١٧ يناير ٢٠٢٦ الباشمهندس عمر يوسف الدقير Omer Eldigair قبل يومين، نشر السيد مني أركو مناوي مقالاً بعنوان "الهدنة الانفصالية: قراءة سياسية في مستقبل السودان"، تناول فيه الهدنة الإنسانية بوصفها مدخلاً مُحتمَلاً لتفكيك السودان. ويُعبِّر المقال عن مخاوف تتعلق بوحدة البلاد في زمن حرب وانتهاكات جسيمة، غير أنه ينطوي على جملة من الالتباسات السياسية والتاريخية التي تستوجب المراجعة والتوضيح: (١) يقتضي النقاش الجاد تصويب الوقائع قبل بناء المواقف عليها .. وفي هذا السياق، فإن القول بأن الهدنة الإنسانية طُرحِت بعد أحداث الفاشر، يجافي الحقيقة ويغالط التاريخ القريب. فالهدنة وردت بوضوح في بيان الرباعية في سبتمبر الماضي أي قبل تلك الأحداث بوقت معتبر .. ثم إن الهدنة المقترحة لا تَتعلَّق بالفاشر وحدها، وإنما لمعالجة كارثة إنسانية تعصف بالسودان كُلِّه، وهو ما يخرجها من منطق الاستجابة الموضعية إلى منطق الضرورة الإنسانية والوطنية العامة. وكما هو معلوم، قبلت قوات الدعم السريع بمقترح الهدنة الوارد في بيان الرباعية وأعلنت استعدادها الانخراط في التفاوض بشأنه، بينما رفضته القوات المسلحة والقوى المتحالفة معها، بما في ذلك القوات المشتركة التي يشرف عليها كاتب المقال نفسه. ومع الإدانة للانتهاكات التي صاحبت سيطرة الدعم السريع على الفاشر، يَصِحُّ القول إن الاستجابة المبكرة لمقترح الهدنة كان يمكن أن تُجنِّب وقوع الكارثة. وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن قوات الدعم السريع كانت قد رفضت، قبل ذلك، مقترح هدنة خاص بمدينة الفاشر تَقدَّم به الأمين العام للأمم المتحدة، بينما وافقت عليه القوات المسلحة .. هذا التَّقَلُّب في المواقف، تبعاً للوضع الميداني لا لاعتبارات حماية المدنيين، يكشف نمطاً تكتيكياً يخلو من البعد الإنساني، ولا يعبأ بدماء المدنيين المسفوحة ولا بمعاناتهم. (٢) الهدنة الإنسانية ليست بديلاً عن الحل الشامل، ولا تُؤسِّس بذاتها لشرعية. فهي إجراءٌ مُؤقَّت تفرضه الكارثة الإنسانية، يهدف إلى توفير الحد الأدنى من حماية المدنيين وتهيئة المناخ لمسارٍ سياسيٍّ سلميٍّ نحو الحل الشامل .. ومعلوم أن الدعوة إلى الهدنة الإنسانية صارت موقفاً ثابتاً في المبادرات المطروحة إقليمياً ودولياً. يستند مقال السيد مناوي إلى منطق الشك عبر استدعاء المثل القائل: "إذا رأيت فقيراً يأكل دجاجةً، فإما أن يكون الفقير مريضاً أو أن الدجاجة مريضة" .. وهذا المثل، وإن عَبَّر عن حِسِّ الحذر، لا يصلح إطاراً لتحليل واقع سياسي مُعقَّد. كما أن الربط التلقائي بين الهدن الإنسانية ومسارات التفكك والانفصال يخلط بين الأسباب والنتائج. ففي ليبيا والصومال واليمن، تمت الهدن في دول كانت قد شهدت بالفعل انهياراً مؤسسياً أو انقساماً سياسياً وعسكرياً حادَّاً ممتداً ولم تكن سبباً في نشوء تلك الأوضاع. وحتى المثال السوداني المتعلق بعملية “شريان الحياة” لا يثبت أن العمل الإنساني قاد إلى التقسيم بانفصال الجنوب الذي جاء تتويجاً لتراكم اختلالات بنيوية وعجزٍ وقصورٍ لا خلاف عليهما في مسيرة الحكم الوطني، خصوصاً خلال حقبة نظام حكم الحركة الإسلامية المرتبطة بحزب المؤتمر الوطني "نظام الإنقاذ". فقد أوغل ذلك النظام في بؤس السياسات وعَبَّأ لاستمرار الحرب في الجنوب بشعارات دينية، وعندما أعجزه حسمها عسكرياً نظر إلى الانفصال - بتقديرٍ ثبت خطلُه - كوسيلة لحسم جدل التَنوُّع وتكريس فضاءٍ خالصٍ لاستدامة سلطته وتقاطعت هذه النظرة القاصرة مع رغبات دولية دفعت في اتجاه التقسيم. (٣) من المعلوم أننا رفضنا تشكيل حكومة موازية، لأنها تُعمِّق تعقيد الأزمة وتزيد مخاطر التقسيم، ولأن شرعية الحكم تُكتَسب بالتفويض الانتخابي أو التوافق خلال الانتقال. وهنا يجدر التذكير بموقفنا المعلن منذ ما قبل اندلاع الحرب، ومفاده أن الشرعية انتهت بانقلاب ٢٥ أكتوبر، الذي أجهض المسار الانتقالي التوافقي. ولم يكن هذا الموقف معزولاً؛ إذ واجه الشعب السوداني الانقلاب برفض واسع، - قَدَّم خلاله مئات الشهداء والجرحى والمعتقلين - كما انعكس في تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي .. وأمام هذا الواقع، أقرَّت قيادة طرفي الانقلاب لاحقاً بانهيار الشرعية عبر توقيعهما على الاتفاق الإطاري الذي أكد على إنهاء الانقلاب واستعادة الشرعية الانتقالية عبر التوافق على سلطة مدنية كاملة تُمهِّد للشرعية الانتخابية. (٤) لا خلاف على أن المطالبة بالشفافية في المفاوضات، وبإشراك الشعب في معرفة ما يُدار باسمه، موقف صحيح نَتبنَّاهُ نحن أيضاً .. لكن اللافت أن السيد مناوي اكتفى بالتعبير عن "القلق" لغياب الشفافية، وذلك يثير سؤالاً لا يمكن تجاوزه إلى من تُوَجَّه دعوة التزام الشفافية؟ .. فإذا كان السيد مناوي - بحكم تموضعه ضمن البنية السياسية والعسكرية - يُفترَض أن يكون في دائرة اتخاذ القرار، فإن الإجابة على سؤال الشفافية تبدأ من داخل هذه الدائرة، لا من خلال مقال للرأي العام. (٥) مع تقديرنا وحاجتنا للدور الخارجي الإيجابي في تيسير جهود إنهاء الأزمة، فإن موقفنا يظل ثابتاً: الحل بيد السودانيين لا سواهم، ولا يمكن لأي مبادرة خارجية أن تكون بديلاً عن مسؤولية السودانيين في حل أزمتهم .. فالخارج نفسه فضاء متباين المصالح والرؤى، وهو ما يستدعي رؤية سودانية واضحة تُحسِن التعاطي مع هذا التباين، وتبني مصالح مشتركة مع مختلف أطرافه تأسيساً على المصلحة الوطنية، ولا ينبغي التعويل على دور الخارج إلا إذا انحصر في دعم مسار سوداني يتجه نحو توافق وطني لمعالجة جذور الأزمة وطي صفحة الحروب. (٦) في الختام؛ فإن الهدنة ليست بديلاً عن الحل الشامل، بل ضرورة إنسانية ووطنية لايقاف معاناة المدنيين ونافذة لابتدار مسار سياسي سلمي. وقد أثبت تاريخ الحروب في السودان أنها، مهما طال أمدها، تنتهي عند طاولة التفاوض. وكان السيد مناوي جزءاً من هذا التاريخ؛ إذ خاضت حركته صراعاً مسلحاً ضد نظام "الإنقاذ"، قبل أن تُوَقِّع معه اتفاق سلام أصبح بموجبه مساعداً لرئيس الجمهورية، ليعود مجدداً إلى مربع الحرب على خلفية خلافه مع النظام ثم أصبح طرفاً في اتفاق جوبا - بعد سقوط النظام - وتولى بموجبه منصب حاكم إقليم دارفور. أما تحذير السيد مناوي من أن التفكك “مرضٌ مُعْدٍ سيصيب كل من هو في الساحل والمصب والمنبع”، فهو يُخطئ الهدف إذا وُجِّه نحو الهدنة لا نحو العِلَّة الحقيقية، وهي استمرار الحرب .. فإسكاتُ البنادق بدافع الضرورة الإنسانية لا يهدد وحدة السودان، بل يهددها إغلاق أفق التوافق بالحوار لصالح منطق الغَلَبة بالسلاح...
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة