Post: #1
Title: التطور الديني في السودان: المخيال الشعبي من 3500 ق.م الى اليوم أو من امون-رع الى الله🌹
Author: محمد جمال الدين
Date: 01-20-2026, 05:14 PM
التطور الديني في السودان: قراءة في المخيال الشعبي (3500 ق.م. الى تاريخ اليوم) أو من امون-رع الى الله!
مقدمة منهجية يهدف هذا العرض إلى تتبع التطور الديني في السودان القديم والوسيط والحديث من خلال مفهوم المخيال الشعبي، بوصفه بنية رمزية وثقافية تشكّل تمثلات المجتمع للإله والقداسة، ولا تقتصر على العقائد الرسمية أو النصوص اللاهوتية. وعليه، فإن مصطلحي "التفرد" و"الاندماج" المستخدمين هنا لا يعنيان الإلغاء التام أو القطيعة بل يشيران إلى الهيمنة الرمزية لإله أو تصور إلهي داخل سياق تاريخي محدد، مع استمرار أشكال التعدد والتعايش الديني.
1- رع وآمون وبدايات التشكّل الديني (نهاية الألف الرابع–1500 ق.م.)
تبلورت عبادة رع، الإله الشمسي الخالق، في فضاء وادي النيل خلال أواخر عصور ما قبل الأسرات وبدايات الدولة القديمة (نهاية الألف الرابع ق.م.). ويجدر التأكيد هنا أن وادي النيل، شماله وجنوبه، شكّل وحدة حضارية وثقافية متداخلة، تبادلت فيها المجتمعات التأثير الديني والرمزي بصورة مستمرة، دون أن يكون الجنوب مجرد متلقٍ أو تابع للشمال او العكس. ففي هذا السياق، تفاعلت تصورات رع مع تقاليد محلية راسخة في كوش، ولا سيما في حضارة كرمة (نحو 2500 ق.م.)، التي امتلكت نظامًا دينيًا مستقلًا وأسهم بدوره في تشكيل المخيال الديني النيلي المشترك.
ابتداءً من الدولة الوسطى ثم بصورة أوضح في الدولة الحديثة، شهدت مصر عملية اندماج لاهوتي بين رع وآمون، تمثلت في صيغة آمون-رع، حيث جمعت الشمس بوصفها مبدأً كونيًا مع آمون باعتباره إلهًا خفيًا ذا بعد كوني وسياسي. هذا الاندماج سرعان ما انتقل إلى كوش، وأسهم في ترسيخ مكانة آمون كإله مركزي مرتبط بالخصوبة والسلطة الملكية.
2- تفرد آمون في نبتة وكوش (1550-747 ق.م.)
في عصر الدولة الحديثة في القسم الشمالي من الحضارة (1550-1070 ق.م.) بلغ آمون-رع ذروة هيمنته بوصفه (ملك الآلهة). واستمر هذا التفرد الرمزي في كوش، خاصة في نبتة، حيث أعادت النخب الكوشية توظيف آمون بوصفه إلهًا وطنيًا وشرعيًا للسلطة. وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال الأسرة الخامسة والعشرين (نحو 747 ق.م.)، التي حكمت مصر نفسها من منطلق كوشي، مما عزز مركزية آمون في المخيال الديني والسياسي معًا.
3- الاندماج الكوشي المحلي: آمون وأبادماك (نحو 800–300 ق.م.)
مع تطور الهوية الدينية الكوشية، ظهر أبادماك، الإله المحلي المرتبط بالحرب والقوة، والمُمثَّل غالبًا بهيئة أسد. في نبتة ثم مروي، لم يُلغَ آمون، بل اندمج رمزيًا مع أبادماك في المخيال الشعبي، في صيغة تعكس الجمع بين الإرث الشمسي–الملكي (آمون) والبطولة العسكرية المحلية (أبادماك). ويعكس هذا الاندماج مرحلة انتقالية في تشكل دين كوشي أكثر استقلالًا عن المرجعية المصرية.
4- تفرد أبادماك في العصر المروي (300 ق.م.-350 م)
في العصر المروي، بلغ أبادماك ذروة حضوره بوصفه الإله الشعبي والحربي الأبرز، كما تشهد على ذلك معابد متعددة، أبرزها معبد الأسد (نحو 235 ق.م.). ويمثل تفرده الرمزي تعبيرًا عن استقلال ديني وثقافي واضح عن مصر اي القسط الشمالي من حضارة وادي النيل، حيث أصبح أبادماك رمزًا للقوة والسيادة المحلية حتى تلاشي مروي في القرن الرابع الميلادي.. حوالي 350م.
5- المسيحية النوبية وتفرد يسوع (القرن السادس-القرن الرابع عشر م حوالي 550-1500م)
دخلت المسيحية إلى النوبة في القرن السادس الميلادي (نوباتيا ثم المقرة وعلوة)، وشهدت المنطقة تحولًا تدريجيًا نحو تصور توحيدي يتمحور حول يسوع المسيح بوصفه الإله المخلّص. وقد تراجع حضور الآلهة المحلية القديمة، وإن ظلت بعض الرموز والتصورات الثقافية كامنة في الوعي الشعبي.
وفي هذا السياق، يمكن -من منظور تأويلي حديث- ملاحظة تشابه رمزي بين صورة أبادماك كمخلص حربي وصورة يسوع كمخلّص روحي، غير أن هذا التشابه يظل قراءة تحليلية معاصرة، لا دليل على وجود اندماج لاهوتي أو شعبي مباشر بينهما في المصادر التاريخية.
6- الإسلام وتكريس تفرد الله (من القرن السابع م-الحاضر)
تسرب الإسلام إلى السودان تدريجيًا منذ القرن السابع الميلادي عبر مسارات التفاعل التجاري والثقافي والهجرات، ثم أخذ يترسخ اجتماعيًا وسياسيًا في مراحل لاحقة، ولا سيما في ظل سلطنة الفونج 1503-1820م. ومع مرور الزمن، تشكل مخيال ديني إسلامي يتمحور حول تفرد الله بوصفه الإله الواحد المطلق، وهو تصور لم ينشأ بوصفه قطيعة مع المراحل السابقة بقدر ما ترسّخ عبر آليات محلية في الفهم والممارسة. وقد تعزز هذا المخيال لاحقًا من خلال الحركات الإحيائية والتعبيرات الصوفية، خاصة في القرون المتأخرة، حيث أُعيد تأكيد التوحيد ضمن سياقات اجتماعية وسياسية خاصة، دون أن تمثل هذه المراحل تأسيسًا جديدًا للعقيدة بقدر ما كانت إعادة صياغة لتمثلها الشعبي.
ورغم هيمنة المخيال الإسلامي اليوم، لا تزال بعض البنى الرمزية العميقة من الموروث الكوشي القديم حاضرة بشكل خافت في الثقافة الشعبية.
خلاصة:
يكشف هذا المسار التاريخي أن التطور الديني في السودان لم يكن سلسلة من القطيعات الحادة، بل عملية تراكمية معقدة، انتقلت فيها الهيمنة الرمزية بين آلهة وتصورات مختلفة، من التعدد إلى التوحيد، مع استمرار أثر المخيال الشعبي في إعادة تشكيل المقدس عبر العصور.
محمد جمال الدين حامد، مقتبس بتصرف من الفصل السابع من ورقة «دولة المواطنة vs دولة الهوية».
رابط المقالة من فيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1A4kFtjHa7/
ورقة دولة المواطنة vs دولة الهوية توجد هنال لمن شاء👇 ضمن سرد المشاريع الستة:
https://sudaneseonline.com/board/515/msg/1768707383.html
|
|