر حتى النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي»، لكن الناقد يأخذ على الرواية سيطرة الأيديولوجيا على تناولها للموضوع، فكاتبها لا يرى، على ما يقول بكري، سوى عالمي الخير والشر: كل من هو مع البطلة خير وكل ما عدا ذلك من الشر (www.alflela.org.

    لا أدري عن الحال في دول عربية أخرى، لكنني لا أظنها أفضل بكثير. في المملكة ودول الخليج ظهرت أعمال قليلة جداً وإن كانت مهمة على الأقل من حيث هي تتماس مع هذا الجانب، ولعل من أشهرها ثلاث روايات ظهرت في السنوات العشر الماضية هي: «قلب من بنقلان» لسيف الإسلام بن سعود و «ميمونة» لمحمود تراوري وأخيراً «شارع العطايف» لعبدالله بخيت. وهذه أعمال تتفاوت في قيمتها الفنية وفي مدى أو نوع التلقي النقدي الذي وجدته وإن كنت لا أراها وجدت حتى الآن العناية النقدية المناسبة، لأسباب لا أشك في أن في طليعتها حساسية الموضوع لا سيما حين يلتقي البعدان الاجتماعي والسياسي.

    في الخليج استرعى انتباهي عنوان رواية أخرى جديرة بالاهتمام، رواية حملت عنواناً شديد التأثير وعلى نحو صادم. إنها رواية «لأني أسود» للكويتية سعداء الدعاس التي فازت بجائزة الدولة التشجيعية في الكويت لعام 2010. هذه الرواية أرجو أن أتوافر على قراءتها مع أعمال أخرى في مقالات مقبلة.

    دار الحياة



    كتب ما بالأعلي سعد البازعي
    طه جعفر
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2013, 00:39 AM

طه جعفر
<aطه جعفر
تاريخ التسجيل: 09-14-2009
مجموع المشاركات: 7139

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: طه جعفر)

    ثمة إحساس انتابني وأنا أتابع ندوة روايتي فركة وقونقليز الفائزتان بجائزة الطيب صالح للرواية، والتي يرعاها مركز عبد الكريم مرغني سنوياً ويفتح أبواب التنافس للمتبارين لها، وكانت هذا العام من نصيب الكاتبين طه جعفر وهشام أدم.

    رواية فركة التي منعتها السلطات وأفرجت عنها لاحقاً كانت هي محور الحدث الاحتفالي الذي أتخذ مظهر الندوة النقدية، ولم يكن في رأيي سوي مهرجان صغير عند منحني زائف من من مسارات الصراع السياسي المتنفس عنه ثقافياً. حين عدت (بفركة) للمنزل _(فركة)الرواية وليست فركة الأخري بطلة الرواية وصاحبة العنوان التي صممها الكاتب بموصفات لا تستدعي سوي الرغبات والشبق (للنهاضة) تجار الرقيق والجلابة الدائرة أمانيهم في فلك من الرغبات الجسدية كما تخبرنا الرواية_ بدأت بقراءتها من موقعي كقارئ فقط لا أكثر، ثم رغماً عني لم ينفتح حواري وسؤالي مع النص علي متنه السردي وتقنيات الحكي عند الراوي، والتي كانت وحسب وجهة نظري عادية جداً (ومدفوسة) بعجلة مسافر تهم راحلته بالانطلاق بين ظلال أخيلة السياسي الكثيفة؛ لا في ذلك البعد الجمالي المحض والمتعلق ببنية العمل السردية ولكن في الوصف العادي واليومي لتحديد مفاصل القول السياسي كخطاب ومفرده مغموسة في الأيدلوجيا والتناول المباشر أو إن شئت قل اللون السياسي كممارسة تنتظم في حوار اليومي كنشاط ممارسة وشعار منحازة لموقفها بنفس بساطة أسئلة التصنيف العادية للانحياز والانتماء ( اللون السياسي) .

    يمني العيد الناقدة اللبنانية الكبيرة كانت تقول في أحدي مقالاتها النقدية بمجلة الطريق الأدبية والتي حولتها لاحقاً لكتاب، أن الأدب وفي حقيقته هو إزاحة دلالية للغة من سياق القول العادي الي مستوي الجمالي تضمر فيه الأيدلوجيا إلى أقصى حد داخل سياقاته ولغته الشعرية المزاحة عن موضعها وهي العملية التي تقدمه كنص أو رواية أو قصيدة، محايد ومكتفي بصنعته الجمالية وحدها دون سواها، ولكنها في نفس الوقت تقول بأن فضاء النص هو فضاء العبارة وان فضاء العبارة يحوم في فضاء أيدلوجي لا ينفك من أسرها، حيث أن عملية صناعة الأدب نفسه تقوم علي إزاحة الأيدلوجيا عنه شكلياً لا موضوعياً، لذا بحثت عن موقع الراوي في الشكل وفي تجليات ذاته الكاتبة في النص المختفية خلف النصوص وهو تحديد لا يتم إلا بمنهج؛ باعتبار أن المنهج هو نسق الأدوات المفاهيمية المستثمرة لإنتاج المعرفة بالأدب، واٍن كان خطاب النقد نفسه لا يفلت ربق النوايا فهو دائماً مشروط بظروف الصراع المجتمعي وبإشكال وصور ممارسة هذا الصراع في الحقل الأيدلوجي، ولا يعني ذلك أن النقد يعكس أو يلخص لحظات التناقض والصراع السياسي ولكنه جزء منها فاعل فيها قائم ضمن علاقاتها، ويقرأ مادته من النصوص التي يشتغل عليها وفقاً لموقعه، ويمكن له في ذلك أن يشحذ منهجه بشكل يجنبه مخاطر هذه الانحياز، متى ما تسلح بالموضوعية المطلوبة التي تعطيه هويته المعرفية، المستندة علي حقائق المنهج لا غيرها.

    ومن هنا بدأت افهم معني هذه الاحتفالية العارمة وحماسة ذلك الناقد الفصيح الذي يحاول أن يخفي غبطته بهذا النص الذي صادف هواه وأشواقه، في تراكيب الخطاب السياسي والفكري الجديد الذي أفرزته الأزمة التاريخية في السودان وأسئلتها في السياسة والسلطة والثروة والبعد العرقي لتركيبة النخب الحاكمة وعلاقة ذلك بسيادة وهيمنة الثقافة العربية الإسلامية، وما يدور حول ذلك من جدال، فبدأ الأخ الناقد مثل طالب في ركن نقاش جامعي، يعيد تكرار كلامه حول البنية المهيمنة ومرارة الرق الذي حاولت الرواية أن تعالجه ادبياً، وبين لحظة وأخري يستدرك في غمرة استعراضه (الأنسكلوبيدي) للمراجع والمؤلفين أن يحدثنا عن المفهوم (الأبستيمي) لقوله، والذي يعني به السلطة كموضوع معرفة لا مجال متعين، وتُهنا معه في تلك الفوضى المنهجية خصوصاً وأن الورقة نفسها لم يقم مركز عبد الكريم يمرغني بطباعتها وتوزيعها علي الحضور حتى نعرف مقصده، والناقد الذي كان يتحدث من ورقة أمامه، ولم يكن في كلامه يختلف كثيراً عن نبرات الخطاب السياسي، ألفناه في تعابير القراءات الثقافوية المحتدة والجامحة في التفسير، بفعل الشطط التاريخي السياسي والاجتماعي القائم في مفاصل السلطة، والذي لم يفسح مجالاً للتعدد الثقافي والعدالة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية أن يعبر عن نفسه؛ بفعل سياق اجتماعي تاريخي صاحب تكون الدولة السودانية وطبيعة القوي الاجتماعية التي أدارت شؤونها، فشحذ هذا التيار الثقافوي سهامه باتجاه خاطئ للمكون الثقافي العربي في السودان، في تنميط سطحي وساذج دون أن ينتبه الي المواقع المختلفة للأفكار والتيارات في البنية السياسية والاجتماعية ومواقفها (إزاء) ذلك يتاجر بالعرقي والثقافي ، ونسي صاحبنا وهو يتحدث عن البني المهيمنة بماركسية (مشي حالك) تلك أن يُلزم منهجيا وموضعياً المصطلح المفهومي لفكرة البني المهيمنة إطارها المنهجي الضروري لفهمها وهو السياق التاريخي الذي يحمل أللأطر القيمية والأيدلوجية للرق كعلاقة اقتصادية في أسسها المادية، ومستوي آخر أيدلوجي يحمل سمة الزمان التاريخي للحالة في شكلها الاجتماعي. بمعني ان السيد الزبير باشا لم يكن مقدراً له في ذلك الوقت ان يعمل بتجارة (الشنطة) بين دمشق والخرطوم!! أو يفتح مكتباً للعقارات مثلاً بشارع الستين؛ ولكن ماذا نفعل مع الغرض حين يختلط بالمنهج في ضعفه ويصير مرضاً يُسقم حقل إبداعي مهم نراهن أن يضعنا في أفق جمالي وأنساني يجعلنا أكثر ثقة بالقادم ونبحث له عن عافية القراءة.

    أما عن رواية فركة نفسها المحتفي بها أيدلوجيا لا جمالياً للكاتب (طه جعفر) فهي رواية متوسطة الأداء بغض النظر عن موضوعها الذي يحاول أن يسلك مسلكاً أدبياً فكم أضحكني حقاً في فصلها الأول أن تعود بطلة الرواية بعد وقت قليل من اختطاف النهَّاضة لها (تجار الرقيق) بالذاكرة والحنين إلي قريتها والي طفولتها هناك وتسترجع ذكرياتها الحبيبة بين الأهل والأمهات وأترابها؛ مدهش جداً، في خضم هذه الحالة النفسية من الهلع والخوف وأسي الأسر والمصير المجهول وهذه الورطة الحقيقة سيكون كل تفكير الإنسان منصب علي مخرج له،أو معطلاً بالكامل بفعل الفزع من هذه الورطة التي ألمت به ، بينما هذا الحنين إلي الطفولة والأتراب لا يحدث غالباً علي المستوي النفسي إلا إذا استقرت في غربة بعيدة وانفصلت في المسافة والمكان لزمن طويل؛ ثم ينشط حنينها الاسترجاعي للطفولة والذكريات.

    ولكن كاتب الرواية يبدو أنه كان يركض ركضاً للوصول لشندي وملاقاة (مكَّها) وعينه علي أحداث المكان هناك. ثم نجد أنه وفي نفس الطريق تتعرض البطلة المسترقة لمحاولة اغتصاب من الحراس ليلاً؛ وهي وسط هذه المحنة النفسية القاسية كان عليها في خضم محاولة انتهاك جسدها أن تقارن وتفكر! يقول الكاتب علي لسان البطلة (فركة لم تكن تدرك ما يريد لم تعرف من قبل مثل هذه الأمور ثم ضمت فخذيها حينما أحست انه يستهدف عريها)!! وكاتبنا مره أخري يحاول أن يقيس بمقياس من اللامعقول والسذاجة المفرطة معاً في ضبط لحظة انفعالية حساسة في المشاعر الإنسانية تدرك بغريزة اللحظة والحال، فحين يهاجم رجلاً ما فتاة بقصد اغتصابها عنوة؛ في مثل هذا الوضع بالتأكيد لا يكون لهذه المرأة أو الفتاة تفسيراً آخر لهذا الهجوم سوي أنه يريد أن ينال جسدها، فلا يمكن أن يكون مثلاً قاصداً نشلها مبلغاً من المال. ولكن فركة التي لم تعرف هذه الأمور بحسب الراوي ولم تشهد مثلها في بيئتها البريئة والطاهرة، لم يكن أمام القارئ سوي الحل البسيط والسحري هو أن يدمغ هذا السلوك المشين للنهاضة تجار الرقيق، باعتباره سياق ثقافي موروث ومجلوب من قيمهم، بمعني أن الاغتصاب كفعل قبيح مجلوب أيضاً إلي وعيهم من المجال الثقافي والقيمي الذي جاؤوا منه (كجلابة) جبلوا علي الكبت الجنسي وطابوهات التحريم، والمقطع لا يخلو من ظلال سياسية وطرافة أيضا، ومن مراجع أفكار طًرحت من قبل ومازالت تنافح بخيالات أيدلوجية هاربة، قدمتها اتجاهات أدبية حديثة كمدرسة الغابة والصحراء، التي بحثت بشغف في شعريتها عن مكان متوهم في الجمالي لهويتنا الثقافية كانت فيه خلاصاتنا القديمة ترتع في براءة وطهر وتنسجم مع طبيعتها الإنسانية، وبأي حال لم تكن سوي تلفيق حضر بقيمته الأدبية المبدعة والعالية كخيال ونزوع بين نصوصه الشعرية ناضج في الجمالي وفقير الرؤى في حقائق الواقع السياسي.

    ثم في الطريق إلي شندي نرافق (فركة) وأترابها وخاطفيها وسرد الكاتب (البوليودي) حتى تظهر أمامنا أهرامات البجراوية ومره أخري لن يدهشنا إن البطلة المسترقة فركة ستدخل مع هذه الأحجار والمنقوشات المروية القديمة في حوار داخلي يريده الكاتب كي يؤكد من خلال تبني بسيط وغر لأطروحة الأصل والهوية أن يعيدها كمعضلة تاريخية وسياسية إلى جذرها الأفريقي السعيد، وفي هذا الأمر تحضرني بعض مقولات السياسي اليومي الطريفة التي حاولت في جزافيتها وترقيعها لخطاب الأصل العرقي أن تداهم دراسات التاريخ القديم وتسقط علي الماضي بعض أوهامها مثل الحديث عن ان بناة الأهرام كانوا سودانيين وان أنف أبو الهول تم أزالته لأنه كان أفطساً يشبه أنوف أهل الجنوب من السودان وتقاسيم وجوههم؛ وكأن في ذلك التاريخ الغابر عرفنا كسودانيين وعرف المصريين كمصريين بعواصم رسمية وعلم ونشيد وطني وحدود وعملة وفريق قومي!! ففي صفحة (51) تشاهد (فركة) أهرامات البجراوية وتحس أن شيئاً ما يربطها بهذه الأبنية وبدا الاقتراب من هذه البنية لفركة كأنه سفر في الروح سفراً من القلب إلي القلب، حتى أنها نسيت نفسها ونسيت تفاصيل العذاب المر الذي أذاها وألم بجسدها ومزق روحها، هذه الأهرامات الأثرية بصورها ونقوشها ستدخل مع فركة في حوار عجيب داخل صفحات الرواية وتتحدث معها كائناتها المرسومة من قرود وطيور؛ حتي أنها قالت أن صور الناس المنقوشة تشبه صور أهلها في تفاصيل أجسادهم وعضلاتهم المفتولة وراقصي (الكمبلا) تري ماذا لو كان تجار الرقيق من أهل مصر أو أن (فركة) المسترقة أرسلت لأسواق الفسطاط قطعاً ستري في أبو الهول جدها لأمها أو خالها القريب بحسب حيثيات كاتبنا الموغلة في بساطة الوصف وضعف الفكرة التي تشد حبال السياسي أكثر من نسجها علي منوال من الحكي والسرد.

    ثم نأتي (لحسان ود المك ) في شندي الذي يقول عنه الكاتب واصفاً شخصيته أن بها (سفالة الرغبات العارمة نشأ بليدا وكبر بجهله وغباوته يهتم بمظهره وفراشه وركوبته وطريدته من عواهر شندي الأرقاء يبذل المال علي ملذاته ويعتقد أن المال يشتري له كل شي حتى قلوب العذراى) حسان بن المك سيداهم فركة في فراشها (تمدد في الفراش متبذلاً عن ملابسه وعن شرفه الشخصي ومنحطاً كخراء حمار يدردقه ابو درداق في رمال ساقية ) ويبدو أن كاتبنا وهو يوسع حسان بن المك بهذه الشتائم لم يجد مجالاً في دروب التعبير الكثيرة غير هذا البعد وهو ينتحل في مقام الكتابة دور الراوي الذي يقف بين شخصياته مفصلاً لأدوارها في بنية العمل المحكي ، لم يجد سوي هذه الجمل المنتقاة من قاموس الشتائم، لا من تدابير الكتابة الروائية الناضجة والمستبصرة بأدواتها الإبداعية، والمعنية في عملها بتحقيق قيمة جمالية وإبداعية ومتعة يغنمها القارئ لما تقوم به، ويعكس نظرتها للوجود في هذا الحقل بأدواته وتقنياته فقط لا بالرغبة في تسجيل موقف مكشوف علي باحة السياسي الأيدلوجي. وفي هذا الأمر أي المبسوط للقارئ في العمل الفني الراوي القائم علي وصف الشخصيات. وفي البناء الحكائي الروائي لا يمكن أن يختزل في السرد بهذا التبسيط ولا يمكن أن تكون الشخصية في العمل أو في الحياة ملقاة علي بسيط في التوصيف يختزل حالتها الوجودية لهذا الحد . ولكن سعي الكاتب القائم علي الثنائية البسيطة بين الخير والشر، أو الجلابة والعرب، وهم بين محض الخير ومحض الشر ، ولهاثه لتسجيل موقف لنصرة فريق علي فريق ليس إلا!

    ثم أن رمال الساقية! هنا يبدو وصف عجيب ينقل الساقية من الضفة الطينية لصحراء تحوطها الرمال.كان من حظ كاتب هذا المقال أنه وفي طفولته الباكرة قد شاهد ساقية أو ساقيتين في قرية والدي (الجول) بجهة الباوقة ينجزان مهامها في العمل قبل الزوال وطغيان عصر(البوابير والطلمبات) ولم أشاهد أبو الدرداق قريبا من ضفة النهر ولم اسمع بذلك ولم أري رمال بالقرب من السواقي؛ ولكن لا حدود للوصف وصنعة الخيال في اختيارات الكاتب وشخصياً أجدها منسجمة مع الوصف بخراء حمارها الذي يدردقه أبو الدرداق وبالطبع لا نطالب الأدب بأن يمثل الواقع تمثيلاً يكون فيه بدقة كاميرا، ولكن الكتابة عن بيئة محدده يتطلب أن تملك معرفة معقولة علي الأقل بهذه البيئة تمكنك من تجويد صورتك.

    وهنا يحضرني مشهد آخر في رواية قونقليز لهشام أدم التي هي الآن بين يدي .. فحين يتحدث في صفحة (11) علي لسان البطل عن حادثة غرق قديمة شارك فيها في غسل الضحايا ولنا عودة لرواية هشام ادم ولكن لما كانت بيني وبين النهر علاقة قديمة ومسافة مرمي حجر من منازل عشيرتي ورأيتُ الجثث الطافية وهي تجر بكلابات المتطوعين من منتصف النهر الي الشاطئ وغصت مع آخرين لأعماق بعيده في ظلمة النهر مسلحين بالشناكل والهلب بحثاً عن غريق مازال سوائله متشبثة بالقاع ..سيعرف حتماً أن العرقى لا يتم غسلهم حسب ثقافة ساكني الأنهار ومعتقداتهم وسنعود لرواية قنقليز لهشام آدم إن مد الله في أعمارنا.

    ومع راوية فركة نتجول في خيال الراوي، يموت حسان ود المك ويكون موت هذه الشخصية السريع مفاجئاً لنا لكن الكاتب أراد أن يستفيد من هذا الغياب روائياً !! يبكين عليه النادبات من النساء المسترقات وينشدن له المراثي (ما هو الفافنوس ما هو الغليظ البوص) وغيرها مثل (يا هو الكريم أجواد ..ألخ)وهنا يتدخل صوت الراوي بوضوح نافياً عن حسان هذه الصفات التي لا يستحقها في المرثيات النادبة له والمسجلة لمآثره قائلاً أنه لا يستحق ذلك؛ وقصة ما هو الفافنوس ما هو الغليظ البوص كما حمل إلينا التراث الشفاهي قالوا أنها قيلت في عماره ود المك نم، وأن صاحبة القصيدة شقيقته بنت المك نمر، حينما مات بالجدري؛ وكثير من المرثيات نظمنها نساء مسترقات في أسيادهن. ويبدو أن الكاتب في وجه هذا التراث الشفاهي من المرثيات الجميلة دخل في حيرة، فكيف يخرج فضاء الرق القاتم هذه الصورة من الانتماء العاطفي الحميم بين المرأة المسترقة وسيدها، فلم يجد سوي تجريد حسان من من مآثره وجريان سؤاله علي لسان البطلة فركة المستغربة لعويل المسترقات علي حسان ودموعهن بأنها متناقضة مع وضعيتهن كمسترقات، وهذا السيد الذي أذل ظهورهن بالقهر وهو سؤال نشكر الكاتب عليه، لا علي تفسيره المتواضع، وهو ينفتح علي الفضاء التاريخي لعلاقة الرق في السودان والبحث العميق في مضامين تلك المرثيات التي نظمنها نساء كن في وضعية الاسترقاق، حول الوظيفة الاجتماعية والثقافية لهن كصوت دعائي تبجيلي معبر عن ملاكهن في الأفراح والأحزان، وبالتالي فأن هذه الوظيفة الاجتماعية، التي تحتاج فعلاً إلي بحث ومعمق، كان يتبعها بالضرورة موقع اجتماعي خطير موازي لها، يحوطه التبجيل والتقدير كصوت معبر ومنافح عن مسترقيها، وبالتالي تصبح مرجعاً في ضبط القيم التي يجب أن يتحلي بها الجميع، من كرم وشجاعة وبذل للمال، وبالتالي تكون جزءاً أصيلا في أنتاج هذه القيم وحارساً أميناً يخشي جانبه بامتلاكه لأدوات النظم والوصف في المدح والمراثي معاً.

    وفي وصف شندي نفسها مكان الحدث الروائي نجد نفسنا في ماخور كبير يعتمد علي تجارة الرقيق، وحتي أن المك كما يطلق عليه الكاتب، والأمر لا يحتاج لذكاء كبير حتى تعرف أنه المك نمر، كان يستخدم جواريه في تجارة الجسد ويرسل عبيده لمراقبتهن وتحصيل ريع أجسادهن، وهنا نذكر طيب الذكر المبدع والدكتور أبكر أدم إسماعيل في أحدي قصائده التي أثارت لغطاً شديداً في بداية التسعينات وسط فضاء سياسي كانت أطروحة الهامش والمركز وتمفصلات العرقي في الطبقي كما في أطروحة أبكر نفسها تعلن عن نفسها، وأبكر أدم إسماعيل روائي وشاعر مجيد وعظيم له روايات غنية قي عمقها ومفرداتها ومادة حكيها؛ ظهرت لأبكر في ذلك الوقت قصيدة تحاول أن تصادم الراسخ في الوعي التاريخي لصور إبطال وطنيين تمت رعاية صورهم بكثير من التبجيل والتعظيم، فكتب أبكر ليعيد صياغة تاريخهم بالصورة التي يراها هو شعرياً، فكتب أن مهيرة بائعة مريسة، والمهدي نخاس غيرها من الأوصاف التي أزعجت أولاد البحر حين نال علي غُرة من تاريخ رعوه بالأغنيات والمآثر. والقصيدة عن حق كانت قصيدة ركيكة ولا تتناسب مع تجربة أبكر الكبيرة وقصائده الأخرى التي لم تتوسل في نظمها رائحة أخري غير رائحة الكتابةِ الشيقة، ولكن يبدو أن قصيدة أبكر أوحت للراوي أن ينصب المك نمر مكاً و########اً في نفس الوقت، بإيحاء من قصيدة أبكر أدم إسماعيل، ولن نقول في تناص لأن التناص أجراء ذهني معقد يتم علي مستوي النصوص المقروءة ثم يعاد تقديمها ضمن أفق الرؤية الخاصة التي يتناولها الكاتب؛ ولو كان هنالك ثمة تناص بهذا المفهوم المعقد فسنجد الكثير من الذي يمكن أن يدلنا علي قراءات كثيفة وجادة ونوعية لكاتبنا؛ فقط إيحاءات قصيدة أبكر ادم إسماعيل وموضوعها الذي قامت عليه وما سبق أن اشرنا أليه من نذُر رشته علي الباحة الواقعة بين سؤال السياسي والأدبي الذي خلفه مسار مدرسة الغابة والصحراء، ثم تأتي مع الخاتمة العجيبة حين تعود البطلة المسترقة فركه لديارها عبر توظيف أسطورة (ابو لمبه) شيطان الصحاري الذي يقود المسافرين إلى التيه والهلاك والموت بتضليلهم بضوئه الذي يتبعونه في الفلوات وحرف مسارهم عن مضاربهم. ويبدو أن (ابولمبه) كان رحيماً بفركة حينما قادها عبر تضاريس ومسافات بعيدة لموطنها كان بوصلتها بدلاً من رحلتها للتيه في الصحاري وتري في مسافتها بين اليقظة والحلم والرؤيا كل طريق الآلام التي قطعته في أسرها تعود وتتزوج من ابن عمها (عجبنا) سيناريو خيالي للعودة يفوق احتمال أي قارئ صبور.

    إذاً؛ فازت الرواية بجائزة الطيب صالح، وكان تناولها لموضوع الرق هو مصدر احتفال لجنة مركز عبد الكريم ميرغني، دون المعاينة التقنية والفنية والحكائية للعمل موضوع التنافس، والتي هي في غاية الضعف، ولكن يبدو أن ثلة نقاد مركز عبد الكريم ميرغني، وسط حالة الشح وفقر المشهد الثقافي من نقاد جادين ومرتكزين علي قدرات معرفية نقدية محترفة، وفي ظل أجوا سياسية أفقرت الوسط الثقافي بعوامل الهجرة والرحيل، وتعليقه كنشاط هامشي في الحياة العامة، كماالنظر إليه بحذر وطغيان فكرة العلاقات العامة علي المجال الثقافي نفسه الذي يعتمد في تقييمه علي المعارف والصداقات بدلاَ من الإنتاجات الفكرية النقدية الجادة، والتي تكاد ان تخلو منها أرفف مكتبات الخرطوم، يجعل كل ذلك جائزة الطيب صالح تعيش أسوأ أوقاتها، وتنداح علي مناقشاتها سطحية كبري بدلا من النقاش العميق والتقييم الجاد للمكتوب، كما ترتبط بأهواء أيدلوجية علنية لا تفصل بين قراءة الأدب كأدب وسهولة السقوط في حبائل اليومي السياسي المرتبط بتحديد المواقف من قضايا فكرية وسياسية عامة كموضوع الهوية الثقافية.

    لن أقول أن الطيب صالح في قبره الآن سيكون حزيناً، لكنه قطعاً سيضحك بسخرية علي اسمه الذي يفصل الأن علي مقاس ضيق الفكرة خفيف القيمة في الكيف والكم والمعني، والطيب صالح وهو الروائي الكبير الذي أمتد بمتعته المحكية والمشهدية في كل أرجاء اللغات، مقدماً المناخ الإنساني لقرية صغيرة عند منحني النيل في السودان بكل حياتها وشخوصها العبقرية حية تسعي بين كل ركن في العالم ، بمتعتها المقروءة وفلسفتها التي تختزل الوجود في حوار أو وصف ينبض حياً بين الصفحات، لا يمكن أن تنتهي جائزته لهذه الصيغ الركيكة من التناول والاحتفاء. لذا وكما كتبت في العنوان اكرر مطلوب تأهيل نقاد سودانيين حتى ننقذ الرواية، وننقذ الطيب صالح نفسه، من شغيلة التدابير اليومية وتكنوقراط النقد. وهي رسالة صادقة أوجهها لنقادنا أن يجعلوا من المعرفة النقدية مسؤولية واهتمام وأن لايبددوها بوهم التواجد في الندرة فقطعاً هو تواجد خادع. بينما اقول عن صدق أن الرواية لا تخلو من إشراقات أدبية، وإن كانت قليلة ومهدره في سعار الكاتب ولهفته في إبراز التناقضات البسيطة بين خيرنا الإفريقي والزنجي العميم وشرورنا العربية المستطيرة المتمثلة في الجلابة. هذه الإشراقات ستفسح له المجال مستقبلاً كي يستوي عوده علي درب الرواية، ويحجز مقعده كراوي سوداني أصيل وخلاق في إبداعه، دون أن يجعله هذا الفوز الذي هو ثمرة أزمة حقيقية وضاربة في الحقل الثقافي بكل إضلاعه، أن يظن أن هذه هي الصورة المطلوبة والوضع الطبيعي لاكتشاف الموهوبين كي يكون الراوي راوياً. وله شكري الخاص علي إهداء كان قد سطّرَه لي في مقدمة روايته ممهوراً بتوقيعه الكريم..ولكن تهادوا تحابوا وأيضاً قيل...... (أكتبوا واختلفوا).
    ______
    [size=10]هوامش

    (1) يمنى العيد..(مقالات متفرقة بمجلة الطريق اللبنانية)
    (2) محمد الأزدى..مناهج النقد العربى الحديث
    .................................................
    ما بالاعلي كتبه الاستاذ حاتم الياس عضو المنبر

    بعد الإذن يا حاتم الحبيب فلقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ 2010 الي اليوم
    و مازال حرفك نديا و جدير بالقراءة
    فلكم الشكر


    طه جعفر
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2013, 01:08 AM

طه جعفر
<aطه جعفر
تاريخ التسجيل: 09-14-2009
مجموع المشاركات: 7139

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: طه جعفر)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2013, 01:15 PM

mustafa mudathir
<amustafa mudathir
تاريخ التسجيل: 10-11-2002
مجموع المشاركات: 3464

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: طه جعفر)


    سلام وتحية يا هشام وطه.
    أولاً أحييك يا هشام آدم على هذا الرقي والقبول والانتماء
    كونك تكتب عن رواية (فركة) لمنافسك في جائزة تتخذ وزنها
    في عالم الانجاز والنجاح. ولم أكن أعرف تفصيلة أنكما فزتما
    بها مناصفة!
    فهذه دون شك روح طيبة.
    وأرى مقالك نقدياً وشاملاً وغير مجامل وايجابي!
    فهذا جميل!
    وأنا ما كتبت إلاً إضاءة وان كان شابها بعض النقد!
    ولو توفرت لي (قنقليز) لقرأتها وكتبت عنها بكل سرور.
    أقول نقطيتين بدل الكلام الكبار عن الأدب
    1- الكتب التي تصدر لو لم تتوفر لها إضاءة فإن ما يحدث
    أن صناعة نشر الكتب نفسها ستزوي وتموت. صناعة الكتب
    عالم من الكسب للمؤلف، للنشر، للطابع، للناقد، للعاملين فيها.
    2- عدم اعتماد مركز لتقييم أعمال يقوم عليه ناس متخصصون
    وعدم احترامهم واحترام قراراتهم بعد ضمان ميكانيزمات
    ديمقراطية يعني فقدان المرجعية وزوال المطبوعة وانزواء
    الأدباء.
    واشكرك يا طه على الحضور.
    ولا تذهب بعيداً. ليس بعد.




                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2013, 01:18 AM

طه جعفر
<aطه جعفر
تاريخ التسجيل: 09-14-2009
مجموع المشاركات: 7139

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: mustafa mudathir)

    يا مصطفي
    في هذا الويكاند سيكون معك كتاب قونقليز
    لحبيبنا هشام

    طه جعفر
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-08-2013, 04:40 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 11-26-2002
مجموع المشاركات: 17898

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: في إضاءة (فِركة) أو نزع السُتُر (Re: طه جعفر)


    مصطفى..حبابك
    حاجتين..اقوم بتوضحيهما هنا ، و في هذا الخيط..
    الأولانية ..و هي الأهم.. اعتذر لك عن عبارة وردت في بوست اخونا طه جعفر ..و قولنا (كتاب زمن الغفلة)..و هذه العبارة لا تشملك..و انما قلناها من باب المشاغلة لأخونا الروائي الأستاذ حامد بدوي بشير.. لأننا بيننا مناكفات عديدة..و ما نريد توضيحه لك و لقراءك.. ان مصطفى مدثر ليس بكاتب زمن غلفة.. سواءا بالهظار أو بالجد...و نكرر الإعتذار فقط لظننا أنك قرأت العبارة و ظننت اننا نقصدك بها..ضمن من نقصد..

    التانية..لم تقهرنا الحروب يا صديقي..و لم تصيبنا الردة الفكرية حتى نتخندق في خندق القبيلة و الجهوية..و ان كنت لا زلت تتوسم فينا الخير و الصدق.. فانا يا مصطفى .. اقولها لك و افتخر.. تجاوزت وعي القبيلة..و حسمت سؤال الهوية في ذات في وقت مبكر للغاية...اما الوصفة فقد الصقها بنا البعض في هذا المنتدى..و ذلك لسبب بسيط و هو اننا دوما نتحدث عن منطقة بعينها..و حديثنا ليس حبا في المنطقة و اهلها..ولا سدانة للقبيلة والإثنية..و انما حتمته ضرورة محددة..و و هي غياب تلك المناطق عن الخطاب العام سواءا كان خطاب سياسي أو ثقافي أو فكري أو اعلامي اخباري..لذلك وجدنا انفسنا في حالة اضطرار نتحدث عنها..و لو كان السودان فعلا وطنا ديموقراطيا و تحترم فيه كرامة الإنسان و يجد التمثيل المناسب على كافة المستويات.. لما تحدثنا ووضعنا انفسنا في هذا الوضع..هل هذه جهوية..؟ هل هذا وعي قبيلة؟.. الحملة منظمة و قادها البعض الذي يتحدث بالمبادئ السامية مثل احترام حرية التعبير و الديموقراطية و مشروعية الإختلاف..و لكنهم يخوننها في اول منعطف و تظهر ديكتاتوريتهم البشعة اسقاط يمارس الإقصاء بكل معانيه.. فنحن يا صديقي لسنا وعي الردة..و انما الآخر حاول ان يفرض علينا الأمر..و اهو زي ما شايف الكترة بتغلب الشجاعة..و التنميط سار علينا.. ليه التوضيح ده؟.. لأنك كاتب نحترمه و نثق في كتابته كما نثق في الكثيرين و الكثيرات و نظن ان امرنا يهمه ..!!

    و دمت..
    كبر

    (عدل بواسطة Kabar on 06-08-2013, 04:54 AM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de