Post: #1
Title: أضواء على تساؤلات الدكتور سلمان بقلم عادل إسماعيل
Author: عادل إسماعيل
Date: 07-27-2019, 07:29 PM
08:29 PM July, 27 2019 سودانيز اون لاين عادل إسماعيل-السودان مكتبتى رابط مختصر
كتب الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان مقالا حمل عنوان ” تساؤلات حول اتفاق قوى إعلان الحرية والتغير والمجلس العسكري الانتقالي “ ، نشرته عدة مواقع صحفية ، تناول فيه بعض بنود الاتفاق المذكور . و الدكتور سلمان كاتب عالي المسئولية ، واضح العبارة دقيقها ، و سهل النهج صارمه ، رفد مكتبة التاريخ السياسي السوداني بالعديد من المساهمات بالغة الأهمية ، كالتطور السياسي الذي أفضى لانفصال جنوب السودان ، و كإلقاء الضوء على مبهمات اتفاقية تقسيم مياه النيل . انتخب الدكتور سلمان ، نقاطة التي علق عليها ، بدقة عرف بها . و حث المتفاوضين على وضعها بعين الاعتبار عند التفاوض القادم الذي يتعلق بالوثيقة الدستورية . و كلها نقاط قوية أحببتها له ، إلا أنني لم أرتح لانجرافه خلف الدعوة لمدنية الدولة بالشكل الذي تطرح به منذ انتصار الثورة في الحادي عشر من أبريل هذا العام . و الدولة المدنية ليست مجرد طلب نطلبه فيستجاب لنا . فالدولة المدنية ، إنما هي تجسيد لحالة رشد وطني ، تمر بها الدول في تطورها السياسي و الاجتماعي . و قبل أن تكون لنا دولة مدنية ، فلنصنع حالة دولة ابتداء . فنحن لم تقم لنا دولة منذ الاستقلال في منتصف القرن الماضي ، و كل ما تم بهذا الصدد ، إنما هو محاولات تتفاوت في فشلها ، إلى أن تجلى الفشل في عهد دولة الإسلاميين الإنقاذيين . و لتقوم الدولة حتى تتطور بالشكل الذي يطلق عليها مدنية ، يجب أن يكون لها جيش واحد و بندقية واحدة ، و رؤية واحدة تمثل صمغا يجمع و لا يفرق . إذن ، كما ترى ، لا معنى لإدراج مدنية الدولة في أي مفاوضات قادمة ، إنما هي أمر يأتي بالتدريج عند بلوغ التطور السياسي المسئول مبلغه ، و عند قيام مؤسسات المجتمع التي هي في حالة تفاعل مستمر . و في حقيقة الأمر ، نرى في الوقت الحالي ، صوابية الحضور العسكري في العديد من مؤسسات الدولة ، حتى تتولد الثقة شيئا فشيئا مع شركائهم في التغيير ، و حتى لا تنتابهم ظنون التهميش و الاستصغار ، فيقطعون طريق التطور السياسي مجددا . علاوة على أن إبعادهم من المشهد السياسي ربما يدفعهم لإنشاء تحالفات ضارة بوحدتهم و بالتالي ضارة بالاستقرار و انتقال السلطة ، و حينها لا فرصة لقيام دولة مدنية أو غير مدنية ، و من ثم تتبدد فرصة أخرى في قيام دولة في أرضنا ( راجع مقالنا الماضي الذي حمل عنوان "إقبلوا بالاتفاق كما هو و أقبلوا على إقامة الدولة السودانية" . بددت قوى "الحرية و التغيير" زمنا ثمينا في ملاحاة رمزية الدولة المدنية ، و وجد "المجلس العسكري" نفسه مضطرا للبحث عن حلفاء من ما هو متوفر في الساحة السياسة ، و بدأ يتحدث عن عدم الاقصاء للآخرين ، و ظني أن "المجلس العسكري" لا يقصد بالآخرين سوى نفسه هو و ليس بقية التنظيمات السياسية ، لأنه يعلم أن صناع الثورة ولدوا من خارج رحم هذه التنظيمات . ها قد تبدد وقت ثمين ، و ضاعت أرواح كان أجدر بها المساهمة في بناء الدولة السودانية لما لها من مواهب و إبداع ، و قبلت قوى "الحرية و التغيير" باتفاق أقل من الذي رفضته ، و كان "المجلس العسكري" في الاتفاق الأول مهيئا لتمرير كل شئ بشأن تشكيل المجلس التنفيذي و المجلس التشريعي ( سأل أحد الصحفيين ، الجنرال البرهان عن ما هي القوانين المقيدة للحريات التي وافقوا على إزالتها بطلب من قوى "الحرية و التغيير" ؟ فأجاب البرهان إنهم لا يعرفون عنها شيئا ، و أن كل مافي الأمر إن قوى "الحرية و التغيير" طلبوا منهم ذلك و هم وافقوا بدورهم !! ) . هذه كانت درجة الاستعداد لتمرير التشريعات التي تصب في اتجاه قضايا التغيير . و لكن يبدو لي أن قوى "الحرية و التغيير" تملك عقلا معارضا و ليس حاكما ! و هذان ، يا ابن ودي ، عقلان مختلفان و فنان مختلفان ، لكل منهما حوبته في مكانه . و عدم التفريق بينهما تصحبه عواقب وخيمة ، و لا غرابة في ذلك . فعلى سبيل المثال ، قاد معمر القذافي و روبرت موقابي معارضة السلطة القائمة في بلديهما و نجحا في تغيير ذلك الواقع الحاط من قدر شعوبهما ، و لكنها فشلا بتلك العقلية في إقامة دولة يتساوى فيها أبناؤها و لا يتفاضلون إلا بمواهبهم و إبداعاتهم . بينما نجد أن جورج واشنطون و نيلسون مانديلا ، نجحا فيما فشل فيه الأولان و ذلك لأنهما أقبلا على تفكير يناسب المرحلة . ذلك هو النضوج الوطني . إذن ، على القوى التي تصدت لقيادة التغيير التخلي عن هذه الصبيانية و أن تدرك أن مسئوليتها ليست هي تقديم الطلبات لقادة "المجلس العسكري" بما فيها إقامة مدنية الدولة ، بل عليها أن تقبل بمسئولية على بناء مؤسسات الدولة شيئا فشيئا بالوجود العسكري الضروري في هذه الرحلة . ثم أليس من العبث الاشتراط الفوري لمدنية دولة بها أربعة أو خمسة جيوش ؟؟ ثم أليس من السذاجة أن يطلب من "المجلس العسكري" أن يفعل و يترك ؟؟ و في حقيقة الأمر ، إنه أمر يثير الاستياء أن تمنح قوى "الحرية و التغيير" السلطة التنفيذية للمجلس العسكري دون أن تشعر !! و بالرغم من ذلك ، يتلكأ "المجلس العسكري" في ممارسة تلك السلطة المهداة !! و بدلا من ذلك يحاول فتح الدروب و حشد الدعم داخليا و خارجيا بمعرفته !! و من ثم تحشد قوى "الحرية و التغيير" ما تيسر لها من مليونيات ، ثم جرحى و قتلى ، ثم آلام و دموع ، ثم مطالبة بلجنة تحقيق "ينفذها" المجلس العسكري مرة أخرى . كما إن على هذه القوى التي تصدت لقضايا التغيير ، أن تدرك أن تحقيق السلام لا يتطلب زمنا طويلا . إذ أن ما يليها في هذا الجانب ، أن تقوم بعمل تنوير للحركات المسلحة لما تنوي فعله و تسمع منهم حول ترتيبات مستحقات السلام . و في حقيقة الأمر ، إن جنوحها للتفاوض بالشكل الذي يجري الآن في أديس أبابا ، إنما هو مضيعة لوقت ثمين . فهذه الحركات المسلحة ، قضاياها هي نفس قضايا الشعب السواداني ، و قد أدرك الثوار هذا الأمر عندما هتفوا ذات مرة "كل البلد دارفور" . إذن المطلوب لإحلال السلام ليس هو إضافة أطراف (محاصصة ) ، إنما المطلوب هو إضافة قضايا ( شمول ) . كما عليها ، تكوين الحكومة عاجلا ، بما هو متاح لها ، فأمامها تحد كبير في إنشاء مؤسسات فاعلة و قابلة للتطوير لاستيعاب ما لا تدركه الآن . كما أن عليها أن تدرك أن الوطن ليس ماكينة نوقفها عن العمل لإصلاحها ، إنما هو شيئ متحرك على الدوام و يجب إصلاحه و تغيير بعض الأجزاء فيه و تبديلها و هو في مسيرته بدينامية تتناسب مع فوران القضايا في داخله . لعلني لا أمل من تكرار ، إن قضايا مدنية الدولة و التحول إلى الديمقراطية و دولة القانون ، ليست أشياء تطلب أو تشترى من البقالات ، إنما هي تمظهرات للنضج السياسي الذي تنخرط فيه و تشارك فيه منظومات سياسية أعادت النظر في شكلها و محتواها بحيث تستوعب طاقات لم تكن لها بها طاقة أو ماعون يعبر عنها . إذن ، فلنمض قدما و ليس هناك خوف من سرقة الثورة ، فقط مارسوا سلطة العقل الحاكم الذي يفعل و يتعلم من فعله ، و ليس سلطة العقل المعارض الذي يريد الآخرين أن يقوموا بواجبه الذي عليه القيام به .
|
|